جامعةوهران 2 كليةالعلوماالجتماعية اطروحة فيالفلسفة
|
|
|
- Carsten Sindre Ellefsen
- 7 år siden
- Visninger:
Transkript
1 جامعةوهران 2 كليةالعلوماالجتماعية اطروحة لنيلشهادةالدكتوراه فيالفلسفة الوسيط العصر اسالم في السلطة و المعرفة السلطان الزامات و العالم التزامات بين الغزالي الطالب اعداد من بوحجرة سماحي. : تشكيلةلجنةالمناقشة االنتماء مؤسسة الصفة الرتبة االستاذ لقب و اسم جامعةوهران رئيسا أستاذتعليمعالي عبدالالويمحمد جامعةوهران مشرفاومقررا أستاذتعليمعالي عبدالقادربوعرفة جامعةوهران مناقشا أستاذمحاضرأ أنورحمادي جامعةمعسكر مناقشا أستاذمحاضرأ نابيبوعلي جامعةالشلف مناقشا أستاذمحاضرأ شارفيعبدالقادر جامعةتلمسان مناقشا أستاذمحاضرأ مونيسبخضرة الموسمالجامعي 2026/2022 أ
2 المقدمة: حيث ال مناص من ممارسة عملية االختزال واالنتقاء ونحن نواجه سؤال العالقة بين المعرفة والسلطة أن هذه اإلشكالية تكاد تغطي كامل تجربة اإلنسان التاريخية من حيث أن هذا اإلنسان حيوان سياسي وحيوان عاقل ينتج المؤسسات السياسية والقانونية يخضع لها ويخضع بها وينتج المعارف التي يستخدمها للسيطرة على الواقع وللسيطرة على ذاته من هنا كانت هذه االشكالية عديدة وحقول معرفية كثيرة ومتكاثرة إشكالية "أخطبوطية" تخترقها اهتمامات لها أذرع كثيرة تمتد في كل مكان وفي كل زمان فاالختزال هنا سيمارس على الطابع العام والنظري لهذه االشكالية إذ أنها ستحدد المعرفة العالمة أي تلك المعرفة المعبر عنها بواسطة خطابات خاصة الخطاب الديني والعلمي كما ستحدد تلك المعرفة في مجال زمكاني محدد فتعني أساسا توجد في / نماذج انتقاء أرض المطبخ كذلك" كما يقال خاصة عندما يتعلق األمر بالسلطة. التاريخ والعصر الذي يمثله الذي نعتبره نموذجا معبرا اإلسالم واإلمارات اإلسالمية في العصر الوسيط من المعارف واألسماء التي نعتقد أنها تعبر أن أي أما عملية عن اإلشكالية رغم االصطفاء ""أن اآللهة الحقيقة قد توجد في أماكن الظل وفي الهامش والمغمور ولكن هناك فرق بين أن وبين أن نبدأ من العصر إنها تقارب اإلشكالية نختار اسما كنموذج ونذهب بالتحليل إلى أو لنقل النظام المعرفي السوسيولوجية المعاصرة: كبنية إلى الفعل إلى البنية. سيتأجل الحسم في االختيار ومب رراته إلى مدخل النظري لهذه الدراسة. الفاعل أو االسم من البنية إلى الفعل أم من إذا كانت األسطر اآلنفة قد حددت معالم هذه الدراسة بصفة عامة ومجردة فإن علينا اآلن إبراز ما تنطوي عليه إشكالية هذه الدراسة من أسئلة أهداف ورهانات. سلطة ال شك وكما أسفلت أن موضوع هذه الدراسة الذي يتأسس انطالقا من عالقة بين حدين: معرفة ما انفك اهتماما يستقطب بات موضوع يتزايد ويتشعب إن على المستوى المعرفي وإن على مستوى الممارسة الواقعية مؤشرات ذلك عدد الدراسات واألبحاث التي تخصص لهذه اإلشكالية سواء بصفة مباشرة والتقديس منها - الحقيقة المعرفة والسلطة المعرفة - الديمقراطية غير أم بصيغة الهيمنة... مباشرة كالدراسات التي تتناول إشكاليات الدين ولعله من نافلة القول بأن هذا االهتمام النظري والمعرفي أتى استجابة لضغط الواقع الذي بات يتميز اآلن بالصراع بين القوى المشكلة للمجتمعات من أجل السيطرة على المعنى والواقع صحيح أن هناك صراع أزلي بين من يملكون السلطة وأولئك المحرمون أدى دائما إلى ظهور ترتيبات وحلول ذات طابع سياسي وقانوني في مختلف المجتمعات والصحيح كذلك وكأولوية في هذا البحث هو أن السلطة تنتج معارف وتؤدي إلى نشوء مقاومة لعل أحد أشكالها وأدواتها كذلك المعرفة " فال وجود لعالقة سلطة ال ترتبط بنشأة حقل معرفة وال وجود لمعرفة ال تفترض أ
3 عالقات سلطة وتنشئها في الوقت ذاته إذا اتخذنا هذه القضية مسلمة 1 ") 1( وإذن فتفكير السلطة يالزم تفكير المعرفة والعكس صحيح أو النقل مقدمة منطقية هذا الوضع عاما بمعنى ينطبق على أي مجتمع. فعلينا والحالة هذه معرفة ما إذا كان : أوال ثانيا: معرفة نوع المقاربات المنهجية واإليبستيمولوجية لتحليل هذين المفهومين وااللتزام بنتائج ذلك. فعن المهمة األولى بأن السلطة واحدة في الزمان السلطة واحدة في آخر وألسباب موضوعية سأعلن عنها الحقا في زمانها ومكانها متعددة في المكان الزمان متعددة في المكان فإن -مقارنة تزامنية- فعلها كاستراتيجية وعليه فإن العالقة بينها وبين المعرفة ونتائج ذلك تتعدد كذلك الذي يتجه اليه هذه الدراسة هو الفضاء الذي يتحدد أو اإلمارات اإلسالمية في ظل الحضارة العربية اإلسالمية في العصر فإنه يمكن القول مما يترتب عنه القول بأنه إذا كانت المكان في والمكان أو الفضاء يختلف من مكان إلى السوسيوثقافي جغرافيا وتاريخيا بما يسمى تجاوزا الدولة اإلسالمية الوسيط والمجال الذي يستقطبنا هو تاريخ العلوم الذي ظل كما يؤكد "محمد أركون" المجال األقل اكتشافا ودراسة في كل جوانب التراث حتى يومنا هذا بين القضايا الحساسة حيث على مستوى مجال إنتاج المعرفة قضية ترتيب العالقة بين ما ينتمي تتكشف أكثر فأكثر عالقتها للممارسة بين و المعرفية ولعل من بالسلطة ما ينتمي للسلطة وذلك بالكشف عن طبيعة تلك العالقة وفعلها في توجيه مسار تاريخ العلم في الحضارة العربية اإلسالمية اإلطار في هذا ومن أجل موضوعة هذه اإلشكالية في سياقها التاريخي العام فإنه يمكن مالحظة بالنسبة لإلسالم حدث انتقال من السيادة العليا تحوالت سيوسيولوجية وإي سب )1 ) باعتبارها ذروة التشريع إلى السلطة أنه صاحب ذلك تيمولوجية عميقة فعلى الصعيد السيوسيولوجي نسجل القضايا التالية : االنتقال من مجتمع بدون دولة أو لنقل مضاد للدولة إلى مجتمع دولة. نشوء تراتب اجتماعي أثنى وسياسي. تعمق وترسخ الصراع األيديولوجي بين مختلف القوى المشكلة للمجتمع وموازاة مع ذلك وبما أنه ال يمكن فصل تاريخ األفكار عن التاريخ االجتماعي فقد حدثت تحوالت على الصعيد اإليبستيمولوجي تمثلت في: ظهور ما يسمى كل ما يسمى "بالعلوم الدخيلة". علوم عربية إسالمية كممارسة خطابية مستقلة مرتبطة بالنص الديني ومتميزة عن ظهور المعارف وتصنيفها خاصة العلمية منها وفق سلم قيم مرتبط بحاجة السلطة والمجتمع - فوكو ميشال الحراسة و العقاب باريس غاليمار 1791 ص 23 نقال عن جيل دلوز المعرفة و السلطة مدخل لقراءة فوكو ت سالم يفوت الدار البيضاء /بيروت المركز الثقافي العربي 1799 ص 51 ب
4 )3 تحديد نمط العالقة بين أنواع المعارف وتوجيهها ومن ضمن تلك العالقات الدينية العلوم عالقة بماكان يسمىكمصطلح ذو داللة "العلوم الدخيلة" وكذا تحديد عالقة الواقعي التجريبي بالفلسفة وأخيرا عالقة العلم باأليديولوجيا. ومن خالل هذا تشكيل هذه النتائج وفي االنتقال وما ترتب عنه من آثار سنالحظ مختلف نشأة الممارسات الخطابية بشكل عابر وجود أثر للسلطة في وفي المقابل ونظرا الستغالل السلطة واحتكارها للسيادة العليا ونظرا ألن هذه األخيرة ظلت مستمرة من خالل علوم معنية ومن خالل القيمين فإن العلوم. على هذه منحدرة من عالقاتها العالقة مستمرة حتى وأسماء واجتهادات معينة الدين والسياسة... إلخ هذه العلوم بالسيادة العليا اآلن من لتظهر كانت تستقطب السلطة وعليه فهي تغذي إنتاجا باستمرار نشرا ومراقبة شرعية سلطة قائمة خالل محاولة السيطرة على مؤسسات انتاج هذه العلوم هذه العالقة تحت مسميات مختلفة فمن الناحية البنيوية نستطيع القول بأن السلطة وعملها الدولة في المجتمع ألن لهذه العلوم سلطة والمجتمع العلم ولقد ظلت هذه وتكريس نصوص والدين خاصة في انتاج وتداول المعارف ظل هو هو منذ العصر الكالسيكي وهذا قد يعود اما إلى طبيعة السلطة نفسها أو إلى أن آليات إنتاج المعرفة في الحضارة اإلسالمية قد تثبت بصفة نهائية منذ عصر التدوين مما يتطلب فهم هذه الظاهرة واستجالء نتائجها وآثارها الباقية حتى اليوم وعليه سيكون طموح هذه الدراسة هو محاولة تحليل مفهوم السلطة في اإلسالم والكيفية التي اشتغل بها في إنتاج ونشر ومراقبة المعرفة و في تحديد العالقات الداخلية بين مختلف أنماط المعرفة وفي العالقة بين المعرفة والمجتمع ومن ثم فاإلشكالية المركزية لهذا البحث تتعلق بطبيعة العالقة التي تحققت بين المعرفة والسلطة في اإلسالم كيف مارست السلطة تأثيرها في نشأة المعرفة وتحديد طبيعتها ووظيفتها أي نمط من العلوم سمحت طبيعة السلطة في اإلسالم بظهورها وأي نمط من المعارف قاومتها بصيغة أعم كيف راحت السلطة ترسخ نمطا من العلوم وتوظفه الستمرارها انتشارها وإدارتها لألزمات ثمكيف راحت هذه الطبيعة الكلية لعالقة السلطة بالمعرفة تتحقق وتتموضع مستوى المؤسسات على وعلى مستوى الممارسة العلمية على فئات العلماء خاصة تلك الشخصيات النموذجيةكأبي حامد الغزالي وأخيرا ما هو مصير ومآل هذه العالقة توحى أسئلة الدراسة ضمنيا بجملة من األهداف التي أتوخى تحقيقها لعل أهمها: محاولة تحديد طبيعة العالقة بين السلطة والمعرفة في اإلسالم. اختبار مقاربات منهجية ومفاهيم إجرائية على تراث السلطة والمعرفة في تاريخنا لعل ذلك يساهم في فهم أعمق إلشكاليات مجتمعنا المعاصر إشكالية الدين والسياسة خاصة. الكشف عن جدل األطر االجتماعية وإنتاج المعرفة وقيمتها. ج
5 قراءة سريعة لهذه األهداف تبين أنها أهداف ليست متواضعة قد يقابلها جهد متواضع ولكن هذه هي طبيعة األشياء تفاوت ومسافة بين الحلم والواقع الطموح والجهد ولتحقيق هذه األهداف ومن الناحية المنهجية يخضع هذا البحث الى ثالث مراحل أساسية: المرحلة األولى: وضع مفهومي السلطة والمعرفة في إطارهما الفلسفي والتاريخي. المرحلة الثانية: وضع المفهومين وتحديد العالقة بينهما في إطار الحضارة العربية اإلسالمية. المرحلة الثالثة: إسقاط ما تراكم من نتائج معرفية ومفاهيم إجرائية وإجراءات منهجية من المرحلتين السابقتين على تجربة سياسية تاريخية محددة هي الدولة السلجوقية من خالل أبي حامد الغزالي. وكما أشرنا سابقا استقطبت هذه اإلشكالية اهتماماكبيرا من قبل الباحثين سواء في الفكر الغربي او في فكرنا العربي المعاصر وفي هذا األخير تراوحت تلك األبحاث بين أبحاث عالجت اإلشكالية في واقع المجتمعات العربية المعاصرة وبين أبحاث عالجتها على مستوى التراث كما أن من تلك األبحاث ما تناولت إشكالية المعرفة والسلطة بشكل مباشر ومنها من عالجها من خالل العالقة بين الديني والسياسي أو من خالل دور المثقف ووضعه في المجتمع و من تلك األبحاث الي تشكل دراسة سابقة سنعرض دراستين : األولى عنوانها " المثقفون والسلطة في الحضارة العربية الدولة البويهية نموذجا " من انجاز الباحث " مصطفى التواتي" وهو بحث أنجز لنيل شهادة الدكتوراه بإشراف من "أ/محمود طرشونة" وقد نوقش العمل في مارس 1991 بجامعة تونس وقد كان عنوان البحث قبل أن ينشر" االدباء والمفكرون وعالقتهم بالسلطة في عهد بني بويه" والبحث يعالج وضع" أهل االدب" في القرن الرابع الهجري في عهد بني بويه معتبرا اياهم مثقفين مستعمال عبارة المثقفين " بالمعنى الذي يستعمله الفكر األوروبي المعاصر عند الحديث عن فالسفة أثينا و أدبائها في القرن الخامس قبل الميالد او عن كتاب عصر النهضة بداية من القرن الثامن عشر" وبدون أن يبرر هذا االستعمال و بدون تحديد وتحليل إلشكالية بحثه يذهب الى استعراض االدبيات المرتبطة بموضوعه مصنفا إياها الى اعمال ذات طابع عام وأخرى درست الجانب الفني لتلك الفترة و أخرى درست فنا بعينه و فئة أخرى من األبحاث االستشراقية منها خاصة تناولت جانبا محددا من او مسألة معينة بمعزل عن المسائل األخرى أما من حيث المنهج فان الباحث قد أعلن المزاوجة بين المزاوجة بين العرض التاريخي و التحليل اآلني و بناءا على هذا االختيار المنهجي هيكل بحثه الى خمسة أبواب األول خصص لتحليل طبيعة الدولة البويهية و الثاني للتعريف "بأهل االدب" والثالث خصص لدراسة وضعية " أصحاب الدراريع " في الدولة البويهية أما في الباب الرابع فكان عنوانه " أهل االدب من غير الكتاب وعالقتهم بالدولة البويهية وفي الباب الخامس خصصه لموقف - توايت مصطفى املثقفون والسلطة يف احلضارة العربية الدولة البويهية منوذجا بريوت / اجلزائر دار الفرايب و انا ب ط ج 2 ص.22 1 د
6 أهل االدب من واقع التدهور العام في الدولة الويهية. العهد البويهي يعتبر مستفيدة والجمع بين "اعادة لتأسيس الثقافة العربية وكانت أهم النتائج التي توصل اليها الباحث أن اإلسالمية على ركائز نوعية جديدة أكثر تطورا " من جو الحرية والتسامح باإلضافة الى تميز الحياة األدبية والفكرية في عهد بني بويه باالزدواجية : المتناقضات القوة في مقابل الضعف الرداءة في مقابل الرفعة و قد انعكس هذا على موقف االدباء و المفكرين من السلطة و هو موقف تراوح بين القطيعة و الدخول ذلك بطبيعة مفسرا الدراسة الثانية اإلسالمية الدولة فهي للباحث" في خدمة السلطة البويهية وبيئتها الخاصة منتهيا الى تصنيف تفصيلي لتلك المواقف. عبدالمجيد الصغير" قراءة في نشأة علم أصول الفقه ومقاصد الشريعة والتي عنوانها " أما :"المعرفة و السلطة في التجربة إشكالية البحث وأهدافه نلتمسها مباشرة من مدخل الدراسة فبعد تمهيد تحليلي لمفهوم السياسة وعالقتها بالمعرفة يصل الى ما يمكن اعتباره الفرضية الرئيسية للبحث " مفادها أن كل طرق المعرفة في اإلسالم تؤدي الى السياسة" انطالقا من صدور المعرفة من الكتاب والتماس السلطة لشرعيتها من ذات المصدر االمر الذي يؤدي الى تقاطع بين السلطتين المعرفية والسياسية محددا هدفه من الدراسة والذي يتمثل أساسا في الكشف عن ما وراء النشاط المعرفي للفقهاء وتلميحاتهم واشاراتهم التي تنم عن يذهب الى أن علماء السنة قد مارسوا علمهم بمعزل عن هموم مواقف سياسية وذلك لتفنيد الموقف الذي واهتمامات الناس والمجتمع وكان رهان الدراسة هو محاولة الكشف عن المواقف السياسية لعالم األصول والمقاصد والموقف السياسي ال بمعناه االصطالحي ولكن من خالل سعي عالم األصول و المقاصد التدليل على شرعية العلم الذي يمارسونه ومن ثم تأثيره على الجمهور وفي هذا تكمن سلطته التي ينافس بها السلطة السياسية هذا البعد السياسي للمعرفة في اإلسالم يتجه الى حقل معرفي محدد تتجلى من خالله عالقة المعرفي بالسياسي انه علم أصول الفقه و علم المقاصد ساهم في بلورتها ال كمجرد " بجانب عناصر أخرى. تراكم معرفي ولكن كمفاهيم أطرها مناخ سياسي واجتماعي وبذلك يصير من األهمية بمكان استشراف هذه العالقة الممكنة بين الظرفية السياسية لدولة الخالفة و بين المواقف العلمية للفقهاء و رجال العلم من جهة وبين المفاهيم والتبريرات األصولية التي يقدمها الفقيه بين يديه )4( " وبعد قراءة مسحية سريعة لمواقف استشراقية وأخرى عربية من علم أصول الفقه يتجه الباحث الى متنه للبرهنة على أطروحته المركزية وذلك من خالل تقسيم البحث الى ثالثة أقسام: كان عنوان القسم األول السلطة العلمية والتجربة السياسية في اإلسالم املرجع ذاته ج 2 ص املرجع ذاته ج 2 ص الصغري عبد اجمليد املعرفة و السلطة التجربة االسالمية قراءة يف نشأة علم األصول و علم املقاصد مصر رؤية للنشر و التوزيع 2020 ص.3 املرجع السابق ص ه
7 إشكالية القرآن والسلطان مقسما هذا القسم الى فصلين أما القسم الثاني فقد جاء عنوانه كاآلني: االنحطاط واشكالية القول في ب "مقاصد الشريعة خصصه للشاطبي ومقاصده من خالل العنوان " : ويقع في فصلين كذلك أما القسم الثالث فقد أبو إسحاق الشاطبي وتأسيس علم المقاصد عقلنة التكليف والتنظير لإلنقاذ. مختتما بحثه بخاتمة ضمنها آفاق البحث في هذه اإلشكالية. الشك أن هاتين الدراستين شكلتا بالنسبة لبحثنا دراستين سابقتين ومن ثم نموذجين في المنهج والمحتوى المعرفي وكانتا مرجعين من مراجع هذه الدراسة اال أن إشكالية بحثنا ورغم القواسم المشتركة التي تجمع بين دراستنا وهاتين الدراستين تظل اشكاليتنا تتميز باشتمالها لكل النشاط المعرفي في عالقته بالسلطة في اسالم العصر الوسيط مع انحياز في بعض مستويات البحث الى العلم الممارس للعلم داخل ما يسمى بالعلوم العربية اإلسالمية كما أن دراستنا تجمع بين ما هو عام وبين ما هو خاص في عالقة المعرفة بالسلطة من خالل نموذج الغزالي ناهيك عن محاولتنا لتوظيف مفاهيم إجرائية أفرزتها علوم االنسان والمجتمع وانطالقا من البحث انطالقا من الخطة التالية: المقدمة المدخل: المفاهيم والمنهج األهداف التي أعلنتها سابقا والتي حددت مراحل البحث أخرجنا هذا الفصل األول: في البدأ لم تكن السلطة مقاربة أنتروبولوجية الفصل الثاني: تفكير السلطة في تاريخ الفكر الفلسفي الفصل الثالث: السلطة واشكالية الممارسة المعرفية في االسالم الفصل الربع: طبيعة النظام العباسي نظام الخالفة والدولة السلجوقية الفصل الخامس: الغزالي بين التزامات العالم والزامات السلطان الخاتمة. هذا عن خطة البحث أما من حيث الجانب المنهجي والمفاهيمي فقد أدرجناه في مدخل الدراسة. و
8 الفصل المنهجي : المفاهيم المنهج 1
9 إتماما لما أعلنت عنه في مقدمة هذه الدراسة وتحقيقا ألهدافها يتعين اآلن اإلعالن عن المفاهيم المعتمدة في هذه الدراسة وكذا اإلجراءات المنهجية التي تؤطرها: 1 -السؤال المفاهيمي: أية مفاهيم إجرائية يمكن توظيفها وما هي حدود هذا التوظيف الممارسة الفلسفية المعاصرة ممارسة مفاهيمية بمعنى أنها ممارسة تتم وتتشكل من خالل إبداع المفاهيم " إنها -أي الفلسفة - بتدقيق أكبر هي الحقل المعرفي القائم على إبداع المفاهيم. واإلبداع يعني أال شيء جاهزا أو معطي حيث "ال تكون المفاهيم في انتظارنا وهي جاهزة كما لو كانت أجساما سماوية ليست هناك سماء للمفاهيم بل ينبغي ابتكارها وصنعها أو باألحرى إبداعها" وإذا كان الفيلسوف يبدع المفهوم فإن إبداع الدارس إنما يكمن في اإلحاطة بمكونات المفهوم والتحكم في استعماله وتوظيفه أي تحويله إلى حكم بالمفهوم المنطقي وتحليل شروط إبداعه ثم نقده كل هذا يشكل ما يمكن تسميته ب "بيداغوجية المفهوم" وهذا ما سأحاول ممارسته على امتداد هذه الدراسة: 2 -من المفهوم النسقي إلى المفهوم اإلجرائي: سأتبنى الموقف الذي يؤكد على أن المفهوم واقعة فلسفية أي إبداع يتعلق بإشكالية -كل مفهوم هو إشكالية-أي جملة اإلجابات أو األقوال التي تردكجواب عن السؤال: ما هو على أن تلك اإلجابات بطبيعتها تظل غير مكتملة لذلك سيستمر السؤال ويستمر اإلبداع إنه أي المفهوم بهذا الشكل "وحدة صغيرة للتمثل الفكري ومن ثم يمكن تحمل عليه عملية الحكم أي أنه الموضوع وما يتكون من محموالت عليه". إنه "تصور ذهني عام ومجرد لظاهرة أو أكثر وللعالقات الموجودة بينهما". )4( «إن المفهوم األكثر استعماال في الدراسات العلمية خاصة في مجال علوم اإلنسان والمجتمع هو ذلك المفهوم الذي أبدع واستمد من النظريات العلمية والذي يسمى عادة بالمفهوم النسقي» systématique Concepts والذي ينشأ بواسطة االستنباط والعملية الحساسة هي تلك التي تعيد المفهوم من كونه تصور مجرد وعام إلى الواقع الختباره وتجسيده وهذا ما نطلق عليه باألجرأة أي تفكيكه إلى أبعاد والتي بدورها تفكك إلى مؤشرات قابلة للمالحظة القياس وحتى التجريب )المفاهيم اإلجرائية( «concepts دلوز جيل وقتاري فليكس ما هي الفلسفة ت مطاع الصفدي بريوت مركز األمناط القومي 2993 ص املرجع ذاته الصفحة ذاهنا مفتاح حممد ما املفهوم ندوات ومناظرات رقم 33 -املفاهيم تكوهنا وصريورهتا املغرب منشورات كلية األدب والعلوم )4( اإلنسانية جامعة حممد اخلامس 2000 ص 22. أجنرس موريس منهجية البحث العلمي يف العلوم اإلنسانية تدريبات عملية ت بوزيد صحراوي وآخرون اجلزائر دار القصبة للنشر 2002 ص 223.
10 » opératoires األمر الذي يؤدي إلى تعدد في المفهوم فالمفاهيم و لكونها تمثالت عامة ومجردة هي واحدة ولكن ستتنوع وتتعدد عندما تتأجرأ ألنها تتحول بكل بساطة إلى متغيرات إذا فعلنا ذلك بحذافيره لن نكون في الفلسفة ولكن وكما أعلنت سابقا عملية توظيف واستخدام المفهوم بمعنى )الحكم في سياق تاريخي ومعرفي محدد يمكن اعتبارها أجرأة إذ يصبح للمفهوم أبعادا ودالالت تختلق قليال أو كثيرا عن تلك األبعاد أو الدالالت التي انبثقت للمفهوم ذاته ولكن في سياق مختلف والدارس يمارس األجرأة فعال لما يضع يديه على ذلك ابستيمولوجي ألن " التميز واالختالف وإال تحول استخدام المفهوم إلى عائق المفاهيم والنظريات التي تستخلص من دراسة بنية المجتمع الرأسمالي وعوامل أو قوانين تطوره تصبح عوائق ابستمولوجية إذا ما نقلت كما هي لتنطبق على مجتمع آخر يختلف في تركيبته ودرجة تطوره عن المجتمع الرأسمالي". ونظرا لطبيعة هذه الدراسة فإن الحقول المعرفية التي سأستعير منها المفاهيم اإلجرائية التي سوف استخدمها هي علوم اإلنسان والمجتمع وبطبيعة الحال المفاهيم التراثية التي لها صلة مباشرة بالموضوع. وموقعي كباحث مبتدئ يجعلنا نتجه إلى أسماء خاضت هذه التجربة أي استخدمت مفاهيم إجرائية نشأت في مجال لتطبقه على المجال اإلسالمي أو قامت بعملية تنقيب داللي وتاريخي لمفاهيم تراثية األمر يتعلق على سبيل المثال ال الحصر بأسماء من قبيل: هشام جعيط رضوان السيد برنار لويس...إلخ ". محمد اركون" محمد عابد الجابري بقي قبل أن أعرض هذه المفاهيم المعتمدة أن أشير إلى الطابع النسقي أو البنيوي للمفاهيم المستعملة بمعنى أن لكل فيلسوف أو عالم جهاز مفاهيمي أو لنقل بنية مفاهيمية خاصة به وال أعني بذلك إال أن األمر يتعلق بعالقة منطقية ومعرفية بين جملة من المفاهيم التي تشكل عناصر هذه البنية حيث داللة المفهوم تتحدد في عالقته بداللة كل عناصر البنية المفاهيمية فلو أخذنا اسما ك:"ميشال فوكو" نجد البنية المفاهيمية لهذا الفيلسوف عبارة عنكل يتكونكعالقة بين العناصر المفاهيمية التالية: خطاب معرفة سلطة إرادة المعرفة اببستيمي مراقبة عقاب اعتراف رغبة منطوق ملفوظة حدث عزل جينيا لوجيا حجز... إلخ -1 أشير إلى هذا العتبارات منهجية بحتة واآلن إلى المفاهيم التي سيتم توظيفها في هذا البحث: السيادة العليا أو ذروة التشريع: التزاما باإلطار المفاهيمي الذي أعلنت عنه للتو خاصة ما يتعلق ببيداغوجية المفهوم المفهوم بالتركيز على جوانب األجرأه فيه وكذا المؤشرات تقديم - )التجربة التاريخية( التي تبرر استخدامه وتوظيفه- فان أول مفهوم اعتبره مركزي في هذه الدراسة مفهوم السيادة العليا أو المشروعية العليا. اجلابري حممد عابد العقل السياسي العريب لبنان مركز دراسات الوحدة العربية ط ص 22. 3
11 لماذا هذا المفهوم إن هذا المفهوم يتيح لنا وصفا موضوعيا لعملية تاريخية حساسة ومهمة تتمثل في عملية االنتقال من نوع معين من الطاعة والخضوع لشخص النبي إلى نوع آخر من الخضوع القائم على اإلكراه لشخص أو مؤسسة ثم إن هذا المفهوم يتيح لنا تفسير االلتباس الواقع في عالقة الدين بالدولة في المجال اإلسالمي ولعل من أبرز المفكرين الذين وظفوا هذا المفهوم في المجال الذي نتحدث عنه المفكر "محمد أركون" واالعتماد على هذا المفكر في هذا السياق له أسباب موضوعية بحتة فإليه نتجه. الطابع الذي أراده أركون لهذا المفهوم هو الطباع النقدي أي نقد الفلسفة السياسية في اإلسالم من أجل تأسيس فلسفة سياسية جديدة وقد استخدم أركون هذا المفهوم استخداما واسعا على امتداد أبحاثه ولكنه خصص فصال كامال لهذا المفهوم في كتابيه: "تاريخية الفكر اإلسالمي" تحت عنوان: "السيادة العليا والسلطات السياسية في اإلسالم" وفصل عنوانه: "مفهوم السيادة العليا في الفكر اإلسالمي" ضمن كتابه "الفكر اإلسالمي قراءة علمية" وفي هذا األخير فصل آخر عنوانه "مدخل لدراسة الروابط بين اإلسالم والسياسة" ويحيلنا أركون في هذه الدراسات على المراجع التي اعتمدها لتقديم هذا المفهوم وألن هناك مبحث في هذه الدراسة عنوانه "من السيادة العليا إلى السلطة حيث يبحث في عملية االنتقال من السيادة العليا إلى السلطة السياسية الفعلية في اإلسالم فإنني أكتفي اآلن بعرض الخطوط العريضة له مؤجال عملية وضعه في سياقه التاريخي والمعرفي الحقا. تتأكد السيادة العليا بكونها اعتقاد وانتساب وشعور وجداني قوي بكائن أعلى أو بشخص يتمتع بكل الصفات التي تجعل من المنتسب والمرتبط به يدين بالوالء والطاعة بالحب مستبطنا في ذاته ثم في أفعاله االجتماعية تلك الصفات والقيم من حيث أنها خلعت على وجوده معنى فهو يدين لهذه السيادة بهذا المعنى وهنا تبرز فعاليته وإجرائية مفهوم "دين المعنى" وعليه فالسيادة العليا تنبثقكانتساب شخصي محض يتسم بالعفوية والرضى دون تدخل أي قسر أو إكراه جسدي أو قانوني مما يجعل هناك مسافة نوعية بين االنتساب إلى السيادة العليا وطاعتها وبين طاعة السلطة والتي تتميز بطابعها البراني )الخارجي( إذ تتميز بطابع اإللزام واإلكراه. وهي في حاجة دائمة إلى سيادة عليا تبررها وتسوغها ونخلع عليها المشروعية. هذا من الناحية النسقية )النظرية( أما من الناحية اإلجرائية وعندما تنقله إلى الساحة اإلسالمية وبالرجوع دائما إلى محمد أركون ومن خالل المرجعين السابقين يمكن تقديم ترسيمة عامة لهذا المفهوم. يعول محمد أركون على المعيار الفلسفيكرائز )test( لتقييم جميع أبعاد هذا المفهوم واستخداماته في الساحة اإلسالمية وباالرتكاز على منهجية علوم اإلنسان والمجتمع تحديدا األنتربولوجيا التطبيقية لتجاوز المنهجية اإلتنوغرافية يقدم لنا أركون برنامج عمل لتفكيك هذا المفهوم يقوم على النقاط التالية: - " انبثاق المفهوم من خالل القرآن وتجربة مدنية. - دراسة المفاهيم التالية: سلطان ملك/خالفة إمامة حكم أمر... الفترة التأسيسية 4
12 العقيدة والسيادة العليا الفكرية: دور االجتهاد التراث والسيادة العليا أو المشروعية العليا اإليديولوجيات والسيادة العليا" اختزاال لهذا البرنامج يقدم أركون السيادة العليا كمفهوم وكتجربة وجدانية وتاريخية كانت قد ولدت بواسطة االعتقاد واإليمان باهلل الذي يمثل هذه السيادة والمشروعية والتي انتقلت إلى النبي حيث تكرست وانتشرت بواسطة نوعين من الخطاب الخطاب القرآني وكالم النبي "في الواقع إن المعاني التي كانت قد كررت ووردت دون ملل أو تعب في القرآن وقد أوجدت ورسخت سيادة عليا متعالية هي تلك السيادة المتعلقة باهلل الواحد الحي المتكلم إلى البشر والقاضي... السلطة السياسية للنبي وخلفائه من بعده". والكاريزما والمجرد من كل سلطة في البداية ثم لخلفائه من بعده هذه السيادة هي التي تسوغ وتشرع إذن السيادة المتعلقة باهلل ثم النبي الذي كان يتمتع بالهيبة )إقران طاعة اهلل بطاعة الرسول وذوي األمر( إنما سبقت من الناحية الزمنية واألنطولوجية السلطة على أن عملية االجتهاد ستتكفل بنقل هذه السيادة والمشروعية العليا إلى سلطة قانونية وقسرية )الشريعة( "فاالجتهاد عبارة عن فاعلية منهجية وثقافية هدفها نقل المشروعية أو السيادة العليا المستندة على التسامي الرمزي للتاريخ إلى السلطة القانونية والقسرية للشريعة". "دين المعنى la dette de sens» ولد هذا المفهوم من رحم اإلنتربولوجيا السياسيةكمفهوم إجرائي نحته اإلتنولوجي الفرنسي "مارسيل غوشيه" Gauchet» «Marcel والسياق الذي ظهر فيه هذا المفهوم هو سياق المحاوالت المعاصرة. لتفسير االجتماع البدائي في مستواه السياسي خاصة وهو تفسير يقيم قطيعة معرفية مع التفسيرات األنتربولوجية السابقة )الليبرالية أو الماركسية( وحيث أنه سيكون لنا مجاال أوسع للكالم في هذا في الفصل الذي سيأتي فإنني سأكتفي هنا بتحديد هذا المفهوم وربط عالقته بمفهوم السيادة العليا ومن ثم بوظيفته في هذا البحث. المفهوم يحاول تفسير نمط الخضوع والطاعة ضمن عالقات اجتماعية معطاة أي ضمن االجتماع البدائي حيث هو مجتمع مضاد للدولة -غياب الدولةكمؤسسة وغياب سلطتها المبنية على اإلكراه-فمن أجل تفادي االنقسام الذي هو خاصية جوهرية في االجتماع اإلنساني. أركون حممد الفكر اإلسالمي قراءة علمية ت هاشم صاحل بريوت\ العريب ط ص 212. الدار البيضاء مركز االمناء القومي واملركز الثقايف املرجع ذاته ص 223. املرجع ذاته ص
13 قام المجتمع البدائي بتحويل السلطة من داخله إلى خارجه أي جعلها ملكا لألجداد واألسالف وهذه السلطة والنفوذ عبارة عن رصيد معنوي ضخم " يخلع على الجماعة واألشخاص المعنى هذا الرصيد المعنوي إذا ما استولى عليه شخص تحول إلى دين الذي بدوره يمهد لظهور الدولة التي تزيحه وتحتكره وتستخدمه على هذا األساس فإن شيخ القبيلة أو البطل ال يملك سلطة بل هيبة واختزاال لهذا المفهوم يمكن القول أنه تلك الحالة الوجدانية والمعنوية المتسمة بالشعور بالهيبة االحترام واالنجذاب ومن ثم الطاعة والخضوع العفويين لشخص ما يمتلك رصيدا معنويا هائال يخلع من خالله على وجود المنتسب إليه معنى فيدين له من جراء ذلك بالفضل والجميل وبمعنى وجوده إنه "ما اعترف البشر طيلة أالف السنين بأنهم مدينون به لآللهة وما اعتقدت المجتمعات بصورة تكاد تكون دائمة بأنها مدينة به ألعمال اآلخرين وقرارات الغيب وإرادات الالمرئي. وهكذا فإن طبيعة هذا المفهوم تجعله مفهوما ينتمي إلى مجال السيادة العليا إلى مجال المقدس وفي المجال اإلسالمي يجسد هذا المفهوم عالقتنا بتلك السيادة عالقة المؤمنين باهلل وبشخص النبي الذي لم يكن يملك في البداية الى سلطة أو نفوذ ذلك أن "السيادة العليا تتعلق باالقتناع وتحول الوعي طوعيا إلىكل ما يخلع المعنى على وجود الشخص البشري" فدين المعنى يولد بصفة عفوية وحرة طاعة وخضوعا بتسامي بالمطيع ويرشده في أفعاله وسلوكياته من أجل ذلك خلعته على وجودي إلى سيادة عليا أكبر مني تصبح مرشدة لي وأدين لها بالطاعة". "أنا مدين بالمعنى الحقيقي الذي عالقتنا بالسيادة العليا تتجسد كدين معنى ندين به تجاهها كالتزام واعتقاد وقناعة منا أما وظيفة هذا المفهوم في السياق الذي نبحث فيه فيتمثل أساسا في: تحديد نمط العالقة بين المؤمنين وشخص النبي وكذا عالقة التمفصل بين السيادة العليا النبي صل اهلل عليه وسلم. وسلطة - فهم االجتماع السياسي العربي قبل اإلسالم وامتداد تأثير بعض خصائصه السلطات واإلمارات في اإلسالم التاريخي. في نشوء أنواع - تحديد عالقة السيادة العليا بالسلطة السياسية التنفيذية بعد النبي وكيف راحت الدولة أو السلطات تستولي على السيادة العليا ودين المعنى الستغالله. - غوشيه مارسيل أصل العنف والدولة ت: علي حرب بريوت دار احلداثة للطباعة والنشر والتوزيع ( ب ت( أركون حممد الفكر اإلسالمي نقد واجتهاد اجلزائر الشركة الوطنية للنشر والتوزيع 2997 ص 22. املرجع ذاته الصفحة ذاهتا 6
14 .3 المخيال االجتماعي l imaginaire social ال يتورع مفكرون مسلمون كثر عن توظيف هذا المفهوم في أبحاثهم خاصة تلك التي لها عالقة بالفعل االجتماعي ومستوياته ذلك أن أي فعل اجتماعي ومهما كان ذا طابع فردي اذ ينسب لشخص له نفرده واستقالليته فإنه يستند إلى إطار جمعي من التصورات القيم والمعايير والتمثالت والتي من خاللها يعقل المجتمع ذاته ويصبغ على أفعال أفراده من خاللها الداللة والمعنى "ومن هنا فإنكل مجتمع ينشئ لنفسه مجموعة منظمة من التصورات والتمثالت أي مخياال من خالله يعيد المجتمع إنتاج نفسه مخياال يقوم بالخصوص يجعل الجماعة تتعرف بواسطته على نفسها ويوزع الهويات واألدوار ويعبر عن الحاجات الجماعية واألهداف المنشودة" إن المخيال االجتماعي إطار أو منظومة من التمثالت والتطورات والرموز والتي في كنفها ينشأ المعنى الذي يقرأ ويؤول بواسطته العالم الموضوعي االجتماعي ليس هذا فحسب بل إن للمخيال االجتماعي سلطة وطاقة لشحن الفعل االجتماعي للفرد وللجماعة. وهو أي المخيال ال يقوم بل وال يحاكم وفق معيار صحيح أو خاطئ أو حقيقي أو وهمي إنه مرتبط باإليمان واالعتقاد المستبطن في ذواتنا بشكل قبلي. لماذا المخيال في هذا السياق إنه مفهوم إجرائي ال يقل أهمية عن المفهومين السابقين وألننا تكلمنا على منظومة مفاهيمية ما يهم فيها العالقة أكثر مما يهم فيها المفهوم ككيان منعزل فإن العالقة بين هذا المفهوم والمفهومين السابقين تتأكد في كون أن السيادة العليا تقوم في جانب منها على المخيال االجتماعي. حيث أن عملية التحول واالنتقال من مرحلة السيادة العليا والتي تجلت في سيادة النبي وهيبته إلى سلطة قانونية ومؤسسة مهيمنة إنما كان بسبب هذه القوة السيكولوجية الهائلة المتمثلة في المخيال االجتماعي باإلضافة طبعا إلى ما يدعوه أركون "بالعقلية البرغماتية" هذا سيفسر نشوء نمط معين من العلوم كالتاريخ األخبار القصص ويفسر كذلك سهولة "تعبئة الجماهير المستبطنة لشخصيات نموذجية مثالية ولزمن سياسي مثالي مفقود نالحظ أن " الخيال والعقلكان منذ البداية قد ظهر في حالة تفاعل وتداخل )أي منذ مرحلة القرآن( أما تأسيس الدولة وترسيخها بعد عام 661 )أعني الدولة األموية( سوف يشجع على تفرع الخيال إلى عدة تخصصات من كل األنواع كاألخبار واآلثار والمنتوجات األدبية للعقل في العلوم التأملية والفلسفية". إن هناك بعدا للسيادة العليا كما أسلفنا مهما للغاية يتمثل في االرتباط بالشخصية التي تشكل نموذجا مثاليا أعلى وهذا البعد يغذيه المخيال االجتماعي باستمرار وبالتالي تغذيه مديونتنا له باعتباره أنسار بيار اإليديولوجيات الصراعات والسلطات باريس 2933 PUF ص 22.نقال عن حممد عايد اجلابري العقل السياسي العريب ص 22. أركون حممد الفكر اإلسالمي نقد واجتهاد ص
15 مصدرا للمعنى األمر الذي يجعل هذا المفهوم أي المخيال االجتماعي له عالقة كذلك بمفهوم مديونية المعنى. المهمة. سيكون من الضروري اإلعالن على أن ما أتيت على تحديده وتحليله من مفاهيم لم يأت على كل إذ على امتداد هذا المتن سيتم توظيف مفاهيم أخرى قريبة أو بعيدة من تلك التي تم التركيز عليها إذ سيحدد معناها ووظيفتها من خالل السياق التي تأتي فيه وكذا من خالل نسبتها للمفكرين والفالسفة الذين حددوها ووظفوها من قبيل الرأس المال الرمزي و السلطة الرمزية النظام المعرفي )اإليستيمي( الخطاب...بقي قبل أن نتجاوز هذا المنعرج أن نشير الى أن هذا البحث سيكرر أو باألحرى يركز على مفهوم السلطة أكثر من مفهوم المعرفة وإذن فال مندوحة من تبرير هذا الميل لقد أعلنت آنفا أن األمر يتعلق بالعالقة بين المعرفة والسلطة في سياق تاريخي وجغرافي محدد وبعيدا عن عالقات التضايف أو االستبعاد بين المفهومين فإن تبني التصورات المعاصرة لتلك العالقة خاصة التصور الذي يتبنى القول بأن السلطة تنتج المعارف و المعرفة سلطة فإنه يبقى مبررا التركيز على السلطة كاستراتيجية وعلى سياسة للحقيقة أو للمعرفة كما يدعوا إلى ذلك "ميشال فوكو" ومع ذلك البد من قول شيء فيما يخص مفهوم المعرفة الذي هو صنو لمفهوم السلطة حيث أقصد به بالتحديد وبالرجوع إلى ميشال فوكو "المعرفة هي ما يمكن الكالم عنه في ممارسة خطابية إنها المجال الذي تشكله موضوعات مختلفة تحظى أو ال تحظى بصفة العلمية" والمعرفة هي جملة الممارسات الخطابية التي ال يشكل الخطاب العلمي إال نوعا منها ولكن في سياق هذا البحث ولحدوده ومحدوديته سيكون الكالم مركزا على المعرفة العالمة أي ما أنتجته الحضارة العربية اإلسالمية في فترة معطاة ومحددة من معارف يمكن إرجاعها إلى ذوات كالطبري أو الشافعي أو التوحيدي أو الغزالي أو ابن خلدون... ضمن أنماط من المعارف كعلم أصول الفقه أو األخبار أو المغازي أو الفلسفة أو األدب... ويمكن تصنيفها ومن خالل هذا التحديد سيكون مبررا تماما أن نقول المعرفة بدال من العلم اذ أن المعرفة مجال واسع حيث التعدد والتنوع والكثرة كما أنه والحالة كهذه ال معنى لمعيار صحيح أو خاطئ أو أن هذا الخطاب علمي أو ال علمي "فالمعرفة ال تعرف إذن بعالميتها أو بافتقارها الفضاء المعرفي بل العلم ذاته ليس موضوعا للعلم بل هو موضوع للمعرفة." السؤال المنهجي : للعلمية مادام العلم ذاته ال يشكل إال جزءا من بقي لنا اآلن أن نبدي بعض المالحظات المتعلقة بالمنهج الذي سأعتمده في إنجاز هذا البحث حيث سننطلق من مقدمة أو لنقل مسلمة مفادها أنه ال يوجد منهج صالح بإطالق كما أنه ليس باإلمكان (1 ) - Foucault M Archéologie du savoir, Paris, Gallimard, 1969, p 238. العيادي عبد العزيز ميشال فوكو املعرفة والسلطة بريوت املؤسسة اجلامعية للدراسات والنشر والتوزيع 2992 ص.20 8
16 علميا معاملة منهج بعينه بتقديس "وشوفينية" تشعرك وكأن المنهج غاية في حد ذاته المنهج أداة أو وسيلة اختيارها يتحدد انطالقا من طبيعة الموضوع والسياق الذي نميز فيه هذا البحث له طبيعة خاصة فهو من جهة يتعلق بالتاريخ أو التراث حيث األحداث والسير النصوص والوثائق ومن جهة أخرى بمستويات من العالقات المتعددة والمتداخلة بين مفاهيم وممارسات تعود إلى الماضي ولكنها مستمرة بشكل أو بآخر في حاضرنا إذ نتوخى من تحديد تلك العالقات تفسير أو على األقل وصف ما يقع تحت أعيننا وعليه "وفي هذه الحالة الراهنة من تقدم البحوث نعتقد ان على تاريخ األفكار أن يستخدم عدة مناهج في وقت واحد و ينبغي أن تكون هذه المناهج متالئمة مع مستويات مختلفة من المعنى والداللة". االمر الذي يبرر تعددية منهجية على أن ذلك ال يعني التلفيق وترك األمر على عواهنه ولكن لنقل بكل تواضع أنه على امتداد هذا البحث وانطالقا من خاصية كل فصل ومبحث فيه فإنه يتم انتقاء وبصفة برغماتية وإجرائية المنهج المناسب ومهما يكن األمر فإنني حاولت المزاوجة أو التأليف بين منهج تكويني عمودي يهتم بالمنشأ األصل والتطور أما الرؤية المنهجية األخرى فهي تلك التي تعني بالمنظومة والتنسيق وبالتالي البحث عن العالقات وعن الثابت إنه منهج أفقي تزامني. إن لكال الرؤيتين مصاعبها مكاسبها ومثالبها ولكن هناك اتجاه عام اليوم يذهب غلى ضرورة المزاوجة بين مناهج تبدو متعارضة "وبعد هذا التمييز يجب القول أنكل دراسة ال تزاوج بين المنهجين ال تحظى عادة برضى االخصائيين المطلوب اليوم من كل بحث يطمح أن يتحول إلى مرجع هو أن يكون في آن تكوينيا ونسقيا وإذا تغلب أحد المنظورين على اآلخر فألسباب بيداغوجية مؤقتة". أركون حممد نزعة األنسنة يف الفكر العريب جيل ابن مسكوبة والتوحيدي ت: 2993 ص.17 العروي عبد اهلل مفهوم العقل الدار البيضاء\ بريوت املركز الثقايف العريب ط ص 20. صاحل هاشم بريوت دار الساقي 9
17 : الفصل األول في البدأ لم تكن السلطة مقاربة انتروبولوجية. 10
18 ال يتعلق األمر بتلمس البدايات وتتبع نموها وتطورها باتجاه الحاضر فالمستقبل بقدر ما يتعلق األمر بالبحث عن زوايا أخرى للتحليل والفهم خاصة عندما ال تكون هناك تغيرات بنيوية قد حدثت على المجال الذي بحث فيه. مجال اإلجتماع العربي اإلسالمي المستوى السياسي منه خاصة لذلك هذا الفصل يتناول بالعرض والتحليل لمبحثين أساسيين مبحث المقال األنتربولوجي المضاد للدولة ومبحث المقال األنتربولوجي واالجتماع العربي..1 المقال األنتربولوجي المضاد للدولة: أصبح المقال األنتربولوجي واألنتولوجي يشكل اليوم منعطفا هاما في التجربة اإليبستمولوجية لعلوم االنسان والمجتمع بما توفر لهذا المقال من أدوات تحليل- التاريخ...إلخ-. يتوقف تأثير تزظيف اللسانيات التحليل النفسي حيث أصبح يشكل قيمة علمية مضافة ساهمت إلى حد كبير في تقدم هذه العلوم وال هذه الدراسات على الساحة الغربية بل يمتد إلى ساحات أخرى وبخاصة الساحة العربية اإلسالمية حيث نجد بعض المفكرين العرب المعاصرين يستخدمون بشكل واسع المفاهيم اإلجرائية لهذا المقال في تحليلهم لمشكالت المجتمعات العربية اإلسالمية وعالقتها باألخرى محمد أركون اإلمكانيات التي تتيحها المقاربة األنتربولوجية من حيث أنها وفي هذا السياق يبرز "تدمج إسهامات الميادين المتعددة حول مختلف المجتمعات بغية إدراك األوليات العميقة والعناصر الثابتة فيما يتعدى االختالفات السطحية التي تشدد عليها المناهج اإلنتوغرافية والتاريخية أو االجتماعية. ولعل أهم القضايا التي شكلت إهتمام اإلتنولوجيين قضية السلطة في "المجتمعات البدائية" حيث شكلت على ضفافها أنتربولوجيا سياسية وإذا كان االمر يتعلق بمحاولة لفهم واقع االجتماع البدائي وطبيعة السلطة فيه فإن ظالل هذا الفهم ستمتد إلى دراسة اإلنسان بصفة عامة فعلى عكس النظرة التطورية التي ترى أن األعلى يفسر األدنى وأن العام يفسر الخاص ويحتويه فإن من هذا المنظور يصبح العكس هو الصحيح حيث أن البدايات تفسر النهايات وأن "الطفل أب للرجل" ومعرفة الشاذ والمجنون تفضي إلى معرفة السوي والعاقل بشكل مختصر معرفة اإلنسان البدائي ضرورية لمعرفة اإلنسان الحالي. وبغض النظر عن االتجاهات والمقاربات التي تتجاذب األتنولوجيا واألنتريولوجيا السياسية فإنه بدون شك قد حصل تطور بل قطيعات في فهم االجتماع البدائي في بعده السياسي خاصة فقد اضحى اآلن من على سبيل املثال ال احلصر: حممد أركون يف مشروعه اإلسالميات املطبقة هشام جعيط خاصةكتابه: اإلسالم وأوربا حممد عايد اجلابري يف كتابه: نقد العقل السياسي العريب ووضاح شرارة: يف كتابه "أدوار احتفال ديين يف قرية من جنوب لبنان عاشوراء)بالفرنسية( ت: نقال عن علي حرب يف مارسيل غوشيه أركون حممد اإلسالم بني األمس والغد بارس Buchet/chastel وبيار كالسرت أصل العنف والدولة لبنان دار احلداثة ب.ت ص
19 للوحشيين" " المسلم به أن اإلتنولوجيا بشكل يكاد يكون جذريا. اجتماعهم وسياستهم وطبيعة سلطتهم الخاصة بهم وهذا قد غير معطيات هناك جملة من األعمال األنتربولوجية التي تراكمت بحيث أدت إلى تأسيس أنتريولوجيا سياسية حددت موضوعها بشكل يكاد يكون حاسما فهي أي األنتريولوجيا السياسية- "تفرض نفسها أوالكطريقة اعتراف ومعرفة باألمور السياسية المستغربة وباألشكال السياسية األخرى إنها أداة اكتشاف ودراسة شتى المؤسسات والممارسات التي تحقق حكم الناس فعال فضال عن أنها أداة اكتشاف لنظم التفكير والرموز التي تستند إليها". فاألنتريولوجيا السياسية تقدم إذن نفسها على أنها أداة اكتشاف ودراسة الفعل السياسي أي الممارسات السياسية وكذا البنية السياسية أي المؤسسات باإلضافة إلى أنها أداة الكتشاف األسس النظرية وكذا الثقافية التي تقوم عليها المؤسسات والممارسات السياسية في مجتمع ما في فترة زمنية وتاريخية محددة وتقوم األنتريولوجيا السياسية على جملة من المسلمات لعل أهمها بالنسبة للسياق الذي نتحدث فيه: السلطة السياسية مالزمة لكل إجماع سياسي. تنشأ السلطة السياسية من أجل تحقيق النظام والمحافظة عليه ال تلجأ السلطة للقيام بوظيفتها لإلكراه فقط بل لكل األوليات التي تساهم في الحفاظ على االنسجام والتوازن "فالطقوس واالحتفاالت واإلجراءات تحقق تجديدا دوريا أو إتفاقيا للمجتمع هي مثل الحكام وبيروقراطيتهم" أدوات العمل السياسي المفهوم على هذا النحو". سنجد على امتداد هذا الفصل وغيره تحققا مباشرا أو غير مباشر لهذه المسلمات خاصة المسلمة األخيرة التي موضوعها عالقة السلطة بالمقدس وبهذه المناسبة أي عالقة السلطة بالمقدس في المجتمع البدائي وإمكانية فهم هذه العالقة في المجتمعات الحديثة على ضوء فهمها في المجتمعات المسماة بدائية نتجه وبشكل مباشر وانتقائي إلى تلك الدراسات التي أعتقد ونظرا لطبيعتها أنها تتناسب وطبيعة هذه الدراسة يتعلق األمر بكل من "بيار كالستر" و"مارسيل غوشيه" و"وكلود لوفرر" هؤالء الثالثة ورغم ما يفرقهم إلى أننا يمكن وضعهم ضمن خط معاصر ظهر في فرنسا حدد لنفسه هدفا يتمثل في إعادة إكتشاف المسألة السياسية ونقد المآل والمصير الذي آلت إليه الدولة حديثا حيث يجمع هذا االتجاه على أن الهيمنة والخضوع قد نشأ بنشوء الدولة إنه اتجاه مضاد للدولة وإذا تجاوزنا الدوافع الذاتية لتبني بالندييه جورج األنرتيولوجيا السياسية ت: علي املعري بريوت املؤسسة اجلامعية للدراسات والنشر والتوزيع ط ص.21 املرجع نفسه ص
20 " هذا الموقف فإن ما يهمنا فيه أنه موقف متجاوز وناقد للنظرة األوروبية المتسمة بالمركزية والتي تمثلها األنتريولوجيا الليبرالية وكذا األنتريولوجيا الماركسية والتي تقوم على النظر للمجتمعات المسماة بدائية على أنها مجتمعات ناقصة بسبب غياب الدولة التي غيابها أدى إلى غياب الحضارة "منطق هذه المجتمعات منطق ما قيل الدولة أو مستقبل الحضارة أو قل هي ال تملك منطقا "متوحش" "والمتوحشون" يمثلون مجتمعات ألنها ال تملك دولة ففضاؤها لكنها ناقصة أو هي أشباه مجتمعات وليست بمجتمعات". كما يقتسم هؤالء القول بأن الدولة مؤسسة مصطنعة تشكل قطيعة وانفصاال مع الطبيعة وعدم وجودها في المجتمعات البدائية إنما كان بقرار واع لتجنب تقسيم المجتمع وذلك بتحويل هذا اإلنقسام والتعدد من الداخل إلى الخارج إلى ما هو غائب الى كائن متعال ألرواح األسالف واألجداد وبظهور الدولة يحدث اإلنقسام بين من يملك السلطة وبين المحرومين منها هذه الفكرة الرئيسية ستؤدي بالحتم إلى التمييز بين الهيبة والسلطة وهو أمر يؤكد عليه "بيار كالستر" هذا عن القواسم خاصة. المشتركة أما عن األفكار الخاصة بكل مفكر من هؤالء والتي لها عالقة بالموضوع فإننا نتجه رأسا إلى مارسيل غوشيه" المسألة السياسية وتحديدا إلى مفهوم "دين المعنى" لنتوسع في عرض هذا الموضوع منتقلين منه إلى لإلجتماع العربي قبل اإلسالم وكذا فهم أنواع الخضوع والطاعة لشخص النبي كمجسد للمشروعية والهيبة وكمدشن للسلطة في اإلسالم والمسافة بين كل ذلك ونشوء دولة الملك األموية والعباسية. هناك ثالثة قضايا أساسية تشكل مقال "غوشيه": أصل الدولة أصل الدين ماهية االجتماع وترتبط هذه المفاهيم مع بعضها ارتباطا بنيويا وألن مهمة هذا الفصل محددة كما أعلنتها فإن ما يهمنا من شبكة العالقات السابقة عالقة الزوج الدين/الدولة ووظيفة دين المعنى في كل ذلك. البداية من مسلمة أن المجتمعات البدائية تشكل مجتمعات ولكنها مجتمعات بدون دولة أو بعبارة أدق مجتمعات مضادة للدولة وهذا بالقطع )القطيعة( مع النظرة الغربية التي تقرن وجود اإلجماع بوجود اإلنقسام وبالتالي وجود دولة فإن الجماعة البدائية هي في آن معا كل شامل ووحدة كل شامل بما هي مجموع ناجز مستقل ومتميز حريص دوما على تميزه واستقالله أي مجتمع بكل ما للكلمة من معنى ووحدة بما هي تصون كينونتها المتجانسة في رفض اإلنقسام االجتماعي وفي استبعاد االمساواة وفي منع االرتهان" الزواوي رضا مالحظات حول نظرية اجملتمع ضد الدولة جملة الفكر العريب املعاصر العدد 23/21 سبتمرب /أكتوبر 2933 بريوت مركز اإلمناء القومي ص 39. كالسرت بيار أثريات العنف واحلرب يف اجملتمعات البدائية يف أصل العنف والدولة ت وتقدمي: علي حرب بريوت دار احلداثة للطباعة والنشر والتوزيع )ب ت( ص
21 كما أن هناك مسلمة أخرى هامة جدا هي تلك المسلمة التي تؤكد على أنه ال مجتمع واحد بطبيعته حيث أن ماهية االجتماع هي اإلنقسام وإذن فوحدة االجتماع اصطناع كذلك " ففي البدء كان ثمة انقسام ذلك أن الواقعة الجماعية لم تتشكل إال من خالل انبثاق حيز سلطوي قام على االنفصال سواء حيدت السلطةكما في االعتقاد الديني أو مورست من واحد على آخركما في حالة الدولة". ما هي عالقة المسلمات السابقة بنشوء السلطة والدولة وموقع الدين ودين المعنى في ذلك كما أسلفت القول المجتمعات البدائية مجتمعات مضادة للدولة والعمل على عدم وجود الدولة فعل واعي لتجنيب المجتمع اإلنقسام والصراع بين مهيمنين وخاضعين فهذه المجتمعات قد نقلت وحولت االنقسام الداخلي الذي هو مما يشكل ماهية كل اجتماع إلى الخارج فاألسباب الداخلية التفاوت واالنقسام- - = الذي يؤدي إلى قيام السلطة ثم طردها إلى الخارج أو فيما هو غائب فهناك داخل مجتمع موحد حول اإلنقسام إلى خارجه وهناك خارج واألجداد األبطال...إلخ(. = قوى متسامية اآللهة أرواح األسالف هذا الخارج يشكل بالنسبة للمجتمع مصدرا لوجوده كيانه ونظامه والمكان الذي يستمد ابتداء منه معناه ويعقل ذاته" ومبدأ الخارجية هذا هو ما يشكل أصل الدين وأساس فكرة "الدين" التي تؤدي إلى تعقل المجتمع لذاته من خالل كائن مغاير له تتميز صفاته وطبيعته عن صفة وطبيعة البشر المكونين للمجتمع وعليه فدين المعنى " هو ما اعترف البشر طيلة آالف السنين بأنهم مدينون به لآللهة وما اعتقدت المجتمعات بصورة تكاد تكون دائمة بأنها مدينة به ألعمال اآلخرين وقرارات الغيب وإرادات الالمرئي" يصبح تبعا لذلك جميع أفراد المجتمع البدائي متساوين أمام هذا الخارج الالمرئي بحيث الجميع يدينون له بوجودهم ومعناهم وكل ما يخلع على وجودهم قيمة إن هذا الالمرئي يتمتع برصيد معنوي ورمزي هائل الوالء له يشكل ضمانة وشرطا للمحافظة على وحدة وإنسجام المجتمع من هنا يمكن تعقل وفهم أية عالقة بين الدين والسلطة ال مفر من التأكيد مرة أخرى على أن الدين عند "غوشيه" ليس ظاهرة مالزمة لالجتماع اإلنساني بصفة أزلية بل هو تأسيس واختيار يفسر ويفهم من خالل المعنى" "دين وعليه سيشكل الدين أصل سياسي فحواه منع أن يكون لألفراد سلطة على أفراد آخرين منع ارتهان البشر للبشر حسب بواسطة "دين المعنى" "غوشيه" المجتمع البدائي عاش مفارقة في محاولته للحيلولة دون اإلنقسام بحيث أنه في الوقت الذي حصن نفسه من كل انقسام داخلي يؤدي ضرورة إلى تقسيم المجموعة إلى مهيمنين وخاضعين فهي قد أوجدت األسباب وهيأت الظروف لمثل هذا حرب علي يف أصل العنف والدولة ص 272. غوشيه مارسيل أصل العنف والدولة ص املرجع ذاته ص 223.
22 اإلنقسام. ألن االستالء على هذا المخزون المعنوي والرمزي من قبل البشر يؤدي إلى االنقسام بين حاكمين وخاضعين ومن ثم نشوء الدولة التي ستستحوذ على "دين المعنى" وتصبح قائمة على هذا الرصيد المعنوي األمر الذي يفسر تعالي هذه المؤسسة على إرادة األفراد والمجموعات فالدولة هي الوجه " الجديد لالنقسام الذي كان يخترق المجتمع في األصل والذي يمثل وضعية ال تعرف أي إسم يمكن أن يعطيها سوى أنها شرط إمكان الواقعة االجتماعية نفسها". فبتحول الرصيد المعنوي ودين المعنى إلى البشر تغيرت العالقة رأسا على عقب من عالقة عمودية بين البشر والالمرئي المتسامي إلى عالقة أفقية بين بشر حاكمين وآخرين محكومين من خالل الدولة التي أزاحت دين المعنى وحلت محله وانطالقا من هذه اللحظة ستتغير طريقة إدارة المجتمع إلنقسامه وصراع فئاته "ال شك بأن حدوث الدولة يمثل تحوال شامال في طريقة ادارة المجتمع النفصاله عن البؤرة التي تكسبه معناه وشرعيته" إن هذه اإلحالة األخيرة تبرز مرة أخرى أهمية الديني وقيمته بالنسبة للسياسي األمر الذي يتيح الفرصة أكثر إلعادة فهم السياسي من خالل الديني من أن هذا األخير شكل مصدرا ورحما لسلطة قادمة عندما يتم تحويله من عالقة لوجودهم ونظامهم االجتماعي الى عالقة بين بشر حاكمين وآخرين خاضعين بين البشر والقوى المؤسسة "فوالدة الدولة تتناسب برأينا مع االنقالب الحاصل في استخدام البعد الخارجي لألساس االجتماعي حيث تحول االنقطاع بين )4( األحياء والقوة المؤسسة والمشروعة التي تنظم وجودهم من أداة للمساواة إلى وسيلة إخضاع. من جهة أخرى إذا عدنا إلى "بيار كالستر" الذي يمكن اعتبار مقاله مشروعا تمهيديا لمقال "غوشيه" حيث أن األول شيد الهيكل واآلخر أتمه فإنه يجب اإلشارة إلى مالحظة تعتبر نتيجة بها يمكن إتمام هذا العنصر يتعلق األمر بنمط أو نوعية السلطة التي يمتلكها أولئك المتميزين أو الموهوبين في المجتمع البدائي من قبيل الرؤساء والزعماء وأبطال الحرب...لندع "بيار كالستر" يبدي بهذا الشأن موقفه ثم نذهب إلى استنتاج المالحظات الالزمة عن ذلك "عالم ال تراتب فيه أناس ال ينقادون ألحد مجتمع ال يبالي بامتالك الثروة زعماء ال يرأسون ثقافات بدون أخالق ألنها تجهل الخطيئة مجتمع ال )5( طبقات فيه وال دولة...المجتمع البدائي هوكينونة غير منقسمة". إذا عدنا إلى السؤال السابق والذي يمكن أن ندعمه بسؤال آخر توضيحي: أال يؤدي وجود أفراد مثل شيخ القبيلة أو العشيرة والمحاربين واألبطال إلى تمايز وإنقسام اإلجابة البسيطة تكمن في الرجوع الزواوي رضا مالحظات حول نظرته اجملتمع ضد الدولة ص 90. غوشيه مارسيل املرجع السابق ص غوشيه مارسيل أصل العنف والدولة ص 232. )4( املرجع ذاته ص 237. )5( كالسرت بيار أثريات العنف أو احلرب يف اجملتمعات البدائية ص 200.
23 إلى سعي الجماعة إلى المحافظة على االنسجام والمساواة حيث ان هاجس االنقسام أرغم الجماعة إلى الحيلولة دون تراكم للثروة وذلك بعدم إنتاج الفائض الشخص الوحيد المطالب والمؤهل لذلك هو شيخ القبيلة لكنه فائض ال يستحوذ عليه بل يوزعه على أفراد القبيلة على شكل هيبات إذ أن هيبة ومكانة شيخ القبيلة تتناسب طردا مع كم الهيبات التي يوزعها على أفراد قبيلته وهو نفس وضع البطل فهو يتمتع بالهيبة والجالل نظرا لتضحياته في الحروب وهو مطالب بتقديم التضحيات األمر الذي ينتهي به في معظم الحاالت إلى الموت. هذا المآل التراجيدي للبطل وحتى للشيخ هي آلية تتوسل بها الجماعة للحيلولة دون استغالل الرصيد المعنوي للبطل ولشيخ القبيلة في إكساب الهيمنة وممارستها على اآلخرين من هذا كان شيخ القبيلة يتمتع بالهيبة وال.2 يملك السلطة والنفوذ وهذا ما ينصص عليه "كالستر" أي التفريق بين السلطة والهيبة واال نقع في الخلط بين السلطة النفوذ والهيمنة كصفات تالزم وجود الدولة واالنقسام والهيبة كصفة تتميز بها المجتمعات المضادة للدولة بواسطتها المجموعة من سجن البطل أو الشيخ أو الوجه" "فالهيبة تكون بدون سلطة وبدون نفوذ وهي هيبة تتمكن هذه بعض الشذرات من المقال األنتريولوجي الذي يحاول أن يفسر مسألة الدين السلطة-الدولة- وماهية االجتماع انطالقا من دراسة المجتمعات البدائية وعلى ضوئها إعادة فهم وترتيب العالقة بين هذه المسائل في المجتمعات المعاصرة وبهذه المناسبة علينا أن نطرح على أنفسنا السؤال: كيف يمكن توظيف نتائج الدراسة األنتريولوجية في دراسة المجتمعات العربية اإلسالمية خاصة االجتماع العربي قبل اإلسالم ونمط طبيعة السلطة وعالقتها بالدين أثناء فترة النبوة وبعدها- مرحلة الخالفة المقال األنتريولوجي واالجتماع العربي: إن مهمة هذا المبحث تقتصر وبكل وضوح على محاولة توظيف نتائج المقال األنتريولوجي الذي تم عرضه آنفا لفهم المسألة السياسية وتمفصالتها مع االجتماعي والديني في االجتماع العربي قبيل اإلسالم وغداة ظهور الدعوة المحمدية والمهمة المستعجلة هي فحص الظواهر التالية: االجتماع العربي في الجاهلية يقوم على القبيلة الممانعة للسلطة. القبيلة كجماعة تضامنية تشكل وحدة منسجمة تؤسس باالنتساب إلى جد مشترك القبيلة كجهاز سياسي يقوم -بوظائف سياسية- شيخ له هيبة وال يملك سلطة قهرية. يقوم على رأس هرمها القبيلة ككيان لها آلهتها حيث أن دين العرب يتميز بتعدد اآللهة وإن كانت الطقوس واحدة وبقدر ما كان دين القبيلة موحد لها فإنه شكل عائقا أمام اإلجماع العربي ككل. - الزواوي رضا مالحظات حول نظرته اجملتمع ضد الدولة ص
24 - القبيلة كيان ثقافي كذلك من حيث أن لكل قبيلة لغتها وأخبارها. )لهجتها( شعرائها أبطالها ايامها إن هذه الظواهر تشكل صفات تطبع االجتماع العربي ضمن فضاء يسميه القرآن وهو "الجاهلية" مجتمع كان يرهص بكل تأكيد بميالد مجتمع ناجز بدولة وسلطة وإذا كان االجتماع العربي قبل اإلسالم طمس وعومل على أنه "بقايا" أو آثار للعهود البائدة على حد تعبير "محمد أركون" بسبب توسع الدولة وظهور األديان التوحيدية والكتابة وكذلك بسبب المعيارية األخالقية الفترة -اإلدانة األخالقية والدينية- لتلك "فإننا نجد في القرآن كما نجد في المؤلفات الكالسيكية اإلسالمية معطيات هامة تتعلق بوضع العرب قبل اإلسالم وبداية االجتماع عامة سواء اقتصر األمر بتسجيل وقائع االجتماع عند عرب الجاهلية أم بإصدار أحكام تقويمية على هؤالء اقتضاها الوعي بالذات بعد التحول الذي أحدثه اإلسالم". هذه المعطيات باإلضافة إلى آثار ذلك العصر في مسلكياتنا اليومية وكذا معطيات الثقافة الشعبية تشكل موضوعا للدراسات األتنولوجية للمجتمع العربي والنبش في الماضي العربي البائد تاريخيا والمستمر معنا في مخيالنا وكيفية إدارتنا لقضايانا االجتماعية الثقافية والسياسية وباستخدام ما توفره علوم اإلنسان والمجتمع من أدوات سيمكن كذلك ال محال من تأسيس أركيولوجيا للسلطة في المجتمع العربي اإلسالمي تمكن من إلقاء الضوء على حاضرنا وفي هذا السياق فإن تفحص الظواهر اآلنفة بتوظيف نتائج المقال األنتريولوجي للكل من التالية: "بيار كالستر" و"مارسل غوشيه" يقود إلى تسجيل النتائج إن االجتماع العربي قبل االسالم يتأسس على ثنائية بدور حضر والفضاء الجغرافي الذي يشكل مجاله هو شبه الجزيرة العربية تحديدا عرب الجزيرة العربية الوسطى التي كانت في الماضي مركز وجود أنتريولوجي صامت ومتناثر اتجهت في طريق االنتظام في اتجاه األساسين الكبيرين أساس البداوة وأساس التحضر فقد كان العالم البدوي ينبني حول القبلية وكان عالم الحضارة ينبني حول الحرم في الحجاز كما في اليمامة" وإذا كانت المراكز الحضرية قليلة ونادرة فإن السمة الغالبة على الحياة االجتماعية هي سمة البداوة وحتى في الحواضر أو القرى كما يسميها القرآن فإن القبيلة تشكل مؤسسة الحياة االجتماعية بكل أبعادها البعد السياسي االقتصادي الديني الثقافي -القبيلة كهوية بالنسبة ألفرادها- وهذه المؤسسة تقوم على مبدأ القرابة والنسب أي االنتماء إلى جد واحد وحيث أن النسب يتحدد عن طريق األب ومهما يكن فإن الظاهرة الملفتة لالنتباه والمرتبطة بإشكالية هذه الدراسة أي السلطة هي حرب علي يف أصل العنف والدولة ص 23. جعيط هشام الفتنة اجلدلية الدين والسياسة يف اإلسالم املبكر ت: والنشر ط ص 22. جليل أمحد خليل بريوت دار الطليعة للطباعة 17
25 ظاهرة أن االجتماع العربي قبل اإلسالم اجتماع لم يعرف مبدأ الدولة بل هو اجتماع مضاد للدولة وممانع بتعبير ابن خلدون لكل سلطة أو انقياد أو خضوع وذلك لكونهم و"الستحكام عوائد التوحش و أسبابه فيهم و"غرانبوم اللغة الدين( " " وباالستناد إلى دراسات كل من أكثر بداوة من سائر األمم" "دونرDonner F" "Von GRUNEBAUM وليس أمة دولة" يستنتج "هشام جعيط" أن العرب كانو يشكلون أمة ثقافية كان العرب يشكلون وجودا ثقافيا و ليس كيانا سياسيا فقد )الدم "كان المشترك بين تلك الجزيرة العربية أنها لم تكن تعرف مبدأ الدولة إذ انها كانت تنظم وجودها كل أنواع الحياة المتداخلة على أساس القبيلة... ثقافية وليست أمة دولة". )4( كان العرب موحدين بالدم واللغة والدين فكانوا يشكلون أمة وهنا وجه شبه واضح بين هذا الوضع وما توصلت إليه الدراسات األنتريولوجية المذكورة آنفا في سياق هذه الدراسة فالمالحظات التي أبداها ابن خلدون والمدعمة بالوقائع التاريخية تنحو كلها إلى تأكيد فرضية أن االجتماع العربي وبسبب بداوته وتوحشه لم يعرف الدولة -عدم االنقياد والخضوع- فهو يجتمع مضاد للدولة مع العلم أن أطروحة ابن خلدون لماهية االجتماع واألساس الذي يقدم عليه يلتقي مع األطروحة الغربية التي تقوم على القول ألنه ال اجتماع بدون انقسام المجتمع إلى حاكم وخاضع وهو طرح يتعارض وأطروحة كل من "كالستر" و"غوشيه" من حيث ان االجتماع البدائي اجتماع مضاد للدولة ألنه اجتماع يقاوم ويستبعد االنقسام وذلك باستبعاد الدولة. االجتماع العربي إذن المؤسس على القبيلة اجتماع مضاد للدولة وحسب تفسير كالستر خاصة فإن القبيلة ولمواجهة التشظي واالنقسام وبالتالي الزوال حولت انقسامها إلى خارجها حيث أن األفراد يدينون بوجودهم إلى القبيلة ككيان أو شخص معنوي وإلى األجداد واألسالف وآلهة القبيلة فالحاكم وال قانون مكتوب وال حتى ثروة بمعناها الرأسمالي فالفرد يدين بالوالء لكل القبيلة التي تقوم بدورها بحمايته )5( عن طريق مؤسسة الثأر والتراث العربي األدبي الشعري منه خاصة وكذلك أيام العرب تؤكد هذه العالقة العضوية بين الفرد وقبيلته كما أن الشيخ أو السيد في القبيلة العربية يتمتع بالهيبة الوقار والتجلة وال يتمتع ابن خلدون عبد الرمحن املقدمة بريوت دار الفكر 2993 ص 227. املصدر ذاته ص 222. جعيط هشام املصدر السابق ص )4( املصدر ذاته ص 22. )5( على سبيل املثال ال احلصر قول الشاعر: أنا من غزية إن غزت أغزو وإن ترشد غزية أرشد.
26 بسلطة قهرية يمارس سلطة قهرية" "إذا كان لكل قبيلة بيتها القيادي البيت الذي يجري فيه تعيين أسيادها اال أنه لم يكن وفي هذا السياق يؤكد ابن خلدون على نمط السلطة التي كانت لألسياد أو الشيوخ تأكيدا ال لبس وال مواربة فيه من حيث أن األمر يتعلق بهيبة وقار وتجلة "وأما أحياء البدو فتزع بعضهم عن بعض مشايخهم وكبراؤهم لما وقر في نفوس الكافة لهم من الوقار والتجلة". وهذا التميز بين السلطة النفوذ والقهر وبين الهيبة يركز عليه "بيار كالستر" لتحديد نمط الخضوع في المجتمعات المضادة للدولة ومجتمعات الدولة حيث أن الهيبة هنا وخاصة في المجال الذي تتكلم فيه تقوم على أساس "دين المعنى" بينما الخضوع للسلطة يقوم على أساس القوة القهر واإللزام ومصدر هذه الهيبة يتحدد عند ابن خلدون في النسب الصريح الشرف والحسب )الكبرياء المؤهالت والملكات الشخصية يضاف إليها األفعال االجتماعية كالسخاء والكرم الذي يصل إلى حد التبذير...( هذه الهيبة والتي تحوي سلطة كامنة ستتضاعف في شخص النبي عندما ينطق بإسم اهلل كمبلغ لقوله وهديه أي السيادة العليا أو ذروة المشروعية وهنا نصل إلى أهمية الديني في صياغة السياسي وكذا تحديد االجتماعي من أجل ذلك كانت للدين أهميته األنتريولوجية والسوسولوجية ويؤكد "واضح شرارة" في معرض حديثه وتعليله لظاهرة توزيع المغنم والمبدأ الذي يؤسسها انطالقا من دراسته لكتاب الخراج للقاضي االثنان "أبي يوسف" حيث يقول "الدين في هذا المعرض يستبطن عقال أنتريولوجيا واجتماعيا وال ينفك -الشرائع الدينية والعقلنة االجتماعية- وأحدهما عن اآلخر... على مراتب اإلدراك والفهم اإلنساني... وهذا خيط لفهم إنزال االجتماع وفي هذا المعرض الفهم الديني هو فهم أساسي يستبطن إدراك أبنية جماعات ويرسي إنشاءها على وحدة وعلى عالقة داخل خارج وحاكم ومحكوم". وقد استثمر ابن خلدون هذا المعطى في تفسير قيام االجتماع العربي أي االجتماع القائم على الدولة برده إلى الدين فإذا كان االجتماع العربي قبل اإلسالم إجتماع قد خلى من الدولة بسبب "استحكام التوحش فيهم" ونظرا لبداوتهم فال ينقاد أحد لغيره وال يسلم له ولو كان ذا قربى" فإن الدعوة الدينية ستغير من هذا الوضع األنتريولوجي. هذا الدور وهي أسباب ال تختلف في جوهرها عن تلك التي صاغها ويقدم ابن خلدون األسباب التي من أجلها كان للدين المقال األنتريولوجي من حيث أن الدين يجعل األفراد متساوين في خضوعهم للمغاير الالمرئي الذي يقع خارج المجتمع فاألمر اإللهي "يجمع األهواء ويؤلف بين القلوب ويوحد الكلمة" يضيف ابن خلدون الى ذلك أن الدعوة الدينية تجعا جعيط هشام الفتنة ص 22. ابن خلدون عبد الرمحن املقدمة ص 272. و 0 ضاح شرارة حوار مع واضح شرارة ضمن سلسلة حوارات املستقبل العريب قبل اإلسالم واالجتماع السياسي بريوت مركز دراسات الوحدة العربية ط ص 93. اإلسالم واحلداثة 19
27 الغايات واحدة و المطلوب متساوي عند أفراد العصبية الواحدمن حيث أن " الصبغة الدينية تذهب بالتنافس و التحاسد الذي في أهل العصبية و تفرد الوجهة الى الحق فاذا حصل لهم االستبصار في أمرهم لم يقف لهم شيء ألن الوجهة واحدة و المطلوب متساو عندهم") ) 1 وإذا استدعينا المقال األنتريولوجي مرة أخرى وأقمنا عالقة تضايف بينه وبين المقال الخلدوني الذي هو في جوهره مقال تاريخي وأنتريولوجي فإن األمر يكشف عن دور الدين في االجتماع العربي وكيف شكال أصال وجذرا للدولة ففي المثال العربي كما المقال البدائي الوظيفة االجتماعية للدين )الجمع والتوحيد( تفهم من خالل البعد الرمزي للدين حيث أن هذه الوظيفة وظيفة دامجة وموحدة ألن الدين يعمل من خالل ربطه اجتماع الناس بمبدأ خارج المجتمع يحول دون االنقسام ودون ممارسة السلطة من واحد )حاكم( على اآلخرين )محكومين(. علما أن هذا التحليل وفيما يتعلق بقيمية الديني في الفكر الخلدوني ال يحضى بالقيمة التي أبرزتها الكثير من الدراسات األمر يتعلق بتحليل "ج.الييكا" الذي رغم تأكيده إن ابن خلدون قد أدرك الطابع السوسيولوجي للدين ولكنه ومن أجل إثبات "عقالنية" ابن خلدون وكذا خضوع الدين لقوانين العمران إذ بدى له أن ابن خلدون "قد أقصى اإللهي أو الميتافيزيقي من تحليله مختزل معادلة ابن خلدون: عصبية دعوة ملك. إلى عنصرين: عصبية ملك بدعوى أن تجربة المدينةكانت قصيرة جدا وكذا فشل مشاريع الدعوات الدينية وانتهائها إلى مبرر أديولوجي لممارسة السلطة وببقائها فال يبقى إال العصبية التي ال بديل لها وال تستثني شيئا "ويظهر أن قانون العصبية باعتبارها منبعا للقوة االجتماعية ال تستثني شيئا". ولكن في الحالة العربية كان ابن خلدون حاسما وكما تجلى من خالل نص المقدمة التي تم عرضه سابقا بل يذهب إلى أكثر من ذلك حين يؤكد أن الدولة العظيمة أصلها الدين وستكون لنا فرصة قادمة في الفصل الذي يلي اذ سنستعرض موقف ابن خلدون من السلطة وأثناءها سنسهب في هذه القضايا. استكماال للعرض السابق وتأكيدا لفرضية خلو االجتماع العربي قبل اإلسالم من الدولة ولفرضية أهمية الدين في السياسة فإنه يمكن القول بأن الوقائع التاريخية تؤكد هذا المعنى إذ أن الممانعة للدولة تستمر في ظل الدولة الناشئة في المدينة حيث أن تجربة هذه األخيرة مع األعراب -القبائل النازلة بتخوم المدينة- معروفة تاريخيا وقد أثبتها القرآن الكريم في عدة مناسبات مدينا إياها بشكل صريح وصارم ثم يأتي بعد ذلك الصراع الدموي بين دولة الخالفة والقبائل المرتدة حيث أصبح لكل حركة ارتداد دعوتها ونبوتها وهذا حدس ألهمية الدعوة والدين واألمر سيستمر في شكل ما يسمى في التاريخ اإلسالمي ب - الخروج- باسم دعوة دينية -سلطة رمزية جديدة- لمقاومة سلطة الدولة واألهم من ذلك كله توظيف الدينكسلطة رمزية ومصدر للشرعية في مقاومة السلطات القائمة فيكل المجتمعات اإلسالمية الراهنة (-ابن خلدون املقدمة 117 (
28 وهكذا وإذا أردنا العودة القهقري ملخصين ما جاء في هذا المبحث فإنه يمكن القول بأن االجتماع العربي قبل اإلسالم اجتماع يقوم على أساس القبيلة والتي تشكل وحدة مقاومة وممانعة لكل سلطة دولة على أساس أن السلطة مقسمة لوحدة وتماسك الجماعة وذلك بطرد هذا االنقسام إلى خارجها حيث يتساوى جميع أفراد الجماعة من خالل "دين المعنى" للخارج لروح األجداد اآللهة القبيلة وأما شكل السلطة أو طبيعتها ال يعدو أن يكون هيبة أو كما سماها ابن خلدون "تجلة ووقارا" للسيد أو الشيخ. الدعوة الدينية غداة مجيء اإلسالم تكون عامال حاسما في توحيد هذه القبائل اجتماعيا وثقافيا تمهيدا للنشوء مجتمع ناجز مجتمع دولة وأهمية الديني في صياغة السياسي في الحضارة اإلسالمية مسألة ال مشاحة فيها ولكن التحدي األكبر هو عملية االنتقال من مجتمع مضاد الدولة إلى مجتمع دولة وكيف أن السلطة أو الدولة في اإلسالم لم تصبح واقعا فعليا إال بعد أن حولت الرمزي إلى سلطة فعلية حيث أزاحته واحتلت الفضاء الذي أنشأه الدين. 21
29 الفصل الثاني : تفكير السلطة في الخطاب الفلسفي 22
30 على امتداد هذا الفصل وانطالقا من منطوق عنوانه سنقوم بعرض تاريخي إلشكالية السلطة في تاريخ الفلسفة الفلسفة السياسية على وجه التحديد وهو عرض في انتقاء ألسماء نعتقد أنها نموذجية من خاللها نحاول الكشف عن عالقة المعرفي بالسلطة وفي نفس الوقت تحديد الشروط والسوسيوثقافية التي حددت تلك العالقة وإذا كان المنظور التاريخي الخطي- التاريخية سيغلب على هذا العرض نظرا لطبيعة هذا الفصل فإنه يتعين ذلك الكشف من ناحية أخرى عن ثوابت هذا التاريخ الذي يضج بالحركة التفاصيل كما أنه من المهم مالحظة أن هذا التاريخ يخص في معظمه الفلسفة السياسية لتجربة الغرب الحضارية وهي تجربة يتمفصل فيها الفكر السياسي "الغربي" الفلسفي مع التغيرات السياسة المرتبطة بدورها وبشكل معقد مع عوامل متعددة على هذا األساس سيتطور هذا الفكر من مرحلة "المدينة الدولة" اليونانية إلى اإلمبراطورية إلى مرحلة األمة ولكل مرحلة أسماؤها وفكرها وضمن هذا التاريخ العالمي يتموقع العالم اإلسالمي مؤثرا ومتأثرا حيث أن الفترة التاريخية التي تتجه إليها هذه الدراسة ستجعل الفكر الفلسفي السياسي أو على األقل التفكير في السلطة في اإلسالم يتأثر حتما بمناخ الدولة اإلمبراطورية في القرون الوسطى وذلك من خالل النموذج الذي ال يمكن تجاوزه في هذا اإلطار النموذج الخلدوني كما أنه وقبل أن نلج هذا الفصل في جانبه المعرفي يجب اإلشارة إلى أن وجود هذا الفصل وجود وظيفي يتمثل أساسا في توظيف المفاهيم واألفكار التي ترد في قراءة وفهم عالقة المعرفي بالسلطة في أرض اإلسالم. وقد حاولنل قدر اإلمكان أن تكون مباباحث الفصل مغطية ألهم القضايا المتعلق بالسلطة في تاريخ الفكر الفلسفي ومن أجل ذلك راعينا التقسيم التاريخي في ترتيبها فكانتكما بيي : 1 -السلطة في فكر المدينة اليونانية. 2 -السلطة في العصر الوسيط من "مدينة اهلل" الى قانون "العصبية" الخلدوني. 3 -نحو علمنة السلطة في العصر الحديث. 4 -السلطة على نحو آخر في الفكر المعاصر. المبحث األول :السلطة في فكر المدينة اليونانية : ال شك أن للفكر السياسي جذورا في الحضارات الكبيرة في آسيا ومصر القديمة باعتبار أن هذه المناطق عرفت كيانات سياسية "ومع هذا فإن الفكر السياسي لم يبدأ حقيقة وبشكل جدير بهذا االسم إال في إطار المدينة الدولة- Etat la Cité في اليونان القديمة: وهو إطار ضيق لكنه مالئم بشكل 23
31 فريد لتطبيق "الملكة العقالنية" على قضايا السلطة وبالتالي السياسة وعلى الممارسة الحرة لهذه الملكة في ميدان حضور تقريبا في أي مكان آخر". فالمدينة الدولة-اإلغريقية اإلطار الذي اجتمعت فيه كل السياقات التي أدت إلى ميالد تجربة وفلسفة سياسيتين شكلتا مرجعا للفكر الفلسفي السياسي برمته ولعل مما له داللة أن مصطلح «politique» نحت من الكلمة «polis» والتي ليست إال المدينة اإلغريقية التي شكلت مكانا مثاال لنشوء العقالنية اليونانية والتي تجسدت في أعمال فالسفةكبار كأفالطون وأرسطو فكيف أتاحت المدينة اليونانية الفرصة لهذه النهضة الفكرية والتجربة السياسية الغنية قد شكلت المدينة بالنسبة لإلغريق الوحدة المثالية للحياة االجتماعية واإلطار األمثل للحياة المشتركة إنه مجتمع كامل مكتف بذاته يتيح للمواطن اإلغريقي الحر أن يعيش أبعاد فرديته وأن يتعاون مع المواطنين اآلخرين للحفاظ على المدينة التي أصبحت شرطا لكل حياة اجتماعية حرة ولعل طبيعة المدينة كمكان دولة صغيرة المساحة محدودة السكان-قد حددت الوضع االجتماعي السياسي والفكري ومن ثم في نمط السلطة: حيث أنه من المعروف "أن المكان يتدخل بأشكال مختلفة في الحياة االجتماعية وانطالقا من هذا في لعبة السلطة: هو دعم للنشاط ويتدخل عندئذ بالمدى. هو حاجز أمام حياة الواصل. يشكل قاعدة للنشاط الرمزي إنه يمكن الكالم والوضع هكذا عن خلق للمدينة أو روح المدينة التي تنعكس على مواطنيها والمدينة اإلغريقية كمكان سوسيولوجي صغير المساحة ومحدود السكان قد مكن من حياة اجتماعية مشتركة متماسكة ذات غايات أخالقية منسجمة كما أتاحت االمتيازات األمر الذي جعل من هذه الدولة إطارا مقدسا للمواطن اليوناني "لقد كان هؤالء األفراد يندمجون بشكل وثيق بمدينتهم التي كانوا يجدون فيها كما هو ضروري لتفتحهم الشخصي. إن الخلق الخاص «Ethos» بالمدينة أي طريقة شوفالييه جان جاك تاريخ الفكر السياسي ت: حممد عرب صاصيال بريوت املؤسسة اجلامعية للدراسات والنشر والتوزيع 2932 ج 2 ص 09. كالفال بول املكان والسلطة ت: عبد األمري إبراهيم مشس الدين بريوت املؤسسة اجلامعية للدراسات والنشر والتوزيع 2990 ص.29 24
32 وجودها وحياتها الخاصة و"الطابع" الطي كانت تنفرد به كان يطبعهم بطابع ال يمحى لقد كانوا خاضعين تماما للقانون الذي يعبر عن الخير المدني المشترك". وفي السياق الذي نتكلم فيه-الفكر السياسي والتفكير في السلطة- فإن مسألة شكل الحكم والدستور كانت اإلشكالية األبرز التي ارتبطت اإلجابة عنها بل وبممارستها بخلق المدينة وكان النقاش السياسي يغذي الفكر بل الفلسفة اليونانية التي كانت في جوهرها فلسفة انبثقت من المدينة ومن أجلها. التاريخ السياسي للمدن اإلغريقية يبين أنه قد جربت كل أشكال الحكم المعروفة الملكية األرستقراطية األوليغارشية الديكتاتورة الديمقراطية وبالتالي أتاحت هذه التجربة الغنية الفرصة أمام الفكر للمقارنة واالجتهاد حول ما هو العامل الذي يؤهل قيادة البشر وحكمهم: الشريف الثروة الحكمة...إلخ. القوة العدد األصل ضمن هذا األفق أتاحت المناقشات الصراع والجدل حول هذه العوامل التفكير في النموذج المثالي للحكم والدستور األمثل للمدينة هذا هو السياق العام الذي اطر الفكر السياسي اليوناني لفكر له بعده األخالقي والعملي من حيث أن الفالسفة اعتبروا أن المدينة مكانا مشتركا يتأسس على قواعد أخالقية قواعد الخير ومن أجل الخير وكانت المدينة مثل في كليتها تسعى لتحقيق غايات أخالقية ذات طبيعة عملية بالتعويل على نوعية من المواطنين اكتسبوا المعرفة والحكمة العملية إنهم المشرعون من "ليكيرغ "Solon" و"سولون "Lycurgue و"كليستين "clisthenes...إلخ الذين اعتبروا أبطاال وشخصيات شبه الهية وأسطورية يلجأ إليهم لتأسيس المدن وتشخيص أمراضها هذا الدور سيتوق له أعظم مفكري وفالسفة اليونان أفالطون وأرسطو من أجل إعادة صياغة المدينة المهددة وفق نموذج مثالي أفالطون والحاكم الفيلسوف أو الفيلسوف الحاكم: مع أفالطون ستصبح المعرفة هي السيدة في المدينة والشرعية شرعيات أخرى الجماعة القوة النسب المال...إلخ. "إن "أفالطون" الوحيدة لكل سلطة فيها مستبعدة الحكمة العملية من اإليديولوجيا السفسطائية ألن أول نقد سياسي وجهه أفالطون "Protagoras منطق الحكمة" شؤون المدينة وتسوسها من خالل أعماله يعد منقذ "لبروتاغوراس هو شجب مقولة حكم الجماعة واالستعاضة بمقولة االستنطاق السياسي المبني على فوق أي منطق تصبح المعرفة في أرقى أشكالها أي الفلسفة أو الحكمة سلطة تدير شوفالييه جان جاك تاريخ الفكر السياسي ص 22. "أخيرا فهمت أن كل المدن الحالية تحكم بطريقة سيئة ألنه ال أمل تقريبا في عبد القادر بوعرفة مقدمات يف السياسة املدنية اجلزائر رياض العلوم للنشر والتوزيع 2002 ص
33 شفاء تشريعاتها بدون تحضيرات نشيطة تتضافر مع ظروف مواتية: لذلك كنت مدفوعا بشكل ال يقاوم لمدح الفلسفة الحقيقية واإلعالن أن على هديها فقط يمكن أن نعرف على أين تكمن العدالة في الحياة العامة وفي الحياة الخاصة إن المصائب التي تتوقف إذن بالنسبة للناس قبل أن يصل إلى السلطة عرق من الفالسفة األنقياء والحقيقيين أو أن يأخذ رؤساء المدن بفضل نعمة الهية بالتفلسف حقيقة". يشير هذا النص الهام ألفالطون إلى ثالثة روافد أساسية تكون المسألة السياسية عند أفالطون: التفكير في أزمة المدينة اليونانية )أثينا( ضرورة معرفة ماهية العدالة وتحقيقها في الحياة العامة والخاصة كعالج ألمراض المدينة وفسادها المدينة الحقيقيةكوسيلة لتحقيق العدالة الخير ومن ثم السعادة وقبل تحليل هذه الروافد يجب أن نالحظ عالقة التالزم المنطقي بينها كقضايا تشكل في األخير الحياة الفلسفية والعملية ألفالطون وهذا يحيل إلى القول بأن المشروع الفلسفي األفالطوني لم يكن إال مشروعا سياسيا في جوهره إلى درجة نقول معها أن السياسة كانت الطريق الملكي للفلسفة عنده فهو: "لم يأت في الواقع إلى الفلسفة إال عبر السياسة ومن أجل السياسة". لقد دشن أفالطون القول الفلسفي كقول منظم ومنسق ومن خالل ذلك دشن التفكير السياسي كنسق ومن ثم كمشروع ظل في عالقة تالزم مع الفلسفة لدرجة التماهي حيث األفالطونية مصراعين: "أن للممارسة القولية يرتكز األول على ممارسة سياسة ويشيد في الثاني نظرية فلسفية متماسكة األركان. فليست هناك عند أفالطون نظرية في الممارسة المستقلة عن نظرية المعرفة فأفالطون الفيلسوف هو في اآلن نفيه المفكر السياسي فهل هو تماهي بين المعرفة والسلطة في فلسفة أفالطون عالقة المعرفة بالسلطة وموقع الفلسفة في المدينة األفالطونية يمكن الكشف عنها من خالل تحليل الروافد التي سبق وأن أشرنا إليها غداة تحليل نص أفالطون: 1-2 -التفكير في أزمة المدينة اليونانية )أثينا(: ال يتأسس القول الفلسفي في السياسة لدى أفالطون إال من خالل تشخيص بل ونقد الواقع السياسي والفكري واألخالقي للمدينة فأفالطون والذي ينتمي إلى أسرة أثينية نبيلة والذي 29 نقال أفالطون األعمال الكاملة الرسالة السابعة باري منشورات Belles Lettres عن جان جاك شوفالييه تاريخ الفكر الفلسفي ص 73/ شوفالييه جان جاك تاريخ الفكر السياسي ص 73. الرتيكي فتحي أفالطون الديا ليكتية تونس الدار التونسية للنشر ص 22. اجمللد 27 اجلزء األول ص 26
34 بحكم وضعه االجتماعي وكذا طبيعته يجد نفسه مهتما بالشأن العام وملتزما بقضايا أثينا هذه المدينة التيكانت خاضعة لحكم الثالثين ولتحل محله الديمقراطية األثينية بعد هزيمة أثينا هذه الديمقراطية التي حكمت على معلمه ومثاله األعلى بالموت شكلت له صدمة وخيبة أمل في كل األحوال أستهدف أفالطون بالنقد شرور المدن الموجودة وأنواع الحكم فيها خاصة مدينة أثينا التي ترزح تحت وطأة الفساد وعدم الكفاءة االنقسام بين مدينة األغنياء ومدينة الفقراء من أجل ذلك كتابات أفالطون عبارة عن حوارات ضخمة فيها عرض لكل االعتقادات السائدة والوقائع المسيطرة في المدينة ومن خالل دحض تلك االعتقادات والوقائع يتأسس مشروع أفالطون الذي يجد تأسيسه ومبتدأه عند سقراط هذا المشروع ال يمكن فهمه إال عندما يوضع في السياق االجتماعي والسياسي الذي نشأ فيه لذا "يجب على الباحث في الفالطونية أن يرجع إلى البيئة االجتماعية والسياسية ألثينا في ذلك العصر من ناحية ومن ناحية أخرى إلى محاولة تنسيق األفكار المتداولة وإعطائها نصيبها من العلمانية أي هذا التنسيق الذي شرع فيه سقراط وأعطاه أفالطون صيفته النهائية...". األمراض التي تعانيها مدينته وخيبات األمل قادته إلى جملة من الرحالت التيكان لها أثر في بلورة فكره السياسي إلى مصر فإلى صقيليا وجنوب إيطاليا )سيؤافوزا( والتي عاد إليها مرتين وهو إلحاح رغم اليأس على واجبه كفيلسوف لهداية الحاكم الطاغية "ونيس" ولدى عودته إلى أثينا في المرة األولى أسس األكاديمية وألف الجمهورية وهو مؤلف ضخم صيغ فيه حوارات سياسية تتعلق بالمدينة ورغم أن أفالطون سيؤلف بعد الجمهورية أعماال ألخرى أكثر هدوءا ورصانة بل وجنوحا إلى الواقعية السياسية بالقياس إلى مثالية الجمهورية إال أن الجمهورية ظلت هي النجمة الالمعة في سماء الفكر السياسي األفالطوني خاصة والفكر اليوناني عامة لدرجة اقتران اسمها باسمه فهي تدل عليه وهو يدل عليها صحيح أن أعماله التاليةكانت مراجعات وتعديالت ألفكاره في الجمهورية إال أن أفالطون ظل يؤكد دائما بشكل أو ألخر على ثابت هو المعرفة الحقيقية فالسياسي يجب أن يحكم بسبب معرفته وحكمته التي تؤهله أن يحتوي كل التعارضات والتناقضات التي تعج بها المدينة في نسيج كامل حيث يتماثل على السياسي بعمل النساج الفنان وفي كتابه "القوانين" حيث يرد االعتبار إلى القوانين أو التشريع لكن يبقى كاختيار ثاني وتبقى مدينة القوانين مدينة من الدرجة الثانية ومع ذلك تبقى المعرفة العقلية الحقيقية مصدرا لهذه القوانين وهبة من العقل المستنير بنور الخير الجاذب للفضيلة. المعرفة العقلية تظل هي السيدة في الجمهورية هي من تحدد السياسي وتعطيه شرعية القيادة وأخيرا هي مصدر التشريع في مدينة القوانين. املرجع ذاته ص
35 1-3- معرفة ماهية العدالة تؤدي إلى معرفةكيف تتحقق: ما هي العدالة هذا السؤال السقراطي يولد إجابات متعددة متعارضة وحتى متناقضة يعرفها أفالطون في الجمهورية بكثير من التمحيص حارصا على تجاوزها إلى ما يعتقد أنه العدالة الحقيقية إنها ليست مصلحة األقوى وليست تسوية كحد وسط بين اتيان الظلم بدون عقاب باعتباره خيرا وبين قبول الظلم والعجز عن االنتقام كشر كما أنها ليست حتى إعطاء كل واحد حقه إذ هي العدالة الفردية عدالة السفسطائيين واألولوية للعدالة العامة عدالة المدينة التي تحدد عدالة الفرد عدالة أفالطون تبدأ من تصور نشوء المدينة وتكونها وجود المدينة جاء استجابة لطبيعة البشر الناقصة العجز عن االستغناء عن اآلخر لتحقيق الحاجات التفاوت في القدرات بين الناس وتقسيم العمل هو ما يؤسس المدينة التي عندما تكبر وتتعدد فيها المهن تبعا لنشوء حاجات جديدة فيها وهكذا تتعدد المهن وتدرج وفق أهميتها والمؤهالت التي تتطلبها من األعلى إلى األسفل من الحاكم الفيلسوف الحراس الكاملين كما يسميهم أفالطون. إلى الحراس المساعدين )المحاربين( إلى الحرفيين والتجار وأصحاب المهن ولكل فئة فضيلتها الخاصة فضيلة العقل الشجاعة الغريزة ولكل فئة فضيلتها الخاصة وهي متدرجة من األعلى إلى األسفل على شكل سلم قيم يماثل تسلسل وتدرج قسيم المعادن الذهب الفضة البرونز الحديد مع العلم أن هذه المماثلة بين سلم قيم اجتماعي وسلم قيم فيزيائي معادن- ال يجعل من الطبقة عالما مغلقا ستاتيكيا بل على المستوى االجتماعي هناك حركة وديناميكية فلو ولد ولد من برونز ألب من ذهب يتقهقر للطبقة األدنى والعكس صحيح والذي يقرر ذلك هو الحاكم هذا التسلسل االجتماعي الوظيفي هو ما حدد العدالة في المدينة األفالطونية إنها بكل بساطة احترام هذا التسلسل إن العدالة تتحقق في هذا الكل االجتماعي عندما يقوم كل فرد بوظيفته المتوقعة مع مؤهالته وأن يبقى في ذلك المكان والعدالة على مستوى الفرد ليست إال ذلك االنسجام والتناغم بين قواها الثالث الفرد سيكون عادال ومنسجما كما المدينة وهذه األخيرة ال تكون عادلة في كليتها إال عندما تكون من أفراد عادلين عالقة التضايف بل والتالزم بين عدالة الفرد وعدالة المدينة ومسألة التقسيم الثالثي قوى للنفس وفي المدينة ثالث فئات في الفرد ثالث تؤكد ما شرعنا فيه القول في هذا المبحث عالقة التماهي بين المدينة و مواطنيها في الحضارة اليونانية حيث أن األهمية الحقيقية للتقسيم الثالثي المتوازي الذي اقترحه مؤلف الجمهورية "ثالث أجزاء في النفس الفردية وثالث فئات متسلسلة في المدينة تكمن في أن يبرز فكرة أساسية في العالم الهليني هي فكرة المدينة الفردية إحدى مكوناتها وإحدى نتائجها في آن معا". "باعتبارها النفس المشتركة التي تعتبر النفس الرتيكي فتحي أفالطون و الدياليكتية املرجع السابق ص
36 1-4- المعرفة العقلية وسياسة المدينة: تحقيق العدالة بالشكل الذي تم تصوره ومن ثم تحقيق مدينة السعادة والخير األسمى مرهون بوضع السلطة بين أيدي الفالسفة فإذا جاز لنا اعتبار المدينة التي ال سلطة للفلسفة فيها مدينة كهف فإن اليوائق المعرفية المعرفة الحسية المعرفة الضنية واألخالقية- الظلم الفساد الرداءة...- ستتسم لها هذه المدينة الكهف وصالحها من هذا التردي المعرفي واألخالقي يقع على عهدة الفالسفة الحقيقيين وهي رحلة صعود من عالم المحسوسات حيث هناك من هم في حاجة إلى المعرفة الحقيقية إنه الديالكتيك األفالطوني "فالديالكتيكية هي الصعود الذي يصل بنا درجة فدرجة إلى معرفة الجوهر في حد ذاته نعني الخير المطلق وهي أيضا في نفس الوقت رجوع إلى عالم المحسوسات لتبين للناس معرفة حقيقية وبالتالي لتثقيفهم ثقافة سياسة". الفيلسوف الحاكم إنه يمثل تركيبا - synthèse يحشد أفالطون كل المؤهالت والفضائل في شخص مثالي لكل الفضائل الجسمانية والعقلية واألخالقية فهو ذلك الشخص الذي يمتلك المعرفة الحقة معرفة الخير الذي تعصمه التيه في المتغير والمتعدد " نإ غير الفيلسوف يتيه في تعددية المواضيع المتغيرة أما الفيلسوف فلديه في روحه نموذج مضيء هو فكرة الخير" وعليه ستكون مهمة الفيلسوف وبفضل المعرفة التي حاز عليها تحرير بقية الناس من سجنهم في الكهف عالم الحس الذي يعتقدون فيه الظالل الخادعة حقيقة تحريرهم من الضن واالرتقاء بهم إلى نور المعرفة معرفة فكرة الخير إن هذه الفئة سواء كانت شخصا واحدا أو مجموعة هي الفئة المؤهلة لقيادة المدينة وتحقيق العدالة فيها وهكذا تصبح المعرفة سلطة بل السلطة الوحيدة التي تحقق العدالة ومن ثم السعادة من حيث أن المعرفة الحقيقية هي كشف وتمييز. هي معرفة كلية قادرة على الوصول إلى معرفة الماهيات الثابتة وذلك هو الفلسفة وقد تطابقت مع السلطة. حلم أفالطون أن يرى إن جمهورية أفالطون كحلم أو إيتوبيا شكلت نموذجا مثاليا أو سماويا رأى البعض فيه ابتعادا عن روح المدينة الحقيقية التي اقترب منها في مؤلفاته التي تلت الجمهورية لقد استبعد نموذجهكل مشاركة أو دور سياسي لماكان يشكل األغلبية في المدن اليونانية كالذين يؤلفون الطبقة االقتصادية من جهة أخرى هذا النموذج السماوي كان يجعل القانون الذي حل محله حكم وسلطة الفكر l idéocratie رغم أن ألفالطونكل المبررات الواقعية والتاريخية المبثوثة في جمهوريته لتبرير مثل هذا الحكم أرسطو سلطة العقل أم سلطة القانون الرتيكي فتحي أفالطون والديا ليكتية تونس الدار التونسية للنشر ص 27. شوفالييه جون جاك تاريخ الفكر السياسي مرجع سابق ص
37 مع أرسطو الواقعي قياسا بأستاذه أفالطون المثالي ستنزع السلطة رداء الحكمة والفلسفة التي وشحها بها أفالطون لتتجرد وتصبح عارية إال من طبيعتها مع أرسطو ستتغير جغرافية العالم الهلنستي وبنيته االجتماعية والسياسية من ذلك أنه لم تعد الدولة المدينة الدولة -مستقلة ومحافظة على هويتها واستقالليتها ولم يعد العالم منقسما إلى يوناني حر وإلى بربري لقد حدث انتقال من المدينة الدولة إلى "المدينة العالمية" أو اإلمبراطورية التي ستوحد المدن اليونانية تحت سلطتها وتنطلق إلى بقية العالم لكي تضمه إلى هذه الوحدة وبطل هذا التحول هو" السياسة" " ومع ذلك فان اإلسكندر المقدوني" الذي تربى على يد أرسطو المعلم ظلت إلى حد ما سياسة نشأت من المدينة وألجل المدينة في خضم هذه التحوالت وفي خضم عالقة الفيلسوف والمعلم األول بالحاكم صاحب السلطة المطلقة يجب أن نستخلص الفكر السياسي األرسطي كيف فكر السلطة وأية مكانة للفلسفة والمعرفة في المدينة األرسطية األرضية المدينةكغاية: لعل الولوج إلى فكر أرسطو السياسي يكون من بوابة المدينة تحديدا صورة وتمثل المدينة عنده إنجاز هذه المهمة تضطرنا إلى الخضوع إلى منطق مفاده إيجاد العالقة المنطقية- التالزم- بين العناصر التي تكون السياسة المدينة األمر يتعلق بالعالقة بين: المدينة القانون العدل السلطة. بداهة المدينة هي المجال الذي يضم هذه الوقائع وهو مجال يوجد كاستجابة للطبيعة اإلنسانية كحيوان سياسي حيث تصبح غاية كال اجتماع هو المدينة وبما أن غاية الشيء عند أرسطو تشكل طبيعته وخيره األسمى فإن المدينة تصبح طبيعة االجتماع اإلنساني وخيره األسمى الذي ينشد بلوغه من خالل نموه وتطوره وعليه ولبلوغ هذه الغاية يمر االجتماع اإلنساني بمراحل من التطور يرتقي من األدنى إلى األعلى: القرية العائلة المدينة التي سوف تتميز بوجود سلطة تعنى بالشأن العام وهي سلطة تختلف في طبيعتها ومداها عن أنواع السلطة التي توجد على مستوى العائلة أو على مستوى تجمعات أدنى من المدينة "ألن المدينة هي غاية هذه التجمعات وطبيعة أي شيء هو غايته ألننا نقول عندما يصل أي شيء إلى نهاية نموه إن في هذا طبيعة الشيء... وعالوة على ذلك فإن العلة النهائية وغاية الشيء هي ما يشكل خيره األسمى". وطبقا لفلسفة أرسطو الغائية فإن غاية الشيء تشكل الصورة أو الهيأة الكلية والنهائية السابقة عن وجود الشيء نفسه الذي صيرورة نموه ووجوده تنتهي به إلى تحقيق تلك الغاية فإن المدينة والحال كهذه غاية سبقت وجود األفراد والتجمعات األقل منها. وبمناسبة ذكر األفراد ماديا فان االنتماء الى المدينة غاية طبيعية للفرد انتماء من شانه أن يؤدي الى تحقيق الفرد لطبيعته اإلنسانية مادي أخالقيا (1)- Aristot, La politique, T : par : J. Tricot, Paris, VRII, 1970, P
38 وعقليا "إن هذا االنتماء هو الغاية الطبيعية للنمو الفردي إنه يعطي اإلنسان معناه الحقيقي ويسمح له بتحقيق طبيعته الحقيقية". ويواصل أرسطو فيكتابه "السياسة" وككائن ناطق عاقل "فمن البديهي أن يكون اإلنسان حيوانا الكالم عن هذه الطبيعة كحيوان سياسي سياسيا مرتبته أعلى من نحلة ما أو من أي حيوان آخر يعيش في قطيع إذ اإلنسان هو الوحيد من بين كل الحيوانات يمتلك الكالم". مما يجعل من المدينة ليس مجرد مجال لتجمع أفراد للعيش معا في إطار جماعة إلشباع حاجات مادية ولكن كمجال لتحقيق الطبيعة األخالقية لإلنسان وكنتيجة لذلك تحقيق "الخير األسمى" إنها أي المدينة "ال تختصر في جماعة مكانية يتشارك فيها الناس بهدف تأمين وجودهم المادي إنها من حيث ماهيتها تجمع من أجل عيش جيد من أجل العيش بصفة مشتركة بأفضل طريقة ممكنة أخالقيا أو ماديا من أجل تحقيق السعادة والفضيلة في حياة كاملة ومستقلة". يجب أن نالحظ أية عالقة حميمية بين السياسي واألخالقي عند أرسطو. "النيقوماخ" وضوحا منها في من أجل ذلك هي فضاء لتحقيق غايات أخالقية وبهذا حيث أن بحثه في األخالق في يستبطن دالالت سياسية واضحة وربما كانت تلك الدالالت السياسية في النيقوماخ أكثر )4( "السياسة" إن ما نالحظ على أرسطو أن كتابه في السياسة هو كتاب في الدستور أكثر منه في السياسة وأن فلسفته السياسية تستقي من كتابه أخالق نيقاماخوس حيث يتجلى األفق السياسي )5( الخصب والنظرة العقالنية للمدينة والسياسة". عند أرسطو يشكالن رافدين يصبان في نهر واحد. ومهما يكن فإن البحث األخالقي والبحث السياسي والسؤال األهم الذي يطرحه أرسطو هو من سيكون صاحب السيادة في المدينة أيهما أفضل حكما سيادة القانون أم حكم اإلنسان السلطة للقانون: سيكون هذا العنصر إجابة عن السؤال المطروح اذ أن إجابة أرسطو المختصرة هي: القوانين هي األفضل هذه اإلجابة جاءت بعد مناقشة مستفيضة لألطروحتين أطروحة الحاكم األفضل أم القوانين األفضل المبررات عديدة لعل أهمها موضوعية القوانين عموميتها وثباتها فهي موضوعية وأنها عامة ومجردة بينما اإلنسان يخضع إلغراءات نفسية وضغوط مصلحته الذاتية ويحرف مبدأ المساواة والعدالة ليتحول إلى طاغية كما أنه سيكون مضادا للطبيعة أن يحكم شخص بقية أشخاص متشابهين ومتساوين في شوفالييه جون جاك تاريخ الفكر السياسي ج 2 ص 33. (2)- Aristo, La politique, P 29. )4( شوفالييه جون جاك املرجع السابق ص 33. أضيف إليه. مازال هناك جدل حول هذا الكتاب من حيث نسبته ألرسطو ومن حيث خاصة ترتيب أجزائه وما هو ألرسطو وما )5( بوعرفة عبد القادر مقدمات يف السياسة املدنية مرجع سابق ص
39 الحقوق والمكانة متى والحال هكذا يتدخل اإلنسان إن السلطة السيدة في المدينة تظل في عموميتها للقانون وفي حالة - عجز القانون لعموميته وعدم قدرته على اإلحاطة بالحاالت الخاصة والمتغيرة فإن أرسطو يقترح وبعد أن يوازن بين حلين متناقضين: اإلنسان الكامل أو هيأة من المواطنين مؤهالت تشبه اإلنسان الكامل باالجتهاد والحلول ذكرناها. أن تقوم هيأة من المواطنين منبثقة من األكثرية ولها مكان القانون في الحاالت االستثنائية التي إنها حكم النخبة والتي تتمثل وظيفتها في كونها حارسة للقوانين.وألن القانون منبثق من الدستور فإن الجزء األكثر أهمية وأولوية في الدستور هو ذلك الجزء الذي ينبثق منه القانون تحديدا الجزء التشريعي الذي هو السلطة السيدة وإذا كان هذا الجزء يعبر عن سلطة وسيادة القانون والتشريع فإن الجزء الثاني أي فئة الحكام المنفذين يستمد سلطته من الجزء األول مهمة الحكام إذن هي حراسة القانون وتنفيذه. أرسطو المحافظ سيهتم كثيرا بمسألة ديمومة النظام واالستقرار السياسي فهو يعتبر أن الفشل في تنظيم السلطة القضائية والتي تعتبر الجزء الثالث من الدستور مسؤوال عنها يسبب الثورات ويؤدي إلى اختالل النظام وتغيره فمسألة تغيير القوانين مسألة غير محبذة واالستهتار بالقوانين واألعراف تؤدي إلى االستقرار "إن سلطة القانون في تأمين الطاعة والوالء والمحافظة على االستقرار السياسي تقوم غلى مدى كبير على العرف واالستخفاف بسهولة بالقوانين القديمة واستبدالها بقوانين جديدة ستؤدي إلى إضعاف أعماق جوهر القانون. ما هو مصدر السلطة سلطة الحكام واضح من خالل العرض السابق وحسب التسلسل المنطقي أن السلطة تنبثق من القوانين وسلطة القوانين إنما تنبثق من سلطة المشرع الدستور- والمشرع له مهام ذات طبيعة تربوية فعلية تقع على عهدة استدماج هذه القوانين في أرواح المواطنين وهذا ما يدخل في روح الدستور وهو أمر يحتاج إلى وقت لتصبح معها القوانين عادات وأعراف من هنا وكما أسلفت التأكيد على المحافظة على القوانين مكتوبة كانت أم كانت في شكل أعراف وعليه فليس من المستغرب على اإلطالق أن تكون "سيادة القانون هي المساهمة األثمن التي قدمها أرسطو للدستورية في األزمنة التالية". مييز أرسطو بن ثالثة أجزاء للدستور جزء خاص بالتشريع جزء خاص بالتنفيذ )احلاكم( جزء خاص بالعدالة والقضاء وقد أخذ بتصنيف أفالطون للدساتري واملقياس يف هذا التصنيف هو املصلحة العامة.. ديورنت وول قصة الفلسفة ت: فتح اهلل حممد املشعشع بريوت مكتبة املعارف ط ص شوفالييه جون جاك تاريخ الفكر السياسي ج 2 ص.32 32
40 1-2-3 العدالة والخير في مدينة أرسطو: كل الطرق تؤدي إلى غاية واحدة في مدينة أرسطو تحقيق الخير األسمى والسعادة فالمدينة األرسطية هي جماعة لها غايات أخالقية كما أسلفنا يحكمها القانون الذي يعبر عن هذه الغايات األخالقية ويحققها وبالنسبة ألرسطو االلتزام بالقانون هو التزام أخالقي واحترامه يؤدي إلى تحقيق العدالة فما هي العدالة وأية عالقة تقوم بينها وبين السياسة ومن ثم السلطة يميز أرسطو بين نمطين من العدالة العدالة الكلية أو العامة والعدالة الخاصة فالعدالة العامة أو الكلية هي تلك العدالة المرتبطة بتحقيق المصلحة العامة ومصلحة الغير وهي عدالة تجمع كل الفضائل أو هي الفضيلة الكبرى والقانون الذي يشكل القاعدة األخالقية للجماعة الخضوع له هو ما يحقق العدالة. وفي معناها الخاص وفي خضم الحياة العملية واالجتماعية في المدينة التي مواطنوها متساوون نفهم العدالة في عالقتها بالمساواة فعندما ال يأخذ المواطن إال ما يستحقه احتراما للمساواة يكون عادال وعدالة االستحقاق هذه تنقسم بدورها إلى عدالة توزيع وعدالة قصاص وعدالة التوزيع هي ما يهم السياسة على أساس أن شكل الحكم هو الذي سيحدد المعيار والمقياس العادل للتوزيع وقبل أن نذهب إلى مسألة السلطة وموقع المعرفة أو الفيلسوف في المدينة األرسطية يجب اإلشارة على سبيل التذكير بتأكيد أرسطو على فضيلة الصداقة كفضيلة مصاحبة للعدالة مهما يكن نمط العدالة فإن قاعدتها التي تستند عليها خاصة العدالة العامة هي القانون باعتباره تعبيرا عمليا لألخالق كما أسلفنا وتعبيرا عن العقل الذي يوازي ويقرر قاعدة الوسط ويحرر من الرغبات واألهواء وتعبيرا عن الطبيعة "فالقانون باعتباره عقال وأخالقا هو أيضا طبيعي مثلما أن المدينة هي الشكل األعلى للحياة األخالقية- طبيعية! وهكذا فإن سيادة القانون ستكون في نفس الوقت سيادة للعقل ولألخالق والطبيعة" السلطة في المدينة األرسطية: إذا أردنا تلخيص ما سلف قلنا أن المدينة هي غاية االجتماع اإلنساني وهو اجتماع ينشأ لتحقيق غايات أخالقية ووسائل تحقيق ذلك يجب أن تكون من نفس طبيعة تلك الغايات القانون هو السيد وااللتزام به الذي هو التزام أخالقي في نفس الوقت هو ما يحقق العدالة. وهكذا فإن لحياة المثالية المرغوب فيها من الفرد في المدينة هي تلك الحياة التي تنسجم مع أكثر ما فيه نبال العقل والدستور المثالي هو ذلك الدستور الذي يحقق مثل هذه الحياة وعليه فإن غاية وجود الدولة هي تحقيق السعادة هذا هو أرسطو من خالل نصوصه وهي نصوص تقرر القاعدة المعيارية في األخالق والسياسة ما يجب أن تكون عليه المدينة ما يجب أن يكون عليه القانون ما يجب أن يكون عليه الدستور ما يجب أن شوفالييه جون جاك املرجع السابق ص
41 تكون عليه حياة المواطن اليوناني ولكن كم تقدر المسافة بين هذا النموذج وواقع المدينة اليونانية ال شك أن المسافة بين المدينة التاريخية والنموذج الذي اقترحه أرسطو أقصر من تلك التي بين أثينا والجمهورية األفالطونية ولكن ال يغرينا هذا للمبالغة في ذم مثالية أفالطون ومدح واقعية أرسطو. إلى المقارنة ومن ثم الى تفسير النتائج التي وصل إليها هذا المفتاح أو ذاك هو العالقة مع السلطة القائمة إن أثينا التي عاش فيها أفالطونكانت ترزح تحت حكم "الثالثين" ثم الديمقراطية األثينية التي قتلت سقراط ولن تكون المدينة مدينة خير إال إذا وضعت على هرم سلطتها الفلسفة أما عندما جاء أرسطو إلى أثينا- 364 "اإلسكندر" ق.م فقد كانت ضمن الذي أصبح الملك منذ اإلمبراطورية المقدونية إمبراطورية 333 "فليب" الذي استدعاه ليكون مربيا إلبنه ق.م وغير الخريطة السياسية والجغرافية ال لليونان فقط ولكن للعالم القديم بأسره لقد نشأ أرسطو على غرار أسرته في رعاية وحماية السلطة في مقدونيا فقد كان والده طبيب وصديق بالط الملك جد "ميثناس" "اإلسكند"ر وسرعان ما أصبح هو نفسه مربيا لألكسندر في "فليب" ولما تسلم اإلسكندر الحكم عقب اغتيال أبيه ظل أرسطو يحظى بعناية "اإلسكندر" وظل هو فيلسوف األمبراطورية المقدونية وعندما تغيرت الظروف السياسية بموت اإلسكندر ثارت المدن اليونانية بما في ذلك أثينا التي أرادت مرة أخرى االنتقام من الفيلسوف الذي هرب من العقاب وهو مؤشر أن أثينا الثائرة على حكم اإلسكندر كانت ترى في أرسطو الوجه الفكري أو األيديولوجي لغزو اإلسكندر العسكري والحق أنه يمكن أن ننظر إلى فلسفة أرسطو طاليس التركيبية وكأنها فلسفة تعكس رغبة االسكندر التوحيدية الملحة: "إنهما مقدونيان عظيمان يوحدان عالمين فوضويين" فإذا كان أفالطون هو فيلسوف الفردية االرستقراطية فإن أرسطو طاليس سيظل بمثابة الفيلسوف الرسمي ألمبراطورية أتوقراطية بنما تعكس فلسفته باسرها ذلك النظام االجتماعي الذي خدمه والذي بدوره أسبغ عليه كل النعم" القياس le syllogisme مجال سيادة القانون والدستور مؤشرات تؤكد إن قاعدة الوسط الذهبي في مجال األخالق ومنطقه خاصة الذي يعطي األولوية للكل في تحديد األجزاء وواقعيته السياسية والقانونية في الصلة بين فلسفة أرسطو والبنية السياسية للنظام السياسي وبالتالي تعيد األمور إلى نصابها في العالقة بين السلطة والمعرفة في المدينة األرسطية "فكلما درسنا أرسطو طاليس في عالقته بالتيارات السياسية في عصره كلما رأينا أنه ال يمكن فهمه على أساس أن الدولة الكبرى هي التي تنبع من الفلسفة األرسطية بل الفلسفة هي التي تأتي إلى الوجود لكي تبرر وجود مجتمع طبقي جامد تضفي عليه ثوبا عقليا" وينسب إلى أرسطو أنه سأل االسكندر عندماكان مربيا له: أين سيكون موقعي منك عندما يؤل إليك األمر فقال اإلسكندر: تكون حيث تضعك طاعتك وبغض لويس جون - مدخل إىل الفلسفة ت: أنور عبد امللك بريوت دار احلقيقة للطباعة والنشر ط ص 72. املرجع ذاته ص
42 النظر عن مصدر هذه الواقعة ومدى صحتها فإن األمر يتعلق بحوار بين المعرفة و السلطة وهو حوار يقرر تبعية المعرفة للسلطة من حيث أنها خادمة وقيمتها تتناسب طردا مع الطاعة والخضوع إن الفيلسوف في مدينة أفالطون هو حاكمها بينما الفيلسوف في مدينة أرسطو األرسطوطاليسية" المطلق إال حلية للمدينة "ليس التي تعتبر الحكمة النظرية ضرورية لها بصفة مطلقة في حين أنه كان األساس والرئيس ألنه يملك الحكمة األعلى- والقانون الحي للمدينة األفالطونية". ضرورية في المدينة لكنها معرفة ال تحكم إنها وسيلة ضرورية لتطوير الحكم انتشاره وتبريره. إن المعرفة النظرية حاجة المبحث الثاني:السلطة في العصر الوسيط من "مدينة اهلل" الى قانون "العصبية" الخلدوني: -2-1 القديس أوغسطين "مدينة اهلل" و "المدينة األرضية" بعد أرسطو سيتأسس العالم الهلنيستى نتيجة رغبة وعمل تلميذه الطاغية ألكسندر المقدونين في الخروج من طوق المدينة الدولة إلى بقية العالم وإلى شعوب أخرى خارج اليونان ثم سينتهي هذا العالم الذي أسسه اإلسكندر بالغزو الروماني هذه اإلمبراطورية التاريخية ستخلف تراثا عسكريا وقانونيا ضخما وسيؤدي اعتناق امبراطورها...المحبة إلى نتائج جذرية على الصعيد الفكري وعلى الصعيد السياسي حيث سيدخل الدين كطرف أساسي في المعادلة التاريخية للغرب تراث يوناني فتراث هلنيستي بفلسفة الرواقية فالتراث الديني الوثني وفلسفة القانون السياسية الرومانية يضاف إليها الدين المسيحي بالهوته وفلسفته األخالقية سيرث القديس أوغسطين (Saint-Augustinم(كل هذا التراث ويعيد صياغته من منظور جديد فيه الكثير من الجوانب التوفيقية بين هذا التراث الفلسفي منه خاصة و الدين المسيحي وفي المسألة السياسية سيصهر التراث الفلسفي واالهوت المسيحي في الضخم الذي ضمنه نظريته السياسية. "مدينة اهلل" "مدينة اهلل" لمؤلف مرافعة من أجل المسيحية كتصور للعالم وتصور لما ينبغي أن تكون عليه السياسة كتبه في سياق النقاش المحموم حول أسباب سقوط اإلمبراطورية الرومانية حيث" عن المسيحية ضد الوثنيين الذين زعموا ان الدين المسيحي كان الرومانية" أراد به الدعوة إلى الدفاع السبب في سقوط اإلمبراطورية شوفالييه جون جاك املرجع السابق ص 39. ) 2 ( -سعد فاروق تراث الفكر السياسي قبل وبعد "األمري" ت خريى محاد بريوت دار اجليل ودار اآلفاق اجلديدة ط ص
43 في هذا الكتاب الذي ألف في سنة 413 من يعرض أوغسطين نظريته في الدولة من حيث طبيعتها من حيث عالقتها بالعدالة ومن حيث عالقتها بشكل خاص بالكنيسة يضم هذا الكتاب بين دفتيه اثنين وعشرين كتابا خصص العشرة األولى منه للرد على ادعاءات الوثنيين بتحميل المسيحية مصير اإلمبراطورية الرومانية وفي نفس الوقت ينقد هذه الوثنية من حيث أنها عاجزة عن تحقيق السعادة في الحياة األرضية والسعادة األبدية في الحياة األخروية مقدما في نفس الوقت تحليال جينيالوجيا للمدينتين مدينة اهلل والمدينة األرضية يقول عن الجذر أو األصل الذي صدرت منه المدينتان: "فحب الذات لحد احتقار الذات صنع المدينة األرضية CivtasTerrana وحب اهلل لحد احتقار الذات صنع المدينة السماوية إن المدينة األولى تمجد ذاتها أما الثانية فتمجد الرب األول تبحث مجد آتيا من البشر أما الثانية فإن اهلل الشاهد على الضمير هو مجدها األكبر" فعن الحب صدرت المدينتان اال أن حب الذات صنع المدينة األرضية وحب اهلل صنع مدينة هلل والمسيحي يشارك الوثني السكن في المدينة األرضية يقاسمه نفس النعم ونفس النقم ويخضع كغيره لنفس القانون ولكن ما يميز بينهما أن المسيحي ليس اال مارا أو مسافرا في المدينة األرضية طالبا السكن األبدي والخيرات األبدية في الحياة األخرى مستعمال خيرات المدينة األرضية وسيلة لبلوغ الغية الحقيقية مدينة اهلل او المدينة السماوية توجد في المدينة األرضية في حالة حج بين ساكني المدينة األرضية في حالة منفى أو غربة بين من ال يؤمن منتظرة الخالص لذي وعد اهلل عباده المؤمنين الغرباء في المدينة األرضية. ورغم أن المدينة األرضية كيان مجازي فانها ومع ذلك تضم خيرين وأشرار و كبشر ال نستطيع التمييز بينهم إذ سيفعل ذلك اهلل في اليوم األخير وهؤالء جميعا ومهما كانت صفاتهم عبارة عن مواطنين خاضعين لسلطة الدولة. فكيف يتصور أوغسطين الدولة يعتبر أوغسطين الهيمنة والسيطرة التي يمارسها اإلنسان على االنسان حالة غريبة و مصطنعة تتعارض والطبيعة االنسانية في نقائها األول قبل الخطيئة ولكن السيطرة حالة واقعية وتاريخية في المدينة األرضية يفسرها أوغسطين بأنها ثمن وتضحية يقدمها اإلنسان التاريخي تكفيرا عن الخطيئة وهي حالة مؤقتة أي حالة انقسام البشر في المدينة األرضية بين حاكم ومحكوم ستزول بعد هذا التاريخ األرضي عندما يعود اإلنسان إلى اهلل الذي هو الديان والحاكم الوحيد في انتظار ذلك توصي مسيحية القديس ) 1 ( -أوغستني مدينة اهلل ت.ج كومبيه باريس منشورات "دومبار كالب" ط نقال عن جون جاك شوفالييه تاريخ الفكر السياسي ص
44 أوغسطين المسيحين بطاعة من يمثل السلطة ألنها جزء من النظام أي طبيعة ثانية وأن يقدم المسيحي احترامه وتمجيده للسلطة القائمة وأن يفى بجميع التزاماته المالية نحوها وهو إذ يفعل ذلك يطيع اهلل أكثر مما يطيع البشر "إن كل سلطة قائمة في هذا العالم يجب أن تمجد من قبل أولئلك الذين هم أفضل منها إن المسيحي بقيامه بهذا يطيع البشر أقل مما يطيع اهلل الذي أمره بهذا" وخالل ذلك على المسيحي أن يظل محتفظا باستقالل ايمانه إزاء السلطة غير واضع إياه تحت سلطة ذوي المناصب وفي هذا االطار يسلك أوغسطين مسلك قاعدة الوسط الذهبي بين قاعدة "ما للقيصر للقيصر وما هلل هلل" إذ يوصي بما يدعوه "المزاج العادل" الروحية المتمثلة بالكنيسة والسلطة الزمنية المتمثلة بالدولة من حيث وبمناسبة الكالم عن ما للقيصر وما هلل يميز أوغسطين بين السلطة وفي نفس الوقت التعاون الوثيق مرجحا التفوق المعنوي للسلطة الروحية إذ أن يمكن أن تقارن بعظة أحد ألن األساقفة هم خلفاء األنبياء والرسل" " ابن خلدون السلطةكقوة وتغلب: أنهما مؤسستان تتبادالن االستقالل عظمة األكليروس ال أوصلنا الخط التاريخي المتصاعد أخيرا إلى ابن خلدون وإلى مكان غير بعيد عن العالم الهلينستي عالم تالمس تخومه مكاننا وفي مرات تخترقه األمر ال يتعلق بالجغرافيا فقط ولكن بالتحديد تأثير الفكر اليوناني في حضارتنا المهم إن ابن خلدن ومن وراءه العالم اإلسالمي له تجربته التاريخية والحضارية والتي ستطبع الفكر السياسي لعلماء اإلسالم بطابعها وخصوصيتها. لماذا ابن خلدون وليس الفارابي المنظر الكبير للسياسة المدنية في اإلسالم أو ابن باجه أو إخوان الصفاء والقائمة تطول! ابن خلدون وباإلضافة إلى القيمة العلمية والموضوعية ألطروحاته حول السلطة الملك والسياسة هناك القيمة التاريخية والسوسيولوجية للمقدمة فقد شهد ابن خلدون أقول الحضارة والدولة اإلسالمية منخرطا في هذا المشهد الدرامي انخراطا كليا كأنما بالخمول واالنقباض فبادر باإلجابة" "غناء بجح" "نادى لسان الكون في العالم كما جاء في مقدمته لتشكل ثمرة لهذا االنخراط وتمثل كما يقال: وعليه ستكون المقدمة آخر مقطع وأجمله تؤديه حضارة عمرت أكثر من خمسة قرون وستشكل المقدمة في اعتقادي خزانا انتهت إليه كل روافد الفكر في العالم اإلسالمي هذا من ناحية من ناحية أخرى أعتقد أن الواقع والتاريخ اللذان شكال موضوعا للمقدمة لم يتغيرا بنيويا من أجل ذلك مازال ابن خلدون معاصرا لنا في الكثير من القضايا خاصة تلك القضايا المتعلقة بالسلطة و الدين وقيمتها النظرية مازالت حضارة في إثارة إشكاليات واقعنا الراهن وحل قضاياهكما الحظ ذلك "الجابري" في بحثه ) 1 ( -شوفالييه جون جاك تاريخ الفكر السياسي ج 2 ص 222. ) 2 ( -املرجع السابق ص
45 حول ابن خلدون إذ يقول: "وإذا كانت قيمة الظاهرة الخلدونية بالنسبة للبحث ليست في استعراض وقائعها الخارجية بل في محاولة فك رموزها واجالء غوامضها فإن قيمة النظرية الخلدونية بالنسبة كامنة لمشاغلنا واهتماماتنا الفكرية الراهنة ليست هي األخرى فيما يقرره التاريخ أ يصدره من أحكام بل إنها في حل اإلشكاالت العديدة التي تطرحها والقضايا الشائكة التي تثيرها" ولما كان األمر هكذا فإن وجود ابن خلدون أكثر من ضروري ووجوده يجب أن يكون فعاال ووظيفيا وعليه ولما كانت مهمة هذا الفصل محددة في العرض التاريخي لمفهوم السلطة كما تحدد في تاريخ الفلسفة السياسية منها خاصة فإن هذا المبحث سيركز على المطالب التالية: الوازع وضرورة السلطة. السلطة كقوة وتغلب. الديني المعرفي والسلطة في المقدمة الوازع وضرورة السلطة: هناك قاسم مشترك بين كل المنظرين للسلطة عندما يتعلق األمر بأساسها وأشكال ممارستها يتمثل هذا القاسم المشترك في البدء بمقدمة مفادها: عرض لطبيعة اإلنسان خاصة من حيث طبيعته األخالقية: أيهما يحدد طبيعة اإلنسان الخير أم الشر األنانية و العزلة أم االجتماع والتعاون تقييم هذه الطبيعة يحدد إلى حدكبير موقف هذا المنظر أو ذاك من إشكالية أساس السلطة وأشكال ممارستها ال يخرج ابن خلدون عن هذا التقليد من أجل ذلك يشكل تصوره لطبيعة اإلنسان مقدمة وقاعدة لفكرة السياسي فأي طبيعة وسجية يتميز بها اإلنسان عند ابن خلدون أن يعيش تجمع الطبيعة اإلنسانية في ثناياها خصلتين متناقضتين فمن ناحية هي "اجتماعية" من حيث عجزه منفردا فهو في حاجة إلى اآلخر للتعاون معه لتحصيل العيش ومن ناحية أخرى اإلنسان عدواني بطبعه وما يلحق ذلك من طبائع سلبية األنانية حب التملك " فمن أخالق البشر فيهم الظلم والعدوان بعضهم على بعض فمن امتدت عينه إلى متاع أخيه امتدت يده إلى أخذه إلى أن يصده وازع" فطبيعة اإلنسان المزدوجة اقتضت قيام الوازع ولما كانت هذه الطبيعة لها من السلطان ما لها فإن لجمها لقيام االجتماع اإلنساني اقتضى قيام سلطتها من جنسها أو طبيعتها وعليه الوازع هنا إنما هو السلطة التي تشكل أو نتيجة من النتائج )القوة القهر والغلبة( الالزمة عن تصور ابن خلدون للطبيعة اجلابري حممد عابد العصبية والدولة معامل نظرية خلدونية يف التاريخ اإلسالمي بريوت مركز دراسات الوحدة العربية ط ص 22. ابن خلدون املقدمة ص
46 اإلنسانية لتتوالى بعد ذلك جملة من النتائج األخرى أولها تلك الناتجة عن تفصيل نوعية العدوان ونوعية المكان )بدو أو حضر( وبغض النظر عن هذه التفاصيل فإن النتيجة التي نتجه إليها والتي تشكل قلب الرحى في النظرية الخلدونية هي "العصبية" والتركيز سيكون بطبيعة الحال على نتائجها ومفعولها السياسي وإن كان هذا هو الجانب الذي تناوله فيها ابن خلدون استجابة لهدفه الرئيس: عوامل نشوء وسقوط الدول فما هي العصبية عند صاحب المقدمة ما هي عالقتها بالسلطة وإلى أي مدى يمكن اعتبارها القانون الذي يفسر قيام الدولة وسقوطها ومن ثم العمران البشري ومراتبه من حيث أن ابن خلدون تصور "العمران البشري على أساس أن الدولة هي المحور الذي تدور حوله شؤون االجتماع والهيكل الذي يقوم عليه نسيج الحياة االجتماعية". يكاد يكون هناك إجماع بين الباحثين الذين تمكنا من اإلطالع على بحوثهم في الموضوع على أن العصبية هي مفتاح بيت الحكمة الخلدوني ومنه التركيز عليها فعلى سبيل المثال ال الحصر يقول: "غاستون بوثول" "ولقد نصصنا على تفاصيل نظرية العصبية عند ابن خلدون ألنها تشكل حجر الزاوية في كل فلسفته وعليها تقوم سيكولوجيته أخالقياته وفلسفته للتاريخ دفعة واحدة" وفي نفس االتجاه والمنحى "جورج البيكا" يؤكد على أهمية العصبية في النظرية الخلدونية عندما يعتبرها التفسير الذي يغطي ويشمل كل شيء إذ يقول: "يظهر إن قانون العصبية بصفته منبعا للقوة االجتماعية ال يستثني شيئا". وقد نحى هذا المنحى جل الباحثين العرب الذين تصدوا للبحث في هذه المسألة على غرار الرحمان" "وافي" و"عصبة" "الحصري" "الجابري" "عبد المجيد مزيان". ومهما يكن وإن كانت لفظة من المصطلحات المتداولة في الفضاء التداولي العربي فإن المعنى الذي حمله "عبد "عصبية" إياها ابن خلدون والعالقة التي أوجدها بين هذا المعنى وظواهر أخرى هي ما يشكل مظهر اإلبداع والجدة عند صاحب المقدمة فإذا كانت العصبة في التداول اللساني العربي تشير بشكل أو بآخر إلى قرابة الرجل من أصوله ألبيه لتعني الجماعة المكونة لقرابته المالزمين له فإن معناها خصائصها وفاعليتها تكمن في كونها رابطة طبيعية تقوم على أساس طبيعي هو القرابة "فالعصبية تعني كما قلنا- الجماعة ولكن ليس مطلق الجماعة بل بالضبط تلك التي تتكون العصبية تقوم أساسا على القرابة "من أقارب الرجل الذين يالزمونه" وهذا يعني: أوال أن ثانيا أن جميع أقارب الرجل ليسوا بالضرورة عصبة له بل فقط الذين اجلابري حممد عابد العصبية والدولة مرجع سابق ص 229. (2)- Gaston Bouthoul, Ibn Khaldoun : sa philosophie sociale, Paris, Librairie orientaliste Paul Gerther, 1930, P 61. (3)- Georges Labica, politique et religion Chez Ibn Khaldoun, Essai sur l idéologie Musulmane, Algérie, SNED,
47 يالزمونه منهم" إذن القرابة والتالزم هما ما يؤسس العصبة ويميزها ولما كان أساس وجودها وإنبنائها أساس طبيعي فإن فعاليتها ووظيفتها تظهر أكثر ما تظهر عندما تهدد غريزة البقاء واالستمرار للجماعة أو للفرد فيتعصب أفرادها لبعضهم البعض لتنشأ هكذا قوة مادية ومعنوية هائلة يذوب في بوتقتها األفراد. إذ تصبح الجماعة وكأنها جسم واحد بشعور واحد وهو ما يكون ويعنى العصبية لدرجة أن الجابري يسمي ذلك "الوعي العصبي" على غرار الوعي الطبقي ليتحدد معناها ودائما حسب الجابري بكونها: "رابطة اجتماعية سيكولوجية شعورية وال شعورية معا تربط أفراد جماعة ما قائمة على القرابة ربطا مستمرا يبرز ويشتد عندما يكون هناك خطر يهدد أولئك األفراد: العصبية قوة وهي كذلك ألنها نابعة من الطبيعة كأفراد أو كجماعة" بلفظة جامعة اإلنسانية المجبولة على مناصرة القريب والنصرة عليه حيث تكون أشد بالقياس إلى النسب البعيد لتنقسم العصبية بذلك إلى عصبية محددة بجماعة األقارب بالدم والنسب وإلى عصبية عامة أكثر اتساعا وشموال تشمل النسب البعيد بما في ذلك الذي انتسب إلى الجماعة بحكم األلفة والمعاشرة إذ تصبح مصلحة هذا النسب مرتبطة بمصلحة الجماعة واستمرارها لتظهر العصبية في كل األحوال أول ما تظهر كقوة للمدافعة وفي شروط معينة كقوة للمطالبة أي تأسيس سلطة أو ملك بالتعبير الخلدوني السلطةكقوة وتغلب: إن العصبية قوة لكنها قوة ديناميكية متحركة وخط حركتها وسيرها منتهاه الملك كغاية للعصبية فكيف تقطع العصبية هذه المسافة من كونها قوة للمدافعة إلى أن تصبح قوة للمطالبة وبالتالي تأسيس الملك. هذا ذلك "الملك غاية طبيعية للعصبية ليس وقوعه عنها باختيار وإنما هو بضرورة الوجود وترتيبه" يشير النص إلى أن سعي العصبية إنما هو سعي إلى غاية نهائية هي الملك لدرجة أنه يصف في نص آخر "بالجري" وهذا إنما هو استجابة للطبيعة طبيعة العمران المحكوم بمستقر العادة وقبل الوصول إلى هذه الغاية هناك وكما أسلفنا مسافة تقطعها العصبية من مبتدأها أي كقوة للمدافعة في الجماعة الواحدة الملتحمة بالنسب إلى الرئاسة فالملك. مجال العصبية كقوة للمدافعة هو جماعة البدو ونوع العدوان المعنى بالمدافعة هنا هو العدوان الذي يقع على العصبية من عصبية أخرى أما ذلك العدوان اجلابري حممد عابد العصبية والدولة ص 213. املرجع ذاته ص 213. املرجع السابق ص
48 الذي يقع بين أفراد العصبية الواحدة فإن حله يقع على عهدة شيخ القبيلة والذي ال يملك سلطة بمعناها المادي القاهر أي أن السلطة لم تصل إلى درجة الرئاسة وإنما هي هيبة تجلة ووقار. والبد من اإلشارة أن األمر يتعلق بالعصبية المحددة في الجماعة ذات النسب القريب أما عندما يتعلق االم بالعصبية العامة حيث العصبية بالنسب البعيد فإن الرئاسة تتحقق بالغلبة أي غلبة جماعة من جماعات المكونة للعصبية العامة إذ "البد في الرئاسة على القوم أن يكون من عصبية غالبة لعصبياتهم واحدة واحدة ألنكل عصبية منهم إذ أحست بغلبة عصبية الرئيس لهم أقروا باإلذعان واإلتباع." عند هذا الحد تكون الشروط قد هيأت لهذه العصبية للمطالبة اي الحركة واالنتقال في المكان وكذا تغير وحركة في المكانة والدور االنتقال من مجال البداوة إلى الحضارة ومن لرئاسة إلى الملك والدولة وهذا يتم ضمن جملة من العوامل الموضوعية الفاعلة األخرى بعضها يقع على مستوى العمران البدوي واألخرى على مستوى العمران الحضري فأما تلك التي للعمران البدوي وبحكم ظروفه االقتصادية الطريقة التي يسلكها الناس في معاشهم والقائمة على اقتصاد الكفاف وشظف العيش- - فإن الحركة والمطالبة إنما تتجه إلى طلب رغد العيش والحضارة و هي حركة طبيعية يضاف إلى ذلك قيمة وأهمية الدعوى الدينية واألمر يتعلق هنا وبشكل خاص ومحدد بالعصبيات العربية حيث أن العنصر القادم سيكون محل تفصيل للعالقة بين الدين والعصبية ومن ثم السلطة عند ابن خلدون أما العامل المساعد بل والضروري الذي يقع في الضفة األخرى أي في العمران الحضري فهو ضعف وهرم الدولة القائمة في هذا المصر أو ذاك هكذا يكتمل رسم لوحة السلطة عند ابن خلدون من خالل سلم متدرج وصاعد من سلطة معنوية في شكل هيبة تجلة ووقار لشيخ القبيلة إلى الرئاسة حيث تكتسب العصبية خصائص مادية تتميز بالقهر والغلبة أي القوة ولكن مجالها ومهامها مازالت محدودة على من هو داخل في العصبية الخاصة والعامة ثم تصبح تلك السلطة أكثر قوة وامتدادا لتتحول إلى ملك صريح في دولة تتسمى بالعصبية الغالبة وتنتسب إليها مع اإلشارة إلى التمييز الذي يجب أن نقيمه بين ما يعنيه ابن خلدون من ومفهوم "الملك" مفهوم "الدولة" فاألول يشير إلى السلطة الفعلية التي لعصبية ما على مجال جغرافي وديمغرافي محدد أما الدولة فهي المدة الزمنية التي تحكم فيها عصبية ما فالدولة وباالصطالح الحديث وباعتبارها صورة للعمران البشري يعتبر االجتماع البشري مادته كما يفهمه ابن خلدون لها وجهين متالزمين ملك ودولة وصاحب المقدمة وباالستناد إلى العصبية وما يلحقها فصل في ما يلحق الدولة من تبدل وتغير كما يلحق العمر التبدل والتغير من الميالد إلى الضعف والهرم. يف الفصل األول متت اإلشارة إىل ذلك للتدليل على منط من السلطة ذات الطابع املعنوي وليس ذات طابع مادي قهري مما يفسر ويربر استخدام مفهوم "دين املعن. املرجع السابق ص
49 الديني والسياسي في المقدمة: كله. إذا كان مفهوم العصبية قد حاز على حصة األسد في هذا المبحث فألهميته بطبيعة الحال ولكن حتى تكتمل غايات هذا المبحث البد من عقد العالقة بين العصبية كمفهوم ومفاهيم أخرى متجاوة متضايقة معه الدين من جهة والمعرفة من جهة أخرى وموقع السلطة كما حددها ابن خلدون من ذلك لقد انتهينا للتو من تقرير أن السلطة ملك والملك إنما ينشأ بالقوة والتغلب وأشرنا من طرف خفي إلى موقع الدين من العصبية وبالتالي موقعه من السلطة وتأثيره في نشأتها وهذا في مجال العربي اإلسالمي تحديدا ما يسميه ابن خلدون "العرب ومن في معناهم" آراء الباحثين في هذه اإلشكالية متعددة ومتعارضة وتذهب بعضها إلى درجة اعتبار الدين عند ابن خلدون عامل ال قيمة له في قيام السلطة "فغاستون بوتول" يقول في دراسته عن ابن خلدون والتي يعقد فيها عدة مقارنات بين ابن خلدون ومفكرين غربيين وبين عصر ابن خلدون وعصر النهضة يستنتج بصريح العبارة أن الفكرة الدينية في عقد التضامن وإنشاء السلطة ليس لها قيمة سياسية فقدرتها على إحداث التضامن ال تكون إال في مناسبات محددة كالحرب المقدسة بتعبيره وخارج هذا اإلطار في اإلسالم كما في المسيحية فكرة األخوة لم تكن أبدا كافية للتوحيد وال للجم رغبة القتال فليس إذن في هذه الفكرة اإلمبراطوريات". وفي نفس السياق وكما سبق وأن أشرنا في مناسبة أخرى من هذا البحث سيبحث مؤلفنا عن أساس نشأة ومحرك يتجلى موقف "جورج البيكا" كموقف معبر عن رأي ابن خلدون في قيمة الديني في العمران البشري خاصة في مستواه السياسي اذ يعقد مناقشة مستفيضة في مؤلفه عن ابن خلدون الذي هو أصال كتاب يركز على السياسي في المقدمة حيث يخلص الى أن الدين في الفكر الخلدوني له قيمة سوسيولوجية أكيدة لكنه ال يشكل القانون الذي بواسطته يفسر صاحب المقدمة نشوء الملك على غرار العصبية اذ يحرص ل"ابيكا" الطابع العقالني و الوضعي للتفسير الخلدوني فحسبه ابن خلدون" ( 3 ) " على يضع منذ البداية اهلل بين قوسين ومن خالل قراءته للمقدمة يذهب الى اعتبار النجاح السياسي بل وحتى مصداقية الدعوة الدينية انما تتحدد بالعصبية لذا يدين ابن خلدون الدعوات السياسية الفاشلة القائمة على دعوة دينية من غير عصبية " االمر يتعلق بحكم سياسي حاميم كآخرين هو نبي مدعي ألنه لم ينجح و ال نقول عن صالح االمر نفسه " اهلل اليرسل نبيا اال في منعة من قومه" من ذلك هذه دوغمائية التي اهتم بها " بل- «Bel ال تهم (1)- Gaston Bouthoul, Ibn Khaldoun : sa philosophie sociale, P 90. (1) Labica, George,Politique et religion chez Ibn Khaldoun,p68 الفصل األول. املبحث الثاين 42
50 ابن خلدون (1) " أما عن التجربة التاريخية للدولة في اإلسالم وقيمة الديني فيها فإن الباحث يعتبر تجربة دولة المدينة قصيرة جدا وأن الدعوات الدينية تحولت الى مشاريع إيديولوجية تبريرية لممارسة السلطة وبقائها فال يبقى في نهاية التحليل إال الثنائية :عصبية/ملك النموذجان السابقان في التحليل وإن كانا يصدران عن تأويل لنص المقدمة تتحكم فيهما اعتبارات مبدئية تتمثل أساسا في محاولة إضفاء الطابع العقالني والوضعي على المقدمة على أساس أن الميتافيزيقي والديني في السياق الغربي وتحديدا بعد النهضة يقفان كطرف مقابل للعقالنية وللوضعية قلنا أن النموذجين السابقين مؤشران على غموض الموقف الخلدوني والتباسه مما انعكس على مواقف دراسيه بما في ذلك الدارسون و الباحثون العرب ويبدو لنا أن الديني والسياسي في المقدمة يقارب من منطلق عالقة القاعدة العامة باالستثناء ومن منطلق العالقة بين المفهومين في سياقات مختلفة وليس من منطلق أيهما أولى من منطلق القاعدة واالستثناء تشكل العصبية العامل أو السبب الرئيسي في كل انتقال من مرحلة البداوة إلى مرحلة الحضارة ومن المرحلة الطبيعية إلى المرحلة السياسية وهو قانون عام يفسر به إبن خلدون قيام الملك والدول في العصر الوسيط وهنا تصبح العصبية ليس أساسا للملك ونجاح المطالبة بل تصبح شرطا ضروريا لنجاح حتى الدعوة الدينية نفسها ولكن هذا الشرط ونظرا لطبيعته وكذا طبيعة العمران البدوي الذي يميزه قد يكون عامل تفرقة بين النسب القريب والبعيد بل وداخل العصبية الخاصة وهذه الظاهرة العامة تشتد حسب الظروف االقتصادية والجغرافية في جماعات دون غيرها وهنا يأتي االستثناء استثناء اإلجتماع العربي قبل اإلسالم وتأتي العالقة بين الديني والسياسي في هذا السياق كعالقة تكامل وظيفي وليس كعالقة أولوية لهذا الطرف أو ذاك وتفسير ذلك وحسب ابن خلدون دائما أن "العرب ومن في معناهم" ونظرا لشظف العيش وقسوة الطبيعة والمناخ ولتوغلهم في البداوة و التوحش أبعد األمم عن الحضارة ومن ثم السياسة والرئاسة. وحياتهم إنما تقوم على العصبية القائمة على النسب القريب وهي عصبية محدودة وظيقة ال أفق سياسي لها ولكي تتحول إلى عصبية جامعة عصبية مطالبة البد أن يتدخل عامل آخر يغير من طبيعة عالقاتهم الداخلية القائمة على التباغض والتحاسد والتعصب للقريب ولو كان ظالما وللرفع من سقف طموحاتهم ومطالبهم التي كانت ال تعدوا السطو على ما في أيدي الغير إلى غاية أسمى من الفرد والسطو على بعضهم البعض إلى غاية جامعة تصبح بمثابة لحمة وهوية جديدة األمر يتعلق بالدعوة الدينية التي تؤدي وظيفة مزدوجة: األول تحويل العصبية من عصبية ضيقة إلى عصبية جامعة من حيث أن الدين هو األقدر على جمع القلوب وتأليفها وهكذا فالدين يقوم بعملية "تسامي" أو "تصعيد" بالمفهوم الفرويدي لطبيعة جماعة البدو وألفعالهم ولكن الدعوة الدينية بدورها في حاجة إلى عصبية قوية لتقوم وتحقق (2)Ibid,p171 43
51 أهدافها يقرر ابن خلدون هذه النتيجة استنادا إلى تجربة الدعوة الدينية في ش ج ع وتجارب قيام الدول واإلمارات في التجربة التاريخية لإلسالم وانطالقا من ذلك ينقد ابن خلدونكل دعوة دينية أو أخالقية ال تقوم على عصبية قوية تدعمها. لكن صيرورة العالقة بين الديني والسياسي في تجربة الدولة اإلسالمية في القرون الوسطى للتاريخ اإلسالمي لم تكن دائما على هذه الهيأة الواضحة والبسيطة ذلك أنه وابتداءا من تأسيس الدول الكبرى في تاريخ اإلسالم من قبل األسر الكبيرة تعقدت هذه العالقة والتبست بحيث تحولت الدعوة الدينية إلى إيديولوجيا تبرير وطلب للشرعية لهذه العصبية أو تلك. المبحث الثالث 3- :نحو علمنة السلطة في العصر الحديث: 3-1 ميكيافلي وسلطة األمير: مكيافيلي ) ( Niccolo Machiavelli - في تفكير السلطة محطة هامة بشكل نوعي لدرجة نستطيع أن نقول معها أن "األمير" كان قطيعة مع الفكر المسيحي واألخالق الرواقية وحتى مع الفكر السياسي للمدينة اإلغريقية بما في ذلك أرسطو الواقعي الذي لم يفصل السياسة عن األخالق إذ مع مكيافيلي بدأ بشكل واضح وصريح عملية فك االرتباط بين األخالق والسياسة وبدأت عملية علمنة السياسة والتنظير للسلطة وآليتها "وفي هذا الصدد هيمن مكيافيلي على عصر النهضة وعلى المدى البعيد على كل العصر الحديث والمعاصر عصر الدولة- األمة وذلك بفعل الوضوح القاطع الذي فصل بين السياسة واألخالق وأكد كما لو أن هذا أمر مسلم به استقالل السياسة وأولويتها" وال شك أن النظام الفكري لعصر النهضة الذي بدأ يتشكل على أنقاض العصر الوسيط والذي كان يشد أنضاره باتجاه األزمنة الكالسيكية مستهجنا ومتجاوزا العصر الوسيط واإلصالحات الدينية وصراعات القوى الكبرى التي أصبحت عبارة عن دول قومية الدولة- األمة- التي تتجسد في سلطة الملك وهذا التطور كان تتويجا للتحالف بين البابوية والدولة القومية ضد المجامع الدينية وقد كانت هذه االتفاقيات إيذانا بنهاية العالم المسيحي باعتباره عالما واحدا يضم كل مسيحي العالم ليصبح لكل أمة كنيستها في هذا اإلطار العام كانت إيطاليا تمثل مهد النهضة و الوارثة لتاريخ سياسي ثري باعتبارها وريثة اإلمبراطورية الرومانية وباعتبارها كذلك تضم الكنيسة الغربية فهي العاصمة الدينية لكل مسيحي أوروبا خاصة بعد سقوط القسطنطينية وقد اعتبر مفكرون إيطاليون من بينهم مكيافيلي الدين ووجود الكنيسة الغربية في إيطاليا عائقا أمام تطور إيطاليا في اتجاه تحقيق وحدتها التي كانت ممزقة بين خمسة كيانات سياسية متصارعة نابولي الدولة البابوية البندقية فلورنسا وميالن وفي هذه الظروف والخصوصيات اإليطالية - شوفالييه جون جاك تاريخ الفكر السياسي ص
52 إيطاليا القرن الخامس عشر والنصف األول من القرن السادس عشر- نشأ ودرس وخدم السلطة الفلورنسية نيقوال مكيافيلي سليل أسرة عريقة مكنته من تلقي تعليم ليبرالي حر لتأهله مواهبه وهو في سن تاسعة والعشرين أن يكون رئيسا لديوان القنصل الثاني وكاتب مجلس العشرة الذي يهتم بشؤون الحرب والخارجية "وهكذا توافرت له ناحيتان فجمع منهما تجاربه الواسعة األول في إدارة شؤون الدولة الداخلية وتصريفها والثانية في االطالع على شؤون البالد األجنبية التي زارها وعلى الوسائل التي يلجأ إليها األمراء والحكام في األنحاء األخرى من ايطاليا" باإلضافة إلى مهنته التي وفرت له معرفة مباشرة بالسياسة الداخلية والخارجية تعج كتابات مكيافيلي بالتاريخ إذ يستخلص من تلك الحوادث التاريخية التي تتكرر القوعد العامة التي يعممها يقول في خطاب االهداء لكتاب "األمير" ل "لرنزو نجل بيار مديشي" " لم أعثر فيما أملكه على شيء أعتز به أو أقدره تقديرا فائقا كمعرفتي بجالئل األعمال التي قام بها الرجال العظماء وهي المعرفة التي حصلت عليها بعد تجربة طويلة وخبرة باألحداث المعاصرة ودراسة وقائع الماضي" "األمير" الكتاب أو باألحرى الكتيب الذي ألفه على هامش تأليفه لكتابه المطارحات في بيته الريفي أثناء تقاعده اإلجباري بعد أن صرف من الخدمة وأهداه إلى لرونزو العظيم" " كما وصفه هذا الكتيب كان صادما لالتجاه العام في مجال السياسة وعالقتها باألخالق لدرجة انه اصدر في حقه قرار بمنع نشره وتداوله في سنة 1551 وقررت محاكم التفتيش حرق جميع كتبه لقد كان كتاب يجمع خبرة "األمير" محترف في خدمة السياسة ودارس للتاريخ وأحداثه ببرودة الموضوعية وبنظرة ثاقبة مدشنا بذلك الكتابة العلمية أو لنقل الوضعية في السياسة التي تذهب للوقائع وتتجاوز المعيار تدرس السياسة كما هي ال كما يجب أن تكون يؤكد مكيافيلي هذا المنحى الذي اختاره في النظر إلى سلطة األمير والى المجال السياسي عموما عندما يقول: "ولكن لما كان قصدي أن أكتب شيئا يستفيد منه من يفهمون فاني أرى انه من األفضل أن امضي إلى حقائق الموضوع بدال من تناول خياالته... وراء ما يجب أن يقع إنما يتعلم ما يؤدي إلى دماره بدال مما يؤدي إلى الحفاظ عليه" وان الذي يتنكر لما يقع سعيا منه وقد كان واعيا تمام الوعي أنه يمشي في طريق جديدة وينظر إلى التاريخ السياسي وواقعه من زاوية رؤية مخالفة للرؤى التقليدية يقول في "مطارحاته" " ولما كنت مدفوعا بالرغبة الطبيعية في العمل دون اكتراث بأي شيء.73 ليسلي ووكر مقدمة كتاب»مطارحات ميكيافيلي" ت خريي محاد بريوت دار اآلفاق اجلديدة ط ص مكيافيلي نيكوال األمري ت خريي محادي بريوت دار اجليل ودار اآلفاق اجلديدة ط ص 22. املرجع السابق ص
53 آخر لما فيه الخير للمجموع فقد قررت السير في طريق جديدة لم تطأها قدم إنسان من قبل" ويبدو أن نظريته قد تأسست عل نظرته التشاؤمية من الطبيعة اإلنسانية التي يرى أنها تميل إلى الشر أكثر مما تميل إلى الخير وأن تلك الطبيعة ثابتة وتأسست كذلك على عملية استقراء للتاريخ قادته إلى القول بخضوع الظواهر السياسية وأفعال البشر إلى قوانين ثابتة حيث يؤدي وجود األسباب التي أحدثت وقائع ما في الماضي إلى تكرار حدوث تلك الوقائع في الحاضر والمستقبل وكأن فلسفة مكيافيلي في التاريخ تقوم على مبدأ "التاريخ يعيد نفسه" يقول ناقدا أولئك الذين يتجهون إلى قراءة التاريخ بهدف المتعة فقط دون أن يقنعوا أنفسهم بإمكانية تقليد ما قام به عظماء الرجال وكان الطبيعة البشرية تتغير: "وهكذا فكل ما يحدث هو أن تتلذذ الجمهرة الغالبة من الناس الدين يقرؤونه-التاريخ- باالستمتاع إلى بما فيه من أحداث مختلفة دون التفكير في السير على منوالها وذلك ألنهم ال يكتفون بالنظر إلى أنها صعبة بل يجدونها مستحيلة التقليد أيضا كأن السماء والشمس وعناصر الطبيعة واإلنسان قد اختلفت كلها في حركتها و نظافتها وطاقتها عما كانت عليه في الماضي" فإذا كانت الطبيعة اإلنسانية هي كما هي ولن تتغير وإذا كانت هذه الطبيعة تنتمي إلى نظام طبيعي ثابت فكيف يكون األمر بالنسبة للدولة ولسلطة األمير في معرض تحليله لمفهوم السلطة وآلياتها يلخص ميشال فوكو تحليالت مكيافيلي حول سلطة األمير من حيث أنه»كان أحد القالئل الذين عالجوا موضوع سلطة األمير من زاوية عالقات القوى وكان ذلك بال ريب سبب»وقاحته" " فلسفة األميركما تصورها مكيافيلي في "األمير" هي محصلة عالقات قوى مجرد من أية قيمة أخرى بل ويجب أن تتجرد تلك العالقات من أية قيمة أخالقية عندما تتعارض والغاية القصوى للسلطة: البقاء واالستمرار لهذا كان "األمير" كتاب تقني في شكل وصفات عالجية لمشكلة ذات طبيعة تقنية فلم تكن مسألة الشرعية وال أصل و منشأ السلطة من اهتمامات الكتاب االهتمام المركزي هو اإلجابة بشكل عملي وبراغماتي عن سؤال تقني: سلطته وإمارته كيف يحافظ األمير على بقاء انطالقا من هذا الهدف تتحدد القواعد العملية التي ينبغي لألمير الخضوع لها في سياسته الداخلية والخارجية وذلك بتطبيق الوصفات التي ضمنها كتابه والتي تتماشى وطبيعة السلطة وضرورتها المرتبطة بالطبيعة البشرية المعقدة والسيئة في عمقها وبهذا يقدم مكيافيلي نفسه كرجل مزود بروح التجرد العملي ومتخصص في فن النجاح السياسي. سياسة محترف مكيافيلي نيقوال املطارحات ص 203. املرجع السابق ص 209. فوكو ميشال ارادة املعرفة ت جورج أيب صاحل بريوت مركز االمناء القومي 2990 ص
54 وانطالقا دائما من الطبيعة البشرية كما تصورها فإن الدولة عنده تصبح أفضل ما يمكن أن يوجد أو أقل ما يمكن سوءا أنها غاية في حد ذاتها ستثمر ما في الطبيعة البشرية من خير وتوقف وتوجه ما فيها من شر وتنظم العالقات االجتماعية وقد كان االهتمام األول هو كيف نحافظ على قوة الدولة وازدهارها وعظمتها وهذه غاية تتجاوز كل غاية أخالقية أنها غاية تبرر كل وسيلة أخالقية كانت أم غير أخالقية أنها الغاية التي تبرر قتل المعارضين عندما تتأسس سلطة جديدة وتبرر عدم الوفاء بالعهود تبرر كذلك استخدام العنف والشر تبرر التظاهر بامتالك القيم األخالقية وأن يستعمل الدين القومي كوسيلة سياسية ناجحة... في النهاية القوة الحيلة والدهاء هي ما يجب أن يستخدمه األمير في سياسته الداخلية والخارجية "انه ألمر مستحب بالنسبة لألمير أن يكون طيبا وكريما ومتسامحا ومخلصا لكن العالمكما هو وبالوضع البشري كما هو ال يسمحان بهذا الترف من الصفات الجميلة. هذه الصفات هو أمر جيد بل أنه ضروري إزاء الرأي العام في بالده" إال أن تظاهر األمير بأنه يملك وكتاب األمير يزدحم بمثل هذه الوصفات بأسلوب مباشر صريح قاسي وعار من كل مجاملة أو تصنع لدرجة الوقاحة يقول في الفصل الذي عنوانه" األمور التي يستحق عليها الرجال وال سيما األمراء المديح أو اللوم" " ولذا فمن الضروري لكل أمير يرغب في الحفاظ على نفسه أن يتعلم كيف يبعد الطيبة والخير وأن يستخدم هده المعرفة أوال يستخدمها وفقا لضرورات الحاالت التي يواجهها" لقد كان مكيافيلي منظرا للسياسة كفن للحكم الناجح ولكنه ليس تنظيرا فلسفيا على نفس الدرجة من التنظير األفالطوني أو األرسطي انه تنظير قريب جدا من سطح الواقع السياسي لدرجة االنعكاس الميكانيكي وعليه لم يخترع مكيافيلي القسوة والفضاضة والخداع والغش ونكث العهود والتصنع... ان كل هذه الصفات هنا تحت أرجلنا وبداخلنا. وعلى صعيد القول قول الحقيقة العارية والبشعة. كويري" ما الذي تغير مع مكيافيلي ما تغير كان على صعيد الفكر في دراسته لتاريخ الفكر العلمي يحدد التحوالت التي حدثت مع مكيافيلي و كأن االمر يتعلق بعصر جديد" مع نيقوال مكيافيلي فقد ماتت العصور الوسطى وكأنها لم توجد مطلقا إذ أن كل مسائلها: ألكسندر " لقد أصبحنا في عالم آخر اهلل الخالص والعالقة بين عالمنا وعالم الغيب والعدالة والمصدر اإللهي للسلطة مسائل ال وجود لها بالنسبة لمكيافيلي وليس هناك إال حقيقة واحدة هي حقيقة الدولة وواقع واحد هو واقع السلطة إن هناك مسألة واحدة هي كيف يمكن تثبيت وحفظ سلطة الدولة". هذا الشق األول من المسألة الذي يبين أولوية السياسة والرغبة المكيافيلية الملحة في جعلها مستقلة عن ما ليست اياه أما الشق الثاني من شوفالييه جون جاك تاريخ الفكر السياسي ص 220. ميكيافيلي نيقوال األمري ص 271. (3) ) Koyre Alexander Etude d histoire da la pense scientifique paris p u f 1966 p11 47
55 المسألة والذي يأتي كنتيجة منطقية لهذا الشق فيواصل "كويري" الكالم توضيحا له»غير أن ال أخالقية مكيافيلي هي بكل بساطة مسألة منطقية فالدين واألخالق من المنظور الذي تموقع فيه هي عوامل اجتماعية أي وقائع يجب استعمالها والتعامل معها هذا كل ما في األمر أن من الواجب حين القيام بحساب سياسي أن نأخذ بعين االعتبار كل العوامل السياسية: الجمع أن يفعله لمثل هذا الحساب انه لن يستطيع تغيير المجموع مطلقا " فماذا يمكن لحكم قيمي حول عملية هكذا سيضع ميكيافيلي حجر األساس للفكر العلمي أو الوضعي لدراسة السلطة وبعده لم يعد ممكنا التراجع إلى ما قبل مكيافيلي إذ سيدفع ""هوبز" بدراسة السلطة إلى األمام باتجاه التعاقد توماس هوبز والسلطة الوحش: مع توماس هوبز خطا الفكر السياسي الغربي خطوة جريئة باتجاه مزيد من علمنة السياسة وتعرية ظاهرة السلطة من أقنعتها األخالقية والدينية ويمثل "اللوفيثيان" أهم المراجع في الفكر السياسي الغربي وتمثل أهمية هوبز في بحثنا هذا في كونه قد دفع بمفهوم السلطة على أنها قوة إلى المدى الذي لم يستطيع المفكرون بعده التراجع عنه وإن كان التغيير عن ذلك قد تم بصيغ متعددة كما سنرى السياق التاريخي والسياق الفلسفي: سيرة حياة هوبر متمفصلة مع وقائع نهاية القرن وبداية القرن "16" "14" في إنجلترا من الناحية السياسية وفي كل أوربا من الناحية المعرفية لدرجة أن الوالدة غير الطبيعية لهذا المفكر غداة محاصرة األسطول اإلسباني "األرمادة" لسواحل إنجلترا وكذا الحرب األهلية التي كانت تعيشها إنجلترا نتيجة الصراع بين الملك والبرلمان قد جعلت من مشاعر الخوف مشاعرا مالزمة لهذا المفكر وقد تفسر جانبا كبيرا من بنائه الفلسفي والعقالني خاصة فيما يتعلق بمسألة السلطة فلقد كان هوبز الذي قال عن نفسه: "الخوف وأنا توأمان" غاية مبتليا دائما وبشكل غير عادي بمزاج حساس من الخوف" إذا كان األمن والسلم يمثالن قيمة القيم بالنسبة له فكيف تضافرت هذه العوامل في التكوين الفكري والسياسي لهوبز. فمن الناحية السياسية أدى الصراع بين سلطة الملك والبرلمان إلى حروب أهلية منذ سنة وفاة 1651 م- "كرومويل" والذي أصبح بعد ذلك كتابين: "الطبيعة البشرية"و حيث كتب في هذه األثناء 1641 م إلى "عناصر القانون الطبيعي والسياسي" "في الجسم السياسي" حيث ينتصر لسلطة الملك على حساب البرلمان وخوفا من تبعات هذا الموقف لجأ إلى فرنسا وقبيل انتهاء الحرب األهلية وتحديدا (1) ) Ebid p11 شوفالييه جون جاك تاريخ الفكر السياسي ج 2 ص
56 سنة 1651 م أنهى هوبزكتابه األشهر "اللوفيثيان" حيث كانت الحرب األهلية مازالت مستمرة "كأنه بهذا الكتاب أراد أن يقول للجمهور اإلنجليزي الذي أثخنته المنازعات الداخلية لقد وجدت لكم الدواء لوقف النزيف متأتي من سيطرة األهواء والعواطف". يوازي هذا الظرف السياسي سياق معرفي ثري على لصعيد العلمي والفلسفي فهوبز الذي قام برحالت إلى دول أوروبية قادته إلى فرنسا أربع مرات وإلى إيطاليا قد استثمر هذه الرحالت حيث التقى "بديكارت" و"مرسين" رحالته في أوربا اطلع على كتاب "Mersenne و"كسندي "Gassendi وفي إيطاليا إلتقى "بغاليلي" كما أنه أثناء "العناصر" ألقليدس" جديدة في أوربا تتميز بالعقالنية بتأثير من فيزياء وفلك وتأثر به وهذا كان يمثل روحا علمية وفلسفية "كيبلر" و"غاليلي" والمنهج الرياضي االستنتاجي وبالفلسفة الفرنسية الممثلة بديكارت كفلسفة مناهضة للفلسفة السكوالئية. هوبز من هذا المنهل الضخم. وكيف سيؤثر ذلك في فلسفته السياسية. فماذا سيأخذ إن عصر هوبز هو عصر الهندسة والمنهج الرياضي اإلستنتاجي هو عصر الفيزياء ومبدأ السببية الميكانيكية المرتكز على مبدأ الحركة حيث سيتخذ من هذا األخير مبدأ للتفسير ومن الهندسة خاصة هندسة أقليدس ومن المنهج الرياضي االستنتاجي منهجا وبناءا وعلى هذا المنوال جاءت فلسفته فالحركة هي المبدأ والعالم الطبيعي سلسلة متشابكة من الحركات إنه عبارة عن آلية وعن آلة وكذلك هو اإلنسان الفرد انعكاس للعالم الطبيعي فهو آلية )ميكانيزم( وآلة والفعل الفردي كحركة يولد اإلحساس كاإلنجذاب نحو المرغوب أو االبتعاد عن غير المرغوب إن النجاح المستمر في تحقيق الرغبات هو ما يشكل السعادة واللذة والشعور بقدرتنا وقوتنا هو العنصر األساسي في هذه اللذة والسعادة واإلنسان ال يتوقف عن الرغبة في امتالك القدرة بعد القدرة واإلنسان الفرد يتميز بالعقل الذي هو عند هوبز ليس إال حسابا ورغبة في المعرفة كما يتميز اإلنسان الفرد بالدين الذي ينبع من الرغبة في المعرفة ومن الخوف من الغيب والمستقبل فاإلنسان عند هوبز آلية وآلة تتحرك لتحقيق رغباتها وهذه الحركة مستمرة وهذا ما يشكل حقها الطبيعي. هذا هو اإلنسانكما عراه هوبز منكل أقنعته " إن مكيافيىلي نفسه لم يعر طبيعة اإلنسان إلى هذا الحد وانطالقا من هذه التعرية يعتبر هوبز المفكر السياسي الذي تسلطت عليه الدقة االستنتاجية ألقليدس واالكتشافات التي جاء بها غاليلي و"وهارفي" حول الطبيعة الفيزيائية إن من واجبه أن يبني علميا اآللة أو "النموذج الميكانيكي" الذي يتجلى في الدولة العقالنية التي سماها "اللوفياثان" زينايت جورج رحالت داخل الفلسفة الغربية بريوت دار املنتخب العريب للدراسات والتوزيع 2997 ص 273. شوفالييه جون جاك تاريخ الفكر السياسي ج 2 ص
57 من الحق الطبيعي إلى القانون الطبيعي: جملة األفكار السابقة والتي تشكل فلسفة هوبز في شقها األخالقي خاصة والمرتبطة بعصرها ستكون قاعدة وأساسا لفلسفته السياسية التي استعان في صياغتها بجملة من المفاهيم المرتبطة بما أفرزته النهضة العلمية آنذاك من قبيل حالة الطبيعة الحق الطبيعي القانون الطبيعي...إلخ وفي هذا العنصر الذي نحن بصدد بحثه سنحاول تبيان كيف تمت عملية االنتقال من ممارسة الحق الطبيعي إلى مرحلة أعلى وأكثر تطورا مرحلة ممارسة القانون الطبيعي وبالتالي ميالد الدولة والسلطة اإلنسان الذي عاش في المرحلة الطبيعية المرحلة التي تتميز بعدم وجود الدولة هو فرد معزول يتميز عن كل األشياء بحق طبيعي مطلق يتمثل في حقه في ممارسة قدراته الطبيعية والمتمثلة في استعمال هذه القدرة غير المحدودة في تحصيل سعادته والتي تتمثل كما أسلفنا في التحقيق المستمر لرغباته ولكن هناك اآلخر الذي لديه نفس الحق يشكل عائقا وعقبة ومن ثم عدوا ومنافسا وهكذا يصبح القانون السائد هو قانون القوة والمكر والحيلة ليصبح الجميع يعيش في حالة حرب حرب الجميع ضد الجميع وهي حالة قصوى من الخوف والتوجس وحالة مضادة لحالة الحضارة وإنتاج الثقافة إذ ال يمكن معها ممارسة أي نشاط إنساني خالق إن ممارسةكل إنسان لحقه الطبيعي هو في الحقيقة الدخول في حرب شاملة الجميع فيها أعداء لبعضهم البعض وذئاب لبعضهم البعض هذه الحالة تحث في الواقع غرائز أخرى في اإلنسان للعمل غريزة الخوف من الموت العنيف والرغبة بالتمتع باألشياء وبمساعدة العقل الذي ليس إال آلة حاسبة لمصالحه يضطر تحت وقع الحاجة إلى إنشاء ما يحقق السلم االجتماعي وفي هذه الحالة تنشأ مرحلة القانون الطبيعي والحالة السياسية والقوانين الطبيعية هذه التي يصل إليها اإلنسان تحت ضغط الحاجة والضرورة تكون محل اتفاق بين الجميع وهي في جوهرها قواعد أخالقية عامة كالعدالة واإلنصاف والرحمة...إلخ وهذه القواعد من شأنها تحقيق السالم ومنع البشر من التصرف ضد مصلحتهم وهذه القواعد يجب أن تتمتع بالقوة واإللزام بحيث تواجه وتقابل غرائز اإلنسان الطبيعية التي تؤسس ما يسميه هوبز الحق الطبيعي ولن يكون مصدر هذه القوة واإللزام سوى هذه اآللة االصطناعية القوية أو الوحش الذي يسميه هوبز "اللوفيثيان" ما هو هذا الوحش وكيف يولد ماهي حقوقه وواجباته الحرب ووالدة السلطة: لن يكون هذا العنصر سوى نتيجة منطقية للعنصرين السابقين مع فارق هو تسمية األمور بمسمياتها فالظروف التي يولد فيها هذا الوحش هي الحرب وأما هذا الوحش فلن يكون إال الدولة والسلطة المطلقة لمن يجسدها من أجل ذلك كان وضع هذا المطلب من الضرورة بمكان نظرا لموقع الحرب والغزو في فكر هوبز فعن أهمية الحرب وعالقتها بالسلطة عند هوبز نعود إلى ميشال فوكو الذي 50
58 في معرض حديثه عن الحرب كأداة لتحليل عالقات السلطة في نهاية القرن "16" يعتبر هوبز "الفيلسوف الذي قام بإدخال عالقات الحرب في أسس ومبادئ عالقات السلطة" فأية حرب ولدت السلطة وأية عالقة تقوم بين الحماية الحق في السلم والطاعة إن المرحلة التي تتميز بسيادة الحق الطبيعي تولد حالة درامية يصفها هوبز بحالة الحرب حرب الجميع ضد الجميع ولكنها ليست حربا واقعية حرب القوي ضد الضعيف أي حرب األطراف الالمتكافئة. حرب متساوية ولدت من المساواة وتدور في عنصر هذه المساواة" عند هوبز وكما الحظ ذلك ميشال فوكو "هي إنها على أقصى تقدير تدور بين قوى متفاوتة في القوى نسبيا ألن االختالف والتفاوت يعطل الحرب في هذه الحالة ال أحد يتخلى عن حقه حتى ذلك الضعيف نسبيا يكون قريبا من القوي بحيث يدرك أن قوته كافية لحماية حقه أما القوي الذي يشعر أنه ليس قويا كفاية وبشكل دائم فهو ليس أقل قلقا وخوفا من الضعيف إنه في حالة تأهب واحتياط دائمين إنه شكل من أشكال توازن الرعب والقوى وهذه الحالة هي حالة حرب وليس حربا واقعية "ليس هناك من معارك في الحرب البدائية عند هوبز ليس هناك دم وليس هناك جثث هناك تمثالت أو تصورات وتمظهرات وعالمات وعبارات فخمة ومتحايلة وكاذبة هناك الخديعة واإلرادة المتنكرة والمتضادة هناك مخاوف مقنعة في تأكيدات" "اللوثييان" ومع ذلك فهذه الحرب هي ما يولد الدولة بغض النظر عن أنواع السيادات التي يتكلم عنها هوبز فإن ما يهم هو كيف تنشأ السيادات بالرجوع قليال إلى الحالة الطبيعية حالة الحرب كما تم وصفها نجد أن تلك الحالة مهددة لغريزة البقاء واالستمرار وبالتالي مهددة للحق الطبيعي حق تحقيق الرغبات والسعادة بشكل دائم إنها حالة منتجة للخوف إذن الهروب من الخوف وبالخوف سيصنع "اللويثيان" فمن أجل تجاوز هذه الحالة حالة الحرب إلى حالة السلم الحماية والشعور باألمان تتم عملية نقل الحق الطبيعي الذي يتمتع به الفرد لصالح فرد أو جمعية إنه شكل من أشكال التعاقد أو الميثاق بين البشر الطبيعيين لصالح طرف ثاني الذي هو ليس طرفا في العقد حيث لم يتعهد اتجاههم بأي إلتزام إذ كل فرد يقوم بنقل حقه الطبيعي الكلي والمطلق نقال ال يمكن الرجوع عنه لهذا الشخص- فردا كان أم جمعية- المؤهل بأن يتخذ في شخصه جمهورهم وبهذا سيصبح الشخص الوحيد منذ تسليم الحق له من يتمتع بالحق المطلق كل فرد سيخضع إرادته إلرادة السيد فيقررون بذلك إعطائه حق تمثيلهم تمثيال كليا إن السيد سيكون في مكانهم حيث سلطته تضطلع وتستوعب شخصية الجميع ومن هنا يظهر الجانب االصطناعي والتأليفي لهذا اإلنسان اآللي حتى ولو كان ملكا كفرد إن ما يصنع هذه اآللة الوحش هو اإلرادة إرادة أن نحيا في فوكو ميشال جيب الدفاع عن اجملتمع تر: زاوي بغورة لبنان دار الطليعة للنشر والتوزيع 2007 ص 202. املرجع السابق ص 202. املرجع ذاته ص
59 سلم وآمان وهي كما الحظنا إرادة مرتبطة بالخوف هي ارادة تنشأ من أسفل أي من إرادة الخائفين في البقاء في حالة الحرب وبؤسها المهددة لوجودهم أصال فهناك سلسلة سببية: حقوق إرادة سيادة وسلطة وبهذا تتحدد طبيعة هذه السلطة والمتأتية من طبيعة العقد والواجب المتوقع منها االضطالع به فهي سلطة مطلقة ال تتجزأ ألنها نتاج نقل كل الحقوق الطبيعية لألفراد خاصة حقهم في حرية الحكم على ما هو خير وما هو شر ما هو عدل وما هو ظلم وألنها تروم تحقيق قيمة القيم السلم فهي تفترض مسبقا الطاعة والخضوع المطلقين باختصار شديد للسيد الحق في فعل ما يراه ضروري لتحقيق السلم فهو يقرر ما هو خير وما هو شر والعدل والظلم وما هي المذاهب واآلراء الصالحة وما هي تلك الفاسدة له أن يقرر شكل الملكية وحق استعمالها وله الحق في تفسير الكتاب المقدس باعتباره رئيسا للدولة وللكنيسة في نفس الوقت ففي الحالة السياسية وبخلق الويثيان ال تكون سلطة الدولة والكنيسة إال دنيوية وتلتقي في شخص الحاكم المطلق "وباختصار فإن السيد بهذا المقدار هو سيد القانون والملكية واآلراء والمذاهب والدين أيضا". في المقابل من واجب "اللوفيثيان" المحافظة على سلطته وامتيازاتهكاملة ألنها شرط للقيام بوظيفته وهي ما تشكل الواجب العام أال وهو األمن العام وهذا أمن يتضمن بطبيعة الحال أمن الحياة وكذلك كل اإلشباعات التي تقتضيها هذه الحياة يتفرع عن هذا الواجب واجبات فرعية كضمان االزدهار المادي تأمين العدالة والمساواة أمام القانون والضرائب وضمان حياة كريمة للعجزة والضعفاء وأخيرا سن القوانين الجيدة قوانين واضحة وضرورية وعند هوبز سلطة سن القوانين ونقيضها هي المؤشر األول على السيادة. إن الدولة ولدت من رحم الحاجة الحاجة إلى السلم وليس كاستجابة للطبيعة االجتماعية للبشر وحالة الحرب وما تولده من مشاعر الخوف والشعور بتهديد غريزة الحياة واالستمرار ما حفز بعض الغرائز التي لدى البشر وبمساعدة العقل على القيام بعمل فني عظيم صنع اللوفيثيان كجسم وكنسق عضوي ال يمكن معرفة حدود قدرته إال من خالل تشريح فيزيولوجيته فهذه اآللة الوحش تشكل السيادة نفسه االصطناعية والحاكم والموظفون هم مفاصله والمكافأة والعقاب أعصابه وازدهار وغنى أعضائه الخصوصيين قوته أما حماية الشعب فتشكل قضيته ومهمته أما ذاكرته فهي مستشاروه والعدل والقوانين هي إرادته وعقله وسيادة السلم واألمان مؤشر على صحته أما االضطرابات المدنية فمرضه وفي الحرب األهلية موته تلكم هي البنية التشريحية لللوفيثيان كما وصفها هوبز في مقدمة كتابه. بهذا الشكل وكما جاء في تمهيد هذا المبحث فإن هوبز قد أضاف لبنات في بناء الفكر السياسي الغربي فإذا كان مكياقيلي كما الحظنا قد فكر في السلطة كقوة عارية من كل لباس أو قناع ديني شوفالييه جون جاك تاريخ الفكر السياسي ج 2 ص
60 أو أخالقي فإن هوبز قد فكر في السلطة باعتبارها مؤسسة. ظاهرة قوة فقط ولكنها القوة ذاتها وقد تجسدت في أين تقف المعرفة في أرض هوبز التي تغطيها الهامة الضخمة لللوقيثيان لعل فلسفته وموقفه من الصراع السياسي في بلده يحسم المشكلة لقد نصب هوبز نفسه كمنظر ومرافع لصالح الملكية المطلقة وسلطة الدولة غير المحدودة وعليه تكون المعرفة بجميع أشكالها موظفة لدى العاهل لدى من يجسد اللوفيثيان فلقد رأينا كيف أن السيد هو من يقرر ماهية الخير والشر العدل والظلم وهو من يقرر أي المذاهب واآلراء صحيحة ونافعة ومن ثم له الحق في نشر ما يراه صالحا وحضر ما يراه مهددا للسلم ولصحة اللوفيثيان لدرجة أن معيار الحقيقة وقاعدتها إنما يكون في تحقيق السالم "ألن المذهب الذي يتعارض مع السالم ال يمكن أن يكون صحيحا مثلما أن السالم والوئام ال يمكن أن يكون مناقضين لقانون الطبيعة" السلطة أوال كقوة تشريع وتنفيذ كقوة تعاقب وتكافئ وكل سلطة يجب أن تكون خادمة ومدعمة لهذه السلطة بما في ذلك سلطة المعرفة. أخرى إن وجدت واآلن إذا كان لنا أن نقيم عمل هوبز فإنه يجب أن نقيمه انطالقا من حاجاتنا نحن أي ورثة التراث العربي اإلسالمي حيث مازلنا نبحث في أكوام تاريخنا وفي أكوام التاريخ الغربي عن النماذج في ظل تعثر ثوراتنا وسعينا إلى إقامة مجتمعات ديمقراطية ال يقف هوبز بعيدا من كل أولئك المفكرين والذين في معظمهم فقهاء والذين وفي ظل االستقرار السياسي والفوضى والصراع الدموي بين اإلمارات والتهديد الخارجي أو تحت ضغط تهديد الفتنة راحوا يتخلون تدريجيا عن المعايير والمقاييس التي تصنع حاكما مثاليا وشرعيا لينتهوا عند حدود الحاكم القوي القادر على الذود عن بيضة اإلسالم وفرض السلم المدني بغض النظر عن صفاته األخالقية أو نسبه حيث يسقط الحق اإللهي وحق التوريث لصالح القوة مستبد خير من رعية فاسدة" "حاكم إال أن الميزة التي افتقدناها والتي ميزت هوبز تحديدا هو تلك القدرة أو لنقل الشجاعة على تجريد الحياة السياسية من كل سلطة أخالقية أو دينية وعلمنتها أي فهمها وتفسيرها على ضوء التحوالت المعرفية والعلمية حيث أن عمله قد بين أن المشاكل السياسية ال تجد لها حال عندما تفهم أو تحاول تفسيرها بمفاهيم وأفكار ليست من جنسها أو طبيعتها اذ يجب النظر إليها كقوى تجاذب وصراع بطريقة فيزيائية كما فعل سلفه ميكيافيلي وهذه ميزة أصبحت تطبع الفكر الغربي منذ عصر النهضة أي استثمار المعرفة العلمية ومن ذلك تحويل كل مشكلة أخالقية أو سياسية أو اجتماعية إلى مشكلة طبيعية "فقد يكون من أهم الميزات التي طبعت الحضارة الغربية تحويلهاكل مشكلة أخالقية وكل مشكلة سياسية إلى مشكلة فيزيائية أي تحويلها إلى ميزان قوى تتجاذب" كابيتان ر..R Capitant هوبز والدولة الشمولية باريس منشورات 2971 ص 21 نقال عن جون جاك Sirey شوفاليه تاريخ الفكر السياسي ص
61 فمن التفكر في الطبيعة البشرية إلى تفسير السلطة كعقد يقيمه هؤالء البشر من أجل مدني يسوده السلم وقانون هذه السلطة المطلقة للسيد. إقامة مجتمع هذه السلطة المطلقة لم تنبع من حق إلهي ال وال من التوريث وإذا جاز لنا أن نختم هذا العنصر المخصص لهوبز فلن يكون ذلك أحسن من هذه العبارة التحليلية لهذا المفكر السياسي "من هنا تلك الواقعة المؤكدة وهي أن فلسفة القانون قد أعطت الحقا وكمكافأة لهوبز لقب المشيخة Sénatorial وأبا الفلسفة السياسية وأنه عندما كان مقر السلطة مهددا كانت هناك إوزة une oie 1 أيقظت الفالسفة النيام وهذه اإلوزة هي هوبز".) ) المبحث الرابع -4- :السلطة على نحو آخر في الفكر المعاصر: 4-1- ماكس فيبر العالم والسياسي وجهتان ومهنتان: من هوبز إلى ماكس فيبر يعني االنتقال من العالم اآلخر من النصف األول من القرن السابع عشر إلى الخمس األول من القرن العشرين حيث تكدست األحداث في هذه الفترة لعل أبرزها أن أوربا أنجزت حداثتها العلمية االقتصادية والسياسية في خضم صراعات دموية وفكرية ودينية وهذه األحداث تركت بصماتها على الفكر بكل تأكيد فقامت تلك األحداث بتنشيط وإثارة الجهد الفكري المطبق على مسائل السلطة ومن خالل ذلك تطبيقها على مسائل تنظيم المؤسسات االجتماعية وعلى رأسها مؤسسة المؤسسات الدولة ونظرا لظاهرة االستعمار وتقسيم العالم إلى مناطق نفوذ بين الدول الغربية بداية من القرن التاسع عشر فإن مجال التطبيق اتسع إلى إفريقيا وآسيا والعالم الجديد. لقد كانت الثورة الصناعية والثورة الفرنسية وثورات 1141 أحداث بارزة أفرزت أهم القضايا السياسية للعالم الحديث والمعاصر حيث امتزج الفكر السياسي مع الفكر االجتماعي واالقتصادي في عالقة جدلية وخالل ذلك برزت إلى السطح إشكالية النظم السياسية المالئمة للدولة والتي ارتبطت بقضايا اإلنتاج والتوزيع العقالني للثروات وتنظيم العمل والعالقات بين الفئات والطبقات المكونة للمجتمع وهكذا باإلضافة إلى فكرة الديمقراطية والليبرالية برزت الثورة المضادة المتمثلة في االشتراكية ومن قبلها فكرة القومية هذا الواقع السياسي االقتصادي واالجتماعي تم ترجمته في أعمال فكرية خالدة تراوحت بين تبرير هذا الواقع وبين نقده وتجاوزه إذ ال يمكن مباشرة الحديث مع فيبر عن السلطة والشرعية وتقسيم الوظائف واألدوار بين السياسي والعالم دون أن نذكر ولو باالسم واإلشارة فقط أعماال ضخمة مثل "تأمالت في الثورة الفرنسية" ل"أيمون بارك "E.Burke و"خطب األمة األلمانية " ل:"فيخته " Fichte و"نظام السياسة اإليجابية ل:" أوغست كونت "A.Conte و"مبادئ فلسفة الحق" لهيغل Hogle و"البيان الشيوعي" لماركس وأنجلز Marx Engles و "الديمقراطية في أمريكا" لتكوفيل (- 1 فوكو ميشال جيب الدفاع عن اجملتمع ص 113 ( 54
62 وغوستان يومن.G. De Beaumont وهل لنا أن ننسى أن 1411 وبعدها ما هي إال نبوءات قامات كبيرة في تاريخ الفلسفة السياسية فال يمكن تجاوز فلسفة العقد االجتماعي جون لوك ومسألة التنظير للفردانية الليبرالية وفي فرنسا البلد الذي كان مسرحا للثورة السياسية والفكرية ال يمكن تجاوز إسهامات صاحب "روح القوانين" مونتسيكو و ال فالسفة األنوار والسياسة التي تقوم على العقل فولتير ديدرو هولباخ وصوال إلى المنظر لدولة الشعب صاحب المؤلف الشهير جدا والمؤثر جدا االجتماعي" المعرفي. "في العقد جون جاك روسو يمثل كل هؤالء بحثا مستقال في السلطة وأشكالها وعالقتها بالمناخ سوف تتسارع األحداث وتتزاحم األفكار على باب القرن العشرين بوتيرة أسرع وبصراع أكثر دويا "فهاهو الزمن في القرن العشرين يضاعف الخطى عشرات المرات إن أمكن القول لقد تأثرت األدجيولوجيات السياسية كبقية األشياء بهذا التغير في السرعة ولهذا شوهدت في فترة ما بين الحربين وأثناء الحرب العالمية الثانية عملية انطالق للمذاهب الفكرية: كالفاشية و المعادية للفاشية و الستالينية و التروتسكية و الشيوعية و المعادية للشيوعية إلخ وهكذا سيطر التسارع اإليديولوجي بين فيبر شقه على الفكر السياسي" وكما كانت األحداث متسارعة كان رسمنا للخريطة اإليديولوجية والفكرية لعالم القرن العشرين متسارعا كذلك وآن األوان أن نتوقف عند واحد من أهم مفكري القرن العشرين ومن أهم علماء االجتماع الذين فكروا في السلطة والشرعية إنه عالم االجتماع األلماني ماكس.M Weber حيث يقترح هذا المطلب النظر في العناصر التالية: األسئلة الفيبرية وعلم االجتماع. مصادر الشريعة وأنواع السلطة. العلم والسياسة مهنتان ووجهتان. 4.األسئلة 1-1- الفيبرية وعلم االجتماع: بداية من هذا المبحث سيتعقد التفكير في السلطة ويتشعب فلم تعد الفلسفة السياسة منها خاصة "نجمة الحفل" إن ستتعدد مصادر األضواء المسلطة على السلطة فقد نشأت ومنذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر علوم اإلنسان والمجتمع كاستجابة لتعدد موضوعات وجوانب الواقع العلمي في واألنتريولوجيا الفردي االجتماعي التاريخي واألنتريولوجي وهكذا ظهر علم النفس والسوسيولوجيا...إلخ حيث أنه بات من العسير اإللمام باهتمامات كل هذه العلوم إال في إطار عالقة تضايف أو ما يسمى بمبدأ تضافر العلوم Interdis Plinarité ولعل ماكس فيبر يشكل نموذجا مثاليا جون جاك شوفالييه تاريخ الفكر السياسي مرجع سابق ص
63 اللتقاء وتضافر علوم شتى وكم هائل من المعارف في شخصه األمر الذي يجعل من الصعوبة بمكان اإللمام واإلحاطة بتفكيره فهو متعدد االهتمامات والنشاطات خاصة في حقل العلوم االجتماعية لدرجة أن البداية التأسيسية لكثير من الحقول المعرفية في مجال علم االجتماع على وجه التحديد إنما ترتد إليه وهكذا يعد مؤسسا لعلم االجتماع السياسي ولعلم االجتماع الديني ولعلم االجتماع الصناعي... ولكن ما يهون علينا األمر أننا سنتجه رأسا إلى علم االجتماع السياسي الفيبري كعلم يبحث فيه مسألة السلطة والسيطرة الشرعية الدولة الحق والقانون والنفوذ والبيروقراطية. وقبل بحث هذه المسائل يجب وضعها في سياقها اإليبستيمولوجي العام الذي تفرعت عنه يتعلق األمر بعلم اجتماع الفهم وأهم األسئلة واإلشكاليات الفيبرية التي تشكل اجابات فيبر عنها فكره ومساره العلمي. طبعا السياق السوسيو تاريخي الذي أطر هذا الفكر هو السياق السوسيو تاريخي أللمانيا ففي المقدمة التي خصصها عالم االجتماع الفرنسي القرن "ريمون آرون" لكتاب "فيبر" "العالم والسياسي" يحدد معالم هذا السياق فهو ينتمي إلى جيل شهد إزدهار اإلمبراطورية األلمانية "الخمسة عشرة سنة األخيرة من 11 بالنسبة لفيبر سنوات التكوين بين العشرين والخمسة والثالثين مطبوعة تارة بتنمية الشرعية االجتماعية من خالل التدخالت الشخصية األولى لإلمبراطور في الديلوماسية وبعمق أكبر التأمل في اإلرث البسماركي". هذا الجيل الذي كان يطرح جملة من األسئلة لعل أهمها : أية مهمة أللمانيا بعد اكتمال الوحدة وأي دور يجب أن تلعبه على المسرح العالمي وأي شكل للحكم مناسب لتثبيت وحدة األمة األلمانية. ألمانيا التي أكملت وحدتها وأنجزت ثورتها الصناعية غدت قوة عالمية أما على الصعيد السوسيولوجي شهدت ألمانيا الصراع بين األرستقراطية والبرجوازية سواء التقليدية أو التجارية وفي خضم النمو والتمركز الصناعي المتزايد ظهرت البروليتاريا الصناعية وقد كانت هذه القوى المشكلة للمجتمع األلماني موضوع بحوثه السوسيلوجية بداية من بحثه األهم: "األخالق البروتستانتية وروح الرأسمالية" ) ( إلى بحثه حول "فالحي شرق األلب" )1112( وبحث حول "عمال الصناعة" )1141( وعلى الصعيد السياسي كان شاهدا على ميالد اإلمبراطورية األلمانية وعلى هزيمتها وإنهيارها وعلى إعالن الجمهورية والمساهمة في كتابة دستورها ألمانيا كجمهورية ظلت في سياستها الداخلية محل توتر بين التقاليد السياسية البروسية والحداثة السياسية كدولة ديمقراطية تمثيلية دون أن ننسى تأثير شخصيات كاريزماتية في توجيه السياسة األلمانية داخليا وخارجيا يتعلق األمر بتأثير بسمارك» Bismarck «واإلمبراطور "غليوم "Guillaume II.II هذه الطريقة وهذه األشكال من الشرعيات (1)- Raymond Aron, In, M. Weber, le savant et le politique, Paris, Union générale d éduction 1963, P 07., P
64 والسلطات باإلضافة إلى ميوله الشخصية وتنشئته األسرية ألهمته التنظير ألنماط السلطة والشرعية وبلورة أهم المفاهيم التي أسست لعلم االجتماع السياسي "وبصورة عامة فإن علم االجتماع السياسي الذي وضعه يندرج في هذا السياق المتعلق بترسيخ دولة القانون في األمة األلمانية الفتية ترسيخا بطيئا". إذا كان ما سبق مثل األطر االجتماعية التي أطرت بكل جوانبها فكر فيبر فإن األطر المعرفية لها تأثيرها األكيد هذه األطر التي تمثل المناخ الفكري الذي تكون فيه والذي بدونه ال يمكن فهم فيبر إذ "يذهب أغلب علماء االجتماع إلى أنه يتعذر فهم علم االجتماع عند ماكس فيبر بدون اإلشارة إلى المناخ الفكري" خاصة المناخ الفلسفي والعلمي في ألمانيا هذا المناخ يمكن تركيزه في تأثير كل من ماركس ونيتشه فقبل أيام من وفاته كان فيبر يستمع الى محاضرة حضرها أيضا"ازوالد شنيغلر" العودة أسر الى هذا األخير بالقول التالي ": و في الطريق ان مدى اخالص المثقف و بخاصة الفيلسوف انما يقاس في أيامنا بالطريقة التي يحدد فيها المثقف الفيلسوف- موقعه بالنسبة الى نيتشه و ماركس ان الذي ال يعترف بأنه لوال عمل هذين المؤلفين لما استطاع أن يقوم بجزء كبير من العمل الذي يقوم به لهو انسان يخدع نفسه و يخدع اآلخرين ان العالم الثقافي الذي نحيا وسطه لهو عالم تشكل و في جزء كبير منه بفعل اسهام كل من ماركس و نيتشه " 2 ( (من الواضح من خالل هذا االستشهاد تأثير كل من ماركس ونيتشه فأما األول و رغم التأكيد في مناسبات كثيرة من قبل قراء فيبر الفرنسيين منهم خاصة على نقاط االختالف و على انتقادات فيبر لماركس خاصة فيما يتعلق بالتفسير المادي الذي هو تفسير أحادي للتاريخ و لظواهر التاريخ خاصة الدين فان هناك نقاط تقطع أو على األقل تقارب بين المفكرين : فهما قد اثار تقريبا نفس األسئلة كما تشكل الرأسمالية كظاهرة تاريخية خاصة بالغرب موضوعا مشتركا خاصة في تأثيرها الهائل على الفرد و المجتمع و تشكيلها لنمط جديد من العالقات االجتماعية وكذا العالقة مع العالم و في هذا المجال يبدو تأثير ماركس واضحا" فالعالقة بين فيبر و ماركس تتحدد أيضا من يتمثله خيطا مشتركا بين كافة المستويات و التي تتحدد عالقة االنسان في كينونته مع العالم بعبارة واحدة انها التشيؤ") ) 3 حيث تتعدد العالقات االجتماعية الالشخصية انطالقا من ال شخصية العالقات البضائعية لتعطي بذلك السمة العامة للمنطق الذي يحكم سيرورة المجتمع الغربي أي العقالنية كما نلمس تأثير ماركس في الطريقة التي تتعلق بالعلم الجديد بفهم أو تفسير هذا العالم الحديث االمر يتعلق بهذا العلم الوضعي أو العلم الحق عند ماركس او علم الواقع عندكما عند فيبر أي السوسيولوجيا أما نيتشه فتأثيره كان كبيرا على فيبر في موضوعين: لوران فلوري ماكس فيرب تر: حممد علي مقلد بريوت دار الكتاب اجلديد املتحدة 2003 ص 23. ) 2 كوليو كاترين ماكس فيرب و التاريخ ص 22 ( ) 3 املرجع ذاته ص 27 ( 57
65 موضوع القيم ودورها حيث يتماثالن في القول بعالقتها بالسياق التاريخي وبالتالي بنسبية القيم وإذا كان نيتشه يبشر بقيم جديدة فإن فيبر نظر إليها بعيون العالم المحايد فهو لم يحكم على هذه القيم بقدر ما حاول إبراز تأثيرها. موضوع التاريخ حيث أن نيتشه وكفقيه لغة وفيلسوف ناقد لمنظومة القيم الغربية من خالل كتابه "نسابة علم األخالق" قد أثر وبشكل مباشر في صياغة موقف فيبر من التاريخ وفي نقده للمدرسة التاريخية األلمانية..1.2 وألنه يجب علينا أن نحث الخطى باتجاه موضوعنا الرئيسي موضوع السلطة من خالل العلم والسياسة عند فيبر فإنه يجب أن نمر سريعا على اإلشكالية االيبستيمولوجية و األسئلة الفيبرية المتعلقة بها هذه اإلشكالية ترتبط بطبيعة الحال بموضوع ومنهج علم االجتماع وبالرجوع إلى فيبر خاصة في مؤلفه الضخم "االقتصاد والمجتمع" االجتماعي بطريقة شارحة ويفسر بذلك أسبابه في تتابعه وتأثيراته... فإنه يحدد موضوع علم بقوله: "علم يهدف إلى فهم الفعل بالفعل والقائمون به معنى ذاتيا" وتحليل هذا التعريف لعلم االجتماع يجعل منه: كلما وبالقدر الذي يربط به القائم الفعل االجتماعي للفرد يشكل موضوعا لعلم االجتماع مع العلم أن الفعل يكون اجتماعيا حسب فيبر بمقدار ما يكون مرتبطا بفعل اآلخر أي أنه يأخذ بعين االعتبار أفعال اآلخرين مؤثرا ومتأثر. على علم االجتماع أن يكون علما تفهميا فتأسيسا على التحديد األول فإن الظواهر االجتماعية أو األفعال االجتماعية تتأسس انطالقا من األفعال التي تنطوي على معنى موجه من قبل الفاعلين ومهمة علم االجتماع هي الكشف عن المعنى الذي يقصده الفاعلون. يؤدي ذلك كله إلى أن يكون المنهج في السوسيولوجيا الفيبرية يقوم على "التفهم السببي للحقيقة االجتماعية وهذا ما تفرضه طبيعة موضوع علم اإلنسان والمجتمع حيث يقتضي التفسير تعددية سببه التحليالت التي تصدت لنتاج فيبر العلمي بالتحليل والنقد تراوحت بين القول بالتصدعات في هذا النتاج وبين القول بوحدته ونسقيته ولكن مهما يكن األمر فإنه يمكن القول أن هذا النتاج كان محاولة من صاحبه لإلجابة عن أسئلة محورية ثالث: 1. في ظل أية أسباب وعوامل تكون العالم الحديث عالم الرأسمالبية ماكس فيرب مفاهيم أساسية يف علم االجتماع تر: صالح هالل القاهرة املركز القومي للرتمجة 2022 ص
66 .2.3 كيف يمكن للدين صياغة أفكار وتصورات ومن ثم أفعال وعالقات اجتماعية بعبارة أخرى كيف ممكن للدين صياغة نظام حياة ومن ثم سلوك حياتي أية عالقة تقوم بين العقالنية والالعقالنية في قلب المجتمعات الحديثة مصادر الشرعية وأنواع السلطة: يشكل هذا العنصر مركز ثقل هذا المبحث ليس بسبب جانبه المعرفي وحسب بل لتأثيره في صياغة التفكير في السلطة وأنواع الشرعية ومن ثم لتأسيس لعلم االجتماع السياسي األمر الذي يضاعف من أهمية فيبر على هذا المستوى ويضاعف من قيمة وجوده في هذا البحث حيث يمكن استعمال مفاهيمه وأفكاره في تفسير ظهور وانبثاق أنواع السلطة في مجتمعات أخرى بما في ذلك المجتمع العربي اإلسالمي خاصة السلطة الدينية وأنماط ممارستها. ورغم العالقة المباشرة وغير المباشرة لفيبر بالنشاط السياسي من حيث تأثير والده وانخراطه في العمل السياسي المباشر كمناضل سياسي وكمشارك في معاهدة فرساي وكمستشار في صياغة دستور جمهورية "فيمار "Weimar فإن فيبر " كان رجل علم ولم يكن رجل سياسة وال رجل دولة" اذ" أن اهتمامه األكبر بالسياسة من موقعهكعالم ولمزيد من الدقة كعالم اجتماع في شأن السيطرة والنشاط السياسي واعتبر من هذه الزاوية أحد مؤسسي إن لم نقل المؤسس الحقيقي لعلم اجتماع السياسة" محلال األبعاد الثالثة لهذا العلم: بعد الحياة السياسية بعد قضايا النظام السياسي يعد النشاط الحكومي وما يعنينا في هذا المقام بالدرجة األولى المسألة الجوهرية التي راعت اهتمام فيبر مسألة عالقة الخضوع والطاعة التي يقدمها الشخص لمن يرى أنه يتمتع بمزايا ومواصفات تجعل منه أهال لتلك الطاعة أو بكلمة جامعة مسألة الشرعية والسلطة بعد أن يحدد فيبر في مناسبات عدة شبكة المفاهيم المرتبطة بمسألة السلطة والشرعية كمفهوم القوة السياسة الدولة السلطة ذاتها يلخص ويركز أفكاره في مؤلفه المشهور "العالم والسياسي" الذي ستكون أفكاره مقصدنا في المطلب القادم وقبل ذلك ال مناص من العودة إلى تلك المفاهيم فالقوة تعنى كل إمكانية في داخل عالقة اجتماعية إلنفاذ الرغبة الخاصة ضد الرافضين لها بغض النظر عما ترتكز عليه تلك اإلمكانية". على القوة" وغياب القوة أو العنف الشرعي والقوة عند فيبر تشكل قاعدة الدولة "كل دولة تتأسس يعني غياب الدولة وعليه ستتحدد الدولة العصرية بكونها "تجمع بشري في رقعة جغرافية محددة...يطالب لصالحه وبصفة ناجحة باحتكار العنف المادي ماكس فيرب مفاهيم أساسية يف علم االجتماع ص 92. (1)- Aron, Introduction de Max. Weber, le savant et le politique, P 07. (3)- Aron, Introduction de Max. Weber, le savant et le politique, P
67 والشرعي" في هذا المجال أو السياق يتحدد مفهوم السياسة ومن ثم السلطة وأسس شرعيتها "فالسياسة هي مجموع الجهود التي نبذلها للمشاركة في السلطة أو التأثير في توزيعها إما بين الدول أو بين مختلف المجموعات بداخل نفس الدول" وهذه السلطة التي هي غاية الممارسة السياسية "تعني إمكانية فرض إنصياع مجموعة محددة من األشخاص ألمر له محتوى معين االنضباط هو إمكانية فرض االنصياع بصورة ممارسة" سريعة وتلقائية وآلية لدى مجموعة محددة من األشخاص وذلك بناء على ضبط بعد هذا التحديد يمكن تشكيل ترسيمة لهذه الشبكة المفاهيمية القوة الدولة السياسة السلطة. وإذا كانت السلطة هي غاية الممارسة السياسية في إطار الدولة العصرية التي تحتكر العنف المادي الشرعي فإن األسئلة المهمة اآلن هي: في أية ظروف أو شروط يتم خضوع المحكومين ولماذا ماهي المبررات الداخلية والوسائل الخارجية التي ترتكز عليها السيطرة يجب فيبر على هذه األسئلة التي طرحها في محاضرته "العالم والسياسي" السيطرة ومن ثم توجد ثالث أسس للشرعية. الثاني هناك سلطة التي تقوم على الكاريزما... "المشروعية" بما يلي: "هناك من حيث المبدأ ثالثة أسباب داخلية تبرر في البداية هناك سلطة وبمقتضى اإليمان بصالحية المكانة المشروعة و"بكفاءة" "الماضي الخالد"...في المجال وفي األخير هناك السلطة التي تفرض نفسها بمقتضى إيجابية قائمة على قواعد تمت )4( صياغتها عقالنيا". على هذا األساسكل شرعية من هذه الشرعيات تؤسس نمطا ونموذجا من السلطة: السلطة التقليدية: وهي السلطة التي تقوم على اإليمان بالطابع المقدس للتقاليد وشرعية القرار في هذا النموذج تقاس بمدى موافقته لألفعال واألقوال السابقة )التراث( حيث أن هيبة ونفوذ هذا التراث هو ما يضمن الطاعة والخضوع لمن يمثل هذه السلطة في الحاضر حيث أن سلطته أبوية و"تستند إلى نمط من السيطرة تكون فيه اإلدارة الحكومية شديدة الشبه بإطار )5( عائلي". السلطة الكاريزماتية: تقوم هذه السلطة على اإليمان بأن للشخص الكاريزماتي قدرات ومميزات استثنائية تجعل منه يتميز بالهيبة الجاذبية والسحر األمر الذي يمنحه نفوذا وهيبة تجعل اآلخرين يطيعونه ويتعلقون به في عالقة عاطفية والتزام والكاريزما المشتقة من اليونانية» jrace «نعني النعمة اإللهية وإذاكان فيبر يعتبر الكاريزما ميزة فطرية فإنه يركز على الوجه.1.2 (1)- Ibid, P 101. (2)- Ibid, P 101. (4)- Max. Weber, op cit, P 07. ماكس فيرب مفاهيم أساسية يف علم االجتماع ص 92. )5( لوران فلوري ماكس فيرب ص
68 االجتماعي لها وهذه السلطة بطبيعتها سلطة تقطع مع سلطة التقاليد إنها بمثابة سلطة مفجرة ومبعثرة للسلطة التقليدية كما سيأتي توضيح ذلك في أنماط السلطة الدينية وممارستها. السلطة العقالنية: )البيروقراطية المشروعة( وهي سلطة تتأسس على شرعية األنظمة والقوانين حيث تنحو الشرعية légitimité لتكون مطابقة للمشروعية Légalité نظرا ألن النظام هنا يصدر عن قانون فاإليمان بقانونية النظام وشرعيته يحيل إلى قوة القانون كقاعدة شاملة مجردة ال شخصية إن اإلدارة الحديثة المشروعة" تمثل صيغة النموذج المثال للسيطرة العقالنية سلطة الزمن سلطة اإلنسان سلطة العقل تلكم هي النماذج الميثالية الثالثة للسيطرة وهي نماذج قد تتراكم في نفس التاريخ وفي نفس النظام أو الشخض..3 وما يهم هذا البحث بشكل مباشر بحكم طبيعته هو أنماط ممارسة السلطة الدينية على أساس أن الدولة في اإلسالم التاريخي إنما تأسست انطالقا من الدين مما قد يتيح هذا استخدام أفكار فيبر في تفسير عملية انتقال السلطة من السلطة الكاريزماتية التي كان يمثلها النبي إلى سلطة مؤسساتية في جوهرها ستصبح سلطة تقليدية بكل المقاييس التي تكلم عنها فيبر. يميز فيبر بين ثالثة أنماط من السلطة الدينية: سلطة الكاهن: يمارسها الكاهن الذي يمثل السلطة الدينية الوظيفية وهي سلطة تمارس في مؤسسة ما يسميه فيبر "مؤسسة الخالص البيرقراطي". سلطة الساحر: يمارسها الساحر على من يعترفون له بمهارتهكمبلغ. سلطة النبي: وهي السلطة الدينية الشخصية أو المشخصة في شخص النبي تمارس داخل الجماعة التي تؤمن وتعترف للنبي بنقل الوحي وتبلغيه ويعتبر فيبر هذه السلطة تتعارض بطبيعتها مع السلطة التقليدية إذ تحدث انقطاعا في اإلدارة اليومية للشأن الديني والمتميزة باالستمرارية الثبات والروتين األمر ينطبق كذلك على سلطة الكاهن والساحر فالسلطة الكاريزماتية سلطة ديناميكية تطرح نفسها كبديل للسلطة التقليدية وفي نفس السياق درس فيبر التحوالت التي تطرأ على هذه السلطة من ذلك عملية انتقال هذه السلطة من السلطة الدينية للنبي إلى سلطة مؤسساتية وذلك مع األجيال من األتباع الذين يرثون هذه السلطة والتي تصبح وظيفتها أو رهانها هو مواصلة السيطرة على حياة التنظيم من حيث انتظامه واستمراريته "مجازفة السلطة المترافقة مع والدة تكتل اجتماعي جديد تكمن في السيطرة على دستور حياة التكتل وعلى انتظامه" وفيبركعالم اجتماع مهتم جدا ماكس فيرب من مفاهيم أساسية يف علم االجتماع ص 92. ماكس فيرب املرجع السابق ص
69 بالظاهرة الدينية عالج عملية تطور هذه السلطة )سلطة النبي( إلى سلطة مؤسسة خاضعة إلى تراتيبة وإلى تنظيم بيروقراطي ديني أي عملية ظهور الكنيسة حيث يظهر أشخاص وفئات تحتكر عملية اإلشراف على عمليات التقديس والشرح التفسير والتأويل لتعاليم النبي وللنصوص الدينية بكلمة جامعة جهاز كهنوني محترف يتولى عملية السيطرة على جمهور المؤمنين بواسطة التبشير والتعبئة )التثقيف والتربية( وكذا التأثير على المسلك الفردي بواسطة العالج النفسي والروحي ناهيك عن السيطرة على األوقاف الدينية لتقوية سلطتهم الدينية. وإن لم يكن من الممكن في هذا السياق تتبع فيبر في تحليله الرصين لتمفصل السلطة اإلكليريكية مع العقالنية الغربية وكذا كيف تفضي أزمة الكنيسة إلى ظهور شخصيات كاريزماتية جديدة وإلى ظهور مذاهب جديدة وتأثير كل ذلك على التحوالت االقتصادية والسياسية وحتى المعرفية التي عرفها الغرب فإنه من الضروري مالحظة وجود قواسم مشتركة بين تحوالت السلطة الكاريزماتية للنبي في أرض اإلسالم وتاريخ الغرب المسيحي لعل أهمها استمرارية السلطة الكاريزماتية في التاريخ عن طريق عملية تمأسسها في شكل مؤسسات ذات طابع ديني -مذاهب دينية- وذات طابع سياسي )مؤسسة الخالفة دول إمارات...( كان ذلك بظهور أجيال من التابعين تولت عملية االشراف على عمليات التقديس الشرح والتأويل ومن ثم إنتاج المعارف المرتبطة بتعاليم النبي العلم والسياسة مهنتان ووجهتان: في عالم يتجه أكثر فأكثر نحو العقالنية البيروقراطية وكذا التخصص طرح فيبر أفكاره حول العلم والسياسة كمجالين يجب أن يوضع بينهما حدود ومعالم بأن تتحدد وظيفة ووجهة كل منهما هذه المهمة التي اضطلع بها فيبر من خالل محاضرته المشهورة سنة 1111 والتي كان عنوانها "العالم والسياسي" وإدراج نتائج هذا التمييز بين مجال العلم ومجال السياسة في هذا المبحث لغرض تحديد العالقة بين سلطة العالم وسلطة السياسي رغم أن فيبر كان يهدف إلى تعيين الصفات ومن ثم الوظائف التي تتعلق بمهنة العالم ومهنة السياسي حيث جاءت محاضرته كإجابة عن السؤال الذي طرحه في افتتاحيتها: "ماذا تعني الوجهة السياسية وأي معنى يمكن أن تحمله " واألفكار التي ساقها في هذه المحاضرة تندرج كذلك في نقد أولئك األساتذة الذي يتقمصون دور األنبياء في دروسهم حين يرخصون ألنفسهم إصدار أحكام قيمية" السياسية في توجيه وجهة العلم. أو عندما تتدخل المؤسسات (1)- Max. Weber, le savant et le politique, P 99. (2)- Ibid, P
70 بعد أن يحدد فيبر مفاهيم السياسة الدولة السلطة الطاعة والشرعية يميز فيبر بين نوعين من رجال السياسة: "هناك طريقتين لتعاطي السياسة إما أن نحي من أجل السياسة أو من السياسة" الصنف األول من رجال السياسة يتخذها هدفا وغاية في حياته يعيش من أجل قضية ولكي يكون كذلك لبد وأن يتمتع باالستقالل االقتصادي أما الصنف الثاني فإنه يتخذ من السياسة مصدرا لموارده االقتصادية واالجتماعية. إنطالقا من هذا التمييز "يعرض فيبر إصالح هذه الحرفة السياسية طارحا فكرة تحويلها إلى مهنة احترافية" حيث دفعت التغيرات التي مست بنية المجتمعات الغربية وكذا بنية المؤسسات السياسية كالدولة األحزاب... ومن ثم النخب السياسية إلى ظهور جيل جديد من السياسة يعيش للسياسة ومنها انطالقا من هذا الوضع الذي دفعت إليه التغيرات "يحدد فيبر صفات رجل السياسة وطبيعة العمل السياسي في عالقته بالنسق القيمي )األخالقي( فمن حيث الصفات "يمكن القول أن هناك ثالث خصائص مهيمنة تصنع رجل السياسة: الولع الشعور بالمسؤولية والنظرة الخاطفة يتحدد العمل السياسي بكونه شغف أو ولع مجرد من الهوى وبكونه يتحدد ويسيج بالشعور بالمسؤولية وأخيرا يتميز رجل السياسة المحترف بالنظرة الخاطفة. فالقيمة األولى تتحدد بالتفاني في سبيل قضية األمر الذي يزرع في نفس رجل السياسة القيم التي تنتج وتنمي الكاريزما أما الصفة الثانية فهي التي تتيح للسياسي أخذ مسافة بينه وبين األحداث القضايا واألشخاص األمر الذي يجعل من فعله فعال موضوعيا يتسم بالهدوء والحذر. أما طبيعة العمل السياسي فإن فيبر يسمه بالطابع المأسوي لالعتبارات التالية: 1. السياسة قدر فالمرء منذ أن يولد يقع تحت طائلتها..2 السياسة ميدان الحرب والصراع بامتياز 3. السياسة ترغم السياسي على االختيار بين أكثر القيم والمواقف تعارضا وهنا تكمن المأسوية حيث كل اختيار هو استبعاد الختيارات أخرى وال يمكن الجمع بين كل االختيارات في موقف واحد وفيبر يصنف المواقف السياسية إلى مواقف أنطلوجية مواقف غائية األولى مرتبطة بأخالق اليقين والثانية بأخالق المسؤولية والصراع بين هذين النمطين يستقطب النموذجين المثاليين للعقالنية عقالنية أداتية وعقالنية أخالقية ثم أن االختيار غير مضمون النتائج فال يمكن التحكم أو السيطرة على نتائج العمل وهو ما يكشف ويفسر مفارقة التعارض بين النية القصد والنتائج باختزال ما يجعل من العمل السياسي ذو طابع مأساوي هو: حتمية السياسة ضرورة االختيار استحالة السيطرة على النتائج. (2)- Max. Weber, le savant et le politique, P 212. لوران فلوري ماكس فيرب ص
71 في مقابل ذلك تتحدد مهنة العالم ووظيفة العلم فهي تنحصر أساسا في عقلنة العالم وتخليصه من السحر فاإلسهام الجوهري للعلم في الحياة العملية والشخصية بتعبير فيبر يتمثل أساسا في "أن يضع في متناولنا عدد معين من المعارف التي تمكننا من السيطرة تقنيا على الحياة بواسطة التنبؤ" وفي المقام الثاني تتحدد وظيفة ثانية للعلم تتمثل في توفير عنصر الوضوح فالعلم "ال يوفر عالقة معرفة ومناهج فكر فحسب بل عنصر توضيح إذ ما طرحت قيمة ما حينها تصبح وضعية معينة ضرورية مما يسمح بتوسيع أخالق المسؤولية" وهذه المهمة أو الوظيفة ذات طابع أخالقي ألنها تمكن من اختيار الموقف المالئم والوسائل المالئمة لتحقيق الغايات فالعالم أو األستاذ إذ كان متوفرا على عنصر الوضوح يمكنه أن يبين ضرورة االختيار وعلى إلزام الفرد على إدراك معنى أفعاله و"حينما يصل أستاذ إلى هذه المحصلة فإنني أميل القول بأنه في خدمة قوى أخالقية أي يقوم بواجب إضفاء الوضوح وروح المسؤولية على روح اآلخرين". من هذا العرض سنستفيد بكل تأكيد من تحليالت فيبر للسلطة وأنماطها خاصة السلطة الكاريزماتية في عالقتها بالسلطة التقليدية و بتحوالتها خاصة عندما تتحول الى مؤسسة وهذه التحليالت يمكن استعمالها في تفسير التحول من السلطة النبوية الى مؤسسة الخالفة كما أن تحديده لمواصفات رجل السياسة و تصنيفاته له تتيح لنل كذلك تفسير ظهور رجل السياسة في تاريخ اإلسالم أي ذلك الرجل الذي أصبح يبني مواقفه السياسية على أساس غائي و ليس على أساس أنطولوجي مرتبط اخالق اليقين اذ هناك مسافة بين ابي بك و عمر و معاوية. 4-2.ميشال فوكو وسياسة الحقيقة: مع ميشال فوكو- Foucault ) (-Michel تبلغ مسألة السلطة والمعرفة درجة نوعية في الدراسة والتحليل وذلك يعود إلى الزاوية الجديدة التي نظر من خاللها فوكو إلى السلطة ولعالقتها بالمعرفة وقد أثارت هذه الرؤية الجديدة لعالقة السلطة بالمعرفة جدال واسعا وكانت ملهمة لكثير من األبحاث والتحليالت للسلطة والمعرفة وإلشكالية المثقف في الفكر العربي المعاصر ومن جهتنا وامام هذا الكم الضخم من المعطيات واألفكار التي انتجها الفيلسوف حول مسائل السلطة والمعرفة وتلك التي أنتجها باحثون كثر حول فكره نضطر إلى الذهاب مباشرة إلى موضوع السلطة والمعرفة معزوال عن نسقه إذ يتعين علينا ان نعرض تاريخ اهتمامه بإشكالية السلطة ثم نعرض عناصر التحليل التي قدمها لمقاربة إشكالية السلطة والمعرفة. جان بيار دوران وروبري فايل علم االجتماع املعاصر ص 200. (2)- Max. Weber, le savant et le politique, P. أجنر الباحث الزاوي يغورة. حبثا تناول فيه تأثري فوكو على ابرز املفكرين العرب املعاصرين: أركون اجلابري الصفدي الرتبكي أنظر بغورة الزواوي ميشال فوكو يف الفكر العريب املعاصر بريوت دار الطليعة 64
72 من الواضح تماما أن مسألة السلطة شكلت اهتماما مركزيا في نسق فوكو رغم أنه لم يخصص كتابا بعينه للسلطة وقد أخذ االهتمام بها منحى تصاعديا وصوال إلى كتابه "يجب الدفاع عن المجمع" والذي يحوصل فيه تحليالته للسلطة من خالل إقامة عالقة تاريخية بين السلطة االنضباطية والسلطة الحيوية فحتى كتاباته األخيرة كانت السلطة حاضرة وإنما كان االختالف بين كتاباته المبكرة والمتأخرة يتمثل فيكون السلطة في االعمال األولىكانت ثاوية تحت مسميات أخرى ولم يستعملها استعماال عمليا ناهيك عن عدم وضوح الرؤية وعسر التناول يقول " فإنني أسأل نفسي عما تحدثت عنه في "تاريخ الجنون" او "مولد العيادة" اللهم إال السلطة والحال أن لدي وعيا تاما بأنني لم أستخدم عمليا هذه الكلمة وبأن هذا المجال من التحليالت لم يكن في متناولي") ) 1 ع العلم أن "تاريخ الجنون" و "مولد العيادة" من اعماله المبكرة أما الثانية-أي األعمال المتأخرة -فكان االستعمال عمليا وواضحا وينم عن قصدية وتخطيط خاصة المؤلفات التي شرع فيها باستخدام التحليل الجينيالوجي. وقدكان فوكو عل وعي تام بأنه يفتتح نافذة جديدة لإلطاللة على مسألة السلطة هذه النافذة تتعلق بتركيزه على آلية السلطة " كيف تشتغل وهل يكفيها استعمال المنع القوي لكي تؤدي عملها حقا ثم: هل السلطة تنزل دوما من اعلى إلى أسفل ومن المركز إلى المحيط" هذا النمط من التحليل يقول عنه انه لم يشرع فيه إال بعد 1161 وأهم األعمال التي تعرض فيها لمسألة السلطة بكثافة هي نظام الخطاب) 1141 ( "المراقبة والعقاب") 1145 ( "إرادة المعرفة") 1146 ( ويجب الدفاع عن المجتمع") 46/45 ( "أقوال وكتابات" اما العوامل التي دفعت بالمعرفة والسلطة إلى واجهة اهتمامات فوكو" فليس من شك ان اهتمامه بدراسة السلطة كان احد ثمرات ثورة مايو 1161 التي أحدثت كما يبدو تأثيرات هامة في توجيه الفكر الفرنسي المعاصر كما ان هذا االهتمام يرتبط في أغلب الظن بالطريق المسدود الذي وصلت إليه النظرية األركيولوجية بسبب نزعتها التقنية وانغالقها في حقل الممارسات الخطابية والمنطوقية الصرفة" أحداث ماي 1161 وهي أحداث مفصلية في تاريخ فرنسا المعاصر السياسي والفكري وإرادة التحول لدى فوكو من المنهج األركيولوجي إلى المنهج الجينيالوجي األكثر مالئمة لهكذا مواضيع إذ نالحظ تحوال نوعيا في دراسة السلطة بداية من "نظام الخطاب" و ردا على سؤال يتعلق ببداية اهتمامه بمسألة السلطة يقول" إذا ما أردت مرجعا مكتوبا فأنا أحيلك على "الحراسة والعقاب" قد يطيب لي القول أن ذلك تم انطالقا من سلسلة من الوقائع والتجارب التي قمت بها منذ 1161 بخصوص الطب النفسي وانحراف الشباب والتمدرس...لكن أعتقد أن هذه الوقائع لم تكن لتأخذ قط معناها وجدتها لو لم يكن 1 فوكو ميشال نظام اخلطاب ت حممد سبيال بريوت دار التنوير 3009 ص 90. ) 2 ( -فوكو ميشال هم احلقيقة ت مصطفى املسناوي وآخرون اجلزائر منشورات االختالف 2001 ص 27. ) 3 ( -الكردي حممد علي نظرية املعرفة والسلطة عند ميشال فوكو مصر دار املعرفة اجلامعية 2993 ص
73 ثمة وراءها ظالن تائهان هما الفاشية والستالينية") 2 (. لقد كانت األحداث السياسية واهتمامه بها المحفز على االهتمام بموضوع السلطة أحداث ماي 1161 الفاشية الستالينية حرب الفيتنام الحركة الطالبية في البرتغال الثورة االيرانية العنصرية..." لقد كان يقول أن تفكيره في السلطة بدأ في 1155 بناءا على الميراث األسود للقرن العشرين أال وهو الفاشية والستالينية" وهذا االهتمام كما كان على صعيد التنظير كان اهتماما بالسياسة كذلك " وخليق بالباحث أن يجد في حياة فوكو ذاتها بذور هذا االتجاه الفلسفي أي االهتمام بمشكلة القوة وعنايته بدراسة الحرية الفردية والدفاع عنها ضد القهر االجتماعي سواء كان ذلك القهر صادرا عن جماعة معينة بالذات أم عن المجتمع ككل أم من الدولة التي تتمثل سلطتها بوجه خاص في القوة الحربية من ناحية وقوة الشرطة من الناحية األخرى" وفي هذا السياق يأتي نضاله لتحسين األوضاع داخل السجون من خالل تأسيسه لفريق االستعالم حول السجن. بناءا على هذ التقديم يمكن أن نجمل في مجموعة من المالحظات أهم االعتبارات التي ينظر من خاللها فوكو للسلطة: لم يقدم فوكو نظرية عامة عن السلطة بل قدم عناصر لتحليلها فالرهان الحقيقي بالنسبة إليه هو هذه النظرة التي تعتمد على " تحليلية" للسلطة أكثر منه باتجاه "نظرية" للسلطة: أعنى باتجاه تحديد الميدان النوعي الذي تشكله العالقات السلطوية وتعيين األدوات التي تسمح بتحليله". كما أن مسألة الفقركانت أهم مسألة مطروحة على القرن 11 فإن مسألة السلطة هي أهم مسألة كانت مطروحة على القرن العشرين. آليات السلطة ومسألة الهيمنة وكل ممارسات االخضاع ال تخص المجتمعات الشمولية لكنها تميز كذلك المجتمعات الديموقراطية. احداث قطيعة على مستوى تقييم السلطة وأدائها مع من ال يرون إال وجهها السلبي: الرفض القمع المنع المراقبة العقاب...ألخ وذلك بإظهار الوجه االيجابي لها من حيث أن السلطة منتجة. وإذا كان علينا ونحن نحاول االختزال قدر االمكان وضع اليد على المبادئ األساسية التي بنى عليها فوكو نسقه فهي في اعتقادنا موقفه من التاريخ والذات من خالل منهجه األركيولوجي وموقفه من السلطة والمعرفة من خالل اهتمامه بالخطاب والمنهجية الجينيالوجية " وفي ضوء هذين المبدأين األساسيين ونعني بهما النظرة إل التاريخ باعتباره سلسلة من االنقطاعات وأن الخطاب هو في نهاية األمر تعبير عن الرغبة في ) 1 ( -بغورة زواوي مقدمة ل م فوكو جيب الدفاع عن اجملتمع ص 03. -زايد أمحد ميشال فوكو فلسفة القوة والقهر االجتماعي سلسلة الطريق إىل املعرفة الكتاب 21 الكويت جملة العريب 2002/20/22 ص 22 - فوكو ميشال ارادة املعرفة ت جورج أيب صاحل بريوت مركز االمناء القومي 2990 ص
74 القوة وأن المعرفة قوة على هذا األساس يمكن فهم أعمال فوكو كلها" وإذا كان المجال هنا يضيق تماما عن عرض موقف فوكو من الذات والتاريخ فإن موضوع السلطة والمعرفة كموضوعات ثاوية في الخطاب تشكل صلب اهتمامنا. في "أركيولوجيا المعرفة" يشير إلى تلك العالقة بين الخطاب والسلطة إشارة تتكرس أكثر في مؤلفاته الالحقة خاصة "نظام الخطاب" و "ارادة المعرفة" فخاصية الندرة التي يتميز بها الخطاب تؤدي إلى الصراع الذي ال يعني في األخير إال وجود السلطة ذلك " أن الخطاب ال يبقى على الدوام كنزا ال ينفد كما يظن االتجاه التفسيري بل إنه سيصبح ثروة متناهية محدودة ومرغوبة ومفيدة لها قوانين ظهورها وأيضا شروط تملكها واستثمارها شروط تفرز ما إن تظهر إلى الوجود مسألة السلطة ثروة بطبيعتها صراع صراع سياسي" وال نستطيع تتبع فوكو في تحليله للعالقة بين الخطاب والممارسة السياسية وبالتالي السلطة ولكن ما هو أساسي في هذا الصدد هو توضيح أن العالقة بينهما تتطلب جانبين من التحليل: " الجانب األول: تحليل مختلف العمليات النقدية التي يقوم بها خطاب ما في ميدان خطابي معين. الجانب الثاني: تعيين حقل التحليالت ومجال الموضوعات التي يحاول الخطاب اظهارها وتمفصلها مع سياسة ما أو ممارسة سياسية معينة". سيؤدي الجانب األول الى ما يسميه فوكو "بالتحليل التاريخي للممارسات الخطابية" ويؤدي الجانب الثاني إلى اقامة عالقة بين الخطاب والمجال السياسي من خالل دراسة شروط ووظائف الخطابات العلمية وباالعتماد على نصين من أهم نصوصه اهتماما بمسألة السلطة "إرادة المعرفة" و "نظام الخطاب" سنحاول عرض العناصر التحليلية للسلطة فعن المفهوم يقول "بكلمة سلطة ال أعني "السلطة" أي مجموع المؤسسات واألجهزة التي تضمن خضوع المواطنين في اطار دولة ما كذلك ال أعني بكلمة سلطة نمطا من االخضاع الذي هو على العكس من العنف إنما يتخذ شكل قاعدة وأخيرا ال أعني بكلمة سلطة نظاما ما من جهة الهيمنة يمارسه عنصر أو مجموعة على عنصر آخر أو مجموعة )4( أخرى..." فهذا التعريف السلبي الذي لم يعمل إال على نفي أن تكون السلطة مساوية تماما لمؤسسة أو جهاز إخضاع كالدولة أو القانون كقاعدة إخضاع وال عالقة هيمنة صادرة من فرد باتجاه فرد آخر أو -زايد أمحد مدخل إىل البنائية القاهرة املركز القومي للبحوث اجلتماعية واجلنائية ص ) 2) Foucault.M. L archeologie de savoir, paris, Gallimard, 1969, p 156. ) 3 ( -يغوره زواوي بني اللغة واخلطاب واجملتمع مقاربة فلسفية اجتماعية جملة انسانيات العدد 23/23 ماي ديسمرب 2002 ص 33. ) 4 ( - فوكو ميشال ارادة املعرفة ص
75 باتجاه مجموعة يؤدي الى القول أن السلطة " ليست جوهرا يقتسمه عدد محدود من أصحاب االمتياز على حساب اآلخرين وهي ليست خاصية طبقية اجتماعية على خالف ذلك فإن السلطة تتحرك في كل كثافة النسيج االجتماعي" " فهي ليست شيئا ثمينا يملكه البعض وشيئا يمكن أن يقبض عليه في مان ما إنها ليست شيئا في أيدي البعض وإنما هي العنصر الذي يمر بين الجميع لربطهم وفصلهم في نفس الوقت أو من أجل أن يوحدهم فيما يفرقهم من صراع" بعد هذا التحديد السلبي الذي ينفي عن السلطة ما يمكن أن يلتبس بها يذهب فوكو إلى التعريف االيجابي " تعني كلمة سلطة االستراتيجيات التي بواسطتها تفعل موازين القوة فعلها والتي تتجسد خطتها العامة أو تبلورها المؤسسي في أجهزة الدولة وصياغة القانون والهيمانات االجتماعية يجب أن يكون المرء إسمانيا- -Nominaliste فالسلطة ليست مؤسسة وليست بنية وليست قدرة معينة يتمتع بها البعض انها االسم الذي يطلق على وضع استراتيجي معقد في مجتمع معين" الجوهري الثابت عنها لتصبح مجموع عالقات قوى إذ يبدو له ومن موقعه كبنيوي حتى لو لم يرد ذلك ينفي الطابع الماهوي أو "السلطة تعني بادئ ذي بدء عالقات القوى المتعددة التي تكون محايدة للمجال الذي تعمل فيه تلك القوى مكونة لتنظيم تلك العالقات...وهي أخيرا االستراتيجيات التي تفعل فيها تلك القوى فعلها والتي يتجسد مرماها العام ويتبلور )4( في مؤسسات أجهزة الدولة وصياغة القانون وأشكال الهيمنة االجتماعية" انطالقا من هذه التحديدات يستنبط فوكو جملة من القواعد التي تميز السلطة: 1 -القاعدة الملكية: السلطة ليست شيئا يملك أو يتخلى عنه من قبل فرد أو جهة أو طبقة أو )5( مؤسسة ألنها ليست جوهر "السلطة ال تملك السلطة تمارس" 2 -قاعدة المحايثة: السلطة كعالقة ليست خارج أنماط عالقات أخرى عالقات اقتصادية عالقات معرفية عالقات جنسية... انها محاثية لها. 3 -قاعدة أن السلطة تأتي من تحت: األسفل بل يجب السلطة كعالقة ال تظهر في خط واحد من ألعلى نزوال إلى "افتراض ان عالقات القوى المتعددة التي تتكون وتفعل فعلها في أجهزة االنتاج والعائالت والجماعات الضيقة والمؤسسات انما تفيد كركيزة لتوليد آثار تقسيمية كبيرة (1)- Gros, Fréderic, Michel Foucault, p.u.f, 1996, p 77 (2)- Ibid, p 33 ) 3 ( - فوكو ميشال ارادة املعرفة ص 202. ) 4 ( - فوكو ميشال جينيا لوجيا املعرفة ت أمحد السطايت وعبد السالم بن عبد العايل املغرب دار توبقال للنشر ط 2 (5)- Gros, Fréderic, Michel Foucault,, p ص
76 -5 تجتاز الجسم االجتماعيكله" هذ التواجد فيكل مكان وفي األماكن التي ال نعتقد وجودها هو ما يطلق عليه فوكو "ميكرو فيزياء السلطة" 4 -القاعدة القصدية: عالقات السلطة قصدية وغير ذاتية إنها ال تمارس بدون مجموعة من األهداف والمقاصد دون أن يعني ذلك البحث عن أنها تنجم عن قرار فرد أو طبقة أو جماعة حكم. قاعدة المقاومة: "حيثما توجد سلطة توجد مقاومة" وهذه القاعدة تفتح الطريق أمام مبادرة الفرد أو الجماعة لتعديل سيطرتها "إن السلطة ال توقعنا قط في شباكها وبإمكاننا دائما تعديل سيطرتها في شروط محددة وحسب استراتيجية معينة." 3 )3 ( ويختزل فوكو مشروعه القاضي بتقديم عناصر تحليلية في السلطة بأربعة اجراءات "البحث عن ما يمكن أن يكون أكثر خفاءا ضمن عالقات السلطة ومعاودة االمساك بهذه العالقات إلى حدود البيات التحتية االقتصادية ثم تتبعها ال في أشكالها المتعلقة بجهاز الدولة فحسب بل في أشكالها المتعلقة بما تحت )4( جهاز الدولة او الموازية له والتعرف عليه أخيرا-في واقعها المادي" أما المفهوم اآلخر صنو مفهوم السلطة أي المعرفة والمفهوم المتعلق بها "الحقيقة" فان فوكو وكما أحدث خلخلة في مفهوم السلطة فعل االمر نفسه بالنسبة للمعرفة وانتاج الحقيقة وذلك من خالل تقييم عمل السلطة وآلياتها في مجتمع ما ومن خالل مفهوم الخطاب. ففيما يتعلق بتقييم عمل السلطة وآليات اشتغالها ونتائج ذلك يفتح فوكو أعيننا على حقيقة مفادها ان للسلطة وجه آخر يقابل الوجه الذي اعتدنا مقابلته: المنع القمع المراقبة العقاب...إلخ فلو كان هذا وجهها الوحيد والثابت لما تقبلها الناس ولما بقيت هنا ولكن للسلطة وجه آخر ايجابي الوجه المنتج "إذ لم تكن السلطة دوما سوى سلطة قمعية وإذا لم تكن تفعل شيئا آخر سوى أن تقول ال فهل تعتقد )الكالم موجه إلى محاوره ميشال فونتانا( حقا أن الناس سيطيعانها إن ما يجعل السلطة تستوي في مكانها ويجعل الناس يتقبلونها وأنها ال تثقل عليهم كقوة تقول ال ألنها تخترق األشياء وتنتجها وتستخلص اللذة وتصوغ المعرفة وتنتج الخطاب يجب اعتبار السلطة بمثابة شبكة منتجة تمر عبر الجسم االجتماعي كله أكثر مما هي هيئة سلبية وظيفتها هي ممارسة القمع )5( " فمن آثار وجود السلطة أو من أكثر آلياتها فاعلية وتمويها عن حقيقتها أنها تنتج المعرفة والخطاب والمعرفة بدورها تنتج السلطة لمن يملكها فهناك عالقة جدلية بين هذين الحدين " ) 1 ( - فوكو ميشال ارادة املعرفة ص ) 2 ( -املرجع ذاته إرادة املعرفة ص 207. املرجع ذاته إرادة املعرفة ص ص 97. ) 4 ( -املرجع السابق ص 22. ) 5 ( - فوكو ميشال احلقيقة والسلطة حوار مع فوكو يف نظام اخلطاب ص
77 ومن الخطأ والمكابرة الظن أن المعرفة ال تظهر إال حينما تبطل او تغيب عالقات القوى فال وجود لنمط حقيقة ال يحيل إلى نمط من السلطة أو علم ال يفصح عن سلطة أو ال ينطوي عليها بالفعل" الخطاب في المعرفة" مجتمع ما وعالقته بالسلطة فقد وضح ذلك في "نظام الخطاب" ومن قبله في أما إنتاج "أركيولوجيا ونضيف إلى ما أشرنا إليه سابقا من عالقة الخطاب بالمجال السياسي وبالتحليل التاريخي للممارسات الخطابية تنصيص فوكو على أن الخطاب هو المكان او المجال الذي تمارس فيه موضوعات كالسياسة والجنس سلطتها وألنه كذلك فهو يحظى في عملية انتاجه واشتغاله بالمراقبة واالنتقاء والتنظيم واعادة التوزيع من خالل جملة من االجراءات ولهدف هو الحد من سلطته وخطورته " أفترض أن انتاج الخطاب في كل مجتمع هو في نفس الوقت انتاج مرقب ومنتقي ومنظم ومعاودة توزيعه من خالل عدد من االجراءات التي يكون دورها هو الحد من سلطاته ومخاطره والتحكم في حدوثه المحتمل واخفاء ماديته الثقيلة والرهيبة" 2 ( ) وأهم المناطق لتي تخضع لإلجراءات السابقة منطقة الجنس والسياسة الخطاب وكما حدده فوكو يكل موضوعا للرغبة لذلك "هو ما نصارع من أجله وما نصارع به وهو السلطة التي نحاول االستيالء عليها" وألنه في كل مجتمع عملية انتاج الخطاب تخضع للمراقبة التنظيم االنتقاء إعادة التوزيع للحد من سلطته وهذا يعني من الناحية العملية القيام بعملية تصنيف للخطابات إلى تلك التي تعتبر صحيحة وتلك التي تعتبر خاطئة ويجب أن تستبعد ويتم ذلك باالستناد إلى آليات تصنيف خاصة بكل مجتمع وبكل فترة تاريخية األمر الذي يؤدي إلى القول بالحتم بأن لكل مجتمع نظامه الخاص المتعلق بالحقيقة وسياسته العامة حول الحقيقة ويفهم نظام الحقيقة على أنه االرتباط الدائري بنسق السلطة الذي ينتج الحقيقة ويدعمها وباآلثار التي تولدها والتي تسوسها مع العلم أن الحقيقة عند فوكو هي " مجموعة من القواعد التي يمكن بمقتضاها ان تفزز ماهو حقيقي عما هو )4( خاطئ وتنسب إلى الحقيقي سلسلة ذات تأثيرات خاصة" نظام منطوق معين هو "النظام المعرفي" "اإلبستيمي" أو والحقيقة كنظام من القواعد يتحدد من كما حدده وعرفه في "الكلمات واألشياء" قبل " أو بعض اقتصاديات عالقة السلطة بالمعرفة" كما وضحها في "الحراسة والعقاب" وكمثال او نموذج تاريخي يشخص فوكو االقتصاد السياسي للحقيقة في الغرب ويرى أن هناك خمس مميزات تميزه: 1 -الحقيقة تتمظهر في شكل خطاب علمي. 2 -ترتبط بمؤسسات انتاجية وهي خاضعة لتحفيز اقتصادي وسياسي دائم. 2 ) 1 ( -دلوز جيل املعرفة والسلطة مدخل لقراءة فوكو ص 21. فوكو مشال هم احلقيقة ص 202. ) 3 ( -املرجع ذاته ص 09. ) 4 ( -املرجع السابق ص
78 3 -تشكل موضوعا للنشر االستهالك والتداول. 4- ت نتج وت نقل تحت المراقبة. 5- ت شكل محورا للنقاش السياسي. في نطام الحقيقة هذا الذي يسود في الغرب ما هو الدور الذي يمكن ارتباطها وتمفصلها بالسلطة للمثقف أن يلعبه إزاء الحقيقة وإزاء بغض النظر عن موقف فوكو من المثقف ونقده للصورة التي يتمثلها لنفسه وتلك المتداولة عنه ومن ثم لحجم دوره فإن فوكو يرى أن للمثقف دور في هذا السياق إنه ليس بكل تأكيد كل منظومة سلطة إذ أن ذلك وهم ألن الحقيقة ذاتها سلطة" " تخليص للحقيقة من ولكن محاولة إنشاء سياسة جديدة للحقيقة وذلك بتغيير النظام السياسي والقتصادي والمؤسسي إلنتاج الحقيقة للوصول إلى الحقيقة عن أشكال الهيمنة-االجتماعية االقتصادية والثقافية-التي تشتغل داخلها لحد اآلن" 4-3.بيار بورديو في السلطة الرمزية: يطلق عليه" ال يتموقعبورديو- البنوية التكوينية" P Bourdieu "إبعاد سلطة بعيدا عن ميشال فوكو فهو قريبه معرفيا إذ ينتمي إلى ما ولتي يعرفها: "أقصد بالبنية التكوينية أن هناك في العالم االجتماعي بنيات موضوعية مستقلة عن وعي وإرادة الفاعلين أن هناك تكوينا اجتماعيا ألشكال االدراك والفكر والفعل هو ما أسميه بالتطبع- Habitus - االجتماعية "champs sociales" هذا من جهة ومن جهة أخرى هناك بنيات اجتماعية أو ما أسميه الحقول هذا التحديد يكاد يختصر مسار بورديو المعرفي وهو مسار تتداخل فيه حقول معرفية شتى تكوين فلسفي فسوسيولوجي حيث أجرى أبحاثا ميدانية شملت ضمن ما شملت المجتمع الجزائري في منطقة القبائل وشملت فئة العمال وقد توجد هذه األبحاث بمؤلفات من قبيل "سوسيولوجيا الجزائر" 1161 و "العمل والعمال في الجزائر" 1164 وفي المجال السوسيولوجي دائما تنوعت أبحاثه من مجال آلخر مجال العمل التربية االعالم و الرأي العام وألن مهمة هذا المطلب مرتبطة بتفكير السلطة في سوسيولوجيابورديو فان التركيزسينصب على مفاهيم الهيمنة والسلطة وموقعها في االطار النظري لسوسيولوجيا بيار بورديو. ) 1 ( -املرجع السابق ص 92. ) 2 ( -املرجع ذاته ص 91. ) 3 ( -بورديو أشياء قيلت باريس مينوي ص نقال عن الزواوي يغورة الفلسفة واللغة بريوت دارالطليعة 2933 ص 71
79 هناك قاعدة تشكل مسلمة لدى بوردي تتمثل في القول بأن في مجتمع هناك المسيطرون وهناك الخاضعون عالقة التقابل االختالف التمايز والصراع بينها تشكل األرضية التي يقوم عليها التنظيم االجتماعي والهيمنةأو السيطرة أوضاع اجتماعية تعتمد على: 1 -وضع الفعلين االجتماعيين في سياق العالقات االجتماعية وألن هذه األوضاع المكانات واالدوار تتغير فكذلك وضعنا كخاضعين أو مسيطرين تتغير ففي أوضاع أخرى نكون فيها خاضعين وهكذ تعمد كذلك على مواد واستراتيجيات الفاعلين وهما بعدان ينتظم حولهما البناء االجتماعي الذي هو بطبيعته هرمي أي يقدم على التمايز التراتبي فهو قضاء لالختالفات الهيمة أو السيطرة تتحد إذن باألوضاع الموارد واالستراتيجيات وفيما يتعلق بالموارد التي يستعملها الفاعلون االجتماعيون فإنها تشكل ما يسميه بورديو الرأسمال بنوعيه المادي والثقافي األول يتكون من مصادر مادية تراتب ثروة دخل... اجتماعية... والثاني: معارف شهادات آداب سلوك شبكة عالقات وبالعودة الى الفضاء االجتماعي يقدمه بورديو على أنه ذو طبيعة طوبولوجية ينقسم الى عوالم اجتماعية صغيرة يسميها الحقول االجتماعية حقل عالم اجتماعي متجانس ومستقل نسبيا عن -الساحات أو المجاالت- Topologique يشكل كل بقية الحقول وعلى مستوى كل حقل تسودعالقات تنافس صراع وعالقات قوى لحقل االجتماعي بنية ال شخصية أي أنه أكبر من مجموع المكونين له يمارس سلطته على األفراد األمر يشبه الى حد ما الظاهرة االجتماعية القاهرة واإللزامية عند دوركايم ولكن ليس كل المجتمع ولكن حقل من حقوله والعالقة بين الفرد المنتمي لحقل ما والحقل كبنية يؤدي إلى ظهور مفهوم اجرائي هو"التطبع" "الهابيتيس" أو -Habitus "كنظام من االستعدادات للقيام بممارسة معينة فهو تلقائية مولدة تؤكد نفسها في مواجهة لكل تغيير األوضاع والتطبع يولد ممارسات تتأقلم فورا مع الحاضر والمستقبل المنقوش في الحاضر فالتطبع هو المبدأ التوليدي لالستجابات التي تتكيف مع متطلبات مجال معين" والهابيتيس بهذا المعنى هو الحياة االجتماعية وقد استوطنت الفرد وأصبحت طبيعته الثانية مشكلة العلة أو العالقة التي تربط الفرد من حيث خصوصياته ذوقه مواقفه واتجاهاته مع البنيات االجتماعية عند هذه النقطة نتساءل عن حدود المبادرة الفردية أو مجالها بالقياس إلى السيطرة التي يمارسها الحقل عليه ) 1 ( -فتحي ابراهيم تقدمي بيار بورديو يف بيار بورديو أسئلة علم االجتماع ت ابراهيم فتحي القاهرة دار العامل الثالث 2992 ص.20 72
80 حدود الفعل أو المبادرة الفردية داخل الحقل االجتماعي أو منطق عمله يخضع لقواعد يسميها بوردي "اللعبة االجتماعية" وكأي لعبة هناكموقع أو وضع قواعد أوراق ربح: ما يملكه الفاعل من رأس مال مادي وثقافي ويبدو ان هذا المفهوم كان حال لتجاوز اشكالية التعارض بين ارادة الفاعل ومقاومة المجتمع التعارض بين الفعل والبنية وكأن لعبة يسعى الالعب الذي هو الفاعل االجتماعي في حقل اجتماعي ما الى تحقيق أكبر قدر ممكن من الربح والفائدة التي تظهر اجتماعيا كتمييز واعتراف من اآلخرين. الهيمنة انطالقا من المقدمات السابقة هي واقعة حتمية نتيجة لوجود التمايز االجتماعي هه الهيمنة مستترة ألنها مستبطنة داحل األفراد وأبرز أنواع تلك السيطرة أو السلطة مايطلق عليها بورديو "السلطة" ولتدع بيار بوردو يقدم لنا تحليال عنها "ان موقفي في خطوطه العريضة قريب الى حد كبير من موقف فوكو ومع ذلك فهو مختلف جدا لقد حاولت أن أحلل منطق وآلية ما كنت قد أسميته بالسلطة الرمزية symbolique" "Le pouvoire أي السلطة التي تمارس نفسها على هيئة القدرة التي تجعلنا نرى أو نفهم أو نعرف أو نؤمن وانطالقا من ذلك يمكننا أن نتحدث عن السلطة النظرية أو سلطة النظرية إذا ما أعطينا كلمة النظرية معناها االتيمولوجي األصلي : أي برنامج الرؤية. كيف تمارس هذه السلطة دورها كيف تمارس عملها هن ندخل في منطقة المعرفة/الجهل أو المعرفة/الالمعرفة. الن السلطة الرمزية هي سلطة تعسفية في األصل ولكن الناس يعترفون بشرعيتها ألنهم يجهلون أنها تعسفية... في الواقع ان السلطة ليست شيئا متموضعا في مكان ما وانما عبارة عن نظام من العالقات المتشابكة ونجد أنكل بنية العالم االجتماعي ينبغي أن تأخذ بعين االعتبار من أجل فهم آليات الهيمنة و السيطرة" باستثمار هذا النص يمكن استخراج محددات السلطة الرمزية: هي ما يحدد الفهم الرؤية وااليمان -بمعنى التسليم- هي ذات طبيعة اعتباطية طبيعية وال ضروري إنها من انشاء جهة ما. االعتباطية أو التعسف بمعناه اللساني أي أن عالقات السلطة ليست السلطة وكما رأينا كذلك مع فوكو شبكة عالقات حالة في كل مكان. "إن السلطة الرمزية سلطة المرئية" أي المادية أما كيف تتجلى في الواقع االجتماعي وفي خضم العالقات االجتماعية فإن بورديو يجيبنا في كتابه "الرمز والسلطة" بأن السلطة الرمزية عبارة عن منظومات رمزية كاللغة الدين الفن أي بنيات تعطي للعالم ) 1 ( -بورديو بيار الرمز والسلطة ت عبد السالم بنعبد العايل الدار البيضاء دار طويقال للنشر ط ص
81 بنيته وألنها كذلك أي بنية فال يمكن مقاربتها أو تحليلها إال انطالقا من تحليل بنيوي ال يمكن " للمنظومات الرمزية باعتبارها أدوات للمعرفة والتواصل أن تمارس سلطة وتفرض بنيات إال بكونها تتحد هي كذلك كبنيات إن السلطة الرمزية هي سلطة بناء الواقع وهي تسعى إلقامة نظام معرفي" هذا عن مقاربتها أما تعليل خضوعها لها فهو عدم شعورنا بمادية هذه السيطرة ألن البنيات االجتماعية كما سبق وأن شرحنا مطبوعة في البنية العقلية للفرد "مطبوعة" "إن البنيات االجتماعية هي بشكل ما في البنيات العقلية ونحن قسم هام من اهتمامنا ال نعمل الفكر اننا نفعل على أساس التصور الذي تعلمناه عن العالم" تحدد الفعل االجتماعي بواسطة على هذا األساس البنيات االجتماعية مطبوعة أو مستبطنة في بنياتنا العقلية "الهابيتيس" وهي كذلك برنامج عمل سكن حتى أجسادنا حيث يتحول الجسد إلى آلة لتنفيذ برنامج عمل محدد منقبل البنية االجتماعية في مستواها الثقافي فالقيم والمعايير وتنفيذ األدواركما هي مستبطنة في بنية العقل هي مطبوعةكذلك في الجسد ينفذها بعفوية وتلقائية. إن وضع قواعد لألدوار النسائية والرجالية مطبوع على األجساد ففي المجتمع القبائلي الجزائري يكون الرجل مجبرا على أن يقف باستقامة وأن يأكل وهو يمضغ فيحين أن المرأة يجب أن تتحرك بتحفظ ورقة وأن تأكل بأطراف الشفاه" عملية استنبات هذه القيم والمعايير عن طريق التنشئة ومؤسساتها وبواسطة عمليات اديولوجية نجعل المهيمن عليهم ال يشعرون بالسيطرة والهيمنة يسمي بورديو هذا الموقف ب "العنف الرمزي". ) 1 ( -املرجع ذاته ص 29. ) 2 ( -كابان فليب ودورتيه فرونسوا علم االجتماع ص 222. ) 3 ( -املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. 74
82 الفصل الثالث: السلطة والممارسة المعرفية في التجربة اإلسالمية 75
83 1.من السيادة العليا إلى السلطة: ندشن هذا الفصل في ببسط الكالم في مسألة السيادة العليا أو ذروة التشريع مذكرين أن هذا المفهوم اإلجرائي كان من المفاهيم التي تم تقديمها في الفصل التمهيدي على أنها من مفاهيم الدراسة وجاءت هذه الفرصة لتشغيل هذا المفهوم واستنفاذ إمكانياته التحليلية في قراءة نشوء وتكون السلطة في السياق اإلسالمي وانعكاس ذلك على عملية إنتاج المعارف وتطورها وإذا كان التحليل الذي عرضناه لهذا المفهوم في الفصل التمهيدي مقتضبا عاما ومجردا وهذا من مقتضيات طبيعة وحدود الفصل ومهامه فإن هذا الفصل يفصل ماكان مجمال ويموقع من خالل األحداث واألشخاص والنتائج ماكان مجردا وعليه نتوقع من خالل استعمال هذا المفهوم تحقيق المآرب التالية: وصف عملية نشوء وتطور السلطة في اإلسالم. وصف طبيعة العالقة بين الديني والسياسي في اإلسالم. وصف نمط العالقة بين العالم والسياسي في اإلسالم ومن ثم العالقة بين المعرفة والسلطة. محاولة رصد مآل ومصير هذه العالقة األهداف والغايات المعلنة هي بمثابة برنامج عمل هذا الفصل ومن خالله برنامج العمل في كل الدراسة لذا نعتبر هذا الفصل مركز ثقل هذا البحث برمته ولتحقيق أهداف هذا الفصل هيكلناه إلى المباحث التالية: من السيادة العليا إلى السلطة. من السلطة إلى السيادة العليا ميالد العالم في اإلسالم من المحنة الى المهنة ال تشتغل سلطة بدون مشروعية ولوكانت مصطنعة وتاريخها هي محاولة دؤوبة للبحث عن ما يبررها ويجعلها مطاعة ومهيبة وبالمقابل المقومات التي يولدها وجود السلطة هي مقاومات تتأسس نظريا وواقعيا على عدم االعتراف بالشرعية والسيادة العليا كمفهوم مليء بمضامين قانونية ودينية وفلسفية وسياسية كان قد تبلور نتيجة نقاش طويل على المستوى النظري عاكسا صراعا تاريخيا طويال ومريرا وما دمنا على هذا المستوى أي المستوى التاريخي للمفهوم ستكون تنظيرات "جون بودن" Bodin )Jan )فاتحة دخول هذا المفهوم إلى معاجم القانون والسياسة والحقا علوم اإلنسان والمجتمع وكان هدف تنظيرات بودان تحديد القوانين أو لنقل المبادئ التي تتحكم في األنظمة السياسية ووقائعها لذا يعتبره النقاد "أرسطو" جديد وقد ألف كتابا جديدا"في السياسة" 83
84 بحيث ستصبح تحديداته للسيادة أساسا لما أتى من بعده من تحليالت وأهم أبعاد هذا المفهوم عند "بودان" أن السيادة تظهر كقوة سيدة موحدة لكل أجزاء وأعضاء الجمهورية في جسم واحد يتسم بصفة االطالق والديمومة إنها "سلطة سامية أصلية وأولى ال تأخذ شيئا من الغير وال تخضع للغير بأي صلة تبعية إنها سلطة غير مسؤولة تجاه أي سلطة أخرى على وجه األرض وال مفوضة من أيكان" وعلى هذا األساس فهي من تحدد شكل الدولة وتضفي المشروعية على أية سلطة ال يهمنا في هذا المجال النقاش الذي دار في السياق الغربي حول إشكالية أصل مفهوم السيادة العليا وذروة المشروعية هل كان القانون الروماني أم حق الشعب أم حق اإللهي المهم أن هذه السيادة لها من المميزات والخصائص ما يجعلها محاطة بالهيبة والقداسة واألهم أن األمر تطور باتجاه التمييز الحاسم بين السيادة كمبدأ أو ذروة للمشروعية والسلطة وهذا التمييز الذي بدأ في السياق الغربي في خضم التنافس والصراع بين السلطة الروحية أو الدينية والسلطة الزمنية بدأ بشكل مبكر وكان قاعدة وأساسا للحسم في عالقة الديني بالسياسي واألساس لقيام الدولة كمؤسسة متخصصة ومتميزة عن ما أصبح يدعى مجتمعا مدنيا وذلك بالتحديد السيادة وسلطة الملك كسلطة زمنية "«Potestas»» Auctoritas»كسيادة عليا منبثقة من المواجهة لسلطة زمنية أقل قوة بكثير ال بل مفككة أن تعزو وتفرض منذ القرن "جيالز" وصاحبة السلطان السلطة "المسيح" وبالمقابل لم يصعب على الكنيسة الرومانية الغربية الفرضية الصادرة عن القديس 5 م والقائلة بتمييز الزم بين السلطة البابوية المنبثقة مباشرة من السيد المسيح» Auctoritas» والسلطة الملكية المحصورة في إدارة الشؤون الزمنية وصاحبة» Potestas» فهذا الفصل المؤكد بوضوح كبير بين ميدانين وسلطتين قد شكال بال ريب أساسا لفكرة قيام دولة مستقلة ومتخصصة ومتميزة عن المجتمع المدني". وهذه التسوية القانونية التي حصلت تاريخيا بين الكنيسة والدولة كانت حصادا لتاريخ صراع حسمته القوة حيث أن القوى المتصارعة استخدمت العنف الجسدي والرمزي منتهيا هذا الصراع إلى الفصل بين الكنيسة والدولة وأفضت العلمانية والحداثة الغربيتين في المجال السياسي تحديدا إلى تأسيس مشروعية أو سيادة قائمة على اإلرادة الشعبية كمصدر للسلطة ولمشروعيتها وهذا التأسيس للمشروعية والسيادة الجديدتين يستند على تراث فلسفي وقانوني ثري كما مر معنا فقد شكلت أعمال كل من و"هوبز" و"جون لوك" و"مونتسكيو" و"جون جاك روسو" "مكيافيلي" و"بودان" وغيرهم من األسماء التي تزاحمت على مسرح تاريخ الفكر السياسي الغربي األساس النظري بشقيه القانوني والفلسفي لميالد هذه المشروعية ف"بين هؤالء جميعا وبعملهم التضافري )دون إرادة التضافر( ترتسم معالم هذا التحول الحاسم وهذه شوفالييه جون جاك تاريخ الفكر السياسي ج 1 ص 982. بادي برتان وي ربنبوم سوسيولوجيا الدولة ص
85 النقلة الكيفية الكبرى: واختيارا. المعنى إلى باعتبارها "الدولة" من السلطة بحسابانها سلطة مقدسة ومطلقة إلى السلطة باعتبارها تعاقد إراديا "تعاقدا اجتماعيا" لقد حدث االنتقال إذن من في معنى تقييد السلطة ومراقبتها وتداولها" "السلطة" بإطالق القول وتقديس هذا اإلرث النظري تضافر مع سيرورة تاريخية نشطتها قوى اجتماعية واقتصادية صاعدة دفعت بهذا اإلرث إلى المصير التاريخي الذي يعيشه الغرب اآلن والمتمثل بكل ببساطة في الرأسمالية والديمقراطية. هذه الومضة أو اإلضاءة التاريخية السريعة كان البد منها لتكون مقدمة أو مفتاحا للولوج إلى هذا المفهوم في سياق التجربة التاريخية للسلطة في اإلسالم لقد أعلنا في الفصل التمهيدي من هذه الدراسة أننا سنعتمد وإلى حد كبير على تحليالت "محمد أركون" ألسباب موضوعية بحتة حيث أنه استخدم هذا المفهوم لتحليل العالقة المعقدة بين الديني والسياسي والعالقة بين المعرفي والسلطوي بأسلوب ومضامين جديدة مستخدما كل المكاسب المعرفية والمنهجية لعلوم اإلنسان والمجتمع كما أن استخدامه لهذا المفهوم ذا طبيعة استراتيجية تقوم على توظيفه توظيفا نقديا للفلسفة السياسية في اإلسالم أي لجملة التراث الفلسفي والفكري السياسي الذي تناول العالقة بين المفاهيم: دولة دين في اإلسالم بما في ذلك مساهماتالفكراالستشراقي وذلك لتأسيس فلسفة سياسية جديدة تقوم على "إعداد نظرية شاملة للروابط بين الدين والسياسة من خالل النموذج اإلسالمي" لذلك نعتقد أن دراسة أركون لهذه المسألة تشكل إضافة أساسية في تحليل العالقة بين المعرفة والسلطة في المجتمعات العربية اإلسالمية" وإذا كان مشروعه الفكري الشامل والذي يقوم على "أركون" وكما أسلفنا يقدم تحليالته للسيادة العليا ضمن إعادة تقييم تاريخ اإلسالم وربط ذلك بما يجري اليوم في المجتمعات اإلسالمية وذلك من خالل تفكيك العالقة بين الدين والسياسة إلثبات العلمنة كعملية قد تحققت تاريخيا في اإلسالم وكواقع يجري أمامنا اليوم هي في حاجة إلى تأسيس نظري يحظى بالقبول لظواهر التقديس والعامل الروحي والتمكين للعلمنة كثقافة من االنتشار فإن هدفنا متواضع بالقياس إلى مشروع "أركون" حيث سيكون هدفنا وكما أعلنا في بداية هذا البحث هو وصف العملية التاريخية التي من خاللها نشأت السلطة في اإلسالم وتطورت في مجتمع كان مضادا للدولة إلى سيادة عليا قائمة على "دين المعنى" إلى سلطة سياسية وما صاحب هذا التطور ألشكال السلطة الخضوع بنسعيد سعيد من قداسة السلطة 65/65 سبتمرب/أكتوبر 1288 ص.81 أركون حممد الفكر اإلسالمي قراءة علمية ص 148. إىل تعاقد املواطنني الفكر العريب املعاصر بريوت مركز اإلمناء القومي العدد بغورة الزاوي ميشال فوكو يف الفكر العريب املعاصر بريوت دار الطليعة ط ص 85
86 والطاعة من نشوء ألنواع المعارف وتمفصلها مع شكل ونمط السلطة السائدة وعلى هذا األساس سأكون مجرد موظف لنتائج قد وجدت هذا التوظيف سيكون انتقائيا وبراغماتيا يتماشى واألهداف التي سطرتها لهذه الدراسة. البداية ستكون من ما أنهينا به الفصل األول والذي تأكد لنا فيه وباستخدام الدراسات اإلنتربولوجية في فهم ظواهر االجتماع العربي قبل اإلسالم أن ذلك االجتماع كان اجتماعا مضادا لدولة ومقاوما لكل سلطة سياسية من شأنها إحداث اإلنقسام في هذه الوحدة االجتماعية القائمة على التضامن اآللي والطبيعي أي القبيلة والتي لم تكن تعرف إال ما أسماه "إبن خلدون" لشيخ و كبير القبيلة االجتماع العربي قبل اإلسالم كان يتأسس على عصبيات قبلية المكان الفسيح الصحراء العربية القاحلة قبائل الهيبة والتجلة مبعثرة في متصارعة على ما يدره هذا المكان من ماء وكأل قليلين وفي الحواضر القليلة التي تتشكل من تجمع قبائل متصارعة أو متحالفة كانت أعمال البستنة والتجارة أهم ما يميز تلك التجمعات وتشكل المراسم واألسواق التي تقام في األشهر الحرام مجاالت للتبادل التجاري والثقافي وكانت مكة "أم القرى" أهم تلك الحواضر استقطابا لهذه الحركة االقتصادية والثقافية باعتبارها مكانا يأوي الحرم أو بعبارة أدق يحويها الحرم ويعطيها قداستها تقطنها قريش القبيلة المتاجرة في موسمين ورحلتين رحلة الشتاء والصيف بفضل المعاهدات األمنية والتحالفات التي أفضت إلى "اإليالف القرشي". في مكة حيث الحرم اآلمن والذي تأتيه القبائل العربية من كل فج عميق في موسم الحج وفي األشهر الحرم لممارسة هذه الشعيرة الدينية وللتجارة حيث يقع التبادل التجاري المادي وكذلك التبادل الرمزي والثقافي إذ يلتقي الشعراء حكماء وخطباء العرب وتعقد التحالفات ومعاهدات السلم وتنبني روابط القرابة والمصاهرة في هذا المكان يقتطع العرب قطعة سلم من زمنهم الضحل والقاسي قساوة طبيعتهم طبيعة غريزة الغزو والعنف حيث تجد غريزة االجتماع والتواصل متنفسها هكذا كانت مكة ومن خاللها قريش تمثل ثقال معنويا وماديا " نإ أهمية مكة تنبع من أنها كانت مدعوة لتنظيم وتدبير القوى الجديدة للعروبة البدوية وإجراء عملية وصل بين العالمين الداخلي والخارجي عالم القبيلة وعالم المدينة بشكل لم يحدث أبدا من قبل" ومهما يكن فإن العرب سواء كانوا بدوا أم حضرا كانوا أمة ثقافية ولم يكونوا أمة دولة على حد تعبير "هشام جعيط" في هذا الفضاء المتسم بالخصائص التي ذكرنا يظهر اإلسالم كدعوة دينية أوال ستحول هذا االجتماع الموصوف بأنه أمة ثقافية إلى أمة دولة والتزاما بفرضيات هذه الدراسة ومسلماتها نحن مدعوون إلى مأل هذه المسافة بمحاولة فهم أو تفسير هذا اإلنتقال واستنتاج جميع النتائج الضرورية جعيط هشام الفتنة ص
87 الالزمة من خالل المحطات الثالث التالية: اجتماع مضاد للدولة سيادة عليا قائمة على دين المعنى سلطة دولة حولت الرمزي واحتلت فضائه مستخدمة إياه لتبرير مشروعيتها حيث تستمر العالقة الجدلية المعقدة والغامضة بين الديني والسياسي إلى يومنا هذا. في قلب هذا المكان مكة- وهذا العالم عالم جزيرة العرب الذي يقبع جغرافيا وحضاريا على هاش إمبراطوريتين متصارعتين اإلمبراطورية الساسانية والرومانية وعلى هامش تراث شرق أوسطي غني متنوع ومتعدد سيولد النبي محمد وينشأ إلى أن أتاه الوحي حيث ستتضافر العوامل الشخصية والموضوعية لتأهيل محمد ألن يكون صاحب الدعوة ونحن مدعوون إليجاد الخيط الرفيع الذي يجمع بين هذه العوامل في شخصية محمد الكاريزما المحمدية النسب في المقدسة" "قريش قبيلة العرب والحرم التراث الديني التوحيدي في مقابل دين العرب الفضاء الثقافي والرمزي القائم على سلطة االسالف التراتبية االجتماعية القائمة على الشرف والترف التضامن اآللي بين أفراد الجماعة وذلككله ضمن النظام الفكري أو "أيبستمى" العصر الوسيط كزمن خاص وسنرى الحقا أن قريش لم تنهض لمحاربة الدعوة إال عندما جاهرت هذه األخيرة بكونها دعوة تحط من شأن هذا العالم ودعائمه التي يقوم عليها. فمحمد ينحدر من بيت صريح المكانة وصريح الدور القيادي في "قريش التي تعتبر بذاتها بمثابة قبيلة العرب الدينية الممتازة أي كان محمد رجال مؤهال أكثر من سواه للكالم في موضوعي الدين والسياسة" وال شك أن التجربة الشخصية لمحمد قبل بعثه والتي ال نعرف عنها إال ما هو عام ومن خالل أحداث متفرقة قد ساهمت في بناء شخصيته الكاريزماتية من ذلك تجربة اليتم القاسية االضطرار للعمل بيديه لكسب قوته العمل لحساب غيره كالمتاجرة لخديجة ولغيرها مؤشرات الكاريزما المحمدية في الحياة العامة لقومه تظهر في مناسبات نادرة لكنها حاسمة لعل أشهرها حادثة التحكيم ومما ال شك فيه أن قيم األمانة والصدق كقيمتين أخالقيتين ساميتين هما أكثر القيم التي نمت في شخصه فعرف بها وقد عول عليهما في تصديق قومه وفي خضم هذه التفاصيل التي تعج بها كتب السير يبدو لنا أن تلك الشخصية االستثنائية للنبي محمد إنما كانت تبنى وتصقل في هدوء بعيدا عن الحياة العامة بعيدا عن مرأى ومسمع المجتمع المكي في خلوته حيث أحب إليه من أن يخلو لوحده" "لم يكن شيء ممارسة الخلوة تؤكدها كتب السيرة من وجهين إيجابي و سلبي فمن حيث الوجه اإليجابي تذكر كتب السير تحنثه أو تحنفه شهرا من كل سنة وتؤكدها من حيث جعيط هشام املرجع السابق ص 91. ابن هشام سرية النيب مراجعة وضبط وتعليق حممد حمي الدين عبد احلميد )ب.م( دار الفكر )ب.ت( ج 1 ص 87
88 ووجهها السلبي بأن سكتت عن ذكر الحياة العامة لمحمد "فلم يكن يميل إلى مخالطة الناس كثيرا وال االجتماع بأقرانه طويال لشغفه بالوحدة وجنوحه إلى الخلوة حتى أعياد قومه لم يكن يرغب في حضورها وشهودها" وقد جاءه الوحيوهو مجاور في غار حراء على ما تذكر كتب السير الخلوة المجاورة االعتكاف التحنث أوالتحنفكلماتمتجاورةومتضايفة في المعنى والداللة تدل على نمط هذه الشخصية كشخصية ممارسة للتأمل والتفكير كرياضة روحية وتهيؤ روحي عقلي ونفسي للشروع في عمل تاريخي ضخم هو وثلة من أصحابه الذي آمنوا معه ف "محمد رجل دين وإنسان يحب التأمل والتفكير ولكن رجل ممارسة ونضال منخرط في قضايا التاريخ الدنيوي المحسوس وعندما جاء محمد وجد أمامه مجتمعا ذا ماضي قديم ومؤسسات معروفة وعادات وتقاليد وقيم ودين وثقافة... وجد كل ذلك وأراد تغييره واالنتقال به إلى إطار مؤسساتي آخر وإلى طريقة أخرى في الحياة وإلى طراز ثقافي وقانوني مختلف وعملية االنتقال هذه هي التي يقوم بها القرآن الشفهي" الموحى به من اهلل المتكلم لنبيه كالما بليغا مبهرا ومعجاز في داللته وأسلوبه منزال بلسان عربي لقوم خاص بلغتهم" "لهم شغف تكون تحسسهموذوقهم على تلقي وعيش الكالم البليغ وكان ومحمد المتبتلوالمتحنث والمجاور في غار حراء وعاء هذا الوحي والذي كلف بقراءته وإتباع قرآنه وتبليغ رسالته- وإنذار عشيرته األقربين- في المقام األول ثم المأل من قريش فالعرب فالناس كافة وقد أثمرت دعوة النبي محمد وتبشيره بمكة اعتناق عدد ليس كبيرا بمقاييس كمية ديموغرافية تقدره كتب األخبار والسير بأنه لم يتجاوز األربعين شخصا أثناء المرحلة السرية والمائة واألربعة والخمسين غداة )4( الهجرة كان قد هاجر منهم ثالث وثمانين رجال الرسول والتي إلى الحبشة ولكن هذه الجماعة المتحلقة حول )5( "كانت كل ذخيرته وعدته للمستقبل" كانت تضم تعدادا متنوعا وغنيا من حيث االنتماء القبلي من حيث الوضع االجتماعي من حيث الفئات العمرية ومن حيث الجنس ومن حيث الكفاءات والمؤهالت واالستعدادات والتجارب شكل تلك الجماعة النواة الصلبة التي ستقوم عليها الدعوة والرسالة وعند األزمات أو "ساعات العسرة" واألحزاب و حنين وتبوك ثم تجربة أيام الردة جواد علي تاريخ العرب يف اإلسالم بريوت دار احلداثة 1288 ص 142. أركون حممد العلمنة والدين اإلسالم املسيحية الغرب تر: هاشم صاحل بريوت دار الساقي )ب.ط( 1225 ص دي بور تاريخ الفلسفة يف اإلسالم تر: للكتاب ص 58 )4( ابن هشام سرية النيب ج 1 ص 868. )5( علي جواد تاريخ العرب يف اإلسالم ص 125. اهلادي أبوريدة تونس واجلزائري الدار التونسية للنشر و املؤسسة الوطنية
89 كانت هذه الجماعة أو النواة هي ما جعل اإلسالم كدين يتجاوز األزمة إلى المعبر التاريخي الذي آل إليه من اجل ذلك نعتبر و بدون تحفظ أن تلك النواة من أهل السابقة الذين عاشوا الملحمة منذ بواكيرها ورعوها بتضحياتهم الجسام يمثلون "الخريطة الجينية" النواة حاملة لكل اإلمكانيات واالستعدادات التي تفتق عنها اإلسالم التاريخي. لإلسالم التاريخي فقد كانت تلك إن العمل التاريخي المحسوس الذي قام به النبي وصحابته ينقسم إلى مرحلتين مرحلة التبشير والدعوة بمكة والتي امتدت ثالثة عشر سنة ومرحلة * "تجربة المدينة" والتي استغرقت من الزمن عشر سنوات والرتباطنا بأهداف هذا المبحث الذي يحاول تحليل قيام سيادة عليا كذروة للمشروعية وتحولها إلى السلطة فإن تحليلنا سيركز أوال على مرحلة التبشير المكي بمرحلتيه السرية والعلنية. مرحلة التبشير السري التي امتدت إلى ثالث أو أربع سنوات وكان فيها "األمر للرسول أن يقتصر في التبليغ على خاصتهوعلى من يجد في قلبه ميل لإلسالم لهذا لم يعرض نفسه للناس ولم يبلغ رسالته ألهل مكة عامة يقي على ذلك ثالثا أو أربعا يدعو إلى اهلل مستخفيا" ومضامين اآليات التي نزلت في هذه الفترة و بغض النظر عن االختالف في ترتيبها وعددها تقودنا إلى األساس الذي قام عليه العمل التاريخي للنبي محمد: ثالثة يقينيات أو مبادئ اهلل الواحد النبوة اليوم األخير فبخصوص المبدأ األول اهلل الواحد كمبدأ تقوم عليه معاني ودالالت السيادة العليا وذروة المشروعية ومن خالل الخطاب القرآني المدهش الخارق والبليغ يقدم اهلل ذاته كإله غني بالدالالت والصفات والحضور المباشر والحي في العالم األكرم الذي علم بالقلم علم اإلنسان ما لم يعلم" "إقرأ باسم ربك الذي خلق خلق اإلنسان من علق إقرأ وربك صفة القدرة على الخلق واإلبداع والتكرم على اإلنسان بتعليمه ما لم يعلم فاتحا أمامه آفاق التعالي والتسامي اإلله الذي يعلن عن ذاته ومنذ البداية وبشكل واضح صارم وجازم ونهائي "قل هو اهلل أحد اهلل الصمد" الدينية مع رؤى دين العرب القائمة على تعدد االلهة التي كانوا يعتقدون أنها تقربهم وحتى مع رؤى األديان التوحيدية اليهودية والمسيحية- " قاطعا ببذلك مع كل الرؤى "من اهلل زلفى" فلم يسبق أن اكتنه اإلله الواحد مثلما جرى اكتناهه في القرآن مع أسمائه الحسنى التسع والتسعين... وبهذا نرى اإلسالم ليس مجرد عودة - * مفهوم "جتربة املدينة" من حنت "حممد أركون" والذي يعين به العمل التارخيي احملسوس الذي قام به النيب يف املدينة والذي متخض عنه بناء جمتمع بأبعاده الثقافية والرمزية والسياسية ومييز أركون بني هذا املفهوم ومفهوم "منوذج املدينة" كبناء. علي جواد تاريخ العرب يف اإلسالم ص 125. سورة العلق اآليات سورة العلق. سورة اإلخالص اآليات
90 أن قوامه المسيحية عن اختالف مع األرض على اهلل تجلي موضوعة كاهله على يأخذ بل اليهودية إلى المتعالي". الكالم في تجسد الكلمة في تجلى قد هنا اهلل اصطفته الذي على قرآنا المنزل كالمها خالل من ذاتها عن العليا السيادة هذه أفصحت لقد اإلفصاح كذلك والمتضمن واإلنذار التبشير الهدي المتضمن كالمها لتبليغ ذاتها العليا السيادة هذه المؤمنين وعلى اإلنسان على وأفضالها وبنعمها المطلقة ولقدراتها السيادة لهذه الجليلة الصفات عن محمد للنبي النموذجي السلوك خالل ومن القرآن خالل من ويتمثلونها المؤمنون يعرفونها السيادة فهذه أمين تبليغ هو إنما النبي يقوله فما النعمة وإتمام الدين اكتمال باتجاه السيادة هذه قبل من والمدعوم اهلل إلرادة " يوحى" وحي إال هو إن الهوى عن ينطق وما وحتى اهلل من توجيه هو إنما يفعله وما وتستثمر توجيهها ويعاد تصحح ما سرعان نبيا بشرا باعتباره خاطئة أو ناقصة أفعال منه تصدر عندما أقوال وفي القرآن في تجسدت قد الواحد باهلل المتعلقة العليا فالسيادة للعمل وقاعدة أخالقي كمعيار ف االجتهاد في حقا ال ثم وأفعاله النبي دون ورددت تكررت قد كانت التي المعاني إن الواقع "في الواحد باهلل المتعلقة السيادة تلك هي متعالية عليا سيادة ورسخت أوجدت قد القرآن في وتعب ملل ولخلفائه للنبي لسياسية السلطة وتشرع تسوغ سوف التي هي السيادة هذه البشر... إلى المتكلم الحي بعده" من خالل من تكرس قد عنه والمبلغ المرسل نبيه وبين هلل العليا السيادة بين التمفصل هذا النساء سورة ففي سياق من أكثر وفي مناسبة من أكثر رسولهفي بطاعة اهلل طاعة بإقران القرآن اآليات تتراكم وحدها )4( عليه تشدد الذي المعنى نفس وهو اهلل طاعة ذلك ألن الرسول طاعة بواجب صريح بشكل لتعلن صص الفتنة هشام جعيط النجم سورة 4 8 اآليات 145. ص علمية قراءة اإلسالمي الفكر أركون حممد )4( ول س الر و ه الل إىل ردوه ف شيء يف ازعتم تن ن فإ منكم األمر وأويل سول الر وا يع أط و الله يعوا أط وا ن آم الذين ا ه أي ا ي. يال تأو وأحسن ر خي ك ذل ر اآلخ م واليو بالله تؤمنون ن إ م ت ن ك ا يق وحسنأولئكرف ني الصاحل و اء د والشه الصديقني و ني النبي من هم ي ل ع الله عم أن ين الذ ع م فأولئك ول س الر و ه الل ع ط ي ن م و ا فيظ ح م ه ي ل ع لناك أرس ا م ف وىل ت ن م و الله اع أط فقد ول س الر يطع ن م
91 كاآلية أخر سور في أخرى آيات 32 و 132 عمران آل سورة من واآلية 46 األنفال واآليتين 51 و 52 النور سورة من واآلية 44 )4( الحشر سورة من سورة من اآليات من وغيرها في النوعي التحول على داللة له مما المدني القرآن في الطاعة على وتحضهم المؤمنين تخاطب التي الحقا. فيه الكالم سيأتي ما وهو الهجرة بعد المؤمنين وجماعة الدعوة مسار فعل لإليمان المدشن األول الفعل عنه يفصح الرسول وطاعة اهلل طاعة بين االقتران هذا الشاهد الشهادة تقدم حيث اإلسالم في األول الركن الشهادة يقر الذي اإلنسان ذلك أنه على الوحي واإلقرار طريق عن بأمانة رسوله وبلغها أعلنها كما الواحد هلل باأللوهية وجوارحه كيانه بكل هلل العليا السيادة تثبت كنت ما بقدر فالشهادة به أتى بما اإللتزام ثم ومن لمحمد والنبوة بالرسالة أرض في فاعلة كانت التي األخرى السيادات كل مع تقطع كانت ما بقدر لرسوله ثم ومن الواحد أديان به جاءت الذي التوحيدي التراث مع الصلة وتعيد اآلباء وسيادة اآللهة سيادة وثقافتهم العرب اكتملت به للرساالت ومكمال خاتما دينا باعتباره النجاة تاريخ خط في اإلسالم وموضعة الكتاب ومن باإلنسان اهلل صلة جديدة دالالت يضمنه الوقت نفس وفي التراث ذلك يحتوي فهو ثم البد وهنا النبي صحابة في ومؤثرا ملهما مهيبا حضورا سارت لرسوله ثم الواحد هلل العليا فالسيادة األفقية العالقة على الضوء لتسليط نتوقف أن )المؤمنين ومؤمن النبي مؤمن( نمط لفهم وذلك التبشير فترة الفترة تلك في للنبي كانت التي والسلطة الشرعية نمط ثم ومن والخضوع الطاعة ورسوله باهلل آمنت التي فالفئة المعروفة والسوسيولوجية التاريخية الشروط ضمن مكة في والدعوة تلك عدا المكي المجتمع إصالح أو التغيير في عاجل أمل حتى ودون شرط أو قيد أي بدون طواعية هذه األخير اليوم ففي األرضي التاريخ في يكن لم إن السعيد بالمصير اإللهي بالوعد المطلقة الثقة متضامنة كجماعة باألمان الشعور بينهم يشع والذي الروحي التآخي برباط ببعض بعضهم ترتبط الفئة تاريخهم والمتمفصلمع رسولهم إلى يأتي الذي وحيه طريق عن باهلل متعلقة ومتماسكة ومتعالي متسامي حدث إلى القرشية الممانعة مع وصراعهم نضالهم في االجتماعية أفعالهم ناقال اليومي "كانوا ول س الر و الله وا يع أط قل ول س الر و ه الل وا يع أط و. ٢٣ رين الكاف يب ال الله فإن ا و ل و ت فإن ٢٢٣ ون رمح ت كم ل ع ل 91 ٦٤ ين الصابر ع م الله إن ربوا واص يكم ر ب ذه ت و فشلوا فت عوا تناز وال وله ورس ه الل وا يع أط و حون ١٢ ( لف الم م كه أولئ و نا ع أط و ا ن ع س ولوا ق ي أن هم ين ب يحكم ل وله ورس الله ىل إ وا دع ا إذ ؤمنني الم ول ق كان إمنا 3( ١٣. زون الفائ م ه ك فأولئ تقه وي ه الل ش خي و وله ورس ه الل ع ط ي ن وم ة )4( ول د كون ي ال كي يل السب وابن ني ساك والم ى ام ت والي رب الق ي لذ و ول س للر و فلله رى الق ل أه من ه ول رس لى ع الله اء أف ا م باقعلا شديد الله إن ه الل قوا ات و هوا فانت نه ع م اك ه ن ا وم ذوه خ ف ول س الر م آتاك ا م و منكم ياء األغن ني ب
92 ينتظرون جزاء اهلل في اآلخرة ولقاء اهلل بعد حياة قويمة ومستقيمة كانوا يريدون بلوغ الحقيقة والتقوى ففي سبيل اإلسالم ضحوا بأمالكهم وأموالهم وكانوا مستعدين لتمزيق روابط الدم وأواصر القبيلة كانوا ملتزمين كليا ألنهم كانوا يملكونااليمان باهلل وبرسوله". انه تحول عميق طرأ على وجودهم إذ تحول إلى وجود له معنى وغاية سامية وجود متسامي ومتعالي أخالقيا واجتماعيا اذ كل فرد في تلك الجماعة يستشعر بتحقق ذلك المعنى في ذاته وأفعاله التي أصبحت موجهة تماما إلى غايات أسمى ويستشعر كذلك بقيمته داخل تلك الجماعة تلك القيمة التي تزداد طردا مع ما يقدمه من أفعال التقوى الورع والتضحية في سبيل الدعوة. هذا التحول في المعنى الغاية والمصير األنطولوجيين للفرد والجماعة يدين به الفرد كما تدين به الجماعة هلل ورسوله من أجل كل ذلك يقدم كل فرد لهذه السيادة العليا "إيمانا ساذجا ماتينا حارا وسخيا" إنه التزام نابع من داخلهم كقناعة اعتقاد وإيمان بالطاعة والوالء الحب واالعتراف بالجميل ومن هنا ال يمكن تفسير أو باألحرى فهم هذا المعطى إال خالل مفهومي "السيادة العليا أو ذروة المشروعية" و"دين المعنى" من "فالسيادة العليا تتعلق باإلقناع وبتحول الوعي طوعيا إلى كل ما يخلع المعنى على وجود الشخص البشري فهنا توجد حركة حرة للقلب كما يقول القرآن من أجل تقديم الطاعة لصوت عظيم يرتفع بي بواسطة المعنى الذي يخلعه على وجودي هذا الصوت العظيم هو صوت اهلل أو النبي أو البطل أو الزعيم أو العالم او المرشد الروحي أو القديس..." وفي حالة اإلسالم األول إسالم مكة بمرحلتيه السرية والعلنية يمثل اهلل هذه السادة العليا والتي أعلنت عن ذاتها بواسطة القرآن المنزل على محمد باعتباره نبيا مرسال والذي يقدم له أصحابه الطاعة والخضوع العفويين كدين معنى يقضيه هؤالء اتجاه اهلل ورسوله لما أصبغ عليهم من نعم أجلها نعمة الهداية إلى طريق النجاة خارج هذا المعنى ودينه الذي يتجسد في الطاعة ال توجد أي أسباب مادية تكره أو تقسر هؤالء على الطاعة وهكذا فالنبي محمد وهو في مكة يدعو إلى اهلل كان وحيدا في قلة من أصحابه ضعيفا مجردا من كل قوة مادية ال مال وال سالح وال امتيازات مادية يمكن ان يمنحها لمن يؤمن به وذلك في مواجهة قريش بسطوتها المادية والمعنوية وحتى تلك الحماية التي كان عمه "أبا طالب" "خديجة" وزوجه يقدمانها له توقفت في نصف الطريق بوفاتهما متتابعين بعيد الحصار في شعب أبي طالب وقد عبر هو ذاته عن حالة الضعف هذه غداة الصد العنيف لثقيف عندما عرض عليهم نفسه بكالم بليغ مؤثر يكشف عن تلك العالقة الحميمة 92 جعيط هشام الفتنة ص 95. املرجع السابق الصفحة ذاهتا أركون حممد الفكر اإلسالمي نقد واجتهاد اجلزائر الفوميك 1228 ص 6.
93 والصوفية المشحونة بلغة العتاب الجميل بين العاشق والمعشوق والمعبر عن ذلك الوالء المطلق هلل والتضحية الال محدودة في سبيله فيقول: "اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين وأنت ربي إلى من تكلني. عدو ملكته إلى بعيد يتجهمنى أم إلى أمري إن لم يكن بك علي غضب فال أبالي ولكن عافيتك هي أوسع لي أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا واآلخرة من أن تنزل بي غضبك أو يحل علي سخطك لك العتبى حتى ترضى وال حول وال قوة إال بك" سلطة وال لم يكن النبي في تلك الفترة يتمتع بأي بأي قوة مادية تؤدي غلى هذه السلطة ومع ذلك كانت الفئة التي آمنت به تقدم الطاعة لشخصه بدون تحفظ طواعية دون قسر أو إكراه دون اي قيد أو شرط ودون انتظار أي جزاء مادي أو امتياز اجتماعي وكانت العالقة بين أفراد هذه الجامعة المؤمنة عالقة روحية قد نسجها النبي بمعاملته النموذجية التي فيها الكثير من مشاعر اإلخوة الروحية الحرص والرعاية األبوية الرقة الحب والتواضع وقد بادله أصحابه مشاعر الحب الهيبة والتضحية كنوع من أنواع تعهده العرب في عالقاتها السلطوية وكتب السير تقدم الكثير من المواقف "دين المعنى" لم التي تعبر عن نمط هذه العالقة بين النبي وأصحابه لعل أكثرها نموذجية ما نقله ابن هاشم على لسان الصحابي "زيد بن الدثنة" عندما سأله "أبو سفيان" لحظات قبل إعدامه قائال: "أنشدك اهلل يا زيد أتحب أن محمدا عندنا اآلن مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك قال: واهلل ما أحب أن محمدا اآلن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي. كحب أصحاب محمد محمدا" قال: يقول أبو سفيان: "ما رأيت من الناس أحدا يحب أحدا ونفس القيمة عبر عنها "عروة بن مسعود المثقفي" مبعوث قريش إلى محمد لمفاوضته للرجوع عن دخول مكة لما آتها معمرا في الحديبية "قال ابن اسحاق" : "قال الزهري: فكلمه رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم على نحو ما كلم )به( أصحابه وأخبره أنه لم يأت يريد حربا فقام من عند رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وقد رأى ما يصنع به أصحابه: ال يتوضأ إال ابتدورا وضوئه وال يبصق بصاقا إال ابتدروه وال يسقط شيئا من شعره إال أخذوه فرجع إلى قريش فقال: "يا معشر قريش إني قد جئت كسرى في ملكه وقيصر في ملكه والنجاشي في ملكه وإني واهلل ما رأيت ابن هشام سرية النيب ج 9 ص 80/92. هناك آيات تدل على هذه العالقة املتميزة واملعاملة املثالية "وأحفظ جناحك للمؤمنني" "فيما رمحة من اهلل لنت هلم ولو كنت فظا غليظ القلب لنفظوا من حولك" "لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم باملؤمنني رءوف رحيم" ابن هشام سرية النيب ج 9 ص
94 ملكا في قوم قط مثل محمد في أصحابه: ولقد رأيت قوما ال يسلمونه لشيء أبدا فروا رأيكم" هذا من جهة ومن جهة أخرى يؤكد القرآن المكي طابع وجوهر الدعوة من حيث هي دعوة سلمية فينفي عنها طابع اإلكراه السيطرة والتجبر جاء في سورة بمسيطر" وعيد" وفي سورة و"الزمخشري" "الغاشية" "فذكر إنما أنت مذكر لست عليهم "ق" :نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار فذكر بالقرآن من يخاف في تفسيره يقرن داللة هاتين اآلتيتين بحيث تفسر احدهما األخرى فوظيفة النبوة التبليغ والتذكير "إن عليك إال البالغ" "لست عليهم بمسيطر" بمتسلط لقوله: "وما أنت عليهم )4( بجبار". في هذا الجو الروحي المهيب والمتسامي تكون الرعيل األول ممن يسمون أهل السبق وانغمسوا كليا في تجربة اإلسالم األولى وانبثاقه تجربة التواصل الحي مع اهلل وتأثير الحضور المهيب والملهم لنبيه وكما كان النبي وعاءا للوحي كانوا هؤالء شاهدين عليه يتلقفون ما هو يوحي يقرؤونه ويحفظونه ثم يبلغونه كما كانوا شاهدين على تجربة النبي كقائد لهذه الجماعة وبالتالي كانوا ضامنين لبقاء واستمرار الرسالة السماوية بواسطة شهادتهم "وال داعي للقول أن الصحابة كانوا يشعرون أنهم يعيشون تجربة فريدة تجربة عالقة استثنائية مع اهلل نفسه اهلل المتكلم عبرهم مع العالم واإلنسانية غير أن تعلقهم بالقرآن كان يقابله وفي نظري كان يتعداه الحضور الجسدي للنبي الذي كان يجسد صلة اهلل بالعالم والذي كان جاهزا دائما الستقبال الكالم المنزل ويضمن عملية الحوار )5( المتواصل" إن قيمة سبق العتناق الدعوة وتحمل أعباء نشرهاال تضاهيها قيمة تاريخية بالنسبة ألمة اإلسالم سوى قيمة شهادة هؤالء الشهادة على الوحي المنزل والشهادة على أفعال النبي وأقواله فهي شهادة مؤسسة تحظى باالعتراف بصحتها من قبل كل المنتسبين لألمة انطالقا من القيمة األخالقية والروحية العالية ألصحابها إن شهادتهم هي التراث هي األمة في بعد من أبعادها المهيمنة هذه األهمية التاريخية األنتريولوجية والسيكولوجية للشهادة هي ما تجعلها تحظى بالتقديس وبالعصمة "وذلك ألن الشاهدين المباشرين للحدث التدشيني للفعل اإللهي ال يمكن لهم أن ينخدعوا أو يخدعوا اآلخرين إذ ينقلون لهم ما كانوا قد سمعوه ورأوه في زمن النبي إنهم حواريون متنورون بنور 1 -املرجع ذاته جزء ذاته ص سورة الغاشية اآليات سورة ق اآلية 46 )4( الزخمشري الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون األقاويل يف جوهر التأويل بريوت دار الكتاب العريب ط ج 4 ص 828 و 46. )5( جعيط هشام الفتنة ص 116.
95 اهلل وقد لمسهم الفضل التقديسي الذي هو أشد ما يكون عليه قوة وإنارة في زمن النبوة" وهكذا فإن السيادة العليا هلل الواحد المتصف بكل صفات الكمال والجالل والقدرة المطلقة على الفعل والمبادرة والمتصف بكل صفات الحاكمية قد أعلنت عن ذاتها من خالل الوحي ومن خالل أفعال النبي وأقواله وبذلك ستتفرع هذه السيادة العليا إلى كالم منزه متعالي هو القرآن وإلى أفعال وأقوال النبي أي التجربةالتاريخيةللنبي والتي تستجمع في مدونات لتشكل مجموعات الصحاح وهذه النصوص القرآن والسنة تشكل الحقا أساسا لعمل عقلي بشري هو االجتهاد والذي سيحول الشريعة إلى قانون وأحكام قسرية "ينبغي أن نلح على هذه النقطة " ذلك أنه في البداية كانت سيادة النبي أو هيبته بادية للعيان وواضحة بشكل مباشر من خالل حضوره الشخصي الجذاب )الكاريزم( charisme وعمله التاريخي المحسوس من جهة ثم بواسطة البنية البالغية والتركيبية المعنوية للخطاب القرآني من جهة أخرى ولكن بعد موته سوف تتفرغ هذه السيادة المبلورة طيلة عشرين عاما إلى قسمين أو عمليتين متمايزتين هما: ويفسران ويعلق عليهما ويشكالن في القرآن ثم الحديث ثم يجمع القرآن والحديث وينقالن ويسجالن كتابة النهاية مجموعة نصية ضخمة من التراث الكتابي المقدس" وإذا ركزنا عملنا ضمن دائرة تاريخية محددة هي مرحلة التبشير المكي وضمن جماعة محددة هي جماعة المؤمنين السابقين والمواجهين لقريش وضمن فضاء جغرافي وثقافي هو فضاء العرب في شبه الجزيرة العربية فإنه يمكن القول وبناءا على ما سبق أن النبي محمد قام بعمل تاريخي ضخم يتمثل أساسا في اإلعالن عن السيادة العليا هلل الواحد وتثبيتها في مقابل سيادات أخرى وتكريسها بواسطة الكالم المتعالي الصادر عن هذه السيادة العليا أي القرآن وعن طريق حضوره الشخصي المهيب المؤثر والموجه ألصحابه والذين يرتبطون بهذه السيادة أي باهلل ورسوله ارتباطا روحيا ومعنويا وينتسبون إليها انتسابا عفويا حرا ال قسر وال إكراه فيه فيقدمون الطاعة الوالء و الخضوع وكل أنواع التضحية المادية والمعنوية لهذه السيادة في وقت لم يكن للنبي فيه أي منعة أو يدفع بها عن نفسه وجماعته هذه العالقة تشكل "دين معنى" سلطة مادية يمكن أن يقدمه هؤالء المؤمنون إلى اهلل ورسوله كمبادلة واعتراف بالنعمة الفضل وجميل الصنع الذي أنعمت به عليهم هذه السيادة. نضيف إلى ذلك استشعارهم بعناية هذه السيادة وتوجيهها لهم إلى المصير و المآل السعيد في مواجهة المعارضة المكية ومن ورائها بقية القرى والقبائل فلم تكن قريش إال نموذجا أو عينة لمعارضة أوسع للعرب المرابطين في القرى أو البدو والمتاخمين لها وكتب السير والمغازي تتوسع في تقديم نماذج من مقاومة العرب أركون حممد تارخيية الفكر العريب اإلسالم ص 159. أركون حممد الفكر اإلسالمي قراءة علمية ص
96 من غير قريش للرسالة الجديدة على غرار رد الفعل العنيف من قبل ثقيف في الطائف أو اجابات وجوه القبائل التي عرض عليها النبي محمد نفسه في الموسم باستثناء قبيلتي األوس والخزرج وسيكون من المفيد أن نعرف حجم التحديات والضغوط الني مارستها هذه المعارضة على النبي وجماعة المؤمنين طيلة ثالث عشر سنة فاألمر ال يتعلق فقط بالعقاب الجسدي والمعنوي المسلط على المستضعفين من المؤمنين وال بالحصار االقتصادي الذي فرض على بني هاشم وال بمنع االتصال والتواصل بين النبي محمد والقبائل الوافدة على مكة في الموسم بل بتلك المعارضة ذات الطابع الديني والثقافي والتي عبرت عن الثقافة الدينية التي كانت قد تكونت لدى العرب من جراء احتكاكهم بالتراثات الدينية األخرى الحنفية اليهودية والمسيحية وديانات إيران والقرآن يعرض في أكثر من موقف هذه المعارضة وهي تجادل عن نفسها بمطالبتها للعقيدة الجديدة بما يقوم عندها كبرهان على صدقها وصحتها ونوعية هذه البراهين المطلوبة تتراوح بين براهين ذات طبيعة حسية مألوفة كتفجير األنهار في الصحراء واستنبات حدائق النخيل والعنب وتشيد القصور أو غير مألوفة من قبيل إسقاط السماء كسفا أو تلقي الكتاب دفعة واحدة غير منجم أو رؤية اهلل وإن يكون مع محمد ملكا منذرا "إذن نالحظ أنه كان يوجدفي مكة موقف جدلي واجتماعي قائم على المحاجة وطلب البراهين باسم تصور راسخ آنذاك عن الكتاب السماوي أو كتاب الوحي وفي مواجهة هذه الموقف راح الخطاب القرآني يحاول فرض اإلسالم أي موقف تسليم النفس بكل ثقة إلى الوحي الذي نقل فعليا إلى محمد" هذه المعارضة تصدر عن نظام من االعتقاد و الممارسة يقوم كما رأينا في الفصل األول وكما رأينا في مستهل هذا الفصل على نظام اجتماعي وحدته القبيلة القائمة على رابطة الدم والخاضعة إلى بنى القرابة وهي بطبيعتها ممانعة لكل سلطة أو إنقياد أو خضوع إال إلى بيتها القيادي وعندما اختيار السيد ال يمارس سلطة قهرية وإنما يحظى بالهيبة أو "الوقار والتجلة" بتعبير خلدوني دقيق وألن وحدتها وتماسكها هي الشرط األساسي الستمرارها فإنها حولت إنقسامها إلى خارجها إلى الالمرئي بتعبير أي مع هذا الالمرئي برابطة " "مارسيل غوشيه" روح األسالف واألجداد وآلهة القبيلة مرتبطة وإياها دين المعنى"بحيث يصبح الجميع سواسية أمام هذا الالمرئي و الذي ما ورد مثال يف سورة العنكبوت...إخل. اآليات: اإلسراء وسورة الفرقان اآليات: 2 60 واآلية 8 حممد ا ركون 9019 ص.28 من القرآن الفصل األول من هذه الدراسة والذي عنوانه األنرتيولوجي واالجتماع العريب يف اإلسالم. التفسري املوروث إىل حتليل اخلطاب الديين تر: هاشم "يف البدأ مل تكن السلطة مقاربة من سورة صاحل بريوت دار الطليعة ط 8 خاصة مبحث أنثروبولوجية: :املقال 96
97 يتمتع برصيد معنوي ورمزي كبيرينللحيلولة دون ارتهان البشر لبعضهم البعض ومن هنا نعقل قيمة الديني في االجتماعي وفي عالقة المقدس بالسياسي حيث سيشكل لنشوء السلطة والدولة والذي مجيئها "دين المعنى" المنبع الكامن "يعني أن يجيء منبين البشر ممثال لالمرئي ولسيادة المعنى صحيح أن دين المعنى بقي دائما لآللهة ولكنه اصبح يتم بواسطة وبشخص أناس آخرين... الصفة ينبغي القول بأن الدين شكل تاريخيا شرط إمكان الدولة" وبهذه نقول هذا لنقف على حجم العمل التاريخي الذي أنجزه النبي محمد بتحويله المجتمع العربي المتشظي والمنقسم بسبب والئه لسيادات متعددة آلهة القبائل وسلطة اآلباء إلى مجتمع يرتكز على سيادة اهلل الواحد ولنقف كذلك على عملية التحول من مجتمع ممانع للدولة إلى مجتمع دولة ولنقف من وراء ذلك على أهمية الدين في صياغة االجتماع السياسيالعربي لقد واجه النبي أول ما واجهه هذا النظام من االعتقاد والممارسة والذي يعبر عنه أحسن منا شخصية قريشية معارضة هذه الشخصية هي بمناسبة سفارته لدى النبي من قبل قريش لثنيه عما أتى به * السطة" "عتبة بن ربيعة" حيث يقول "يا ابن أخي إنك من حيث علمت في في العشيرة والمكان في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحالمهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم..." دعائم هذا النظام من االعتقاد: الجماعة ونظام االعتقاد تكلم هي اآللهة تقديس اآلباء التي يقوم عليها االجتماع العربي في الجاهلة والتي ترى المعارضة القرشية أن محمدا يقوم بعمل تقويضي لدعائمها من خالل فعل: التفريق التسفيه التعييب التكفير األمر يتعلق بمقاومة ومعارضة دينية وثقافية وليست البتة سياسة وهنا نصل إلى محاولة وضع عنوان لمرحلة التبشير المكي متسائلين هل كانت للدعوة أهدافا سياسية كال لم تكن للدعوة أهدافا سياسية على األقل أهداف معلنة أو عاجلة ننفي ذلك ليس فقط انسجاما منطقيا مع أطروحتنا التي أكدت حتى اآلن أنه لم يكن للنبي سلطة في هذه الفترة بل هيبة وكريزما وكان الخضوع لشخصه "دين معنى" وإنما انسجاما مع الوقائع واألحداثكما نعرفها من خالل نصوص السير والمغازي وكما نعرفها من خالل النصوص المؤسسة الواردة في تلك الفترة - القرآن وأحداث السير- وانسجاما مع جوهر الدعوة وأهدافها باعتبارها دعوة دينية أوال وأخيرا وأن صاحبها نبي وهذا ال يعني على اإلطالق أن يكون هناك تطور تاريخي من دعوة دينية إلى دعوة سياسية ينم عن تكتيك أو تخطيط أو فصل ميكانيكي بين مرحلتين مرحلة الدين ومرحلة السياسة بل غوشيه مارسيل دين املعن وجذور الدولة أو...ص املنزلة الرفيعة * - ابن هشام سرية النيب ج 1 ص 818.
98 بالعكس فتبنى أطروحة "مارسيل غوشيه" من خالل توظيف مفهوم "دين المعنى" وأطروحة محمد أركون من خالل مفهوم "السيادة العليا" كل ابعاده وخاصة البعد السياسي من حيث أن نسعى لتأكيد أهمية الدين في صياغة االجتماع العربي اإلسالمي في "دين المعنى" والرمزي احتوى على بذرة الدولة والسلطة وأحد رهانات هذا البحث الرئيسية هي الكشف عن الشروط والظروف التاريخية التي أدت إلى التحول في استخدام الرمزي و"دين المعنى" الذي كان الجميع أمامه على قدم المساواة إلى قوة مادية حيث أزيح الرمزي وحلت محله الدولة كأداة إلخضاع البشر لبعض البشر فإذا تم هذا كان باإلمكان ترتيب العالقة بين الديني والسياسي ترتيبا موضوعيا يتطابق مع ما جرى ونالحظ أن ما جاء في السير من روايات تتحدث عن أن الدعوة منذ بواكيرها كانت تستشرف أفقا سياسيا * فارس والروم نفوذهم وسلطانهم إن هذه وأن رد فعل المأل من قريش كان ردا سياسيا وراثة ملك وكان من أسبابه الجوهرية ذهاب الروايات كانت قد تكونت بعد قيام الدولة وأن أهدافها وكما استنتج الجابري ليس ما تنطق به مباشرة أي التبشير بمآل ومصر الدعوة بوراثة ملك فايس والروم وإنما جاءت في سياق الصراع الشيعي السني والمتفحص لسيرورة األحداث ولطبيعة الدعوة ونصها المؤسس يتعجب كيف يذهل المستشرقون الذاهبون إلى القول باألهداف السياسية للدعوة ومن نحنى نحوهم من المفكرين العرب والمسلمين عن دالالت القرآن المكي الذي لم يشر ال تصريحا وال تلميحا إلى أي بعد سياسي للدعوة بل يؤكد طابع النبوة في النبي من خالل التذكير وبإلحاح على صالحيات النبوة في التبليغ عن اهلل والتذكير وكيف يذهل هؤالء عن الوضع السوسيولوجي للمجتمع المكي غداة الدعوة فلم يكن هناك أصال سلطة يمكن االستيالء عليها وكيف يذهل هؤالء كذلك عن أن المأل من قريش وفي محاولتهم لثني النبي محمد عن دعوته سواء عن جد أو عن اختبار لنواياه قد عرضوا عليه كل شروط وأسباب السلطة المال الشرف والملك ورفض رفضا قاطعا ف"من المستحيل االعتقاد مثل ما فعل العدديد من المستشرقين أن الدعوة المحمدية طيلة ذات أهداف سياسية أي الهيمنة على مكة" 13 سنة كانت وليس عندنا إلسناد افتراض كهذا سوى الشهادة الوحيدة ألبي سفيان القائل بعد غلبه أنه كان هو نفسه خائفا على انتهاء مركزه االجتماعي أو أنه كان يخشى - * هناك رواياتكثرية تذكر يف هذا السياق لعل أشهرها ما جاء يف "سرية النيب" البن هاشم ج 9 ص 26. اجلابري حممد عابد العقل السياسي الغريب ص 62. مثل مكسيم رودتشون و بكرون ابن هشام سرية النيب ج 1 ص. 98
99 تنافسا معينا على النفوذ فكون خصوم النبي ينسبون إليه مطامح ال يعنى إطالقا أنه كان صاحبها حقا". إننا نتجه اآلن إلى تطور حاسم يتمفصل فيه الديني والسياسي بشكل واضح في شخصية النبي محمد بكونه نبيا ذا هيبة ومدعوما من السيادة العليا وبكونه قائدا ومدبرا لجماعة المؤمنين التي توسعت االن إلى معتنقين جدد سيسمون األنصار حيث كان عليه إدارة العالقات بين القوى المشكلة للمدينة األنصار والمهاجرين اليهود المنافقين األعراب المرابطين في محيط المدينة والقوى الخارجية مكة وقبائل الحجاز وفي هذه الظروف الجديدة "كان محمد يجمع في شخصه هيبة رسول اهلل الذي ينقل الوحي وسيادة القائد الذي يحسم المناقشات ويقود جماعة المؤمنين ثم سلطة اتخاذ القرار فيما يخص الصراعات الناشبة واستراتيجيات الهيمنة الكائنة بين "المؤمنين" و"الكفار" هذا التطور الحاسم هو قرار الهجرة إلى المدينة بعد أن تم التهيؤ له بعقد معاهدة دفاع ونصرة بين النبي محمد وقبيلتي األوس والخزرج. ونعتقد أن مسألة الهجرة كظاهرة تاريخية وسوسيولوجية كعامل من عوامل التغير االجتماعي كانت محل الدراسة والتفسير السوسيولوجيين ونعتقد من جهتنا أن قرار الهجرة إلى المدينة كقرار استراتيجي لم يحض بالعناية والدرس العلميين بحجم النتائج الجذرية التي أدت إليها لدرجة أنها جبت ما قبلها من حيث آليات الدعوة و المواجهة وال غرور أن يقرر "عمر بن الخطاب" اتخاذها معلما تاريخيا يؤرخ لإلسالم ويقرن الفتح باعتباره جهادا بالهجرة كفعل تعبدي سامي إلى مكانه أي إلى الشام والعراق فالهجرة كتحول وانتقال من مجال جغرافي آلخر هي في نفس الوقت تحول من فضاء ومجال سوسيولوجي إلى آخر وعندما نتكلم عن مجال سوسيولوجي نتكلم في الواقع عن مكوناته البشرية واالقتصادية واالستراتيجية وما تتيحه من إمكانيات العمل السياسي والعسكري وفي حالة الهجرة النبوية االنتقال من مجال سوسيولوجي ممانع إلى مجال آخر حاضن ومن مجال قبلي "مضري" إلى مجال قبلي "يمني" باعتبار قبيلتي األوس والخزرج قبيلتين يمينيتين ها جرتا إلى يثرب ومجال تتواجد فيه قبائل يهودية وهم أهل كتاب وأهل ثروة كذلك ومن مجال اقتصادي قائم على التجارة يشكل البعد األمني فيه بعدا هاما إلى مجال اقتصادي يقوم على الزراعة أساسا ويقبع على طريق التجارة باتجاه الشام والسؤال الذي يجب أن يطرح هو كيف نفسر سرعة استجابة األوس والخزرج لمطلب النبي محمد في إوائه وحمايته البد أن يكون وجود اليهود في يثرب قد شكل أهم عوامل 99 جعيط هشام الفتنة ص 99. أركون حممد الفكر اإلسالمي نقد واجتهاد ص 184.
100 االسراع في االستجابة لدعوة النبي محمد والمسارعة إلى عقد معاهدة دفاع معه ويشير ابن هشام إلى ذلك من حيث أن محمدا ودعوته ستشكل سالحا لمواجهة اليهود الذين "عزوهم" ببالدهم فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم أي اليهود- إن نبيا مبعوثا اآلن قد أطل زمانه نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم فلماكلم رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم أولئك النفر ودعاهم إلى اهلل قال بعضهم البعض : يا قوم تعلموا واهلل أنهللنبي الذي تتوعدكم به يهود فال تسبقنكم إليه فأجابوه فيما دعاهم إليه بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من اإلسالم" ثم ال تنسى أن عالقة الجوار مع اليهود والتي اتسمت بالصراع والتحالفات والمبادالت االقتصادية قد شكلت عالقة مثاقفة بموجبها حصلت األوس والخزرج ثقافة دينية هيأتهم لمعرفة رهانات دعوة النبي محمد خاصة في رهانها التوحيدي عقائديا وانعكاسه على وحدتهم اجتماعيا من حيث أن الدعوة في جوهرها عربية وأن الخضوع والطاعة لشخص النبي ومن خالله اهلل الواحد يجعل الجميع متساويين في هذه الطاعة ويذهب بأية مفخرة قبلية أو عشائرية وذلك ما يشكل الوسيلة الفعالة لمواجهة اليهود. وأعود للقول بأن الهجرة قد جبت ما قبلها من حيث اآلليات ومن حيث النتائج الجذرية المتمخضة عنها إذ يحق القول بأن الهجرة قد آذنت بانتقال مقتفي الدعوة من جماعة مؤمنين فحسب إلى جماعة دينية /سياسية فقد "آذنت بإمكانية توسعة جمهور الجماعة الملية اإلسالمية فهي قد آذنت في الوقت نفسه بانتقال الدعوة من حيز ديني إلى حيز سياسي ال يفارقه الدين بل يحايثه ويحمل عليه هكذا بدت معالم أولى لصيرورة المسلمين جماعة سياسية الهجرة جماعة مؤمنين فحسب" تكوين مؤسسة المؤسسات: الدولة )ودينية( بعد إن كانوا قبل فكيف نشأت هذه الجماعة السياسية وكيف تطورت باتجاه نريد التركيز على ظاهرة نعتقد أنها مثلت تحوال نوعيا في إستراتيجية الدعوة وشكلت فارقا يمثل معلما لمسلك جديد اتخذته الدعوة بعد الهجرة هذه الظاهرة في ظاهرة الحرب إذ يجب أن نتذكر أن آيات القتال )4( قد نزلت غداة الهجرة وأدت إلى صياغة عقد مبايعة العقبة الثانية على أنه عقد ابن هشام سرية النيب ج 9 ص 88. بلقزيز عبد اإلله النبوة والسياسة بريوت مركز دراسات الوحدة العربية ط وهي اآليات 82 و 40 من سورة احل ج و اآلية 128 من سورة البقرة )4( سورة احل ج اليت وردت فيها آية القتال من السور املختلف يف تصنيفها إىل قرآن مكي أم مدين والسيوطي يف "االتقان يف علوم القرآن" يعد أن يضعها ضمن سور املختلف فيها ويورد األقوال فيها ينتهي إىل القول بأهنا خمتلطة فيما مدين ومكي وهو قول اجلمهور" ص
101 حرب في صيغة معاهدة دفاع وحماية ونصوص السير والمغازي تنقل شهادات من حضر مبايعة الحقبة الثانية على أنها مبايعة حرب منها شهادة "عبادة بن الصامت" وكان بيعة العقبة األولى قال: "بايعنا رسول اللهصلى اهلل عليه وسلم بيعة الحرب" أحد النقباء ومن الذين حضروا وفي سيرة بن هشام فقرة تشير إلى التحول الذي أحدثته آيات القتال في صيغة وشروط المبايعة "وكان )في( بيعة الحرب حين أذن اهلل لرسوله في القتال شروط سوى شرطه عليهم في العقبة األولى: كانت األولى على بيعة النساء وذلك أن اهلل تعالى لم يكن أذن لرسوله صلى اهلل عليه وسلم في العقبة اآلخرة على حرب األحمر واألسود أخذ لنفسه واشترط على القوم لربه وجعل لهم الوفاء بذلك الجنة" الثانية وإن كانت حلفا مبايعة العقبة دفاعيا أشرت على نية و تصميم على إعالن الحرب على قريش والعمليات الحربية التي أعقبت الهجرة كانت تصديقا لهذه النية وتنفيذا لها وبعملية إحصائية بسيطة واستنادا إلى كتب السير والمغازي "يكون جميع مغازي رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم بنفسه سبعا وعشرين غزوة )4( و"كانت بعوثه صلى اهلل عليه وسلم وسرياه ثمانية وثالثين بين بعث وسرية" أي بمعدل أكثر من غزوتين في السنة الواحدة وأكثر من ثالث سرايا وبعث أي أكثر من خمسة نشاطات ذات طبيعة عسكرية في السنة الواحدة على امتداد عشر سنوات وستتعزر هذه الداللة إذا علمنا أن النبي محمد قد قام بثمانية نشاطات عسكرية ما بين غزوة وسرية قبل غزوة بدر الكبرى أي خالل سبعة عشر شهرا فقط منذ هجرته ولم ينتظر أكثر من نصف سنة بعد مقامه في المدينة حتى بعث بأول سرية سيدل هذا على قيمة الحرب كآلية جديدة في قيام دولة المدينة لدرجة نقول معها أن الحرب هي استمرار للدعوة بوسائل أخرى فقد آذنت الهجرة بالدخول في صراع مع قوى متعددة داخلية ممثلة باليهود والمنافقين واألعراب وخارجية ممثلة بقريش وقرى وقبائل الحجاز و عالقات القوى هذه شكلت الرحم الذي تولدت منه التجربة السياسية للمدينة تجربة دولة قامت على آليات إدارة عالقات القوى التي ذكرنا بحيث تمر بهذا الشكل من الدعوة إلى الحرب باعتبارها وسيلة لها وفي خضم الحرب تولد السياسة وهكذا نؤكد على القلب الذي أحدثه في مبدأ "فوكو" "كلوزفيتز" " الحرب هي استمرار )5( للسياسة بوسائل أخرى" مع أن هذه الظاهرة لم تحدث في شكل طفرة كما ال يجب أن نفهم أن ابن هشام سرية النيب ج 9 ص 58. بيعة النساء مضموهنا ديين أخالقي حبت وكنت مبايعة "على السمع والطاعة يف عسرنا وسرنا ومنشطنا ومكرهنا وأثره علينا وإن ال ننازع األمر أهله وإن نقول احلق أين ماكان ال خناف يف احلق لومة الئم" ابن هشام سرية النيب ج 9 ص 58. املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. 101 )4( املرجع ذاته ص 81. )5( فوكو ميشال جيب الدفاع عن اجملتمع ص 92.
102 استخدام هذه الوسيلة هو قطع مع الوسائل األخرى بل سنالحظ تضافر لمجموعة من الوسائل في نفس الوقت فبعد بيعة العقبة األولى استمرت الدعوة في المدينة ألسلمتها وتهييئها للمرحلة القادمة وهكذا بعث النبي "مصعب بن عمير" ولم تمر سنة حتى كانت وجوه يثرب قد أسلمت وهكذا "تكونت الدولة اإلسالمية على ثالث مراحل: األولى فترة الهجرة عندما انبثقت سلطة نبوية والثانية سنة هجرية 45 بعد حصار المدينة أو الخندق عندما اكتسبت هذه السلطة الصفات األساسية للدولة تدريجيا وعندما اتسعت ركيزتها الفضائية لتشمل الجزيرة العربية بأسرها والثالثة بعد وفاة النبي" وإذا أخذنا بهذا التحقيبفإنا علينا التوقف عند األحداث التي صنعت كل فترة وجعلت منها فترة متميزة عن األخرى فالفترة األولى فترة انبثاق سلطة نبوية غداة الهجرة فقد أشرنا الى قيمة الهجرة دينيا وسوسيولوجيا أما القيمة السياسية والمرتبطة بالسلطة النبوية وبانبثاق جماعة سياسية فتتمثل أساسا بكثافة األفعال السياسية للنبي باعتباره مدبرا ومديرا لشؤون جماعة المؤمنين في المدينة خاصة فيما يتعلق بعالقة هذه الجماعة بمختلف القوى داخل المدينة أو خارجها وقد كان الهدف المحافظة على تماسك هذه الجماعة واستقطاب المزيد من األنصار لها والعمل على أسلمة الحجاز ثم الجزيرة باستهداف قريش بحرب استنزاف طويلة األمد إلى غاية خضوعها مما يفتح للمدينة مجال الحجاز ثم الجزيرة حتى إذا دخل العرب في اإلسالم واستشعر بقوته التوحيديةدخلوا في دينامية الفتح بكل آفاقها الواعدة دينيا اقتصاديا أنتريولوجيا وسياسيا األفعال السياسية للنبي كقائد ومدبر لهذه الجماعة تزامنت وتضافرت وتداخلت فيها األبعاد: "حالة" كلمة البشرية الدينية و السياسية في شخص النبي وهذه الحالة بكل ما تحمل من معنى علمي ومنهجي في علوم اإلنسان والمجتمع أي الحالة التي تزامن تداخل وتضافر فيها اإللهي والبشري الديني والسياسي في شخص قائد هذه الملحمة التاريخية هي ما يجعلنا نسكت أو نحتحفظ في تسمية هذه األفعال والمؤسسات خاصة وجود جيش دولة ولكن األكيد أن األمر يتعلق بسلطة النبي وبجماعة سياسية وبمشروع سياسي حتى لو لم يرد منشطوه وفاعلوه أن يكون لدفعت "تجربة المدينة" والظروف التاريخية واالنتريولوجية- حالة العربكأثنية- للجزيرة وللشرق األوسط أن يكون وما كان له أن يكون بدون باعثه وحامله ومنشطه العامل الديني إننا نجنح إلى القول بتطور لسلطة النبي حتى أصبحت تجربة ثم نموذجا أسس لقيام دولة"ومما ال ريب فيه أنه يجب أن نكر في عداد أسس تلك الدولة السلطة العليا هلل والكاريزما النبوية وتكوين جماعة متضامنة هي األمة وكذلك بروز تشريع وتوطده وظهور طقس عبادي موحد". 102 جعيط هشام الفتنة ص 92. املرجع ذاته الصفحة ذاهتا.
103 لحد اآلن تكلمنا عن السيادة العليا والكاريزما النبوية وتكون جامعة متضامنة أصبحت بعد الهجرة جماعة سياسية يبقى اآلن الكالم عن ابعاد ومؤشرات وجود تنظيم سياسي وذلك من خالل استعراض األفعال السياسية للنبي وكيف أن تلك األفعال كانت أسسا لقيام دولة المدينة والتي برهنت من خالل مواجهتها للتحديات-وفاة النبي قيام مؤسسة الخالفة القضاء على الردة الفتح وجو دها وفاعليتها ويمكن أن نصنف تلك األفعال في العناوين التالية: أدار النبي الدبلوماسية. الحرب. التشريع والتصميم اإلداري. الدبلوماسية: -على نضع تحت هذا المصطلح جملة األفعال ذات الطبيعة السياسية التي من خاللها عالقاته مع محيطه سواء جماعات ملية وطوائف دينية- يهود نصارى- أو قبائل ودول وتمثلت هذه األفعال في معاهدات األحالف المراسالت والسفارات وكتب السير والمغازي تذكر هذه األعمال الدبلوماسية كأحداث متفرقة ولكن جمعها يمكن من قراءتها في كليتها الستخالص ثوابتها في األسلوب والمقاصد الدبلوماسية آلية استخدمها النبي محمد في كل الظروف واألحوال حاالت القوة والضعف وإذا كان معيار الصواب في السياسة براغماتي أي منوط بتحقيق النجاح فإن النبي محمد قد أدار هذا البعد باقتدار و نجاح و استطاع أن يتجاوزبالمؤمنين والمجتمع المديني كل التحديات والفترات الحرجة إلى وضع أصبحت المدينة فيه تستقطب بعد الفتح وفود العرب مقدمين الطاعة والخضوع لهذا السلطان "لقد أثبت النبي اقتدارا استراتيجيا وتكتيكيا غير معهود أو مألوف في أيام العرب وكفاءة في القيادة لم تحظكفاية بالعناية والدرس حتى اآلن واألهم من ذلك وهو النبي- قدم درسا في معنى السياسة ومتطلباتها لم يدركه في حينه-كما لم يدركه اليوم- من نظروا إلى السياسة نظرة صوفية طهرية واستغربوا أن يقدم الرسول على ما يبعث الشك في حقوق دعوة ال ينبغي لها أن تتنازل عن قضيتها أمام األعداء" أبرزها "بيعة العقبة الثانية" ونماذج هذا النجاح كثيرة لكن بعضها كان حاسما وفاصال لعل التي كانت حلف دفاع أدى إلى نتائج جذرية لم تكن معاهدة المدينة مع يهودها أو ما يطلق عليه بالصحيفة على أهميتها ودالالتها السياسية القصوى إال نتيجة لها "إن العقبة الثانية أو العهد المعقود مع مسلمي المدينة عشية الهجرة يمثل أكثر من صحيفة المدينة التي ولدت بموجبها األمة اإلسالمية تحت نظر اهلل ونبيه" فما أتى بعد هذه المعاهدة تحديدا الصحيفة ثم بلقزيز عبد اإلله النبوة والسياسة ص جعيط هشام الفتنة ص 92.
104 الحرب بصيغتها الهجومية كان تنفيذا لهذه المعاهدة التي كانت مصدر شرعية لهذه األفعال السياسية والعسكرية من أجل ذلك نرى أن الصحيفة كانت إتماما لبيعة العقبة فقد استمرت صحيفة المدينة التأكيد على أنها من جنس بيعة العقبة الثانية أي معاهدة حرب فالمسألة األمنية للمدينة وللرسالة ال تتحقق فقط بدخول األوس والخزرج في عداد المؤمنين فهناك اليهود و وجدوهم بين أظهر المسلمين بثقله االقتصادي والمعنوي والرمزي كأهل كتاب- يهدد أمن المدينة وجماعة المؤمنين الثاوية فيها من أجل ذلك كان البد من إدخالهم كطرف في حلف دفاعي ضمن مفهوم ستنبثق داللته السياسية ويستعمل بكثافة منذ تلك اللحظة مؤذنا بتوسيع مجال االجتماع من اجتماع طبيعي قبلي إلى مجال اجتماع يقوم على اعتبارات موضوعية أخرى العيش المشترك في مجال جغرافي واحد وبالتالي المصالح المشتركة ناهيك عن البعد الرمزي المشترك -التوحيد- هذا المفهوم هو المدينة كان هدفها األقصى إدخال اليهود في حلف دفاع وإلزامهم بعدم فصحيفة "األمة" مواالة قريش باعتبارهم والمؤمنين في يثرب أمة واحدة "...وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين تفقدهم وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة... وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ماداموا محاربين وإن يثرب حرام جوفها ألهل هذه الصحيفة وإن الجار كالنفس غير مضار وال آثم وإنه ال تجار حرمه إال بإذن أهلها...وإنه ال تجار قريش وال من نصرها وإن بينهم النصر على من دهم يثرب". هذا وقد تصرفنا في نص الصحيفة التي نقلها ابن هشام لنقتصر على ما نعتقد أنه المقصد االستراتيجي لهذه الصحيفة التي تبدأ بتحديد أطرافها ثم تنتقل لتحديد قواعد العيش المشترك بين المؤمنين لتنتقل إلى قواعد العيش المشترك بين المؤمنين واليهود في إطار أمة يجمع بينها العيش والمصالح المشتركة في يثرب تلك هي الصحيفة الشهيرة التي هي بمثابة هو "نظام داخلي" لجماعة المؤمنين والمسلمين في شؤون الجنايات والحرب خاصة ومعاهدة بين الرسول وبين اليهود من جهة ثانية "معاهدة حربية" باألحرى... ما ينبغي التأكيد عليه هنا اآلن هو أن العقد االجتماعي" وإنما "عقد حربي" الذي تأسست عليه دولة الدعوة المحمدية نعم عقد اجتماعي يجمع أطرافا القرابة بينها في النسب وال دين واحد يجمعهم هي رابطة أشبه ما تكون ب "العصبة السياسية" وكانت تلك المعاهدة ضرورية في تلك الظروف التاريخية قطع بها النبي وبنجاح مرحلة إلى مرحلة أخرى سيزاوج فيها بين الحرب والدبلوماسية وعلى ذكر الحرب ستمثل غزوة بدر "مرحلة حاسمة أساسا ألنه جرى إنزالق وتحول من ابن هشام سرية النيب ج 9 صص اجلابري حممد عابد العقل السياسي الغريب ص 26. بالقزيز عبد اإلله النبوة والسياسة ص
105 الحلف الدفاعي األصلي األنصار إذ أن النبي محمد العقبة- إلى الدولة الحربية الغنيمية والهجومية" بمباركة وموافقة من "كان يتخوف أال تكون األنصار عليها نصرة إال ممن دهمه بالمدينة من عدوه وأن ليس عليهم أن يسيربهم إلى عدو من بالدهم" اآلن فكانت مقالة "سعد بن معاذ" تدشينا وتنشيطا على حد تعبير "ابن هشام" للنبي في مبادراته الهجومية وستكون لهذه الغزوة نتائج هامة على كافة األصعدة لعل أهمها توطيد سلطة النبي ال في المدينة فحسب بل في خارجها وعلى الصعيد االقتصادي ستصبح "األنفال" إحدى اآلليات المادية التي ستدعم سلطة النبي إذ تغدو وسيلة لجذب المزيد من األنصار ووسيلة لتقوية اآللة الحربية للنبي مع العلم أن ما غنمه المسلمون هلل خمسة " * وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل". هذا الخمس سيدخل ضمن دائرة ما نسميه "المال العام" أما األربعة أخماس الباقية فتذهب للمقاتلين كمال خاص وهكذا فالرسول سيوزع الخمس باعتباره ماال عاما أو حقا عاما على مستحقيه بما في ذلك تأليف قلوب الناس ودفع الديات عن المسلمينكالتزامات مالية عليهم بموجب المعاهدات وهكذا "فبمجرد االستقالل بقسم من أموال الغنائم وهي موارد الدولة الوحيدة على ذلك العهد ورصدها لفئات معدمة يشي بقيام شكل ما من أشكال الممارسة الدولتية أي تلك التي تقوم بدور تتحصل على حقوقها ألسباب مختلفة... وعلى ذلك يتحول "الرعاية االجتماعية" "المال العام" للقوى التي ال تستطيع أن إلى أداة الخمس- الستدماج فئات أخرى من المجتمع في إطار مجتمع المؤمنين الذين يشكل إيمانهم بالرسالة " "دولة اإلسالم في "مواطنتهم" إلعادة إنتاج الجماعة والمجتمع والدولة". فتصرف لهم حقوقهم كسائر من ينتمون إليها إنه بعبارة أخرى أداة نعود إلى مسألة سلطة النبي التي تتأكد أكثر على مستوى توزيع "األنفال" خاصة وأن التقسيم مدعوم من قبل السيادة العليا هلل إذ المؤمنون مطالبون باألخذ بما أتاهم الرسول مع العلم أن هذا التقسيم لألنفال سيصبح معيارا لتقسيم الغنائم األنفال والفيء فيما بعد مع الخلفاء ودولة الساللة األموية والعباسية هذا ويجب أن نعلم أن عملية التوزيع كانت مباشرة فلم يكن هناك تلك الفترة بيت تجمع فيه الغنائم ونعتقد أن األمر ال يتعلق بفضاء لجمع المال بل نية وقصد إلنفاق المال للحيلولة جعيط هشام الفتنة ص 80. ابن هشام سرية النيب ج 9 ص ص * سورة األنفال اآلية 41. بالقزيز عبد اإلله النبوة والسياسة ص 151.
106 دون تراكمه وتحوله إلى ثروة مما يتعارض والنبوة وهذا اإلجراء يحيلنا إلى ما أوردناه في الفصل األول بمناسبة الكالم عن هيبة السيد في االجتماع الممانع للدولة وفي االجتماع العربي قبل اإلسالم. ورغم انكسار المسلمين في "أحد" فإن جماعة المؤمنين بقيادة نبيهم قد أبدت مقاومة وإصرارا على االستمرار وبرهنت على قوة تلك النواة من المهاجرين واألنصار التي كان النبي قد كونها و"تميزت تلك المرحلة االنتقالية التي تقع بين بدر والخندق باتجاه توسعي أولي نحو عالم نجد البدوي وبدبلوماسية وبمصادرة األمالك واألموال اليهودية لبني النضير وبدور توزيع الدولة لألنفال" جعيط" وعندما نصل إلى غزوة "منعطفا حاسما في السير نحو تأسيس دولة" "الخندق" نصل في الواقع إلى مرحلة يعتبرها باحثون ك"هشام وهي كذلك من حيث استمرار آلية الحرب سواء كمبادرة هجومية أو دفاعية في إثبات وجود جماعة خاضعة إلى تنظيم محكم في الحرب لم تعهده حروب القبائل نابع من سلطة نبوية مدعومة بالسيادة العليا اهلل وفي غزوة" هذه الجماعة تكتال واسعا تقوده قريش وحلفائها أحابيش كنانة وغطفان وعشائرها. واجهت الخندق" وإذا كانت قريش لها هدفها المتمثل في القضاء على تهديد المدينة وسلطان الدعوة المتنامي فإن القبائل كانت تحركها بالدرجة األولى دوافع اقتصادية وإدارة هذه األزمة الحادة هو ما أسر على تلك السيروة المتجهة إلى تكوين الدولة بداية من حفر الخندق كتدبير حربي لم تعهده القبائل في حروبها والمفاوضة الختراق التكتل القبلي مفاوضة غطفان بإعطائها ثلث محصول المدينة شرط رجوعها عن حصار المدينة- وإدارة الحرب بما تقتضيه طبيعتها كإستراتيجية وتكيتك واستعمال الحيلة والخداع فقد قال النبي ل"نعيم بن مسعود الغطفاني" "إنما أنت فينا رجل واحد فخذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة" واالتجاه مباشرة بعد انتهاء الحصار إلى تصفية عنيفة ليهود بني قريضة و التي تمت بطريقة حازمة ومنظمة غير معهودة وال مسبوقة في جزيرة العرب تحتكر العنف الشرعي كما حددها وهو ما يعطي للدولة صفتها الجوهرية كمؤسسة "ماكس فيبر" ومرة أخرى سيكون للجانب االقتصادي أهميتةونتائجه فالغنائم والفيء ستوزع حسب قواعد توزيع األنفال كتعويض للمقاتلين عن حرب لم يغنموا فيها كونهم كانوا محاصرين وفي السنة السابعة و"فدك" "خيبر" ستتعزز إيرادات سلطة المدينة باالستيالء على و"وادي القرى" فباإلضافة إلى األموال العينية استولى المسلمون على األراضي الزراعية بعضها بالصلح والبعض اآلخر عنوة حيث أصبحت مداخلها ثابتة وحكمها ما أقرته سورة هشام جعيط الفتنة ص 81. هشام املرجع ذاته ص 80. ابن هشام سرية النيب ج 9 ص
107 الحشر ويالحظ ترابط بين العمليات التأديبية لليهود واألزمات العسكرية مع قريش وحلفائها فعقب كل غزوة يتم االتجاه إلى قبيلة يهودية إلجالئها وغنم ما في أيديها وهكذا تم إجالء بني قينقاع بعد معركة بدر وبني النضير بعد أحد في السنة الرابعة الهجرية ثم تصفية بني قريضة بعد غزوة األحزاب مباشرة واالستالء على خيبر بعد الحديبية والبد أن الجانب االقتصادي كان حاضرا لتعويض المقاتلة عن المغانم التي فاتتهم في المعارك السابقة وهذا إجراء قام به النبي حتى في فتح مكة إذ اقترض أمواال دفعها للفقراء من المقاتلين تعويضا لهم عن الغنيمة هذا التوسع في مصادر التموين وما أدى ذلك إلى نماء اقتصادي كان عامال جاذبا ألنصار وحلفاء جدد فبعد إجالء اليهود وتفكك الوالء العشائري لصالح الوالء للعقيدة ولسلطة النبي توسعت هذه األخيرة باتجاه عالم نجد وقبائله ولم تمر إال سنة واحدة بعد غزوة الخندق حتى استطاع النبي جمع عدد كبير ثالثة أالف- بالقياس إلى عدد مقاتلي بدر مثال قاصدا مكة ألداء العمرة وبين االستالء على خيبر الذي تم في السنة السابعة وفتح مكة في السنة الثامنة استطاع النبي أن يجمع جيشا كبيرا قوامه عشرة أالف مقاتل ضم قبائل "بني سليم" وسيستخدم النبي و"أسد" و"قيس" "تميم" ومن و"مزينة" و"أسلم" و"غفار" سلطته في توزيع خمس غنائم حنين الهائلة في تأليف قلوب من دخل في اإلسالم بعد الفتح وهكذا وبعد فتح مكة واسترجاع الحرم وهزم "هوزان" و"ثقيف" قام النبي بخطوة جريئة وحاسمة لها أكثر في داللة في ما نحنبصدد التدليل عليه أي السيرورة نحو تكوين دولة األمر يتعلق بالحشد والمسير إلى "تبوك" إلى حدود الشمالية للجزيرة العربية لمالقاة الروم هذا الحشد الذي بلغ تعداده ثالثين ألفا وبغض النظر عن داللة العدد من ثالثمائة رجل في بدر إلى عشرة آالف في فتح مكة إلى ثالثين ألفا في غضون تسع سنوات فإن الدالالت السياسية األخرى أكثر أهمية لعل أهمها ذلك التحول في منطق الحرب وطبيعتها الذي أحدثه اإلسالم في الجزيرة العربية فقد حول اإلسالم الحرب من حرب يومية تخترق الجسم االجتماعي الذي هو جسم قبلي من حرب القبائل حرب المدينة ومكة الحروب التي يصفها "ميشال فوكو" "بالحرب اليومية" أو "الحرب الخاصة"» privé «la guerre ى وم ا أفاء الل ه ع ل ى رس وله من ه م ف ما أ وج فت م ع ل ي ه م ن خيل و ال رك اب و لكن الل ه ي سل ط رس ل ه ع ل ى من ي ش اء و الل ه ع ل كل شيء قدير * ما أفاء الل ه ع ل ى رس وله م ن أه ل الق رى فلل ه و للر سول و لذي الق رب والي ت امى والمساكني واب ن السبيل ك ي ال يكون د ول ة ب ني األغن ي اء م نكم وم ا آتاكم الر س ول ف خ ذ وه وم ا ن ه اك م ع نه فانت هوا و ات قوا الله إن الله شديد العق اب * للفق راء المه اج رين الذ ين أخ ر ج وا من د يارهم و أمو اهل م يب تغون فضال من الل ه و رض و ان ا وينص رون الل ه ورس ول ه أو لئ ك ه م الصادق ون * و الذين ت ب وؤ وا الدار و اإلميان من ق ب لهم يب ون من هاج ر إل ي ه م و ال جيد ون يف ص د وره م حاج ة مما أوت وا وي ؤث رون ع لى أنفسه م و لو كان ب م خصاصة ومن ي وق شح نفسه ف أو لئ ك هم الم فل ح ون * و الذ ين ج اؤوا م ن بع ده م ي قول ون ر بنا اغفر لن ا و إل خو انن ا الذ ين سب قونا باإلمي ان و ال جت ع ل يف ق لوبنا غال للذ ين آم ن وا ر بنا إ نك ر ؤوف رح يم 107
108 إلى دولنة الحرب التي تجري على تخوم ومشارف دولة المدينة التي توسعت اآلن وأصبحت تبسط سيادتها على الجزيرة ف"لما افتتح رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم مكة وفرغ من تبوك وأسلمت ثقيف وبايعت ضربت إليه وفود العرب من كل وجه" للمغامرة اإلسالمية مغامرة افتح والتي بدأت مبكرا في معركة مؤتة ثم تبوك التاسعة للهجرة وقبيل مرضه ووفاته كان النبي قد جهز جيشا بقيادة مع العلم أن وبذلك أصبحت البوابة الشمالية مفتوحة " بعث أسامة بن زيد إلى ارض فلسطين هو آخر البعوث" "أسامة بن زيد" في السنة العسرة- لنفس المهمة أي أنه آخر نشاط متصل بالشأن العام قام به النبي وهذا لما له داللة فعند هذه النقطة من التطور أي دولنة الحرب التي "أصبحت قطعة احترافية وتقنية لجهاز عسكري محدد ومراقب بعناية شديدة. واجماالكان هناك ظهور للجيش كمؤسسة لم يكن لها وجود أساسي بهذه الصورة في العصور الوسطى". نقول أن النبي محمد قد نجح نجاحا باهرا في تجاوز الحرب اليومية حرب الجميع ضد الجميع حرب القبائل وأيامها الدامية أيام داحس والغبراء وأيام البسوس وغيرها إلى حرب تقوم بها مؤسسة جرى تكوينها بصبر وعلى امتداد عشر سنوات هذه المؤسسة المنظمة والمرتبطة بالتشريع القرآني وبكاريزما النبوة كانت تتكون في نواتها من صفوة القريتين مكة والمدينة هذه الصفوة التي آمنت بالدعوة منذ بواكيرها وآمنت بمشروع النبوة هي التي ستتعهد الدعوة والرسالة بعد وفاة صاحبها وتبرهن غداة الردة على قيمة العمل التاريخي الذي قام به النبي وبقيمة البناء الروحي والمعنوي لصحابته ومن هذه الصفوة ستبرز إدارة وقيادة الجيوش العربية المندفعة للفتح وكان معظم هذه القيادات من قريش وهكذا فإن هذه اآللة الحربية التي كونها النبي هي آلة المدينة الدولة التي أسسها النبي انطالقا من النواةالتي ذكرنا هذه الدولة هي التي تعلن الحرب وتشنها تغنم وتوزع تحالف وتفاوض والحقا ستجري عملية تعبئة واسعة لقبائل البدو ليصبحوا أفرادا في هذه القوة العسكرية خاضعين إلى مقتضياتها كمؤسسة قائمة على تشريع وتنظيم القرى" محكمين ومؤطرة تماما من قبل قادة كلهم من "أهل أي من أهل الحضر من أجل ذلك "فما من شيء أكثر خطأ من جعل الفتح العربي نوعا من انفجار طاقة حربية لدى بدو يقذفون بأنفسهم كأرهاط على بلدان المشرق الغنية الحقيقة أن البدو لم )4( يكنوا سوى أداة سياسية حربية و تنظيم حربي أنشأهم الحضر" فلقد تم احتواء وتأطير غريزة الغزو ابن هشام سرية النيب ج 4 ص 991. ابن هشام املرجع السابق ص 812. ميشال فوكو جيب الدفاع عن اجملتمع ص 50. )4( جعيط هشام الفتنة ص
109 بتصعيدها وتساميها باعتبارها جهادا في سبيل اهلل يرتبط افقه باآلخرة يشتري من خالله المجاهد نفسه مقابل الجنة وذلك من أجل تنصيب السيادة العليا وإقامتها على األراضي المفتوحة وهذا من شأنه واقعيا وكما جرى تاريخيا توحيد طاقات العرب التي كانت تتوزعها الصراعات القبلية في مجهود واتجاه و احد ناهيك عن الحوافز االقتصادية التي اشرنا إلى قيمتها والتي بدورها شرعنت وأضفيت عليها مسحة من التقديس تغطي ماديتها عندما أصبحت أنفاال وكأنها هبة من اهلل عاجلة في هذه مقابل تضحياتهم. الدنيا وقبل أن نمر من الحرب كآلية ووسيلة استمرت بواسطتها الدعوة وكفعل من أفعال السياسة إلى األفعال السياسية الخالصة ننبه إلى أن الحرب أو عليكم القتال وهو كره لكم" "القتال" بدر الكبرى كأول مواجهة عسكرية حاسمة مع قريش سأل بالمفهوم القرآني هو إيعاز ديني "كتب إنما حيثياته ومجريات أحداثه وتصريفها هو تدبير بشري في معركة "الحباب بن المنذر بن الجموح" النبي: "يا رسول اهلل أرأيت هذا المنزألمنزالأنزلكه اهلل ليس لنا أن نتقدمه أو نتأخر عنه أم هو الرأي والحرب والمكيدة قال: "بل هو الرأي والحرب والمكيدة" إن سؤال هذا الصحابي المشارك في بدر والذي يمثل مع من شاركوا في بدر النواة األولى والصلبة لإلسالم ينم عن تمثل يشي بشعور قوي بحضور السيادة العليا وتجسدها كعناية موجهة ألفعال النبي ويشي كذلك بذلك االستعداد المطلق للطاعة والخضوع لهذه السيادة ومن جهة أخرى إجابةالنبي تصريحبشكل واضح ال ريب فيه أن األمر يتعلق بالرأي والحرب والمكيدة كسعي بشري محض قد يصيب وقد يخطأ وقد توالى هذا النصاب البشري في غزوات النبي كقرار الخروج لملقاة قريش في أحد وقرار حفر الخندق للدفاع عن المدينة وأثناءها أقر النبي مسعى خدعة" الصحابة للنبي وعليها ما عليها. "نعيم بن مسعود الغطفاني" مشجعا إياه بالقول: "فإن الحرب ثم قرار الصلح مع قريش في الحديبية حيث أقدم النبي على ما لم يستسغه حتى أقرب "كعمر بن الخطاب" وطريقة توزيع غنائم حنين فهي كلها أفعال بشرية لها ما لها بعد الحرب والدبلوماسية يأتي التشريع والتنظيم اإلداري كتجليات سياسية لتجربة المدينة فمن حيث التشريع أي جملة القواعد التي تنظم حياة الجماعة وعالقتها فقد كان وجود الوحي ووجود شخص النبي بأفعاله وأقواله بشكل مصدرا للتشريع ولعل كثافة هذه القواعد التشريعية في تجربة المدينة له داللته من حيث انتقال الدعوة من مجال جماعة مؤمنة روحية إلى جماعة سياسية بشكل 109 سورة البقرة اآلية 915. ابن هشام سرية النيب ج 9 ص 962.
110 )التشريع( القانون أساسا لقيامها واستمرارها وقد توفر شرطان أساسيان لقيام هذا االجتماع السياسي أولهما الفضاء الجغرافي وثانيهما تشكل مفهوم األمة على مستوى التمثل وعلى األرض مع العلم أن هذين المفهوم ين قد تعرضا للتطور وبمناسبة الكالم عن التشريع الذي كانت قواعده العامة قد تقررت من قبل الوحي والعمل التاريخي للنبي فإن عملية تنفيذ هذا التشريع وتعميمه على الفضاء الجغرافي وساكنة هذا الفضاء كعمل سيادي كان يقع على عهدة نواب النبي كقادة الجيش أو الوالة أو القضاة وهؤالء كانوا صحابة الرسول الذين شكلوا في الواقع النخبة أو الصفوة إذاكانوا "أول نخبة سياسية في اإلسالم ولم يكن ممكنا بناء مجال سياسي دون وجود مثل هذه النخبة التي تدير وتنفذ وتشارك في صنع القرار وتتقلد مسؤوليات الدولة" وهكذا تكون جسم سياسي يتكون من هذه النخبة مارست الوظائف العامة التي عهد بها إليها النبي كقائد ونبي األمر الذي يسمح بالقول بانبثاق تراتبية في المكانات واألدوار يقف على رأسها النبي ثم هذا الجسم السياسي الذي يتكون من الصحابة فعامة المسلمين ومن هذا الجسم السياسي سينبثق العالم والسياسي كمكانتين ودورين متمايزتين عندمايدفع تطور األحداث والمجتمع إلى ذلك وأهم األدوار التي عهد النبي إلى هذه الصفوة القيام بها النيابة عن النبي على المدينة ثم مكة بعد الفتح قيادة الجيش السرايا والبعوث السفارات والعالقات الخارجية القضاء جباية األموال والصدقات الكتابة الوحي المعاهدات والمراسالت. ففي الوظيفة األولى يؤشر استعمال النبي لمن ينوبه عند غيابه عن المدينة ثم مكة بعد فتحها على "استمرارية الدولة" في حال غياب قائدها أو قل تعبيرا عن تجريد ما للسياسة والسلطان بوصفهما نصابا عاما ال يرتبط بشخص النبي صلى اهلل عليه وسلم حصرا بل بجماعة المسلمين عامة" وعندما كان ال يغزو بنفسه يوكل أحد صحابته بقيادة الجيش أو السرية والبعث محددا له مجال وأهداف الغزوة أو السرية والبعث تاركا له مجاال لالجتهاد بما يقتضيه الموقف وإذا علمنا و كما سبقت اإلشارة إلى ذلك أن بعوث وسرايا النبي كانت كثيرة علما أن االمر يتعلق بتكوين وتربص كان الهدف البعيد منه إعداد الجيش لحروب الدول وفتح أراضي جديدة. النبي وعطفا على المسألة التشريعية يقتضي إتمامها الكالم عن وظيفة القضاء التي كان يقوم بها عمال ونوابه وقادة الجيش إذ لم تكن هناك بعد مؤسسة قضاء مثلت تلك الوظيفة سلطة القانون النابعة من كونها حكما بما أنزل اهلل. عبد اإلله بالقزيز النبوة والسياسة ص املرجع السابق ص 146.
111 وفي المجال االقتصادي وباإلضافة إلى ما ذكرناه عن قيمة وأهمية الفيء والغنائم نضيف أنه وبعد فرض الزكاة والجزية ولدت مكانة ودور الجباة وعمال الصدقات وهي الوظيفة التي اضطلع بها فئة من صحابة النبي كان يكلفهم بها على غرار وظيفة وقيادة الجيش أو الوالية مما يؤكد األهمية الحيوية لهذه المكانة ودورها ونرى كيف أن القبائل تمردت على سلطة المدينة بطرد عمال الصدقات ورفض دفع الزكاة وكيف أن سلطة المدينة التي كان على رأسها أبو بكر الصديق قد قرأتها قراءة سياسية ناهيك عن أنها تملص من إقامة ركن الزكاة. كما أنه من مقتضيات وجود "عقل دولة" وجود * الكتابة وعلى قلة الكتبة فإن النبيكان محاطا بكتبة يعدون على األصابع ولكن هؤالءكانوا يقومون بوظيفة ال تقل أهمية عن قيادة الجيش أوعن جباية األموال فباإلضافة إلى كتابة الوحي كان هؤالء يحررون مراسالت النبي إلى عماله وقادته وإلى الملوك وشيوخ القبائل وعلى ذكر المراسالت نأتي إلى العالقات الخارجية لسلطة المدينة بمحيطها سواء العربي منه أو الدولي حيث كانت تعبر هذه السلطة من خالل المراسالت فضال عن الحرب عن وجودها وكيانها من خالل التعريف بهويتها ولعل * أبلغ تعبير عن ذلك رسائل النبي لملوك العالم في تلك الفترة تدعوهم إلى السالم وإن لمما له داللة أن ذلكقد وقع عقيب صلح الحديبية في نهاية السنة السادسة للهجرة وتذكر كتب التاريخ والسنة أن النبي اتخذ ألول مرة خاتما من فضة نقش عليه "محمد رسول اهلل" كشعار أو ختم رسمي لهذه السلطة ورغم أن هذه المراسالت تدخل في إطار تبليغ الدعوة ونشرها كوظيفة جوهرية للنبوة وأن مضامينها ال تحمل كما قرأها بعض الباحثين تهديدا صريحا أو مستبطنا فبعبارة "أسلم تسلم" وعندما نقرؤها في سياقها التاريخي وبالرجوع إلى كون الرسائل موجهة إلى ملوك منهم أهل كتاب الذين يطالب القرآن مجادلتهم بالتي هي أحسن تعني السالمة من عاقبةعدم التصديق برسالة محمد قلنا رغم طابعها الدعوي فإن لها بعدها السياسي الذي يفرضه توقيتها الزمني فتلك المراسالت لم تتم في مكة وال في السنوات األولى للهجرة بل يعد صلح الحديبية أي بعد أن تمكن اإلسالم تماما من المدينة وما حولها وأصبحت مسألة فتح مكة مسألة وقت وهذا يؤشر إلى أن األمر تطور من حيث االجتماع السياسي إلى درجة يمكن معها تعريف الملوك ومن ورائهم رعاياهم بالدعوة وتحمل مسؤولية ذلك. - * * - األ ساء اليت تذكرها كتب التاريخ كالطربي وابن األثري ال يتعدد عددها عشرة أ ساء وهو عدد مهم بالقياس إىل فشو األمية وندرة الكتابة والقراءة يف عامل كانت تسيطر عليه الثقافة الشفاهية السماع والرواية. تذكر كتب التاريخ والصحاح نصوص تلك الرسائل وحامليها واجلهات املعنية فكانت: كسرى قيصر الروم املقوقس حاكم البحرين صاحب اليمامة احلارث ابن أيب مشر العساين ملك عمان. البخاري صحيح البخاري القاهرة دار الكتب العلمية )ب.ت( ج 9 ص
112 هذا بشكل سريع تجليات االجتماع السياسي الذي أقامه النبي منذ مقدمه إلى المدينة مهاجرا إليها وهكذا تأكد لينا من خالل استنفاد دالالتها حدوث تطور من السيادة العليا أو ذروة المشروعية حيث كان النبي يتمتع بهيبة وكريزما وكانت الطاعة والخضوع المبذولين له من قبل أصحابه يجسدان "دين المعنى" ومن خالل الطاعة والخضوع لشخصه تتم الطاعة والخضوع هلل باعتباره يمثل السيادة العليا إذ ال انفصال وال فكاك بين طاعة اهلل وطاعة رسوله قلنا حدوث تطور إلى سلطة نبوية لها بعدها الروحي ولها بعدها المادي الذي بدأت مفاعيله تظهر وتشتغل منذ هجرته إلى المدينة التي لم يصلها إال وقد أذن له بالقتال اذستصبح الحرب استمرار للدعوة بوسائل أخرى ومن ثم السياسة كوجه آخر للحرب وهكذا تزاوج السلطة النبوية بين الدعوة كتبليغ سلمي والدبلوماسية: العهود المخالفات المفاوضات السفارات- والحرب وعلى امتداد العشر سنوات كانت هذه السلطة تنمو وتتوسع ماديا وروحيا حتى بلغت الذروة إكمال الدين وإتمام النعمة وفشوا اإلسالم دين اهلل الواحد على جزيرة العرب بعد أن تم فتح مكة الكقرية ممانعة فحسب بل "كأم القرى" باحتوائها على الحرم كفضاء مقدس ينتمي إلى تاريخ النجاة الصاعد عن ذكرى إبراهيم وابنه إسماعيل يجب استعادته وإعادة دمجه في الرمزانية الجديدة للدين اإلسالمي من خالل جملة من األفعال والشعائر بداية من تحويل القبلة إليها والتوجه إلى العمرة فالحج وهكذا وبعد الفتح وتطهير بيته من اآللهة كبيت خالص هلل أصبح للمسلمين فضائين فضاء سياسي المدينة كقاعدة للدولة حيث النبي ومن بعده خلفائه وفضاء ديني حيث الحرم وحيث تمارس شعيرة الحجكركن من أركان اإلسالم فهل لهذا معنى فضاء للسياسة وتدبير شأن الجماعة وفضاء إلقامة شعيرة الحج وألن األمر يتعلق بالسلطة والمعرفة يجب أن نلح مرة أخرى على ذلك التساوق بين األحداث التاريخية التي شكلت تجربة المدينة بكل ماديتها وتاريخيتها مع القرآن فببالغته المدهشة وبقدرته المتناهية على الترميز واالرتفاع بالفعل االجتماعي إلى حدود التسامي والتنزيه واصل القرآن بعد الهجرة اإلنخراط واالنغماس في حيثيات العمل التاريخي للنبي المتمثل في تبليغ الرسالة والعمل على نشرها خارج محيط المدينة في جو غلب عليه الصراع مع القوى المناوئة لهذا المسعى من أهل الكتاب اليهود- والمنافقين واألعراب وقريش وهكذا فإن القرآن المدني ونظرا للتطور الحاصل بعد الهجرة ونظرا لرهانات المرحلة وطبيعة القوى التي كان على النبي مواجهتها تغيرت موضوعاته وإيقاع الحوار والجدل مع القوى التي ذكرنا وإذا عدنا إلى تفسير مضامين القرآن المدني الذي نزل منه في المدينة "البقرة وآل عمران والنساء والمائدة وبراءة والرعد والنحل والحج والنور واألحزاب ومحمد والفتح والحجرات والحديد والرحمان والمجادلة والحشر والممتحنة والصف والجمعة 112
113 والمنافقون والتغابن والطالق ويأيها النبي لم تحرم إلى رأس العشر وإذا زلزلت وإذا جاء نصر اهلل وسائر القرآن نزل بمكة" * وإذا استثنينا المختلف فيها من حيث كونها مدنية أم مكية إلى ترتيب سور القرآن من حيث مناسبة النزول التي تبقى من أهدافها للنص القرآني باعتماد مطابقته مع مسار الدعوة المحمدية" تلك المرحلة وتحدياتها المتمثلة أساسا في تنظيم جماعة المؤمنين: وإذا عدنا "التعرف على المسار التكويني فإن تلك المضامين تحيلنا إلى رهانات دينيا بإتمام التزاماتها التعبدية فرض الصيام الحج الزكاة اجتماعيا: * الحرب وتقسيم الغنائم سورة األنفال الحشر التوبة. تحديد مستحقي الصدقات: التوبة. الحدود والديات: البقرة النساء. اإلرث وبنى القرابة والزواج: البقرة النساء. المعامالت: الحجرات تحديد العالقات مع أهل الكتاب من يهود ونصارى: المنافقين واألعراب: التوبة المنافقون. البقرة آل عمران المائدة. - هذا التمفصل بين الخطاب القرآني واألحداث التاريخية المحسوسة ومع حتى اليومي ثم العمل على االرتفاع بكل ذلك وتساميه ليصبح نموذجا للعمل والسلوك المثالي والمعياري المتجاوز للزمان والمكان بمعنى أن القاعدة هي األحداث التاريخية المحسوسة وموجهاتها من أفعال ومواقف للنبي ولصحابته وافقها يقع خارج هذا الزمن ليرتبط بالخالص األخروي كما ال ننسى أن الوحي والعمل التاريخي للنبي سيصبح قواعد لالجتهاد واستخالص القانون للعمل على استمرار حضور السيادة العليا في التاريخ وتوجيه األمة وإذا أخذنا صورة التوبة براءة- كنموذج فإن الموضوعات التي تثيرها تقدم دليال على هذا النمط من التاريخية القرآنية فهي سورة تقدم نفسها على نحو مباشر وتقع دالالتها عند منطوق مفرداتها وآياتها بشكل مباشر ال مجاز فيها إال النزر القليل وهي ترتبط ربما أكثر من أية سورة أخرى بأحداث تاريخية بعينها وبفاعلين اجتماعيين وبأماكن تاريخية كحنين مسجد ضرار المسجد السيوطي جالل الدين اإلتقان يف علوم القرآن تنقيح وتصحيح خالد العطار بريوت دار الفكر 9010 ج 1 ص * يعرض السيوطي يف "اإلتقان يف علوم القرآن" فصال يف "حترير السور املختلف فيها" واليت يبلغ عددها 80 سورة اجلابري حممد عابد مدخل إىل القرآن الكرمي املغرب دار النشر املغربية 9005 ج 1 ص 998.
114 الحرام أهل المدينة األعراب المنافقين اليهود النصارى أولو الطول "الثالثة الذين خلفوا" وهي * سورة أنزلت بعد أحداث تاريخية تجاوز فيها النبي وأصحابه أحداثا حرجة غزوة تبوك أو العسرة التي جاءت في ظروف مناخية واقتصادية قاسية وأصبح النبي وأصحابه في موقع يسمح لهم بتحديد موقفهم وعالقاتهم مع كل الفئات والطوائف والقوى المشكلة لجبهة الصراع االجتماعي والديني بشكل صارم ونهائي المشركين والمنافقين وكل المناوئين للنبوة والرسالة. " وهكذا ويضع نقطة نهاية لمسار الجدل والحوار مع أهل الكتاب وللعالقة مع فالسنوات العشرون التي قضاها النبي في "الجهاد في سبيل اهلل" والتضحية سواء باألرزاق واألموال أو عن طريق الجهد الذي تبذله الروح في الفهم والخيال الخالق أقول كل ذلك وجد ترجمته المثالية والتعبيرية النموذجية في القرآن فيما وراء كل التعاليم واألوامر والمحاكمات الجدلية والتراتيل المسبحة باسم اهلل والقصص النموذجية التي حركت دائما عواطف المؤمنين وجيشتهم أقول فيما وراء كل ذلك نجد الخطاب القرآني قد اخترع نموذجا للعمل التاريخي ثم استبطن هذا النموذج تماما وتمثل ليس فقط من قبل القلوب المتفتحة على المطلق وإنما من قبل الفاعلين "االجتماعين أي البشر المنخرطين في أوضاع اجتماعية سياسية مشابهة لتلك األوضاع التي شهدها وعاركها ذلك الفاعل المعقد الذي دعوناه سابقا بالبطل المغير أو بطل التغيير" فالسيادة العليا هلل الواحد ورسوله أي النبوة بكل دالالتها التاريخية والروحية هي التي صنعت هذا المصير التاريخي الضخم ألمة اإلسالم على قاعدة جغرافية ضحلة وفقيرة وفي مجال سوسيولوجي قبلي عربي ممانع لكل سلطة مجال متشرذم يعيش على إيقاع الحرب اليومية بدون فكرة أو أمل أو أفق سياسي جامع وموحد فالنبوة المنبثقة والمدعومة من قبل السيادة العليا هلل الواحد والتي جمعت خالل ثالثة وعشرين سنة من الدعوة والبشير والنضال في نسيج رائع بين المتعالى والدنيوي التاريخ المحسوس عالم الشهادة وعالم الغيب بين اإلنسان الفرد والمسؤول عن أفعاله والجماعة التي ينتمي إليها كأمة شاهدة ومسؤولة هي أي النبوة التي أحدثت هذه النقلة من زمن يقع ما قبل التاريخ إلى زمن * - هناك إمجاع على أن سورة التوبة من أواخر السور نزوال فرتتيبها حسب مناسبة النزول عند الواحدي النيسابوري والسيوطي والرتتيب املعتمد عند األزهر وترتيب املستشرق بالشري يضعها 114 أما الفتح ما قبل األخرية واملائدة-املراجع: السيوطي اإلتقان يف علوم القرآن جالل الدين احللي وجالل الدين السيوطي تفسري اجلاللني املذبل بأسباب النزول للواحدي النيسابوري تع: حممد بن مجيل زينو وآخرون القاهرة دار بن اهليثم 9011 وحممد عايد اجلابري خمل إىل القرآن الكرمي ج 1 هامش ص 989. أركون حممد الفكر اإلسالمي قراءة علمية صص
115 فقد تاريخي من إجتماع ممانع للسلطة إلى اجتماع سياسي وذلك مما تحقق للسلطة النبوية من عوامل "كانت تمتاز بأنها كانت عربية خالصة وأنها كانت مدعومة بإشعاع الحرم وأنها كانت تنظم الوجود البشري من دون إلغاء روابط الدم وأنها كانت أخيرا تفتح آفاق الفتوحات وبانتظار ذلك راحت القبائل المحليين" تتحملوطأة السلطة من خالل دفع الضريبة الشرعية أو الصدقة وقبول عمال النبي هذا الخضوع العام للقبائل هو خضوع سياسي لسلطة المدينة وليس أسلمة لجميع القبائل فالواقع أن زاوية الرؤية للسلطة النبوية لم تكن واحدة ومسألة التمييز بين اإليمان والدخول في * اإلسالم معروفة تاريخيا وقرآنيا مسألة التعامل مع السلطة النبوية فيها بعدها المادي جيش غنائم قدرة على العقاب والقمع وذلك بداية من غزوة األحزاب كما أن هذا التمايز في النظر إلى السلطة النبوية والتعامل معها تعنى الفئات التي دخلت في صراع مع النبي واختبرت سلطته المادية أي العسكرية ف"بإستثناء نواة انصاره الصلبة من المهاجرين واألنصار الذينكانوا يعتبرونه :أوال وجوهريا نبي اهلل كان يعتبره جميع اآلخرين من عرب وقرشيين ويهود بمثابة قوة بمثابة سلطة بمثابة سلطة الحجاز" وقد عبر "أبو سفيان" رمز الممانعة القرشية عن ذلك غداة فتح مكة معترفا بسلطان النبي محمد وفي نفس الوقت بشكه وتردده في االعتراف بنبوته "...أما هذه -أي االعتراف بنبوة محمد- واهلل فإن في النفس منها حتى اآلن شيئا" ليقول بعدها فصائل الفتح "للعباس بن عبد المطلب" عندما مرت أمامه )4( "واهلل يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما" لذاكان من السهل على هذه القبائل أن تنحل من هذه السلطة خاصة في جانب إلزاماتها المادية صاحب هذه السلطة أثناء حركة الردة. بهذا نكون قد وصلنا إلى المرحلة الثالثة في تكون ونشوء الدولة مرحلة ما غداة غياب الزكاة- بعد النبي ولنا أن نتوقف عند لحظة من لحظاتها الحرجة والمأسوية لحظة غياب القائد الملهم واألب والوصي الراعي لجماعته " وببالغة مؤثرة يعبر عن ذلك "هشام جعيط" بقوله: "إن موت النبي جعل من الصحابة يتامى )5( اهلل وخيم الصمت على الكلمة" وال يمكن تجاوز ذلك المعيش النفسي للصحابة وتأثيره فصدمة جعيط هشام الفتنة ص * جاء يف سورة احلجرات وهي من أواخر السور نزوال قوله تعاىل: " قالت األعراب آمنا قل مل تؤمنوا والكن قولوا أسلمنا وملا يدخل اإلميان يف قلوبكم وإن تطيعوا اهلل ورسوله اليلتكم من أعمالكم شيئا إن اهلل غفور رحيم" اآلية 14. املرجع ذاته ص 88. ابن هشام سرية النيب ج 4 ص 99. )4( املرجع ذاته ج 9 ص 98. )5( جعيط هشام الفتنة ص 115.
116 غياب القائد الملهم واألب الراعي لعياله قد أحدثت اضطرابا وجدانيا على الصعيد الفردي وفزع وشعور بالضياع وعدم األمان على صعيد الجماعة فقد الشاتية بفقدهم نبييهم" "صار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة هذا الموقف الذي عبرت عنه "عائشة" عبر عنه "عمر بن الخطاب" بصورة أكثر إنفعالية تنم عن قوة مفعول غياب النبي إذ شهر سيفه متوعدا من يقول بموت النبي. مات الرسول وانقطعت الصلة بين السماء واألرض وفي هذا الجو اإلنفعالي الدرامي المضطرب حيث تتعطل قوى العقل والمنطق وربما اإليمان تبقى الثقافة "التي هي ما يبقى لك بعد أن تنسى كل شي" أي التصرف وفق مجرى العادة والعرف والتقاليد ففي ظل الفراغ التشريعي إن على مستوى الوحي وإن على مستوى تجربة المدينة ومع ضغط الوقت إذ كلما طال زمن الفترة اإلنتقالية كلما زادت مخاطر انفراط عقد الجماعة ويتهدد مصير الرسالة نفسها العادة والتقاليد أو حتى الغريزة هو ما يفسر به االجتماع الطارئ والمفاجئ لألنصار في سقيفة بني ساعدة والتي تحولت إلى فضاء للجدل والمحاججة بين األنصار المهاجرين حول مسألة آلية استمرار اإلرث النبوي الديني منه والدنيوي مسألة الخالفة ويظهر لنا فورا أن تصرف األنصار يستدعي جملة من المالحظات تصب في خانة عادة العرب وتقليدهم في الرئاسة أي ما يدعوه "فيبر" بالسلطة التقليدية من بين تلك المالحظات: االجتماع أو باألحرى "الجلسة السرية" تمت سريعا بدون إخطار المهاجرين. يؤدي هذا إلى االستنتاج بأن األمر يتعلق بالثنائي القبلي األوس والخزرج- لتنصيب رئيس لهم ولمدينتهم إنه اجتماع يخص مصير هذا القبيل ومكانه من األمر بعد وفاة النبي. كانت قرارات االجتماع لو تم حسب إرادة األنصار تهدف إلى وضع المهاجرين أمام األمر الواقع كإجراء لمواجهة الهيمنة القرشية المتصاعدة بوضوح منذ الفتح وضمان استقالليتهم لدرجة اقتراحهم في مجرى النقاش اقتسام السلطة على الطريقة القبلية "منا أمير ومنكم أمير" وبذلك القبلي األوس/ "كان سلوكا انفصاليا ال يأخذ بعين االعتبار مجموع األمة بل يأخذ فقط الثنائي الخزرج" مع العلم أن هذا التخوف "األنصاري" من الهيمنة القرشية سرعان ما تحقق إذ ظلت قيادة جيوش الفتح قرشية وعلى المدى المتوسط ستبقى السلطة في بني عبد مناف بني هاشم وبني أمية- إلى سقوط الخالفة سنة 656 ه تحت تسويغ "مسلمة" "األئمة في قريش" ابن هشام سرية النيب ج 4 ص 846. جعيط هشام الفتنة ص
117 في مقابل الطرح األنصاري وطموحاته تموقع المهاجرون من خالل ممثليهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة الذين هرعوا إلى االجتماع مسرعين- ضمن طرح استمرار األمة ووحدتها برأس واحد- أي خليفة واحد وهذا يقع بشرط تحقق طاعة ووالء القبائل التي أسلمت لهذا الخليفة وهنا طرح المجادلون عن أطروحة المهاجرين شرطين: "ولن تعرف العرب هذا األمر إال لهذا الحي من قريش" ألنها قبيلة النبي أوال فهي أحق بوراثته حسب قواعد التوريث العربي وألنها قبيلة العرب المقدسة ثانيا وهذه شرعية دينية. معيار األقدمية والسابقة في اإلسالم والصحبة وهذه شرعية ظاهرها ديني سيتحول في قادم األيام معيار لتقسيم الفيء والتراتبية االجتماعية على عهد عمر وهي شرعية من شأنها أن تحول السلطة الكريزماتية الى مؤسسة خالفة أو ملك وفق تحوالت السلطة الكاريزماتية وسيرورتهاكما درسها "فيبر"..1.2 وهكذا تم انتخاب أبي بكر سريعا بمبادرة حازمة وصارمة من قبل عمر أنقذ بها الموقف ليتم مبايعته بعد ذلك من قبل المهاجرين واألنصار تم ذلك بتضافر أو لنقل بمساعدة عوامل موضوعية ولكنها تدور كلها في فلك التوازنات القبلية خاصة تلك التي تغذي الشعور باالنتماء إلى الجماعة واألمة الموحدة دينيا والرابظة على جزيرتها باتجاه الشمال من أجل الفتح. "أساس من الهيمنة والنفوذ" كإمكانيات تتيح لها الخروج من بعد هذا العرض الذي يصف من زاوية من بين عدة زوايا ورؤى ممكنة كيف تجاوز المسلمون مرحلة ما بعد النبي وسلطته الكريزماتية إلى قيام الخالفة كمؤسسة نحاول موضعة ذلك ضمن إطار من التفسير النظري لقد اشرنا من طرف خفي إلى بعض عناصر هذا اإلطار عندما أرجعنا رد فعل األنصار إلى تصرف قائم على أساس مجرى العادة والتقليد اي ما ترسخ في عادة العرب في تصريف شؤونهم كقبائل وعندما عرضنا محاججة المهاجرين القائمة على الشرعية التي تضمن الطاعة شرعية قريش كقبيلة للنبي وكقبيلة مقدسة وعلى شرعية السبق والقدمة في الصحبة وهكذا فإن كل األفعال واألقوال التي أفضت إلى تأسيس الخالفة هي اجتهاد إذ ال يوجد نص صريح من القرآن أو قول أو فعل أو حادثة في تجربة المدينة تتيح وتقرر بشكل واضح وصريح المصير السياسي ألمة اإلسالم وعليه ف"نصوص اإلسالم لم تصنع دولة ألنها لم تشرع الجتماع سياسي إسالمي لكن المسلمين صنعوا تلك ابن هشام سرية النيب ج 4 ص 882. فلوران لوري ماكس فيرب ص
118 الدولة بما اجتهدوا في البحث فيه من حلول وقواعد ومبادئ وما أتوه من إجراءات في باب إقامة دولة وسلطان واالهم من ذلك تلك اللحمة السياسية... على مقتضي مصالحهم كجماعة يصنع اإلسالم لحمتها وتحتاج إلى تمتين وأن مجال السياسة في اإلسالم نشأ بعيدا عن اية قداسة دينية مفترضة" لقد بنى على اجتهاد وهو اجتهاد توخى أن يكون من الدين ومن أجله من الدين من حيث أن تجربة المدينة كدعوة ودولة إنما مصدرها الدين وشرعيتها السيادة العليا هلل فالنبوة كوحي وكعمل تاريخي قام به النبي وأصحابه هما ما أسس االجتماع السياسي وهو عمل تاريخي معاكس تماما في االتجاه لما حدث في الغرب المسيحي "فمحمد إذن لم يكن بمواجهة سلطة مركزية قوته عندما ظهر كما هو عليه الحال بالنسبة للمسيح إزاء اإلمبراطورية الرومانية وإنما كان عليه أن يخلق نظاما سياسيا جديدا مرتكزا على رمزانية دينية جديدة" ومن ثمكان على أية سلطة أن تلتمس مشروعيتها من الدين وهو اجتهاد من أجل الدين من حيث ما أفضى إليه من تأسيس للخالفة أي خالفة رسول اهلل في النصاب الدنيوي والسياسي أي النصاب البشري القابل للتوريث واالستمرار هذا النصاب الذي بطبيعته عبارة عن قوة ونفوذ عليه حراسة اإلرث النبوي وتبليغه لمزيد من الناس من أجل ذلك كانت الخالفة في التنظير السياسي السني "موضوعة لخالفة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا". االجتهاد السياسي في مواجهة مسألة سياسية في جوهرها ولكنها مرتبطة بحبل سري برحمها الذي انبثقت منه أي الدين وككل اجتهاد بقي االجتهاد في المسألة السياسية غير محسوم وال مجمع عليه خاصة حول "الشرعية" لقدكان االختالف والخالف حول "من". و"كيف" ولم يكن هناك * جدل أو نقاش حول ضرورة أن يكون هناك من يقوم بأمر الناس أي ضرورة أنيكون هناك سلطان سياسي لقد جرى اختيار أبي بكر ومبايعته سريعا وفق اجتهاد ومبادرة فئة من الصحابة اجتهاد رجحته العوامل التي ذكرناها والمحكومة بالسياق التاريخي واألنثريولوجي عرب الجزيرة في ق ومن م- 4 تلك اللحظة سيصبح أبو بكر " خليفة رسول اهلل" وهذه التسمية "هي بحد ذاتها برنامج كامل لتواصل السلطة النبوية ليس في جانبها ما فوق البشري المرتبط بالوحي بل في جانبها القابل للتوريث والمرتبط في جوهره بالسلطة الزمنية فالخليفة هو رأس األمة اإلسالمية وقد ورث القيادة/ )4( النبي" ولكن قيادة مجالها اآلمرة عن قد اغلق على مستوى العقائد والعبادات التي أتى بها الوحي ويبقى بلقزيز عبد االله النبوة والسياسة ص ص 68/65. حممد الفكر اإلسالمي نقد واجتهاد ص أركون املاوردي األحكام السلطانية ص 6. - * هناك أراء قليلة وشاذة قالت بعدم ضرورة وجود خليفة أو سلطة مثل بعض فروق اخلوارج وبعض املعتزلة )4( جعيط هشام الفتنة ص 49.
119 مجالها مفتوحا في المبادرات السياسية التي من شأنها "حراسة الدين وسياسة الدنيا" من أجل ذلك وكما سنرى الحقا سيصطدم العالم مع السياسي عندما يريد الخليفة أن يستحوذ على ما يراه العالم من صالحياته أو مما ال نصاب وال شأن للخليفة به أي االجتهاد في العقائد وتبني اتجاه معين وفرضه على أساس أنه يمثل حقيقة الدين وهو الموقف الذي مثله علماء الحديث وعلى رأسهم مسألة خلق القرآن فالخليفة إذن من "ابن حنبل" "ليست سلطته دينية إال بقدر ما يكون الديني أساس وجود األمة وبقدر ما يكون السياسي مصبوغا في أساسه بالديني ويكون كل ما يبرر عمل الناس متجذرا في الديني وبالطريقة نفسها تعود السلطة في جوهرها إلى اهلل الذي فوضها إلى نبيه فال يكون الخليفة سوى مؤتمن عليها من خالل النبي في الممارسة كانت سلطته سياسية ال غير فهي سلطة شخصية وشبه مطلقة تتحدد فقط بكالم اهلل وبمثالية أفعال نبيه المسلمين أي المهاجرين واألنصار". السنة- ولكنها تتحدد أيضا بمشورة نخبة لقد كانت هناك سيادة عليا فوضت سلطتها إلى النبي الذي أصبح يتمتع وفق لذلك في مرحلة من مراحل الدعوة بهيبة والطاعة المبذولة له كانت عبارة عن "دين معنى" وبعد الهجرة أصبح للنبي سلطة يتداخل بعدها الروحي بالعبد الدنيوي وفي كل األحوال كانت سلطته كاريزماتية وبعد وفاته اكتمل الوحي والدين وانقطعت الصلة الحية بين السماء واألرض وكان على المسلمين مواجهة الوضع الجديد باجتهادهم الذي أفضى إلى تأسيس الخالفة كمؤسسة بغض النظر عن إسم الخليفة أو آلية استخالفه وكان الفاعلون السياسيون المؤثرون في توجيه األحداث هم الصحابة أو بعبارة أدق النخبة التي كان قد كونها النبي من األنصار والمهاجرين وكان ذلك االجتهاد مؤطرا تماما بسياق تاريخي سوسيولوجيوأنثريولوجي كان الفاعل فيه القبيلة والتقاليد العربية في الرئاسة والسلطة ولن نجد إطارا نظريا يستوعب هذه التحوالت إلى المحاولة "الفيبرية" لفهم الطاعة والخضوع ومن ثم أنواع السلطة وألن االجتماع العربي قام على الدين كما هو واضح انطالقا من السلطة الكاريزماتية للنبي فإن هذه السلطة بطبيعتها هي قطع مع السلطة التقليدية وهو العمل التاريخي الذي قام به النبي ولكن هذه السلطة الكاريزماتية لها قابلية التحول إلى سلطة مؤسساتية تقليدية أو عقالنية والذي تقع على عهدتهم عملية النقل هذه هم األتباع الذين يرثون هذه السلطة والتي تكمن وظيفتها الجوهرية في الحفاظ على التنظيم وضمان بقائه واستمراريته إنها عملية "روتنة الكاريزما" أي إدامتها عبر مأسستها ويمكن في هذه الحل أن تتحول السلطة الكاريزماتية إلى سيطرة تقليدية إذ ما تحول الزعيم الكاريزماتي جعيط هشام املرجع السابق ص
120 إلى مؤسس سالله ملكية أو إلى سيطرة عقالنية إذ ما نجح الزعيم في إنشاء مؤسسات" هذا المسلك الذي يسميه "فيبر" تحوالت السلطة الكاريزماتية وبالتحديد سلطة النبي باعتبار سلطته سلطة * دينية" يبدو أن تحوالت السلطة النبوية وما آلت إليه من تأسيس لمؤسسة الخالفة واآلليات التي حددت اختيار أبي بكر المؤسسة إلى أن تكون قرشية ثم تعيينه لعمر بمباركة وتزكية من نخبة من الصحابة ثم كيف آلت هذه تحديدا في عبد مناف- الكاريزما إلى تقليدية سلطة القبيلة التي ستتدعم حيث سيصبح هذا " الا "باجتهاد ديني" قد جرت في هذا اإلطار إطار تحول بني على مأثور "األئمة من قريش" جتهاد الديني" مبررا ومسوغا لشرعية الخليفة القرشي سواءكان أمويا أو عباسيا في النظرية السياسية "ألهل السنة والجماعة" اذ سيصبح وهذه أولى التحوالت في أولوية عنصري الزوج: / سيادة عليا "شرط القرشية من شروط عقد اإلمامة" سلطة حيث ستوظف السلطة السيادة العليا في تبرير شرعيتها مع العلم أنه ال أحد من المتجادلينيوم السقيفة احتج بالمأثور الذي ينسب الى النبي و اال كان االمر قد حسم نعم لم يكن أبوبكرمن البطون القوية في قريش ولكن نقطة الضعف هذه في ذلك السياق من صراعات القوى القبائلية وتوازناتها هي ما حولها ويفسر "هشام جعيط" مناف التي أبعدت عن الخالفة القرشيين- القبيلة إلى نقاط قوى هذا االختيار إختيار ابي بكر رغم إنتمائه إلى عشيرة ضعيفة بالقياس إلى عبد "وفي ذلك مفارقة بمعنى أن الوراثة إذا كانت معتمدة في مستوى فمن البديهي أن يستظهر بها أيضا في مستوى العائلة ففي نظر العرب كانت وظيفة رئيس القبيلة وظيفة السيد تكمن في األسرة العريضة البيت لكن المقصود هنا هو السلطة على كل العرب وبالتالي فإن القبيلة مؤهلة على هذا النحو إلى أن تلعب دور البيت". نقول هذا كمحاولة منا لتفسير وضعي ولكن يبقى القول أن عوامل أخرى كان لها حضورها وتلك العوامل غير بعيدة عن العامل الديني اي تلك الروح التي تم غرسها في هذه النخبة من المهاجرين واألنصار على امتداد الدعوة والتي توجت بالوعي الحاد بوحدة األمة كشرط الستمرارها.وكشرط لتبليغ الرسالة ونشر الدين باعتبار األمة حاملة له. هذه الروح التي غرسها النبي في هذه النخبة من أصحابه هي ما جعل مغامرة اإلسالم تستمر رغم التحديات الخطيرة التي واجهت أبا بكر المتمثلة في حركة االرتداد. فلوران لوري ماكس فيرب ص * لتقدمي عرض ووصف أنواع السلطة والشرعية مبا يف ذلك أنواع السلطة الدينية عند "فيرب" السلطة على حنو آخر يف العصر احلديث العنصر "فيرب" العامل والسياسي مهنتان ووجهتان. املاوردي األحكام السلطانية ص 5. جعيط هشام املرجع الفتنة ص 49. يف الفصل الثاين يف املبحث: 120
121 لقد قامت مؤسسة الخالفة كإجراء سياسي الستمرار اإلرث النبوي ولكن آليات قيامها وآليات تدبيرها للشأن العام وآليات استمرارها وتطورها حتى سقوطها عام 656 ه كانت آليات تقليدية بمعنى أنها توسلت بوسائل ذلك العالم في سياسة الناس وتصريف أمورهم. لقد تميزت فترة حكم أبي بكر بحدثين مهمين: حروب الردة وإطالق عملية الفتح وكالهما أجراء حربي كآلية قديمة جديدة ومتجددة للسلطة الحدث األول أي ذلك القرار الجريء والحاسم والمرتبط بشخص أبي بكر والقاضي بشن حرب شاملة على القبائل المرتدة وهو حدث علينا التوقف عنده الستثماره في دعم أطروحتنا من خالل التساؤل حول طبيعة تلك الحرب هل كانت دينية أم سياسية من الواضح تماما أن كلمة "ردة" كلمة مشحونة بداللة دينية متأتية من القرآن الذي يدين أخالقيا االرتداد باعتباره نقضا ونكثا في العهد والميثاق الذي كان المرتد قد قطعه مع اهلل دون أن يحدد اإلجراء الردعي العاجل الذي يجب إنزاله بالمرتد كما أن الخطاب القرآني يتكلم عن فعل االرتداد كفعل فردي قد يقع في المستقبل ولم يوجه الخطاب إلى مرتدين كفئة دينية أو اجتماعية أو * سياسية كما فعل بفئة "الكافرين" أو "المنافقين" أو "أهل الكتاب على أساس أن تلك الفئاتكانت موجودة فعال كجماعات ضغط وممانعة بنما لم توجد فئة مرتدين أثناء الدعوة إذ يجب أن يظهر الدين أوال و ينتشر حتى تتحدد صفة المرتد. ولكن حركة االرتداد ارتبطت بقبائل بدو و حضر وكما سبق وأن أشرنا إلى اختالف زواية الرؤية إلى شخص النبي من حيث كونه نبي أو سلطان وبينا أن خضوع العرب لسلطة المدينة بعد فتح مكة وغزوة حنين أو ما يسمى بعام الوفود كان خضوعا سياسيا في مجمله لشخص النبي للنقض" "ألن الرابطة التي كانت تربط القبائل بالنبي كانت تدرك كطريقة شخصية قابلة وقد انحلت تلك الرابطة فعال بغياب النبي وهذا يبين أنه "كان يخضع لسلطة اإلسالم * - ترد يف القرآن الكرمي آياتان تتكلمان بصفة مباشرة وصر ية عن فعل االرتداد: ي ا أي ه ا الذين آم ن وا من ير ت د من كم عن دينه ف سو ف ي أيت الل ه بق و م يب ه م و يبونه أذل ة ع ل ى الم ؤمن ني أع ز ة ع ل ى الكاف رين سورة املائدة اآلية 64. و ال يز ال ون ي قاتلون كم ح ت ي رد وك م ع ن دين كم إ ن اس تط اعوا وم ن ير تد د من كم عن 121 ف ي م ت د ين ه أع ماهل م يف الدن يا و اآلخ رة و أولئك أصحاب النار هم ف يها خ الد ون سورة البقرة اآلية. 915 ( 1( املرجع ذاته ص 48. ترد يف القرآن الكرمي آياتان تتكلمان بصفة مباشرة وصر ية عن فعل االرتداد: ك اف ر و ه و فأولئك ح بطت ي ا أي ه ا الذين آم ن وا من ير ت د من كم عن دينه ف سو ف ي أيت الل ه بق و م يب ه م و يبونه أذل ة ع ل ى الم ؤمنني أعز ة ع ل ى الكافر ين سورة املائدة اآلية 64.
122 آنذاك سكان مكة والمدينة وبعض القبائل القاطنة في جوارها خضوعا تاما أما سكان المناطق األخرى في الجزيرة السيما اليمن وحضرموت وعمان في الجنوب فلم يكونوا قد خضعوا كليا للدعوة اإلسالمية وقد كشفت "حروب الردة" هذا الواقع التاريخي" الواقع التاريخي يؤكد من جهة أخرى أن هؤالء المرتدين لم يكونوا كلهم سواء فكان مظهر االرتداد عند بعضهم يتمثل في طرد عمال الصدقات ورفض دفع الزكاة وعند بعضهم اكتسى االرتداد طابعا دينيا من خالل إدعاء النبوة في اليمن وفي أسد وتميم وبني حنيفة فظاهرة االرتداد كانت )ضريبة الزكاة( أخرى" عند بعض قبائل الجزيرة كما تشمل معنى االرتداد "تشمل معنى االرتداد عن طاعة للنظام الضرائبي عن التدين باإلسالم عند قبائل فالفئة األولى ظلت مقرة باإلسالم وبإقامة شعائره خاصة الشهادتين والصالة. ولكن مع إصرار على عدم دفع الزكاة التي بدت وكأنها إتاوة تدفع لملك أو سلطان والبد أنهم وجدوا فرقا بين إطاعتهم لمحمد باعتباره نبيا وبين أبي بكر باعتباره سلطانا يمثل سلطان المدينة وقريش وهذا التمثل كفيل أن يحي عادة أو غريزة عدم االنقياد التي أتينا على ذكرها في الفصل األول وقد عبر عن ذلك زعيمهم "حادثة بن سراقة في شعره: "أطعنا رسول اهلل ما كان بيننا وكان السؤال هل فيا عجبا ما بال ملك ابي بكر " االمتناع عن إقامة ركن من أركان اإلسالم يؤدي إلى وصم صاحبه باالرتداد / فيستحق بالقتل نطرح هذا السؤال اإلشكال ألنها جرت مناقشة حول الموضوع بين ابي بكر ومستشاريه فقد "قال عمر: حتى يقولوا ال إله إال اهلل/ يا أبا بكر كيف نقاتل الناس وقد قال رسول اهلل "أمرت أن أقاتل الناس )4( فمن قال ال إله إال اهلل عصم من ماله ونفسه إال بحقه وحسابه على اهلل" وقد اقترح عمر الحقا على أبي بكر االقتصاص من خالد ابن الوليد ألنه أعدم "مالك بن نويرة" الذي اعتبره عمر أمرءا مسلما بقوله بالشهادتين رغم رفضه دفع الزكاة. لقد كان أبو بكر يمثل االتجاه الملتزم وبصرامة باإلرث النبوي بمعنى أن إتمام ما شرع به النبي وعدم التنازل عن االلتزامات المادية التي كانت تؤديها القبائل له بينما كان يمثل عمر االتجاه المرن المتكيف مع األحداث والمسارع لالجتهاد وفقا لها لذلك كان قرار الحرب قرارا ترجعه المصادر إلى أبي بكر وحده الذي قال: " واهلل و ال يز ال ون ي قاتلون كم ح ت ي رد وك م عن دين كم إ ن اس تط اعوا وم ن 122 ير تد د من كم ع ن ف أ ول ئ ك ك اف ر و ه و ف ي م ت د ين ه أع ماهل م يف الدن يا و اآلخ رة و أولئك أصحاب النار هم ف يها خ الد ون سورة البقرة اآلية. 915 ( 1( مروة حسني النزعات املادية يف الفلسفة العربية اإلسالمية بريوت دار الفرايب ط ج 1 ص 408. املرجع ذاته ص 404. املاوردي األحكام السلطانية ص 68. )4( البخاري صحيح البخاري ص 895. ح ب ط ت
123 ألقاتلن من فرق بين الصالة والزكاة فإن الزكاة حق المال واهلل لو ومنعوني عناقا كنوا يؤدونها إلى رسول اهلل لقاتلتهم عليه" وتصنيفهم على أنهم مرتدين يجب قتالهم ما داللة هذا اإلصرار على فرض الطاعة على الممتنعين عن أداء الزكاة يجب ان نعلم أن الزكاة هي الركن األكثر مادية في اإلسالم فدفعه فعل اقتصادي ومظهر اجتماعي للتدين وقد كانت على عهد النبي عبارة عن مؤسسة نصيبها محدد مستحقيها محددين ويقوم بجبايتها عمال الصدقات المعينين من قبل النبي وقد اشرنا في مكان سابق إلى أهمية عمال الصدقات كمكانة ودور يؤشران على وجود سلطة ومؤشرات على طاعتها والخضوع لها "وبما أن الشيء الوحيد المادي الملموس الذي كان ممكن أن يكون معبرا عن االلتزام باإلسالم والوالء السياسي له هو دفع الزكاة فان القبائل التي أعلنت اسالمها بعد فتح مكة قد بقيت مستقلة بشؤنها على رأسها نفس سادتها و حكامها" ولكنها قبلت بعمال الصدقات من أجل دفع الزكاة ففعل دفع الزكاة فعل مراقب تماما من قبل السلطة والتملص منه ال يمكن أن يقرأ اال في إطار تمرد على السلطة وعدم االعتراف بها فقد يمكن للمرء في ذلك الزمان أن ال يصلي وأن ال يصوم أو أن ال يحج فهذه شعائر تقوم على قناعة وإلتزام الفرد ال يمكن مراقبتها في حين الزكاة فعل إجتماعي اقتصادي تؤديه )القبيلة( جماعة إلى المدينة ال يمكن التساهل فيه بسبب ماديته المرتبطة بمادية السلطة ومؤشر قوتها وبسبب وظيفته االقتصادية واالجتماعية أي كمورد من موارد الدولة تماما كما تتصرف أي دولة اآلن إزاء المتهربين من دفع الضرائب من أجل ذلك قرأها الخليفة قراءة سياسية كتمرد وإنشقاق وهدم لعمل توحيدي شاق ومكلف في إطار سلطة دينية وسياسية واحدة فضال عن البعد الديني ولكن اإلجراء العسكري الذي اتخذه أبو بكر والذي بموجبه وجه أحد عشر فصيال في كل جهات الجزيرة العربية قد طال الجميع سواء اإلرتداد الديني أو القبائل الممتنعة عن دفع الزكاة وإن كانت ركنا من أركان الدين لقد وضع الجميع على صعيد واحد ودون تمييز وقد تنبه "محمد علي عبد الرزاق" إلى هذا التمييز الرهيف بين االرتداد بمفهومه الديني واالرتداد بمفهومه السياسي حيث يقول مؤكدا ما ذهبنا إليه من تميز بين صفة االرتداد كتمرد على سلطة المدينة وكارتداد على الدين "وهنا نشأ لقب المرتدين نشأ لقبا حقيقيا لمرتدين حقيقيين ثم بقي لقبا لكل من حاربهم أبو بكر من العرب بعد ذلك سواء كانوا خصوما دينين ومرتدين حقيقة أم كانوا خصوما سياسيين غير مرتدين" ومع املرجع ذاته الصفحة ذاهتا.. اجلابري حممد عابد العقل السياسي العريب ص عبد الرزاق علي اإلسالم وأصول احلكم اجلزائر موفم للنشر 1288 ص 191.
124 هذا فإن هذا التميز ضروري فقط إلى الحد الذي ينفي الطابع الديني المطلق لحروب الردة وال يذهب إلى الحد المقابل أي إثبات الطابع السياسي المطلق لتلك الحروب كما يذهب إلى ذلك "علي عبد الرزاق" التمثل بين الديني والسياسي إن حروب الردة تؤكد مرة أخرى على ذلك التماهي الذي كان األقل على مستوى للدولة يعبر عنه باالرتداد على اإلسالم" "وبما أن الدولة والدين ال يشكالن إال شيئا واحدا كان تصدع الوالء وهذا التسويغ الديني كان ضروريا لشرعنة الحرب ومرة. أخرى وعن طريق اآللة العسكرية الضاربة التي كان النبي قد أعدها والتي شكل األنصار والمهاجرون نواتها الصلبة "أظهر اإلسالم طاقة مقاومة فريدة". الدولة وهكذا فإن حروب الردة وبتضافر السياسي والديني فيها قد قطع بها مرحلة جديدة في اتجاه اكتمال بناء برهنت على العمل التاريخي الصلب الذي قام به النبي والقضاء على حركة الردة شكلت لبنة أخرى في تجربة المدينة وقد تميزت مواجهة حركة ردة بما يلي: استعمال العنف لضمان الطاعة والخضوع اللتزامات الدين التي صارت من التزامات الدولة خاصة تلك االلتزامات المرتبطة بالحياة االجتماعية والمادية كالزكاة إذ سيدشن هذا الفعل - مواجهة المرتدين بالقوة العسكرية- وظيفة هامة من وظائف الخالفة باعتبارها منصبا سياسيا "حراسة الدين" وبرهنت من خالل احتكار استعمال العنف الشرعي على أنها تتصرف كدولة. إحداث تطابق بين السلطة والفضاء الجغرافي القاعدة الترابية- حيث سيخضع ذلك الفضاء لسيادة ونفوذ تلك السلطة هذه القاعدة الترابية هي شبه الجزيرة العربية والتي أصبحت نتيجة إلخضاع القبائل المرتدة خاضعة تماما لسلطة المدينة وقبائلها أصبحت موحدة بالخضوع إلى دين واحد وأصبحت نتيجة لذلك مهيأة تماما لحمله أي الدين- ونشره في آفاق أخرى من أجل مغانم روحية ومادية تقع تحت مسمي بالفتح فحروب الردة "أعادت فتح الجزيرة العربية وباألحرى فتحها حقا مع الردة أيضا تتأكد الفكرة القائلة أن الجزيرة العربية ال يمكن أن تكون لها سوى دين واحد اإلسالم الذي صار على هذا النحو دينا قوميا مرتبطا بأرض ارتباطا حصريا ومع شعب تجدد توحيده مطيع وخاضع لدين ودولة سيشق إلى فتح العالم طريقه قدما". - - هشام جعيط الفتنة ص 14. املرجع ذاته الصفحة ذاهتا.. املرجع ذاته الصفحة ذاهتا.. 124
125 أما الحدث الثاني الذي ميز خالفة ابي بكر فيتمثل في إطالق عملية الفتح نحو الشمال والشمال الشرقي الشام والعراق وهو إجراء قام به الخليفة أبو بكر مباشرة بعد حروب الردة ونحن مضطرون إلى التوقف كذلك عند هذا العمل التاريخي الضخم المتمثل في الفتوحات اإلسالمية إال عند مجرياته وحيثياته العسكرية ولكن عند داللته ونتائجه المرتبطة بأهداف هذا المبحث أي قيام نشوء سلطة سياسية مرتبطة باإلسالم لقد قيل الكثير حول العوامل التي دفعت العرب إلى القيام بهذه المغامرة التاريخية والعوامل التي أدت إلى النجاحات العسكرية في وقت قياسي على جيوش محترفة ألكبر إمبراطوريتين في العصر الوسيط وأدت إلى تأسيس إمبراطورية عربيةكبيرة. المهم أن أبا بكر كان ينفذ وبوعي مقاصد وأهداف كانت قد تحددت من قبل النبي من خالل إنشاء آلة عسكرية ضاربة ومشبعة تماما بفكرة الجهاد كفعل ديني مقدس يهدف غلى حمل الرسالة وتبليغها إلى آفاق أخرى خارج جزيرة العرب وقد قامت هذه اآللة بعمليات عسكرية إبان حياة النبي كانت بمثابة تربص وتدريب وإشارة إلى نوايا ومقاصد بعيدة من ذلك معركة مؤته غزوة تبوك ثم بعث أسامة بن زيد إلى الشام غداة مرض وفاة النبي وقد أسهبنا في محاولة فهم هذه األفعال من حيث كونها تطوير للحرب من حرب يومية صنعت ما يسمى "أيام العرب" إلى حرب دولة ومن حيث كونها تصعيد وتسامي لغريزة العنف والغزو لدى العرب واحتوائها ألهداف تاريخية تتمثل أساسا في تكوين أمة موحدة لها رسالة في التاريخ فاألمر ال يتعلق بغزو بدو وقبائل ألراضي الشمال الغنية إلغناء عيلتهم وإطعام جوعهم وإن كانت العوامل االقتصادية حاضرة وبقوة كما تشير إلى ذلك المصادر إذ ان المسؤولية االقتصادية لدولة المدينة والمتمثلة في إشباع المطالب المعيشية لساكنة المدينة وللقبائل الداخلة في سلطة اإلسالم خاصة بعد إنهيار خطوط التجارة العربية بسبب الحروب وما أحدثه * إنتشار اإلسالم هذا فضال عن موجات الجفاف واكتظاظ الجزيرة العربية بساكنتها كانت تقتضي تأمين موارد دائمة إلشباع تلك المطالب وال ننسى دور الغنيمة كمحفز مادي لتلك القبائل واألفراد للقتال إذ ال نتصور أن تكون التعبئة الدينية والروحية قد شملت جميع القبائل واألفراد في وقت قصير ولكن من المؤكد أن تكون على المستوى كل قبيلة نخبة قد تشربت تماما بمشروع الجهاد كوسيلة تبليغية أي تبليغ الرسالة إلى الناس كافة وإقامة سلطان اهلل وسيادته على األرض من خالل نشر * - يشري إىل ذلك القرآن الكرمي يف سورة التوبة اآلية 98. ي ا أ ي ه ا ال ذ ين آم ن وا إ منا الم ش رك ون جنس ف ال ي ق ربوا المس ج د احل رام بعد ع امه م هذ ا و إ ن خفتم عي لة ف سو ف 125 ي غ ن يك م الله من فضله إن شاء إن الله ع ل يم ح ك يم وقد عقب احللي والسيوطي على هذه اآلية بقوهلا "وقد أغناهم بالفتوح واجلزية " تفسري اجلاللني ص 950.
126 اإلسالم في األرض وليس فرضه على األنفس واألهم أن ذلك يقع على عهدتهم كشعب أو قوم أو أمة اصطفاها اهلل لذلك وهذا الشعور الذي امتزجت فيه فكرة الجهاد لنشر رسالة اإلسالم بالشعور القوي كأمة حظيت بهذا االمتياز هو الذي أطلق طاقات العرب القتالية ووحدتهم وحركهم إلنجاز هذا العمل التاريخي من أجل هذا نقول: "ما من شيء وحد العرب كالفتح وما من شيء أثر فيهم أكثر مما أثر الفتح لتحبيبهم اإلسالم" بقول جامع الفتح كعملية تاريخية ضخمة والتي قام بها العرب والتي انتهت بإقامة دولة إمبراطورية أنجزت بتضافر عوامل عدة دينية اقتصادية وسياسية وتأطير تلك العوامل قامت به دولة المدينة من حيث هي مركز القرار الذي أطلق عملية الفتح وجند العرب وإستغل استغالل عقالنيا كل طاقاتها ومواردها األيديولوجية والعسكرية والبشرية وقد قلنا سابقا أن التأطير العسكري للمجهود الحربي للقبائل العربية البدوية كان من قبل نخبة حضرية تحديدا من قريش مع العلم أن القبائل العربية التي أنتدبت للفتح في عهد ابي بكر اقتصرت على تلك التي لم تشارك في حركة الردة. في ذروة هذه الدينامية وأثناء معركة حاسمة في الشام مع القوات البيزنطية في اليرموك حيث اجتمعت جميع فصائل الفتح من جميع الجبهات بما في ذلك جبهة العراق بقيادة خالد بن الوليد مات أبو بكر وعين عمر بن الخطاب بعهد توليه كتبه في فراش موته تقول المصادر أن ذلك التعيين تم بعد استشارة كبار الصحابة بموجب ذلك ستنتقل الخالفة إلى عمر بسالسة دون اعتراضات تذكر ال في صفوف المهاجرين وال األنصار ليدل هذا على ترسيخ األمر السياسي الواقع أي سيادة قريش وال بد أن الشخصية الكاريزماتية لعمر والمثالية األخالقية التي كان يتحلى بها والتي كانت تذكر دوما بنقاء اإلسالم األول وبالصحبة وبالنبوة وربما أكثر بما أبانه من خالل مسيرته ومن خالل مواقفه في عهد النبي وصحبته ألبي بكر كمستشار من تجرد واتساع أفق يتجاوز رابطة الدم العائلة والعشيرة ومحاباة الرفاق إلى رحابة الرسالة وغزارة معانيها إلى األمة كوعاء حي ومتدفق ضامن الستمرار الرسالة إلى الدولة كمؤسسة تتحقق بها المقاصد واألهداف لقد كان عمر يستبطن تماما و ربما أكثر من غيره هذه الفكرة والحقيقة حقيقة اإلسالم كرسالة تبلغ إلى العالم بواسطة العرب المؤطرين تماما بسلطة دينية وأخالقية مثالية من أجل ذلك كان عمر ومن خالل سلوكه المثالي وقراراته السياسية الحاسمة وجرأته في االجتهاد ويعتبر المؤسس الفعلي للدولة في اإلسالم والتي لم يمر عليها إال وقت قصير لتصبح دولة إمبراطورية وستصبح مسيرته ومسيرة أبي بكر نموذجا مثاليا جسد كل القيم هشام جعيط الفتنة ص
127 والمعاني بل واآلمال التي كانت تستبطنها النبوة واإلسالم وكانت حلما في وعي العربو في الوعيهم وستصبح تلك التجربة معيارا يقاس على أساسه الوفاء أو الخروج عن مبادئ اإلسالم. سريعا سيقوم عمر بإجراءات وقرارات ستمكن من تسريع عملية تحقيق الفتح ألهدافه وستنجر عن تلك القرارات نتائج جذرية بالغة التأثير نمت عن إدارة عقالنية متبصرة للفتح كعملية تاريخية كبيرة وقد مست تلك اإلجراءات النواحي العسكرية اإلدارية االقتصادية السوسيولوجية والحضارية. من الناحية العسكرية واللوجيستكية: تعبئة جميع العرب بما في ذلك القبائل التي ارتدت في عملية الفتح واعتبار جبهات القتال في العراق والشام ومصر أراضي هجرة بمعناها الديني والروحي فقد جرى ربط بين الفتح والهجرة وفضال عن هذا المعنى الديني للهجرة باعتبارها حركة جهاد في أراضي الفتح أصبحت الهجرة وسيلة الستحقاق العطاء وعن طريقها تم توطين العرب في المناطق المفتوحة مما أنجز عنه نتائج سوسولوجية وثقافية جذرية وهو ما يؤكد ما ذهبنا إليه سابقا من مركزية مفهوم الهجرة كحركة تاريخية أسست تجربة المدينة وهاهي تؤسس الدولة اإلمبراطورية وتقوم بعملية تعريب شاملة للمناطق المفتوحة. من الناحية اإلدارية: لقد أنشأ عمر نظاما غاية في الدقة والصرامة بمقتضاه أدار الفتح ونتائجه عرف بنظام عمر كان من مظاهره إنشاء الدواوين ومنع المقاتلين من االستيطان و منعهم من مباشرة عملية اإلنتاج في األرض الزراعية ومنع كبار الصحابة مغادرة المدينة الستقرار في االراضي المفتوحة هذا النظام بقدر ما كان ينم عن عقل دولة بقدر ما كان يعبر في نفس الوقت عن عملية بناء الدولة كمؤسسة تدير وتهيمن على بقية المؤسسات "إن دور عمر على طريق هذه المرحلة كان تمهيدا لتأسيس الدولة بمفهومها التنظيمي فهو لم يدع قادة جيوش الفتح يتصرفون كما يريدون بل كان باإلضافة إلى وصاياه الصارمة في تطبيق القواعد السابقة الذكر وباإلضافة إلى تشديده األوامر الداعية إلى التسامح في معاملة سكان المناطق المفتوحة كان باإلضافة إلى ذلك وغيره يعمل برقابة صارمة أيضا إلحصاء المحاربين وتحديد مراتبهم وانتماءاتهم وتسجيل ذلك بدقة في سجل األمويون". "الديوان" الذي أصبح في عهده مؤسسة إدارية منظمة طورها الخلفاء.1.2 مروة حسني النزعات املادية يف الفلسفة العربية اإلسالمية ج 1 ص
128 من الناحية االقتصادية: إشراف الدولة على اإلنتاج الزراعي وتحصيله وتوزيعه منعا لقيام ارستقراطية.3.4 * زراعية وإقامة نظام لتقسيم العطاء يقوم على معيار القدمة والسابقة والجهاد لينشأ نتيجة لذلك جسم اجتماعي تراتبي وفق معيار القدمة والسابقة في اإلسالم والجهاد وهو معيار يبدو أن عمر أقامه للحيلولة دون إعادة بعث الشرف القبلي التقليدي. من للناحية السيوسولوجية والحضارية: المناطق المفتوحة مما أدى إلى ربط الفتح بالهجرة أدى إلى توطين القبائل العربية في عملية تعريب شاملة للعراق والشام ومصر وأدى إلى الربط بين مجالين حضاريين المجال الفارسي الساساني والمجال البيزنطي الروماني وقبل عملية التوطين هذه تم إقامة أمصار بدأت في شكل معسكرات مثل الكوفة والبصرة والفسطاط وستلعب هذه األمصار دورا حاسما إن لم نقل جذريا في تاريخ اإلسالم خاصة في أحداث القرن األول فقد كانت منطلقا لتوسع اإلسالم إلى مناطق جديدة في العالم اإليراني وفي إفريقيا وقاعدة لمراقبة هذه األقاليم لقد كانت هذه األمصار قاعدة ومقرا للقوة المسلحة أي نواحي أو قطاعات عسكرية بينما ظلت المدينة كمركز للخالفة وعاصمة سياسية فيها كبار الصحابة ومهاجرة البدو مجردة من أية حماية عسكرية وهذا التناقض سيلعب دورا خطيرا في تفجير الفتنة وتطور النظام السياسي للدولة في اإلسالم. عملية كان كان البد من التركيز على الفتح كعملية تاريخية ضخمة ارتبطت بشخص عمر أكثر من غيره البد من معرفتها ألنها " بذات الوقت وتنامت الحضارة المرتبطة بها" ما تحمل الكلمة من معنى. هي التي سمحت لإلسالم باإلنطالق كدين عالمي انتشرت معه وألنها أبانت أكثر من غيرها عن تدبير عقل دولة بكل لقد ولدت مؤسسة الخالفة مع أبي بكر وقد غلب في كل ما قام به منطق الدولة من قمع للردة التي اعتبرها تمرادا وانشقاقا سياسيين وليس خروجا عن الدين فقط ومن اطالق لعملية الفتح ليأتي عمر فيكمل بناء الدولة مديرا إياها باقتدار مدهش لتتحول في سنوات معدودة تجربة المدينة الدولة إلى الدولة المدينة ثم إلى الدولة االمبراطورية لدرجة نقول معها أن السلوك المثالي ألبي بكر وعمر * تقدم املراجع الرتاتيب التايل مع اختالفات يف بعض التفاصيل أرامل النيب مث أهل بدر مث أهل أحد واملهاجرون إىل احلبشة مث املهاجرون إىل املدينة قبل الفتح مث أبناء أهل بدر ومن أسلم مع الفتح. أما يف األمصار املفتوحة فظل السبق يف املشاركة يف أعمال الفتح هو معيار الرتتيب والذي كان كما يلي: شرف العطاء وهم أهل األيام: 128 املشاركون يف فتح العراق مع خالد يليهماملشاركون يف القادسية والريموك وهناوند وأخريا األجيال املهاجرة الالحقة واليت تعرف حتت مسمى "الروافد". سورديل دومنيك اإلسالم يف القرون الوسطى ت: علي املقلد بريوت دار التنوير 9005 ص 86.
129 غدا نموذجا أو سنة على أساسها توزن أو وزنت فعال سياسة من أتوا بعدهما من الخلفاء والسالطين والملوك ف"الواقع أن الشيخين أبا بكر وخليفته عمر سيكونان حالة استثنائية وتجسيدا للصحبة االسالمية المحض فوق اعتبارات النبوة". قرابة البيت واالنتماء العشائري وتابعا على هذا النحو بارقة في نهاية السنة الثالثة والعشرين الهجرية سيغتال عمر وقبيل موته يعين ستة من كبار الصحابة المهاجرين من أهل السبق هم علي وعثمان وسعد والزبير وعبد الرحمان وطلحة متجنبا التوريث واستعمال سلطته وهيبته في تعيين خليفة ولكنه وضع االطار العام النتخاب الخليفة زمانيا حدد ثالثة أيام كحد أقصى لتنصيب خليفة جديد المداوالت واالنتخابات وضع لها المعالم التالية: في حالة تساوي األصوات اثنين اثنين يستأنف التشاور وإذا انقسمت األصوات واآلراء إلى مجموعتين متساويتين ثالثة ثالثة تكون األولوية للمجموعة التي فيها عبد الرحمان بن عوف األمر الذي جعل رأيه مرجحا وحاسما في مجريات األحداث وفي حالة األغلبية األقلية ملزمة باتباعها وبغض النظر عن التفاصيل فإن االجماع ينعقد على أن عبد الرحمان بن عوف انسحب من سباق الترشح مقابل االعتراف له بصالحيات أكبر تصل إلى درجة تعيين الخليفة وهذا منعطف حاسم في تقديرنا في مجريات األحداث إذ تحول مجلس الشورى إلى جهاز تعيين عندما تخلى عن صالحياته لعبد الرحمان بن عوف الذي قام باستشارات واسعة في أوساط الصحابةوأشراف الناس وطلب من كل مرشح أن يقدم الشخص الذي يراه األنسب عدا نفسه فكان االجماع لصالح عثمان وعلي مع العلم أن طلحة كان غائبا في سفر ليطلب عبد الرحمان بن عوف من سعد والزبير االنسحاب من المنافسة وهكذا بقي األمر محصورا بين عثمان وعلي أي في بيت عبد مناف وتحت ضغط الوقت والخوف من فقد السيطرة على الموقف في ظل النقاشات وتعارض المواقف واآلراء في أوساط الصحابة وفي جلسة علنية يحسم عبد الرحمان الموقف من خالل امتحان موجه للمترشحين وعلى أساس مواقف واجابة المترشحين سيتم االختيار وهكذا واجه المرشحان سؤال عبد الرحمان بن عوف الذي ان يطلب بكل وضوح االلتزام أو عدم االلتزام باتباع سيرة الشيخين أب بكر وعمر ففيحين أجاب عثمان بالتزامه تحفظ علي وأبان عن استقالل في الرأي واالجتهاد فقال بأنه سيجتهد رأيه وهكذا يتم اختيار عثمان كخليفة ثالث للمسلمين هذا ما تقوله المصادر والمراجع التي اعتمدناها ولكن دراسة هشام جعيط تشكك في هذه الرواية-أقصد قصة امتحان المترشحين- وال تلغيها إذ يبدو بالنسبة للباحث أن 129 ) 1 ( -جعيط هشام الفتنة ص 22. ) 2 ( -أنظر هشام جعيط الفتنة ص 13.
130 األمر يتعلق بذريعة أعطيت لعبد الرحمان بدال من علي وذلك لتبرير الحق الختيار قد تم قبل ذلك ومن جهتنا نميل إلى القول بأن حتى في حالة وجود "االمتحان" فإنه كان الوسيلة األخالقية األنسب لتثبيت عثمان وابعاد علي ألن عبد الرحمان بن عوف كان يعرف بكل تأكيد اجابات المترشحين مسبقا بحكم معرفته لنمط شخصية علي المستقلة المجتهدة والمعاندة وشخصية عثمان المرنة واللينة وهذا ال يعني على االطالق أن األمر يتعلق بمؤامرة أو ترتيب مسبق ولكن نعتقد أنه كان اجراء لترسيم المشاورات التي أطلقها عبدالرحمان بن عوف والتي تقول بشأنها المراجع أنها كانت تميل إلى عثمان بفارق ليس حاسما أو واضحا. مهما يكن فقد عدت سنة النبي وسيرة الشيخين أبي بكر وعثمان نموذجا ومعيارا لتقبيح أو تحسين سيرة من أتى من بعدهما خاصة سيرة عثمان حيث ستلخص المعارضة مطاعنها عليه بكلمتين "بدلت وغيرت". سيتولى عثمان الخالفة مجلال بكل الصفات التي تعطيه شرعية قيادة أمة االسالم فهو سليل أسرة أموية عريقة من بيت عبد مناف وهو من أهل السبق الهجرة والجهاد بالمال والنفس في سبيل قضية االسالم اضافة إلى ذلك هو صهر النبي محمد الحائز على ذلك اللقب الشرفي "ذا النورين" عثمان شيخ بني أمية وقريش الواسع الثراء والذي تصفه كتب السيرة بالطيبوبة ولين الجانب والعريكة السخي والشيخ الوقور شديد الحياء. وفي تقديرنا علينا أن ننظر بعين العناية لسمات شخصية الخليفة عثمان ومقارنتها بتلك التي يحوزها منافسه علي ووضع ذلك في السياق الزمني الذي تم فيه اعالن عثمان خليفة فسنه المتقدم سبعين سنة غداة اختياره خليفة- وسيرته الذاتية أثناء الدعوة أو أثناء بناء الدولة في عهد النبي أو كمستشار مقدم من قبل أبي بكر وعمر أبانت عن خط سير ثابت ال تعرجات فيه وال مواقف جذرية تنم عن استقاللية في الرأي أو القدرة على التجديد واالجتهاد في المقابل كان علي الشاب بالقياس إلى عثمان واحد وخمسين سنة غداة موت عمر- أكثر حضورا في معارك االسالم بقوته الجسدية ومواهبه القتالية وبعلمه وورعه وانفاقه لحد الفقر وأكثر من هذا شدته وصرامته في أخذ الحق تماماكما كان عمر إضافة إلى استقالليته واعتداده برأيه مما يؤهله لالجتهاد وبناء المواقف وآلراء الخاصة به شخصية المقاتل في مقابل شخصية التاجر الشدة والصرامة مقابل اللين المفاوضة والمرونة السياق الزمني مهم فالبد أن عشر سنوات من خالفة عمر المتسمة بالشدة والصرامة والنزعة المساواتية جعلت النفوس تتوق إلى الضفة المقابلة ضفة اللين والحلم وغض الطرف وأخذ األنفاس وال شك أن شخصية عثمان بمميزاتها كانت تلبي هذا المطلب النفسي وهذا التوجه التوجه من الخضوع لشخصية قوية أخذتهم بالشدة كشخصية عمر الذي "لم يمت رضي اهلل عنه حتى ملته قريش وقد كان حصرهم 130
131 في المدينة فامتنع عليهم" فقد كانهناك خوف من أن تتكرر تجربة عمر في شخص علي وتستمر عملية كبج الطموحات وقد عبر عثمان ذاته على هذا التحول في معاملة الناس من شدة عمر إلى لينه حيث قال في إحدى خطبه "أال فقد وهلل عبتم علي بما أقررتم البن الخطاب بمثله ولكنه وطئكم برجله وضربكم بيده وقمعكم بلسانه فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم ولنت لكم وأوطأت لكم كتفي وكففت يدي ولساني عنكم فاجترأتم علي". هذا في تقديرنا ما جعل موازين القوى تميل نحو عثمان. خالل اثني عشر سنة تراكمت فيها أحداث وآتت التغيرات الجذرية التي أحدثتها الفتوحات أكلها والتي يبدو أن السلطة الخليفية لعثمان لم تتحكم في هذا األكل وسرعان ما ذاق مذاقه المر اغتياال اغتيال أطلق العنان ألفعال عاصفة من العنف بين أصحاب األمس ورفاق مسيرة االسالم المظفرة ومن ورائهم أمة االسالم التي مازالت قيد التكون والظهور لقد جمعت تلك األحداث الدرامية في كلمة جامعة مانعة كلمة بالغة ودالة إنها "الفتنة" التي أخرجت إلى السطح كل شيء وكانت الرحم الثانية التي تمخض عنها االسالم التاريخي بكل تلويناته ومكوناته إننا إزاء فترة بالغة الحساسية والتعقيد وكلما أوغلت فيها بحثا ودراسة أصبت بالدوار إذ تدهشك بكثافة اللعبة االجتماعية تسارع األحداث وتحوالتها تعدد في الوجوه المواقف والمآرب والمشارب تضحيات جسام واخالص ووفاء تجرد واستبسال تقابلها خيانات صغار ووضاعة منطق ومعقولية مفارقات وصدف تفاصيل تتحول إلى محددات وصدف تصنع أحداثا وتواريخ إنها لجة من رمال متحركة تغوص بك إلى بؤرتها لتصبح جزءا منها تجيش عواطفك وتضغط على أعصابك فتتعاطفمع هذا الطرف وتدين اآلخر وتتمنى لو أن مجرى التاريخ الساحق الماحق الجارف لم يجر في هذا المسار وجرى بدال من ذلك في مجرى آخر. نسجل هذا االنطباع لنوحي بصعوبة الموقف وأننا بصدد مأزق تاريخي متالحم الوقوف إزائه بمسافة ضروري واالكتفاء بالمسارات الرئيسية التي اتخذتها األحداث لعل ذلك يمكننا من االحاطة بتك الفترة فيكليهما "إذ ال أعلم إال بالكي" من خالل وصف التغيرات التي أفضت إلى هكذا نتائج. عادة ما يقسم الدارسون فترة خالفة عثمانإلى مرحلتين متساويتين المرحلة األولى مرت بدون أحداث أما المرحلة الثانية فهي المرحلة التي بدأت تظهر فيها المطاعن واالحتجاجات على عثمان في العلن تصاعدت إلى ان بلغت ذروتها بغزو المدينة ومحاصرة دار عثمان من قبل فصائل من ) 1 ( -الطريي تاريخ األمم وامللوك ج 2 ص 139. ) 2 ( -املرجع ذاته اجلزء ذاته ص
132 المحتجينالقادمين من الكوفة والبصرة ومصر وأحداث الذروة هذه امتدت من 03 ه الى 03 ه من بداية ظهور المطاعنإلى أحداث الكوفة إلى مقتل عثمان. البد أن صعود عثمان نتيجة رجحانكفته ولو بفارق ضئيل وحساسكان ينم عن العودة إلى قوة عالقات القرابة بني أمية وقريش تدعمها الفئة ذات الطموحات التجارية من الصحابة والتيار المؤيد لقريش وهذا يعني عمليا التراجع المؤقت لفكرة البيت لمحصور في بني هاشم وفكرة الشعور الديني الخالص ويبدو من خالل جريان األحداث فيما بعد حصول شكل من أشكال التحالف والتساند ولو تلقائي بين قوة الشعور الديني والبيت الهاشمي الذي يمثله علي المؤيد من قبل فئة من المهاجرين وعموم األنصار والذين سيكونون جميعا مقاومة ومعارضة لسياسة عثمان فما الذي حدث خالل خالفة عثمان حتى وصلنا إلى الفتنة واالغتيال كل المعطيات السابقة تشكل مقدمات ستنضج مع األيام لتتحول ألسباب قوية أنتجت الفتنة وعلى أساسها يمكنا تفسير أو على األقل فهم ما حدث فلقد قلنا أن اختيار عثمان في حد ذاته شكل مؤشرا قويا على اتجاه موازين القوى في مجتمع المدينة والحجاز بصفة عامة أرستوقراطية أموية قريشية ذات مصالح اقتصادية وقبيلة في المقابل اسالم تقوي معياري يتمثل تجربة االسالم التاريخية مع النبي وسيرة الشيخين أبي بكر وعمر وقدكان هذا النمط من االسالم يتضخم باستمرار بفضل ازدياد الفئات واألشخاص والحقا األمصار كالكوفة ومصر المنضمين إليه وستكون التغيرات والتي يمكن أن نطلق عليها التغيرات االجتماعية خالل فترة عثمان شغالة في اتجاه االحتجاج والثورة وتبلور جبهة المعارضة وأهم تلك التغيرات: تكدس الثروة نتيجة لتراكم غنائم الفتح والفيء والصدقات وقد كان تكدسها في المدينة حيث كانت تنفق على عدد محدود من الناس بالقياس الى االمصار والمدينة لم يكن لها نفقات إدارية وعسكرية لقدكان هناك تفاوت بين المدينة التي تجلب لها الثروات منكل مكان وبقية األمصار الت تختنق بالمقاتلة والقبائل المهاجرة وهذا التناقض والتفاوت انفجر الحقا في المدينة السلطة والثورة ومركز االرستقراطية القرشية وفي األمصار المقاتلة والفئات المحتجة باسم القرآن واالسالم التاريخي القراء. نشوء وتطور فئات جديدة بتوجهات جديدة فئة القراء أبناء الصحابة كمحمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة...أجيال جديدة لم تكن تتبنى بالضرورة آراء مواقف وقيم اآلباء. طبيعة شخصية عثمان والمتغيرات التي ذكرنا وكذا نوعية المستشارين المحيطين بعثمان والمتغيرات وكذا نوعية المستشارين المحيطين بعثمان مثل مروان بن الحكم عناصر تظافرت لتدفع باألحداث إلى الوجهة التي نعرف فعثمانكان "يريد خلق مناخ مآت منالحرية للعمليات التجارية واالستهالك واالثراء. 132
133 وكان صاحب ايديولوجيا تقول "دعه يفعل ودعه يربح " وهي تكاد تكون ايديولوجيا استمتاعيه أو متعية. كان يتصور الحكم من خالل البذل وكان يجعل مقربيه يستفيدون منه" ومجموع االجراءات التي قام بها عثمان تصب في اطار هذه السياسة من جهة أخرى كانت المعارضة تدين هذا التوجه وكانت قد تبلورت مطاعنها التي لخصتها في عنوان كبير "بدلت وغيرت" وتحت هذا العنوان الكبير تترصص المآخذ التالية: تولية أحداث وذوي قربى بما فيهم شخصيات متحفظ على ماضيهم ومواقفهم من االسالم كالوليد بن عقبة وهو شقيق لعثمان من أمه واله الكوفة مكان سعد بن أبي وقاص وعبد اهلل بن أبي السرح وهو أموي ابن عم عثمان وأخوه من الرضاعة واله مكان عمرو بن العاص على مصر كما عين الحكم بن العاص أحد عمومته على صدقات قفاعة ووهبه مبلغا من المال وأبطل اجراء نفيه إلى الطائف الذي كان قد اتخذه في حقه النبي وعين عبد اهلل بن عامر عامال على البصرة مكان أبي موسى األشعري... تمكين ذوي القربى من االستفادة من الهيبات والقروض من بيت المال. حرق مصاحف القرآن إال مصحفه. توزيع األراضي بالعراق على بعض األشخاص القطع مع سيرة النبي وأبي بكر وعمر وعلى العموم هذه المطاعن التي توردها أكثر المصادر سرعان ما روجت ونشرت في األمصار في مصر حيثكان يشتغل محمد بن أبي بكر ومحمد بن أبي حذيفة وفي الكوفة والبصرة. وهكذا تحركت فصائل المحتجين من هذه األمصار في آن واحد مما كان يؤشر بقوة الى تنسيق وتدبير مسبقين إلى المدينة العارية منكل حماية عسكرية وهذا وضع ذو داللة سياسية عميقة عاصمة االمبراطورية حيث الخليفة رأس السلطة الروحية والسياسية وحيث تكونت أصال سلطة سياسية لإلسالم وحيث كبار الصحابة هذه الداللة تتمثل في طبيعة السلطة التي كان يحوزها الخليفة آنذاك وهي سلطة مجردة من أي قوة مادية ال شرطة ال حاجب وال جيش وللمفارقة ان عدد المقاتلةكبيرا ولكن االنطباع الذي يبدوا أنه كان سائدا أن هذا الجيش هو جيش الجهاد والثغور جيش لألمة وليس جهازا تابعا للخليفة كما هو جيش الملوك والدول لقد تغيرت الدنيا من حول المدينة ولكنها هي لم 133 ) 1 ( -جعيط هشام الفتنة ص 32. ) 2 ( -أنظر الطريي تاريخ األمم وامللوك ج 2 ص 120 وما بعدها.
134 تتغير وربما كان المطلوب منها عدم التغير فبمجرد ما شعرت األمصار والصحابة انفسهم أن تغيرا ما طرأ على سيرة الخليفة حتىكان التمرد والحصار ثم االغتيال. وصل الثائرون إلى المدينة التي يبدو أنهاكانت مهيأة لهذه الهزة ليس طبعا لدرجة قتل الخليفة ولكن على األقل إلرغامه على التغيير والعودة إلى األصل والنموذج نقول هذا ألن المطاعن بدأت أصال في المدينة بين صفوف الصحابة ليس في شكل احتجاجات علنية ولكن في شكل مراجعة ونصائح نقد وتجريح ونقول هذاكذلك ألن فئة قليلة وقفت إلى جانب عثمان صراحة وغالبيتهمكانوا على الحياد أو مارسوا دور الوساطة بين الخليفة والثوار وبعضهم انظم إلى المعارضة وفي اللحظات النهائية من هذه الدراما واجه الخليفة عثمان مصيره وحيدا ومعزوال مقدما نفسه "كضحية قربانية" وحتى ال ننجر في االستطراد التاريخي المشحون بالذاتية نعود إلى مجريات األحداث حيث أن الخليفة رفض بعناد عزل نفسه قائال "لن أنزع سرباالسربلنيه اهلل" فاإلمامة من هذا المنظور العثماني تكليف إلهي ال يجوز التملص منه كما ال ي نزع من صاحبه عنوة ولكن عثمان وبضمانة من كبار الصحابة التزم بإصالح األمر "العمل بكتاب اهلل وسنة نبيه وأن يعطي المحروم ويؤمن الخائف ويرد المنفى وال تجمر البعوث ويوفر الفيء" لم تدم هذه الهدنة إال قليال حيث تتكلم المصادر عن مرسالت يكون عثمان قد بعثها إلى عماله عامله على مصر على وجه التحديد ويط لع الثوار على محتواها القاضي بمعاقبة المتمردين وبغض النظر عن صحة ذلك أو عدمه فإن الثائرين وجدوا ذريعة ما تصوغ بالنسبة إليهم االقدام على القتل كأن يكون الخليفة أقدم على ما يؤكد تراجعه عن التزاماته. ومع ذلك البد من طرح السؤال: ما الذي قتل عثمان وأطلق العنان لفتنة عارمة لم نسأل من االجابة بسيطة ثالثة أو أربعة من الثائرين تذكر المصادر أسماؤهم وسرعان ما يتوارون في زحمة األحداث. هل يتعلق األمر بحدوث تطور في طبيعة السلطة الخليفية إذ كانت هناك كوامن في شخص عثمان ومحيطه األموي تنبأ بتطور تلك السلطة من سلطة قائمة على دين المعنى وذروة المشروعية إلى سلطة دولة تلعبفيهاقوة القرابة والمصالح والتراتبية واالنقسام االجتماعي دورا محوريا ومؤسسا المعنى" و"ذروة المشروعية" "دين ال تعني في األخير إلى سلطة الدين في مقابل الدولة ومنطقها.األفعال واالجراءات "العثمانية" وبضغط المحيط القرابي بني أمية واالرستوقراطية القرشية كانت مظهرا لشكل أولي من الملوكية كما يقول هشام جعيط في مقابل تيار يتمثل وبقوة تجربة المدينة كما تكونت في عهد النبي وتمثل التقليد االخالقي المثالي الذي أرصاه الخليفتان أبو بكر وعمر في تسيير أمور الرعية ) 1 ( -املرجع السابق ج 2 ص
135 هذا اإلرث الحي الذي أصبح نموذجا مع صعود قومي لسلطة القرآن من خالل تنامي قوة وحضور القراء كفئة ناطقة باسمه والتي مثلت نواة الثورة على عثمان ثم نواة الخوارج وشيعة علي هذا التيار أصبح يمثل مطلبا احتجاجيا ضاغطا باسم سيادة األمة وهذا يتعارض تماما مع منطق سلطة الدولة الذيكان قد بدأ يتكون واألحداث التي تلت سواء أحداث الفتنة او صعود بني أمية كملوك وأحداث الخروج عليهم يؤكد هذه السيرورة وعليه نعتقد أن االحتجاج على عثمان ومقتله ثم الفتنة كان رهانا أكبر من أن يكون رهانا سياسيا فقط أو اجتماعيا "وبوجه عام يمكن ارجاع القضية إلى صراع بين تجديد لنشاط روابط الدم وعودة إلى أعراف الجاهلية وتقاليدها وأيضا تثبيت سلطة شخصية وتحكيمية من جهة وبين والدة وعي اسالمي يتغذى من ثالثة مصادر: القرآن ومغامرة االسالم التاريخية ومعايير حكم أبي بكر وعمر". بمقتل عثمان سيطلق العنف الكامن من عقاله لدرجة أن خالفة علي كانت حربا على جبهات متعددة تنتهي بتقديم "ضحية قربانيه" أخرى "علي" الخليفة الرابع لإلسالم وهكذا أطلقكما قلنا قتل عثمان سلسلة من األحداث الدرامية التي كان من إفرازاتها االنقسامات السياسية والمذهبية والتي ستتجاوز تأثيرها بكل تأكيد خمس سنوات من الحرب األهلية "حرب الجميع ضد الجميع" إلى القرون التالية القرن الثاني الثالث وسيمتد تأثيرها إلى اليوم خارقا حدود الزمن والجغرافيا. مقدمات هذه الفتنة كانت كامنة في الطريقة التي تم اختيار "علي" بها فقد تمت مبايعته بحركة جماهيرية عفوية وتلقائية من قبل األنصار خاصة وفئة من المهاجرين والثائرين بدون مراسيم تولية أو آليات شورى كما حدث األمر بعد عمر وفي ظل رفض بعض كبار الصحابة أو ترددهم لدرجة أن طلحة والزبير كانا قد بايعا تحت الضغط مبايعة األمر الواقع وحصل "علي" في أكثر األمصار على البيعة ولكنها لم تكن بيعة إجماع إذ لم تبايع الشام حيثكان معاوية متربصا ومصر التي بايعت ثم سرعان ما تكونت فيها نواة للعثمانية أما مكة وحسب الطبري فلم تبايع "علي" وقد أكدت األحداث التي تلت هذا الزعم فقد تكونت نواة "الجمل" هناك بزعامة الثالوث: عائشة طلحة والزبير وهكذا ورغم أن الطبري يتكلم عن "اتساق األمر لعلي" فإن الواقع لم يكن كذلك على كل حال وسرعان ما طولب علي بإقامة الحد على قتلة عثمان باعتباره إماما وتطهير المدينة التي كانت تعج بالثائرين والبدو وقد أجاب على هذا الطلب إجابة واقعية ومعقولة "يا أخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ولكنني كيف أصنع بقوم يملكوننا وال نملكهم...فهل ترون موضعا لقدرة على شيء مما تريدون... إن الناس من هذا األمر إن حرك على أمور: فرقة ترى ما ترون وفرقة ترى ماال ترون وفرقة ال ترى هذا 135 ) 1 ( -جعيط هشام الفتنة ص 33.
136 وال هذا حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق فاهدؤوا عني وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا" ولكن هذه اإلجابة اعتبرت من قبل المطالبين بدم عثمان تسويفا تقاعسا ومؤشرا على ضلوع "علي" في األمر ستنضج فكرة القصاص والمطالبة بدم عثمان لتصبح قضية وحزبا وقد احتاج األمر إلى صوت ثقيل من الناحية المعنوية ليخرج األمر إلى واضحة النهار والمواجهة وكان هذا الصوت الذي حرك األمر صوت عائشة أم المؤمنين وانظم إليها طلحة والزبير ومن مكة خرج حشدهم باتجاه البصرة اللتماس المزيد من الدعم لقضية عثمان إنه تحرك يقوم على أساس ديني في المقام األول القصاص ولكن هذا االساس وفي ذلك الزمن يشكل ظال لقضايا أخرى قد تحرك الناس قضايا شخصية قضايا قضايا عشائريةز...ألخ المهم إن هذه الدعوة سرعان ما استقطبت وجود بني أمية وبعض الصحابة هذا التحرك دفع علي في حركة مماثلة ولكن باتجاه الكوفة هذه االحتياجات من هذه الجهة أو تلك تمت بناء على حسابات ومهما يكن فإن لجوء "علي" إلى الكوفة اعتبر تحوال مفصليا وبذلك تم نقل عاصمة الخالفة السياسية على األقل إلى مجال آخر التماسا للقوة المادية وذاك فعل له داللة في تحول طبيعة السلطة من سلطة كانت تستمد حضورها وتأثيرها من "دين المعنى وذروة المشروعية" إلى سلطة باتت في حاجة إلى القوة المادية فالتحول من الحجاز مدينة ومكة- إلى األمصار التي عدت مركزا للمقاتلة ومصدرا للمؤن بعني أنه لم تعد النخبة أو القيادة االسالمية تكتفي بذلك الزخم المعنوي بل أصبحت في حاجة إلى القوة المادية التي كانت متوفرة في األمصار كالكوفة البصرة والشام ومصر. وتقع أول أحداث الفتنة حيث سيراق الدم في موقعه الجمل بين جيش علي والثالوث عائشة طلحة والزبير وتنتهي أول معركة في الفتنة بانهزام فريق الجمل ومقتل طلحة والزبير وكانت معركة تواجه فيها رفاق األمس وتواجهت فيها مدينتان الكوفة والبصرة ولم تنته المعركة إال وقد تبلور فيها حزبان القراء الذين كانوا قد تكونوا من قبل كمحتجين على عثمان ثم كثائرين وكمؤيدين متحمسين لقضية علي ومنهم ستتكون فرقة الخوارج والشيعة ثم حزب العثمانية الذي تبلور في صفوف قريش وبعض األنصار ثم تطور إلى قضية كبيرة بدأت بموقعة الجمل وتوجت بمقتل علي واعتالء األمويين السلطة في اإلسالم ليحدث التحول الذي كان إرهاصات ليصبح أمرا واقعا بكل ثقله المعنوي والمادي. بعد الجمل سينخرط معاوية ومعه الشام كله في مواجهة عسكرية مع علي بعد أن أعلن معاوية مطالبه ردا على طلب "علي" له بالبيعة حيث وضع مطلبين: تسليم قتلة عثمان لالقتصاص منهم ) 1 ( -الطربي تاريخ الرسل وامللوك تقدمي ومراجعة صدقي مجيل العطار بريوت دار الفكر 2020 ج 2 ص
137 وإجراء مشاورات الختيار خليفة جديد وبعد عمل سياسي واستراتيجي قام به معاوية من أجل ضم مصر إلى جبهته أو على األقل تحييدها اندلعت المواجهة المباشرة بين رجلين بمسارين مختلفين القدمة في الصحبة والجهاد والقرابة من النبي التقوى والورع في مواجهة السياسة اإلستراتيجية الدراية والدارة وبني هاشم في مواجهة بني أمية ومواجهة بين إقليمين كبيرين العراق والشام العراق غير المنسجم وغير المستقر والشام الذي يكون معاوية قد امسكه وتماهى معه لفترة طويلة امتدت لعشرين سنة وهو فوق هذا ااق بمقتل عثمان سيطلق العنف الكامن من عقاله لدرجة أن خالفة علي كانت حربا على جبهات متعددة تنتهي بتقديم "ضحية قربانيه" أخرى علي الخليفة الرابع لإلسالم وهكذا أطلق كما قلنا قتل عثمان سلسلة من األحداث الدرامية التي كان من إفرازاتها االنقسامات السياسية والمذهبية والتي ستتجاوز تأثيرها بكل تأكيد خمس سنوات من الحرب األهلية "حرب الجميع ضد الجميع" إلى القرون التالية القرن الثاني الثالث وسيمتد تأثيرها إلى اليوم خارقا حدود الزمن والجغرافيا. مقدمات هذه الفتنة كانت كامنة في الطريقة التي تم اختيار علي بها فقد تمت مبايعته بحركة جماهيرية عفوية وتلقائية من قبل األنصار خاصة وفئة من المهاجرين والثائرين بدون مراسيم تولية أو آليات شورى كما حدث األمر بعد عمر وفي ظل رفض بعض كبار الصحابة أو ترددهم لدرجة أن طلحة ولزبير كانا قد بايعا تحت الضغط مبايعة األمر الواقع وحصل علي في أثر األمصار على البيعة ولكنها لم تكن بيعة اجماع إذ لم تبايع الشام حيثكان معاوية متربصا ومصر التي بايعت ثم سرعان ما تكونت فيها نواة لعثمانية أما مكة وحسب الطبري فلم تبايع علي وقد أكدت األحداث التي تلت هذا الزعم فقد تكونت نواة "الجمل" هناك بزعامة الثالوث: عائشة طلحة والزبير وهكذا ورغم أن الطبري يتكلم عن "اتساق األمر لعلي" فإن الواقع لم يكن كذلك على كل حال وسرعان ما طولب علي بإقامة الحد على قتلة عثمان باعتباره إماما وتطهير المدينة التي كانت تعج بالثائرين والبدو وقد أجاب على هذا الطلب إجابة واقعية ومعقولة "يا أخوتاه إني لست أجهل ما تعلمون ولكنني كيف أصنع بقوم يملكوننا وال نملكهم...فهل ترون موضعا لقدرة على شيء مما تريدون... إن الناس من هذا األمر إن حرك على أمور: فرقة ترى ما ترون وفرقة ترى ماال ترون وفرقة ال ترى هذا وال هذا حتى يهدأ الناس وتقع القلوب مواقعها وتؤخذ الحقوق فاهدؤوا عني وانظروا ماذا يأتيكم ثم عودوا" ولكن هذه اإلجابة اعتبرت من قبل المطالبين بدم عثمان تسويفا تقاعسا ومؤشر على ضلوع علي في األمر ستنضج فكرة القصاص والمطالبة بدم عثمان لتصبح قضية وحزبا وقد احتاج األمر إلى صوت ) 1 ( -الطربي تاريخ الرسل وامللوك تقدمي ومراجعة صدقي مجيل العطار بريوت دار الفكر 2020 ج 2 ص
138 ثقيل من الناحية المعنوية ليخرج األمر إلى واضحة النهار والمواجهة وكان هذا الصوت الذي حرك األمر صوت عائشة أم المؤمنين وانظم إليها طلحة والزبير ومن مكة خرج حشدهم باتجاه البصرة اللتماس المزيد من الدعم لقضية عثمان إنه تحرك يقوم على أساس ديني في المقام األول القصاص ولكن هذا االساس وفي الزمن يشكل ظال لقضايا أخرى قد تحرك الناس قضايا شخصية قضايا عشائرية المهم إن هذه الدعوة سرعان ما استقطبت وجود بني أمية وبعض الصحابة هذا التحرك دفع علي في حركة مماثلة ولكن باتجاه الكوفة هذه االحتياجات من هذه الجهة أو تلك تمت بناء على حسابات ومهما يكن فإن لجوء علي إلى الكوفة يعتبر بحوال مفصليا وبذلك تم نقل عاصمة الخالفة السياسية على األقل إلى مجال آخر التماسا للقوة المادية وذاك فعل له داللة في تحول طبيعة السلطة من سلطة كانت تستمد حضورها وتأثيرها من دين المعنى وذروة المشروعية إلى السلطة باتت في حاجة إلى القوة المادية فالتحول من الحجاز مدينة ومكة- إلى األمصار التي عدت مركزا المقاتلة ومصدرا للمؤنيعني أن النخبة أو القيادة اإلسالمية لم تعد تكتفي بذلك الزخم المعنوي بل أصبحت في حاجة إلى قوة مادية التيكانت متوفرة في األمصاركالكوفة البصرة والشام ومصر. وتقع أول أحداث الفتنة حيث سيراق الدم في موقعه الجمل بين جيش علي والثالوث عائشة طلحة والزبير وتنتهي أول معركة في الفتنة بانهزام فريق الجمل مقتل طلحة والزبير وكانت معركة تواجه فيها رفاق األمس وتواجهت فيها مدينتان الكوفة والبصرة ولم تنته المعركة إال وقد تبلور فيها حزبان القراء الذين كانوا قد تكونوا من قبل كمحتجين على عثمان ثم كثائرين وكمؤيدين متحمسين لقضية علي ومنهم ستتكون فرقة الخوارج والشيعة ثم حزبالعثمانية الذي تبلور في صفوف قريش وبعض األنصار ثم تطور إلى قضية كبيرة بدأت بموقعة الجمل وتوجت بمقتل علي واعتالء األمويين السلطة في اإلسالم ليحدث التحول الذي ان إرهاصات ليصبح أمرا واقعا لكل ثقله المعنوي والمادي. بعد الجمل سينخرط معاوية ومعه الشام كله في مواجهة عسكرية مع علي بعد أن أعلن معاوية مطالبه ردا على طلب "علي" له بالبيعة حيث وضع مطلبين: تسليم قتلة عثمان لالقتصاص منهم وأجراء مشاورات الختيار خليفة جديد وبعد عمل سياسي واستراتيجي قام به معاوية من أجل ضم مصر إلى جبهته أو على األقل تحييدها اندلعت المواجهة المباشرة بين رجلين بمسارين مختلفين القدمة في الصحبة والجهاد والقرابة من النبي التقوى والورع في مواجهة السياسة االستراتيجية الدراية واإلدارة وبني هاشم في مواجهة بني أمية ومواجهة بين إقليمين كبيرين العراق والشام العراق غير المنسجم وغير المستقر والشام الذي يكون معاوية قد امسكه وتماهى معه لفترة طويلة امتدت لعشرين سنة وهو فوق هذا هو إقليم يضم عددا كبيرا من المقاتلة ويزخر بموارد اقتصادية كبيرة وقد تدعم بانضمام مصر إلى جانب معاوية ناهيك عن تحالف قد جرى بين معاوية و"عمرو بن العاص" هذه هي 138
139 األوراق التي كان يحوزها كل طرف وفق كل هذه األوراق والعوامل كانت دعوى كل طرف ومبرراته لقتال الطرف اآلخر الشرعية ودم عثمان. في صفين سيتواجه الطرفان في قتال عنيف كان فيه سجال وفي ذروته تظهر مسألة التحكيم ومهما كان حجم االختالف كبيرا حول حيثياتها فان التحكيم قد صوغ وبرر سواء من طالبيه معاوية والشاميين أو من الذين قبلوه في صفوف علي ودفعوه اليه أو الذين رفضوه وخرجوا على علي بمصوغ ديني بحت فكانت الدعوة للتحكيم باسم القرآن ومرة أخرى يحضر القرآن كمصحف مرفوع على أسنة الرماح يعلو عليها وال تعلو عليه وكآيات متلوة تدعوا الفئتين المتقاتلتين للصلح وأما أولئك الذين رفضوا التحكيم وخرجوا على علي وهم كانوا محرضين عليه رافضين في األخير صيغة التحكيم فانهم التمسوا لخروجهم مصوغا دينيا كذلك وباسم القرآن فكان الشعار "ال حكم إال هلل" وكان من نتائج هذا المنعطف االنقسام في جيش علي وبالتالي تضعضع موقفه العسكري والسياسي وسيضطر إلى قتال الخوارج رفاق األمس ويهزمهم في الحقا على أيديهم وت حل العقدة ويزول االنسداد باغتيال والشرعية" "نهروان" "علي" وهذا يعني عمليا اغتيال لي ق تل "القضية التي كانت تحرك جبهة العراق وتعطي المبرر للقتل أو الموت ولم تكن عملية تنازل الحسن لمعاوية عن األمر إال نتيجة لهذا الضعنف الذي أصاب جبهة العراق وبذلك تضع ظروف مختلفة "فالفتنة المنتهية كصراع حربي ستواصل السير في الضمائر. الفتنة أوزارها وفي فقد نجم عنها التشيع والخوارج وأيضا الساللة األموية وورثتها والفتنة كانت مولدة للتاريخ خالفا لفتن أخرى كثيرة في إسالم القرن األول وبال مستفيد". 139 ) 1 ( -جعيط هشام الفتنة ص 732.
140 المبحث الثاني: من السلطة الى السيادة العليا: ليس منطوق عنوان هذا المبحث هو ما يناقض أو باألحرى يعارضمنطوق عنوان المبحث السابق من هذا الفصل فحسب بل هما متعارضان من حيث الداللة ومن حيث المسار الذي جرت فيه األحداث التاريخية كذلك فلقد انتهى المبحث السابق بفعل سياسي درامي اغتيال عليوتفكك الجبهة العراقية وتنازل "خليفتهم" الذي بايعوه بعد اغتيال أبيه الحسن لمعاوية عن سلطته ليسمى هذا الحادث الحقا ب "عام الجماعة" هذا المفهوم الذي يكون قد نحت من قبل فقهاء الشام الحقا يوحي بطريقة سحرية وبالغية بأن األحداث الدرامية للفتنة التي دامت خمس سنواتكان مجرد خالف وانتهى بإجماع سياسي على معاوية وأهم من هذا يوحي بشرعية سلطة معاوية ألن الجماعة أجمعت عليها وأقرتها سيصبح األموي معاوية بن أبي سفيان صاحب األمر الخليفة/الملك ولكن بعد ماذا القوة واللعبة السياسية هي ما حسم األمر ولكن ألم تكن دائما القوة والسياسة هي ما كان يوجه الحادث االسالمي فقد رأيناكيف أن السلطة النبوية قد اتخذت وجها ثانيا بعد الهجرة وكيف أن القوة والحرب كانا استمرارا للدعوة بوسائل أخرى وكيف وعن طريق القوة تأسست المدينة الدولة ثم دولة المدينة وكيف أن أبا بكر حفظ هذا الكيان باعتباره سلطة سياسية باستخدام القوة لردع الردة وكيف أن دولة المدينة أصبحت دولة امبراطورية بفعل الفتوحات والتي كانت تدار بالقوة ما الذي تغير من هناك إلى هنا لقد انبثقت دعوة االسالم وقامت على السيادة العليا كما بينا وكان الخضوع هلل وطاعته ومن خالله لشخص النبي "دين معنى" طاعة ال تقوم على االكراه أو االلزام الذي يأتي من خارج في شكل رهبة أو رغبة وكانت الحرب جهادا باسم اهلل ودينه الذي ارتضى لقدكانت السيادة العليا هي المحرك وهي ما تضفي على أي فعل دنيوي تساميه تعاليه وقدسيته وتظافرت عوامل اقتصادية )الغنيمة والفيء( والعوامل االنتربولوجية- الدين والفتح كعوامل موحدة للشعب العربي- وأخرى اجتماعية لتحريك عملية الفتح ولكنها بقيت في جوهرها دينية أي الجهاد في سبيل اهلل كفعل ديني مقدس وكانت سلطة الخليفة متأتية منكونه خليفة النبي وأنه يحظى باإلجماع لقدكان النصاب الديني فيكل ذلك هو النصاب المهيمن والمحدد والسياسة تمشي في ظله ولقد رأينا كيف أن عثمان قد قتل وهو الخليفة وفي المدينة دار الخالفة ببساطة مدهشة ألنهكان مجردا وعاريا من أية حماية أو قوة تدفع عنه كما هو الشأن بالنسبة ألي ملك في ذلك الزمن أو في زمن آخر وكذلك فعل بعلي ومن قبلهما بعمر وقد قتل عثمان باسم رؤية دينيةكانت أفعال عثمان السياسية قد ناقضتها من وجهة نظر الثائرين مع معاوية تغير الموقف فقد كانت الفتنة حربا أهلية بين رؤى وعصبيات واتجاهات استخدمت القوة وأالعيب السياسة وقد سمحت هذه اآللية القوة والسياسة- بانتصار تيار االرستوقراطية القرشية 140
141 ومن اآلن فصاعدا لم تعد السيادة العليا أو ذروة المشروعية إال إحدى الوسائل واآلليات التي تستخدمها هذه السلطة في المحافظة على بقائها وفي مواجهة أعدائها وفي التسيير والتدبير وهذا هو التحول الذي نقصد به تحوال من أولوية للسيادة العليا وذروة المشروعية إلى أولوية للسلطة السياسية التي أصبحت تستعمل الدين كآلية من آلياتها فقد كانت مهمة المبحث األول من هذا الفصل البرهنة تاريخيا على أن السيادة العليا كانت الرحم الذي صدرت عن سلطة نبوية ثم سلطة خليفية واآلن مع معاوية "حصلت عملية معاكسة لتك التي حصلت في زمن انبثاق القرآن والحضور المهيب "الكاريزم" لشخصية محمد. ففي تلك الفترة أعطيت األولوية لتحديد السيادة والمشروعية ثم نشرها واستنباطها وتمثيلها وكأنها آتية من اهلل لكي توجه قرارات النبيوأعماله وتسبغ عليها الشرعية وكانت السيادة العليا عندئذ تسبق من الناحية الزمنية واالنطولوجيةكل ممارسة فعلية للسلطة" أما مع السلطان األموي فقد أصبحت الممارسة الفعلية للسلطة تسبق زمانيا وانطولوجيا السيادة العليا لقد بات واضحا أننا أمام ظاهرة دولة/دين مع معاوية فإذا "نظرنا إلى الدولة بوصفها ظاهرة سياسية أوال وقبل كل شيء فإننا سنجد أن "ملك" معاوية كان فعال "دولة سياسية" في االسالم الدولة التي تكون النموذج الذي بقي سائدا إلى اليوم" وبعبارة أخرى نقول أنه مع معاوية تكون ونشأ "المجال السياسي" الذي يتحدد في علم االجتماع السياسي بكونه حقال أو ساحة متجانسة من األفعال المفاهيم والقيم المرتبطة بالسياسة على غرار مجاالت وحقول أخرى تكون المجتمع ككل وهذا التكون والنشوء ال يعني في السياق الذي نتكلم عنه االستقاللية واالنفعال بقدر مانعني ظهور رجل السياسة بالخصائص والمميزات التي حددها فيبر فمع معاوية نجد أنفسنا وجها لوجه مع صورة الخليفة/ الملك التي تختلف مع صورة الخليفة أبي بكر وعمر وعلي أو حتى صورة عثمان كما نقصد ان تدبير ما يسمى بالشأن العام أصبحت فيه األولوية للممارسات السياسية الخاضعة لمنطق وعقل الدولة حيث يقتضي هذا العقل في أحيان وعندما تتعارض مصلحة الدولة مع مصلحة الحقيقة ترجيح المصلحة السياسية على حساب مصلحة الحقيقة حتى لو كانت حقيقة دينية أو خلقية. وأكثر من هذا أصبح الخضوع والطاعة ال يتأسسان على "دين المعنى" ولكنهما وليدا استراتيجيات وآليات سياسية من بينهما االكراه والقوة. سيسفر هذا التحول عن استقالل مجاالت أخرى ولكنها تظل محكومة في األخير بمنطق السلطة وتوجهاتها وأهم تلك المجاالت المجال المعرفي/الديني هذه النتيجة الهامة المرتبطة ) 1 ( -أركون حممد الفكر االسالمي قراءة علمية ص ) 2 ( جلا- ابري حممد عابد نقد العقل السياسي العريب ص 277.
142 بصلب اشكاليتنا هي ما سيكون موضوع المبحث الذي يلي مباشرة حيث سنرى انفصال العالم عن السياسي اللذينكانا متطابقين في شخص الخليفة. وهذا التحول لم يكون نتيجة لقرار شخصي اتخذه معاوية أو فئة محيطة به لقد حدث في سياق تحوالت وتطورات عرفها المجتمع الناشئ تطورات اقتصادية واجتماعية تعدد اثني...- ديموغرافية هجرة بفعل تطور الدولة من المدينة الدولة المسيطرة على مجال جغرافي وسكاني محدودين جدا إلى دولة المدينة التي توسعت إلى المجال الجغرافي العربي لشبه الجزيرة العربية قبيل وفاة النبي إلى الدولة االمبراطورة التي أصبحت تضم أقاليم جغرافية متنوعة واثنيات وثقافات متعددة هذا التنوع والتعدد كان من شأنه أن يؤدي إلى نشوء وتكون مجاالت وحقول اجتماعية متمايزة كان على نمط معين من السلطة أن تنظمها وتضبطها نعم لقد كان للعنصر الشخصي حضوره فقد كان معاوية سياسيا محنكا وكان محاطا بمستشارين من طرازه ولعل نقطة قوة معاوية كانت في قدرته على وضع أهدافه واستراتيجيته ومن ثم أفعاله في السياقاالجتماعي واأليديولوجي الذي كان قد تكون وتنبه ابن خلدون ولكن من منظاره التفسيري القائم على مفهوم العصبية إلى طبيعة التحول الذي حصل من الخالفة إلى الملك أوال وإلى انسجام الفعل السياسي لمعاوية مع منطق هذا التحول وما يقتضيه بحيث بدى هذا االنسجام بين منطق هذا التحول وفعل معاوية السياسي وكأنه حتمية وإال كان انتحارا سياسيا ونطحا للصخر كما يقال يقول ابن خلدون "ثم اقتضت طبيعة الملك االنفراد بالمجد واستئثار الواحد به ولم يكن لمعاوية أن يدفع ذلك عن نفسه وقومه فهو أمر طبيعي ساقته العصبية إليه بطبيعتها واستشعرته بنو أمية ومن لم يكن على طريقة معاوية في اقتفاء الحق من اتبعاهم فاعصوصبوا عليه واستماتوا دونه. ولو حملهم معاوية على غير تلك الطريقة وخالفهم في االنفراد باألمر لوقع في افتراق الكلمة التي كان جمعها وتأليفها أهم من أمر ليس وراء كبير مخالفة" وقد كان قبل هذا التفسير تكلم عن تطور تاريخي لشكل الحكم للدولة في االسالم من الخالفة إلى الملك بنوعيه: الطبيعي "حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة" والسياسي "حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار" وهذا تفسير يشير بقوة إلى تاريخية السلطة وتطورها في االسالم كما يشير إلى نوعية ذلك التطور والفوارق النوعية بين مراحله حيث يتكلم ابن خلدون على قاسم مشترك بين أنواع الملك "حمل الكافة" أي استعمال االكراه إلجبار الناس على الطاعة 142 ) 1 ( -ابن خلدون املقدمة ص 202. ) 2 ( -املرجع ذاته ص 239. ) 3 ( -املرجع ذاته الصفحة ذاهتا.
143 والخضوع عكس الطاعة التي تصدر عن "مديونية المعنى". ماهي المؤشرات العملية التي دلت على هذا التحول سنلتمس تلك المؤشرات من األفعال واالجراءات التي قام بها معاوية والذين أتوا من بعده وكأنها سنة سياسية لن تجد لها تبديال وال تحويال فقد كان معاوية يعي أنه أخذ األمر لنفسه وألسرته بالقوة ال باإلجماع واالختيار مجالدة". "انني واهلل ما وليتها بمحبة منكم...ولكن جالدتكم بسيفي هذا ويعلم كذلك أنه نازع عليا األمر ولم يكن نده في السبق الصحبة والجهاد والقرابة من النبي وحتى وهو ينتصر ويأخذ األمر لنفسه كان يعلم أنه مازال في صفوف الصحابة من يحوز على األفضلية منه بالمقاييس األخالقية والتاريخية وشعورا منه بهذه الشرعية المهزوزة واحساسا مرهفا منه بمقتضيات المرحلة ومتطلباتها ومعرفة منه بحاجات النفوس وتطلعاتها أقام ما يسميه الجابري سياسيا جديدا" يقوم على أسس جديدة: القوةكآلية قامت عليها الدولة وبها يحافظ عليها - اشراك لقوى الفاعلة من أشراف القبائل-التي قاتلت معه في الفيء والغنيمة. - وهذه األسس هي التي كان قد أجملها في خطبته بالمدينة في ثالثة مفاهيم "عقدا "المجالدة المواكلة والشارية الحسنة" سينشط من جهة أخرى السيادة العليا في جانب منها-الحديث والفقه- ولكن هذه المرة كآلية من آليات السلطة وهذا سيدعم شرعيته بكونه قرشيا صريحا من بيت عريق عبد مناف- وهو نفسه سيروي الحديث المشهور القاضي بأن يكون األئمة من قريش استخدام المعرفي/الديني من خالل رواية األحاديث التي تدعم قرشية السلطة وكذا األحاديث التي تبين فضل معاوية وتبييض تاريخ أسرته وتثبيت معاني: الجماعة الفتنة السنة البدعة بدالالت المجال الشامي وأكثر من هذا صياغة أيديولوجيا الجبر والدعاية التحقيرية لعلي هذا اإلطار من المبادئ واألسس سيمارسها معاوية عمليا فقد لعب على حبال العصبيات والتوازنات القبلية خاصة استثمار الصراع القيس اليمني وتفكيك جيش العراق واستخدام عناصر منه كجبهة متقدمة لمحاربة الخوارج وسيستعمل العنف إلى أقصى مداه اإلعدام- مع حجر بن عدي وجماعته لرفضهم لعن علي وفي المقابل اعالن سب معاوية وسيستعمل العطاء والمناصب لتأليف وجوه الناس أشراف القبائل خاصة وكان يغض الطرف ) 1 ( - ابن عبد ربه العقد الفريد تح حممد سعيد العريان القاهرة املكتبة التجارية الكربى 2927 ج 2 ص 223 نقال عن اجلابري العقل السياسي العريب ص 271 ) 2 ( -يرد هذا احلديث عند البخاري بذه الصيغة:" ان هذا االمر يف قريش ال يعاديهم أحد اال كبه اهلل يف النار على وجههما أقاموا الدين " صحيح البخاري تق أمحد حممد شاكر القاهرة دار ابن جزم 2020 ص
144 عن النقد والكالم الطاعن في شرعيته لقد كان فعال ال يستخدم السيف حيث يكفيه السوط و ال يستمل السوط حيث يكفيه الرأي والحلم ثم ال يجب أن ننسى على االطالق أن معاوية وطد الدولة ووسع االمبراطورية العربية االسالمية متخذا دمشق عاصمة بدال من المدينة مفضال المجال الشامي على المجال االيراني العراقي وهذا النقل والتفضيل له داللة عميقة أشرنا إليها سابقا ونكرر اآلن أن ذلك لمما يدل على تعمق المصلحة السياسية ورجحانها على حساب الديني والرمزي مما يدفع إلى البحث عن آليات تحققها في المكان وبين البشر أي توفير أسباب نجاحها المال والعنصر البشري والمجال االستراتيجي- فلم تعد المدينةككيان رمزيكافية للحفاظ على سلطة ناشئة أصبحت باألولى في حاجة إلى عوامل مادية بحتة كالعصبية والجيش والمجال االستراتيجي وهذا ما ويوفره المجال الشامي "إن نقل حاضرة الدولة العربية االسالمية يشير من زاوية تاريخ الفكر إلى تسارع اختصار الصيغة التاريخية على الحادث القرآني: لقد عمد األمويون بوضوح إلى ترجيح جانب مصلحة الدولة على جانب المنظور الديني حيث عمدوا إلى مقاومة الحركات الثورية في العراق وفي الجزيرة العربية وتابعوا الفتوحات إلى ايران وأقاموا ادارة عربية ناجحة". لقد كانت السلطة األموية في جوهرها سلطة تقوم على مبدأ ملكي وتقوم على تشجيع القوى العربية لتقليدية وهذا يعني بالمقابل تثبيط النخب األخرى من قراء أو علماءالكالم -القدرية المرجئة الجهمية...- وهذه الخصائص و المميزات مكنت من انتاج وتشجيع معارف تتماشى وطبيعتها ايديولوجيا الجبر شعر المتناقضات تطور االنشاء العربي الخط العربي وتقنياته ننبه إلى أن الترابط المنطقي والمعرفي بين فصول ومباحث هذه الدراسة يجعلنا لضرورات منهجية نكرر معطيات وردت في هذه المباحث في فصول قادمة خاصة في الفصل الرابع مع اضافة ما يقتضيه الموقف المنهجي والمعرفي وفي هذا السياق كان من الممكن أن نضيف إلى هذا المبحث تطور السلطة في العهد العباسي إال أن وجود فصل يتعلق بطبيعة النظام السياسي العباسي جعلنا نكتفي بهذا االنتقال من سلطة خليفية إلى سلطة أموية أو من الخالفة إلى الملك أما الظواهر أو النتائج المعرفية المصاحبة أو المترتبة عن هذا التحول فهي ما سيكون موضوعا للمبحث الثالث من هذا الفصل فإليه الوجهة والمقصد. ) 1 ( -أركون حممد تاريخ الفكر العريب ص
145 المبحث الثالث: العالم في اإلسالم من المحنة إلى المهنة: ما هي الدروس التي نستفيدها من المبحثين السابقين لصالح هذا المبحث نتوقع أوال: أن يكون هذا المبحث من الناحية المنطقية نتيجة للمبحثين السابقين والمتعلقين بالسلطة وعالقتها بالديني في اإلسالم هذه العالقة وباإلضافة إلى األطر االجتماعية للمعرفة الناشئة من تطور المجتمع هي ما سيحدد إلى حد كبير الممارسة العلمية ويؤدي إلى انبثاق وتكون الفئة التي نسميها العلماء وتحدد وظيفتها ووجهتها. ولعل أهم النتائج القابلة لإلستمرار كعلل فاعلة في هذا المبحث تلك التي تتعلق بتطور المجتمع باتجاه التعدد والتنوع التمايز واالختالف فقد الحظنا ومن خالل التحول في عالقة الديني بالسياسي من سيادة عليا انبثقت منها سلطة نبوية انتقلت إلى خلفائه إلى سلطة مادية قهرية مرتبطة بالدولة ونظامها الملكي فمنذ بداية النصف الثاني من خالفة عثمان بن عفان إلى مقتل علي إلى قيام دولة الساللة األموية سيؤدي الصراع الدموي والرمزي بين كل القوى المكونة للفتنة إلى تحول نوعي في شكل السلطة وشرعيتها بحيث نصبح إزاء سلطة ملكية ذات طابع إمبراطوري تحاول االستيالء على الرمزي والديني لتوظيفه التماسا للشرعية ليتغير ترتيب أولوية عنصري المعادلة سيادة عليا/سلطة من سيادة عليا انبثقت منها السلطة إلى سلطة توظف السيادة العليا وبمجيء الساللة العباسية بعد دعوة وثورة أي بعد عمل فكري وإيديولوجي ستحدث تطورات هيكلية على بنية النظام أو السلطة وعلى التراتب االجتماعي واالثني ومن ثم على نظام المجتمع في إنتاج المعرفة والقيمين عليها وكنا قد تعرضنالبعض تلك التحوالت في المبحثين السابقين ولكن ستكون لنا الفرصة الستعراضها بإسهاب في الفصل الرابع وقبل ذلك نسجل األحداث المؤثرة والفاعلة التالية: اتساع قاعدة المجتمع الديمغرافية واألثنية وتعمق التعدد االثني والتنوع الثقافي. نشوء وتكون المدن الكوفة البصرة الفسطاط والحظنا الدور الكبير لهذه المدن كمراكز لألحداث السياسية وبؤر إنتاج المعارف. تكون فئات اجتماعية باحثة عن مكانات وأدوار على مستوى القيادة والسلطة باسم شرعية وقيم جديدة تختلف عن أسس الشرعية التقليدية القرابة القدمة والسابقة- مثل هذه الشرعية الجديدة القراء الذين لعبوا دورا هاما في الفتنة وسيشكلون النواة لقيام الفرق اإلسالمية ذات الطابع الديني/السياسي الخوارج والشيعة ثم سيكونون النواة أو البذرة التي تشكل مقدمة لميالد الفقيه فالعالم هذا على المستوى السياسي والمعرفي وعلى المستوى السوسيولوجي ستظهر 145
146 وبقوة فئات اجتماعية غير عربية ستكون ما يسمى "بالموالي" مكانات وأدوار في المجتمع الجديد مستغلة عددها وكفاءاتها المهنية والمعرفية. وهذه الفئة بدورها ستبحث لها عن تراكم الثروة نتيجة الغنائم والخراج والصدقات وهذا سيؤسس القتصاد ريعي أهم معضالته معايير التوزيع التي فجرت إشكالية عدالة التوزيع والتراتب االجتماعي. مع معاوية بن أبي سفيان وكما الحظنا ومن خالل أفعاله السياسية ستتأسس األرضية لميالد رجل السياسة كصاحب مهنة ووجهة وبالتالي تمايز المجال السياسي عن المجال الديني بالدين- ال تمايز بمعنى االنفصال ولكن بمعنى انفكاك ذلك الترابط المعرفة بين الوظيفة الدينية العلمية والوظيفة السياسية اللتين كانتا مجتمعتين في شخص الخليفة أو من يقوم مقامه من عمال وقادة جيش إذ أصبحت السياسة مهنة لها رجالها كما قال معاوية رجل سياسة- "أهل الجزاء من المسلمين والغناء ولم يطلب لها تتحدد بأنها األعمال التي تتطلب أي النبي- أهل االجتهاد والجهل بها والضعف عنها" أي الكفاءة والقدرة الدراية بالتسيير والتدبير والقوة والحزم. نقل عاصمة الخالفة أو بتعبير أدق عاصمة الملك من المدينة إلى دمشق وفي ذلك داللة كبيرة فليست المسألة انتقال من مجال جغرافي آلخر بل من مجال تاريخي وحضاري وعرقي آلخر فلم تعد المدينة بإرثها الديني وتاريخها القدسي كافية في تدبير الشأن السياسي وقيادة األمة ألن ذلك سيحتاج إلى وسائل وآليات وأنصار وعصبيات لم تعد المدينة قادرة على توفيرها. هذه األحداث واألفعال ستعمل كمحددات للممارسة المعرفية ومجاالتها وفاعليها ستصاحبنا في هذا المبحث. وإذا كنا نملك تاريخا للسلطة وتطور أشكالها النظرة التزامنية-فإن األمر ال يبدو كذلك بالنسبة لتاريخ العلم خاصة الجذور والبدايات وهذا الوضع له داللته من حيث عالقة الفكر بالواقع ومن حيث عالقة المعرفة بالسلطة فمن حيث العالقة األولى داللة ذلك االستقاللية النسبية للفكر عن الواقع ومن حيث العالقة الثانية وهي تلك التي تعنينا فإن السلطة تظل أكثر حضورا وتعبيرا عن نفسها كمحددة بل ومؤسسة إما بشكل مباشر أو غير مباشر. وذلك الحضور كان يمأل الواقع االجتماعي وكتب التاريخ الجامعة حيث ال نجد إال تواريخ الملوك والحروب وإذا أتى مؤرخ على ذكر المعرفة فيكون ذلك في شكل محنة أو ثورة وصراع وفي هذا المبحث سنحاول أن نرجع إلى البدايات للتنقيب عن بداية الممارسات التي تنتمي إلى المجال المعرفي وتطور تلك الممارسات إلى الرجة التي كونت مجاال متميزا عن المجاالت األخرى وإلى نشؤ فاعلين ممارسين للمعرفة كمهنة مهنة إنتاج الطربي تاريخ األمم وامللوك ج 2 ص
147 لمعرفة واتخاذها شرعية عند البعض للخروج والثورة أو على األقل لالحتجاج وعند البعض مهنة للوالء والتبرير لتحقيق هذا الهدف سيتناول هذا المبحث المطالب التالية: 1. القراء الفقهاء واتجاهات التشريع. 2. التدوين ونشؤ العلوم العربية اإلسالمية. 3. الخطاب التاريخي وسلطة الماضي. 4. محن العلماء 1. القراء الفقهاء واتجاهات التشريع: البداية مهمة بل محددة ومفسرة لقد رأينا في المبحثين السابقين كيف أن الوجود التاريخي الثقافي والسياسي للعرب كأمة أعيد تأسيسه على أسس جديدة وكوجود سياسي أي كأمة على رأسها النبي محمد ثم خلفائه إنما بدأ بالحدث التدشيني "الوحي" الذي أبان عن سيادة عليا هلل تجسدت في نبيه ثم لخلفائه من بعد وكما سنالحظ سيعمل العلماء على استمرارها باعتبارهم ورثة األنبياء من خالل علم أصول الفقه خاصة ومن ثم كان وجود القرآن ككتاب يقرأ يكتب يفسر ويؤول بمثابة قلب الرحى الذي تدور حوله كل الحياة الثقافية للمسلمين إنه من دشن حياة العقلية للعرب ثم للمسلمين وحدد لها معالمها ناهيك عن قيمته التشريعية وقد تعاظم دور القرآن ككتاب وتعاظمت سلطته وقداسته بوفاة النبي محمد " لقد حل القرآن محل الشعر وقام مقام ثقافة العرب األنتربولوجية المتحددة من الجاهلية واكتسح حق الوعي على األقل عند بضع مآت من الناس هنا وهناك" ووجود الكتاب كما أسلفنا يفترض القراءة التفسير والتأويل وهذا الفعل الهام مورس من قبل فئة قليلة من الصحابة أي تلك التي إنبرت لحفظ القرآن وقراءته وكتابة الوحي ليتميز دورها في كونها تتوسط بين النص والذين ال يقرؤون ألن الصحابة "لم يكونوا كلهم أهل فتيا وال كان الدين يؤخذ من جميعهم وإنما كان ذلك مختصا بالحاملين للقرآن العارفين بناسخه ومنسوخه ومتشابهه ومحكمه وسائر دالالته بما تلقوه من النبي صلى اهلل عليه وسلم أو ممن سمعه منهم من عليتهم وكانوا يسمون لذلك القراء أي الذين يقرأون الكتاب ألن العرب كانوا أمة أمية فاختص من كان منهم قارئا للكتاب بهذا اإلسم لغرابته يومئذ" وسيتعاظم دور وقيمة هذه الفئة تدريجا بموت الكثير من حفظة القرآن في حروب الردة وبازدياد متطلبات الواقع وضغطه لكثافة األحداث التاريخية ذات الطبيعة السياسية خاصة "اإلسالم إذن يعتمد على كتاب وهو خطاب لعامة الناس إال أن هناك فئة خاصة هم الذين يستطيعون هشام جعيط الفتنة ص 220. ابن خلدون املقدمة ص ر
148 قراءته هم الذين يفهمون المعنى الذي فيه فيبلغونه للذين ال يقرأون هم الذين يبلغون المعنى واألحكام المترتبة عليه فيتخذون موقع الوساطة لتبليغ سلطة النص بل يتقمصون هذه السلطة" ستتظافر عوامل عدة لتجعل من هذه الفئة فئة متميزة لها سلطة وأهم تلك العوامل: سلطة النص نفسه الذي يقرؤونه باعتبارهكالم اهلل الناطق بالحقيقة. وجود هذه الفئة قليلة العدد في مجتمع تسوده األمية القراءة والكتابة نادرتين وبالتالي مثل القراءككتبة للوحي في مرحلة ما بدايات التحول من ثقافة المشافهة إلى الثقافة العالمة ثقافة الكتاب. تعاظم الحاجة إلى الكتاب باعتباره حكما وتشريع خاصة بعد وفاة مبلغ الشريعة فكيف ظهرت هذه الفئة وتطورت وماذاكانت تمثل المقصود بهذا السؤال تحول هذه الفئة إلى جماعة ضغط لها برنامجها والتي كانت تمثل مطالب واتجاهات كانت قد نشأت ونمت في عهد خالفة عثمان بن عفان نتيجة ترسخ الروح اإلسالمية من خالل دالالت القرآن نفسه ومسيرة النبي وكذا سيرة الشيخين أبي بكر وعمر في مقابل ما أعتبر تبديال وتغييرا ورجوعا إلى روح الجاهلية وبدون تردد نقول أن هوية هؤالء تتحدد بكونهم عالمين بالكتاب أي القرآن قراءة وتالوة وبطبيعة الحال كان لهم نصيب من تفسيره وتأويله وال يوحي ذلك بأنهم أصحاب فكر وتأمل في النص بل كانوا أقرب للعمل والحركة منه للفكر المتأمل للنص رواة الطبري كسيف بن عمر وغيره يقدمونهم كأهل ورع وتقوى كصلحاء يطابقون المثل بالواقع وباسم القرآن ومثله كانوا يمارسون "األمر بالمعروف والنهي عن المنكر" أي العمل االحتجاجي باسم القرآن كما ال يمكن القول من جهة ثانية أنهم فئة محترفة منصرفة للقراءة التالوة والتفسير إنهم مقاتلون أسلموا مبكرا وشاركوا في معارك الفتح فتح العراق خاصة فهم من أهل األيام والقادسية يتلقون العطاء عدد قليل منهم معروف المكانة والرئاسة في قومه كاألشعث وحجر بن عدي والحارث بن عبد اهلل الهمداني وسعيد بن قيس وجرير بن عبد اهلل وهذه االسماء تنبأ أن معظمهم من اليمانية وهنا علينا أن ندلي بهذه المالحظة وهي أن ظاهرة القراءة واالرتباط بالقرآن تكاد تكون محصورة في أشخاص خارج الدائرة المضرية خارج دائرة قريش فإذا استثنينا الخلفاء الراشدين وعبد اهلل بن العباس ال نعثر على اسم مؤثر في هذا المجال فكبار القراء وكتبة الوحي من الصحابة كزيد بن ثابت وأبي بن كعب كانا من األنصار وعبد اهلل بن مسعود من هذيل وأبي موسى أومليل علي السلطة الثقافة والسلطة السياسية بريوت مركز دراسات الوحدة العربية ط ص
149 األشعري من أشعر )اليمن( والجيل الثاني من القراء الذين أخذوا عن هؤالء في معظمهم يمنية هل هذا يتيح لنا استنتاج اكتفاء قريش المهاجرين منهم و الطلقاء بسلطة القرابة من النبي وبالقدمة والصحبة بالنسبة للمهاجرين وأن القراء التمسوا سلطة وموقعا بامتالكهم لسلطة النص والتكلم باسمها مهما يكن فإن هذه الفئة وبالقياس إلى ما تطورت إليه )خوارج ثورة ابن األشعث...( وإلى برنامجها ومطالبها قد شكلت نخبة جديدة إلى جانب الصحابة كنخبة أولى يرتكز برنامج عملها على الكتاب باعتباره ينطق بالسيادة العليا هلل وحاكميته التي تتجاوز أية سلطة أخرى "لقد سمح لهم القرآن بتخطي الدولة باالستناد إلى التعالي الحقيقي الوحيد إلى السلطة الحقيقية الوحيدة سلطة اهلل كما أتاح لهم أن يتحرروا قليال من عبء الشرعية التاريخية ل"أصحاب محمد" القيمين على السيادة والقيادة والقدوة" السيرة وهكذا ومن خالل صحبتهم للقرآن ومن خالل قراءته وتفسيره ومن خالل ما مثلته النبوية وسيرة الشيخين أبا بكر وعمر تكون لديهم برنامج نقدي سياسي لسلطة المدينة التي كان يمثلها آنذاك الخليفة عثمان بن عفان وباسمه أي باسم الكتاب سيدعون إلى التحكيم وبمنطق تأويله له ستخرج فئة على علي وأخرى تتشيع له و كما وسبق وأن قدمنا في المبحث األول من هذا الفصل نحن اآلن نتكلم في المجال العراقي حيث المصرين المؤسسين الكوفة والبصرة وفي هذا المجال في الكوفة تحديدا ستبرز فئة من القراء الذين كونهم الصحابي عبد اهلل بن مسعود والذين عرفوا باسم "أصحاب عبد اهلل بن مسعود" ليس لهم التوجه الحركي أي العمل السياسي وفق مبادئ ومثل دينية وأخالقية بل لهم توجه علمي بممارسة القراءة وتحديث الناس لغيات علمية وعضية وكانوا يمثلون نماذج في الورع والتقوى فقد كان علقمة واألسود ومسروق وعبيدة والشعبي اآلباء األوائل للعلم القرآن الحديث والفقه في المجال العراقي في الكوفة حيث ستتشكل بؤرة العلم بالقرآن والحديث والفقه والتي تستند إلى عبد اهلل بن مسعود كمصدر موثوق وأمين للعلم العلم بالقراءات- قراءات عاصم وحمزة والكسائي تعود إلى عبد اهلل بن مسعود - والعلم بالحديث كسند ال يرقى إليه الشك عند علماء الحديث وفي المجال المقابل المجال الشامي ونظرا لخصوصية هذا المجال بالقياس للمجال األول كأرض رباط دائمة مفتوحة على الجبهة البيزنطية المهددة لدار اإلسالم ولوجود عدد كثير من المسحيين في الجبهة الداخلية باإلضافة إلى العمل الذي قام به معاوية لفترة طويلة منذ الفتوحات كوالي كخليفة قد أضفى على هذا المجال االنسجام والخضوع والطاعة للسلطة لذا كان مجاال النتشار مصحف عثمان ومجاال النتشار مدرسة تالوة تعود للصحابي 33 ه- ومجاال كذلك لقيام مدرسة في الفقه و التي يشكل الثالوث: "أبي الدرداء"ت مكحول والزهري واألوزاعي هشام جعيط الفتنة ص
150 أركانها مجال موحد ومنسجم محكوم بسلطة مستديمة قوية ثم إنه المجال الذي ستتبلور فيه مفاهيم السنة الجماعة البدعة الجهاد الفتنة وتعمم داللتها الحقا على أصحاب الحديث وباالستناد إلى دراسة "لرضوان السيد" "األوزاعي" يكون قد صاغ مفاهيم الجماعة البدعة والسنة انطالقا من مالبسات الواقع الشامي وتلك المفاهيم هي ما سيتبناها المحدثون الحقا األوزاعي" "يبدو أن مفهومه ( يأ للجماعة والسنة والبدعة الذي استمده في األصل من الزهري هو الذي ساد في النهاية في أوساط أصحاب الحديث" الذين سيكون لهم دور سياسي بارز في بغداد منذ الحرب األهلية بين األمين والمأمون ثم في محنة خلق القرآن فأحداث الشغب في بغداد بين السنة والشيعة. نريد أن نقول من خالل هذا العرض أن األمر يتعلق بإقليمين متواجهين بسلطتين وشرعيتين مختلفتين وكان من نتائج ذلك على الصعيد المعرفي وجود قراء ثوار في المجال العراقي وقراء ممتثلون في المجال الشامي في المجال العراقي سيجدد القراء ثورتهم على بني أمية وواليها على العراق الحجاج بن يوسف ثورة "بن األشعث" الفقهاء ذاكرا منهم أسماء المعة في الفقه وفي معركة "كالشعبي" "دير الجماجم" 12 ه سيسميهم و"سعيد بن جبير" "الطبري" و"عبد الرحمان بن ابي ليلى"وهؤالء سيكونون الجيل الذي يوصل القراء كفقهاء مقاتلين بالفقهاء العلماء الذين يستعملون سلطة "األمر بالمعروف والنهي عن المنكر" تأريخه لمقتل "سعيد بن جبير" يسمي مرة أخرى سنة لإلحتجاج على السلطة وبالعودة الى 14 ه "الطبري" وبمناسبة "سنة الفقهاء مات فيها عامة فقهاء المدينة". معركة صفين والتحكيم وما تاله من نتائج ستنتهي بنشوء فئة القراء يجمع بينها أمران: اإليمان القوي بالكتاب كإمام وقاضي نمذجة سيرة النبي وسياسة أبي بكر وعمر لتصبح النموذج المقياس والمعيار. - - وفي كل األحوال سيصبح القرآن والسنة ماضي اإلسالم كما توقف عند عمر-سلطة تتجاوز سلطة القرابة القبيلة وشرعية الصحبة والقدمة إذن " "القراء" هم أسالف الفقهاء "األصوليين" بالمعنى الذي نعطيه لألصولية هنا أي فرض إرجاع الواقع أي واقع-بجملته وتفصيله إلى الكتاب هناك إذن سلطة علميةكامنة في الكتاب فيوجد دائما من يترشح للنطق باسمها". السيد رضوان اجلماعة واجملتمع والدولة سلطة األديولوجيا يف اجملال السياسي العريب اإلسالمي بريوت دار الكتاب العريب 2993 ص 223. الطربي تاريخ الرسل و امللوك ج 2 ص أومليل علي السلطة الثقافة والسلطة السياسية ص
151 الناطقون باسم الكتاب سيتعددون انطالقا من نمط العودة إلى الكتاب وانطالقا من نمط األهداف والمقاصد التي تتحدد بنوع وطبيعة الموضوعات واإلشكاليات التي في الكتاب أو تسقط عليه من الواقع يتأطر ذلك كله باألطر االجتماعية للمعرفة للقرن األول وهكذا فاستنباط األحكام الشرعية أنشأ الفقه وتقنين ذلك بضبط االصول الكلية أدى إلى نشوء علم أصول الفقه وفقه القضايا العقائدية كاإليمان والذات والصفات والكالم في القدر أدى إلى نشوء فقه آخر الفقه األكبر كما كان يسميه "أبو حنيفة" النفس والتسامي بها أدى إلى التصوف. علم الكالم واستجالء المعاني 151 الروحية الكامنة والباطنة في النص لتزكية وقبل أن نواصل في الخط الذي أدى إلى ميالد العالم الفقيه والمتكلم في اإلسالم إلى منتهاه حيث أصبح العلم صناعة ومهنة نستدير إلى نقطة تقاطع بين الفقهين الفقه األكبر "علم الكالم" وفقه الفروع في مرحلة من مراحل تكونها مرحلة ظهور االختالف والتمايز بين المجالين السياسي والديني / العلمي. االختالف واستقالل المجال السياسي : االختالف يعني تماما اإلشكال وهذا يعني ميالد الخطاب أو المقال ويعني كنتيجة الزمة ميالد صاحب الخطاب والمقالة أي العالم وإذا كان هناك اختالف في مسار الدعوة وبناء الدولة ال تنفك كتب السير والملل والنحل تكرره فإن االختالف درجات تتحدد بطبيعة الموضوع أو اإلشكال موضوع االختالف و تتحدد بالنتائج المترتبة عنه وفق هذه الصيغة يرصد لنا " الشهرستاني" قائمة من االختالفات يرتبها ترتيبا تاريخيا ولكن يميز بينها في قيمتها ووزنها فهناك من االختالفات ما وقع في حياة النبي وفي مرضه وبعد وفاته وكانت تلك االختالفات اجتهادية ولكنه يقف غلى االختالف الذي أدى إلى إراقة الدم "أعظم خالف بين األمة خالف اإلمامة إذ ما سل سيف في اإلسالم على قاعدة دينية مثل ما سل على اإلمامة في كل زمان" هذا الخالف كان األصل و كان الرحم وبعدها يورد الشهرستاني سلسلة من الخالفات التي ولدت من هذا الرحم الفتنة في عهد العثمان ثم في عهد علي حيث خرج عليه طلحة والزبير وعائشة الخوارج... وجماعة معه" كذلك الخالف بينه وبين الشراة... بعده إلى قسمين أحدهما: "والخالف بينه وبين معاوية وحرب صفين ومخالفة وكذلك ظهر في زمانه الغالة مثل عبد اهلل بن سبأ ليترسم الخالف صعودا وتطورا إلى ظهور الفرق اإلسالمية الشهرستاين امللل والنحل ج 2 ص 27. املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. االختالف في اإلمامة والثاني: االختالف في األصول "وانقسمت االختالفات واالختالف في
152 اإلمامة على وجهين أحدهما: القول بأن اإلمامة تثبت باالتفاق واالختيار والثاني: القول بأن اإلمامة تثبت بالنص والتعيين وأما االختالفات في األصول فحدثت في آخر أيام الصحابة بدعة الجهني وغيالن والدمشقي ويونس األسواري في القول بالقدر وإنكار إضافة الخير والشر إلى القدر ونسج على منوالهم واصل بن عطاء الغزال وكان تلميذ الحسن البصري وتلميذ له عمر وبن عبيد وزاد عليه في مسائل القدر... والوعيدية والخوارج والمرجئة والجبرية والقدرية ابتدأت في زمن الحسن واعتزل واصل عنهم وعن أستاذه بالقول بالمنزلة بين المنزلتين وسمى هو وأصحابه معتزلة" الخالف في اإلمامة في مرحلة من مراحل تطوره افضى إلى انبثاق فئة القراء كما عرضنا وإلى ظهور العثمانية فالخوارج فالشيعة وفي المقابل في المجال الشامي حيث سلطة معاوية الباحثة عن الشرعية سيبلور قراء وفقهاء الشام المفاهيم التي عممت مضامينها فيما بعد مفهوم الجماعة السنة البدعة الفتنة الجهاد وهذه الخالفات وإن كانت سياسية ألنها تتعلق باإلمامة ولكنها تظل في جوهرها دينية بمعنى أن الفهم والمقاصد والشرعية كلها متأتية من الدين.أما الخالف فيما اسماه "الشهرستاني" خالف األصول فذو طابع إشكالي نظري يتعلق بأصول الدين ولكن ال كقضايا بديهية أو مسلمات ولكن كإشكاليات مولدة للكالم كقضية اإليمان الحرية ومقدار المسؤولية اإلنسانية العدل والجزاء ولكنها ارتبطت بإيمان ومسؤولية ومصير فاعلين اجتماعيين ذوي مكانات وأدوار سياسية واجتماعية مصيرية على أمة اإلسالم الكالم أو الخطابات التي تشكلت حول هذه القضايا أصحابها شكلوا نمطا من العلماء مارسوا الكالم في العقيدة اعتقاد بل أيضا كرأي وتعبير عن هذا الرأي: "أو بعبارة أخرى إنه "العقيدة" يمارس المتكلم- ال كمجرد إنه بذلك يتحول إلى متكلم وصاحب مقالة أو أكثر من ذلك يتجه بكالمه ومقالته إلى الجمهور أي المستمع- ويتخذ من األطر االجتماعية التي تؤطر هذا الجمهور موضوعا لكالمه وبعبارة أخرى هو يمارس الثقافة يوظف أحكامها ومفاهيمها وتقنيات خطابها. )والسياسة جزء منها( بتوسط العقيدة: في خضم هذه الصراعات والخالفات مازلنا بعيدين عن تلك المرحلة التي أصبح فيها الكالم علما صناعة وفنا ولكن نحن اآلن بإزاء علماء الكالم كأفراد يمارسون الكالم في العقيدة أو باألحرى في مواقف وآراء صيغت في العقيدة تخدم هذا الطرف أو ذاك جبرية السلطة األموية أو عقيدة التكفير الخارجية أوالغلو في حق علي وآل البيت وهي كلها في األخير قراءة وتأويل لجوانب في العقيدة تمس مباشرة مسألة الشرعية والحياة املرجع السابق اجلزء ذاته صص اجلابري حممد عابد املثقفون يف احلضارة العربية حمنة ابن حنبل ونكبة ابن رشد بريوت مركز دراسات الوحدة العربية 2992 ص
153 االجتماعية ومصير األمة مع العلم أن التعريفات التي ألحقت بعلم الكالم والذي يجعل منه كالما في العقائد للدفاع عنها- عقيدة السلف السنة والجماعة- ضد المبتدعة كتعريف الغزالي وابن خلدون هي تعريفات تختزل علم الكالم في جانبه العقائدي الميتافيزيقي وتجتثه من أرضيته االجتماعية والسياسية فقد قتلت السلطة األموية غيالن وصاحبه وعمر المقصوص وجهم بن صفوان لدواعي دينية في ظاهرها سياسية في باطنها الحقا ونظرا للصراع الثقافي بين اإلسالم والثقافات األخرى ونظرا لتأثير الترجمة وتحت ضغط حاجة السلطة ومنطقها سيتحول الكالم إلى فن وصناعة لها أصولها وأخالقياتها وهكذا سنرى "الماتريدية" وكأنها كالم عباسي واالعتزال وكأنه عقيدة رسمية في خالفة المأمون والمعتصم والواثق ثم عودة اعتقاد أهل السنة والجماعة على ما يخالط هذا المفهوم من غموض وضبابية ثم األشعرية بداية من عهد نظام الملك الوزير السلجوقي "إن النتيجة الكبرى التي نضن أننا استطعنا توضيحها من خالل كبرى المدارس الكالمية تتمثل في عمق ارتباط علم الكالم بالمشاكل النظرية والسياسية المصاحبة لنشأة الظاهرة اإلسالمية األولى وما تولد عنها من أحداث سياسية مما يدفعنا لالقتناع بأن الموقف الكالمي في اإلسالم منذ نشأته ورغم تناقضات مواقفه لم يكن كالما في ومواقف عملية" "الالهوت" بقدر ما كان كالما في السياسة وفيما تولد عنها فن قضايا وتبريرات نظرته ومن جهة أخرى تتكلم بعض الروايات على أن الكالم وممارسته نشأ عندما رجع بعض الصحابة من الغزوات والفتح حيث وجدوا الفتنة في عهد عثمان فعلي فتنازل الحسن عن الخالفة فملك بني أمية فاعتزلوا مباشرة هذه األحداث ال عزلة سلبية بل نوع من أنواع الحكم" "تعليق واالعتكاف على التفكير والكالم في القضايا التي أفرزتها الفتنة الكالم في اإليمان درجة مسؤولية األطراف الفاعلية في الفتنة وهذا النوع من التفكير والكالم في قضية اإليمان خاصة بعد تعليق الحكم على الفاعلين في األحداث اعتبره البعض أرجاءا للحكم واعتبر ممارسوه أسالفاللمرجئة وذلك متصل كذلك على نحوما بنشوء المعتزلة الختالف واصل مع شيخه الحسن البصري في قضية اإليمان وقوله: "بالمنزلة بين المنزلتين" مع العلم أن االعتزال كموقف عملي ثم فكري من الفتنة وأطرافها مفهوم أساسي ضمن شبكة المفاهيم التي نشأت أثناء الفتنة وبعدها وهكذا يكون ممارسي الكالم انطالقا من فهم للكتاب وقراءة للتجربة التاريخية لألمة قد اتخذوا موقفين يقابالن المواقف المتصارعة تحديد مرن لإليمان ضدا على عقيدة الجبر األموية فإذا "نحن أردنا أن نوجز مضمون اآلراء واألفكار التي كان ينشرها ويدافع عنها ذلك الجيل األول من في "المثقفين" الصغري عبد اجمليد املعرفة والسلطة يف التجربة اإلسالمية ص
154 اإلسالم الذين تصنفهم كتب الفرق إلى رئيسيين: و"قدرية" "مرجئة" أمكن القول أنها تدور حول محورين التسامح من جهة والتأكيد على حرية اإلنسان وبالتالي إقرار المسؤولية من جهة ثانية". واختزاال لما سبق نقول أن لدينا دعامتين لإلرتكاز انبثقا منهما خطان لم يحافظا على توازيهما الدعامة األولى انبثق منها خط فئة القراء وهذا الخط سيتطور مع أولئك القراء إلى فقهاء وعلماء أما الدعامة الثانية فسيصدر عنها الخط الذي انبثق منه الكالم الكالم في األصول حيث سيتطور إلى علم الكالم كفن وصناعة وفي مستوى الحق من التطور سيتقاطع ويتداخل ويتكامل الفقهان الفقه )فقه الفروع( والفقه األكبر- علم الكالم- لنجد بداية من القرن الرابع للهجرة علماء كالم أصوليين وأصوليين علماء كالم على غرار القاضي عبد الجبار وأبا الحسين البصري والجويني والباقالني والغزالي والرازي... شروط ولد العالم فقيها كان أم متكلما. وهذه الخطوط ترتد في األخير لتقف على صعيد واحد هو النص. فضمن اية ميالد العالم ال تعني إطالقا تقرير "الحالة المدينة" تعين متى وأين ولكن نتوخى محاولة تحديد الظروف والشروط العامة التي سمحت بميالده أو ظهوره أو باألحرى تميزه عن فاعلين اجتماعيين آخرين وذلك بممارسة استقصاء تاريخي وسوسيولوجي تاريخ وسوسيولوجيا النخبة في اإلسالم وكما مر معنا شكل الصحابة أول نخبة اذ ضمت مواهب وكفاءات في الكتابة السفارة والمفاوضات قيادة الجيش الجباية والصدقات وفي مجال العلم لم يكن كل الصحابة أهل فتيا وقراءة وكتابة وإنما كان هناك عدد محدود من القراء وكل هذه األعمال لم تكن مهنا تخضع لتقاليد التعيين وتحدد فيها المهام الحقوق والواجبات والقيم. وعلى المستوى السياسي أي مستوى تدبير الشأن العام للمسلمين كان األمر منوطا بالخليفة الذي يقف على رأس نظام ديني / سياسي مرتبط بأطر اجتماعية نخبة من الصحابة وعرب الجزيرة وأراضي جديدة ما زالت عملية فتحها وضمها إلى المجال العربي اإلسالمي جارية ولم تبدأ دولة المدينة حصد النتائج االجتماعية والسياسية لعملية الفتح بعد على األقل حتى خالفة عمر وكان الخليفة إماما وعالما وقائدا عاما للجيوش الفاتحة وموزعا للفيء وكل هذه األعمال وإن كانت في معظمها دنيوية الطابع إال أنها كانت تتم في إطار الدين ومن أجله ولم يكن هناك تمايز بين ما هو سياسي وما هو ديني كما لم يكن هناك تراتب اجتماعي يتمايز الفاعلون االجتماعيون بموجبه حسب الوضع المادي أو الرمزي وإنما هناك الخليفة أو أمير المؤمنين وعامة الرعية- الناس المجندين في عملية الفتح كجنود "لقد كان األمراء قبل هذا اليوم وفي صدر اإلسالم هم العلماء والرعية هم الجند فاطرد النظام وكان العوام القواد فريقا واألمراء فريقا آخر ثم ) 1 ( الجابري حممد عابد املثقفون يف احلضارة العربية ص
155 فصل اهلل األمر بحكمته البالغة وقضائه السابق فصار العلماء فريقا واألمراء فريقا آخر وصارت الرعية صنفا وصار الجند آ خر فتعارضت األمور" هذا القول الذي ينسب البن عربي الفقيه األندلسي المالكي ينم عن وجود وعي بعمليات التغير النوعي في طبيعة النظام الذي كان يحكم المجتمع والذي أتينا على عرضه في المبحث السابق إذ تطورت السلطة من سلطة خليفية إلى ملك ومن المدينة الدولة إلى دولة المدينة إلى الدولة اإلمبراطورية حيث سيظهر المجال السياسي الذي سيسمح بظهور رجل السياسة وجملة المعارف التقنية المرتبطة به الكتبة- الضرورية لعمله فيظهر معاوية كمجسد لرجل السياسة الممارس لها في مجالها بما تقتضيه طبيعتها كذهنية كأفعال وأهداف وكان من أهم أهدافها تثبيت سلطة البيت األموي وإصباغ الشرعية عليها بكل الوسائل ولعل أهم ما يشير إلى ذلك إحداث والية العهد ونقل السلطة من االختيار إلى التوارث فقد أشار ابن خلدون أن معاوية كان محكوم عليه بالقيام بذلك لما تقتضيه طبيعة السياسة- العصبية غايتها يجب أن تنتشر وتحل السلطة في كل مكان بتركيزها في يد بلوغ العصبية غايتها- "أمير المؤمنين" ولبلوغ وتعيد تمثيل ذاتها على المستوى الميكروبيروقراطي من خالل الوالية حيث سلطة الوالي والدواوين والكتبة جهاز الشرطة القضاء الجيش وهذا إعادة تمثيل للسلطة بمؤسستها في القاعدة ناهيك عن إحداث المزيد من الدواوين خاصة ديوان البريد كديوان اتصال ومراقبة باختصار الدولة كجهاز تظهر وتعمل بتمايز عن المجتمع وبالتالي نحن أمام دولة بمجال سياسي متميز عن المحاالت األخرى مما أشر على قيام دولة بكل مقاييس العصر الوسيط على غرارالدولةالبيزنطية ومن قبل الدولة الساسانية وهذه المقاييس والمعايير خاضعة ألنظمة اإلنتاج المادي والرمزي مما يجعلها تختلف عن نموذج الدولة كما عرفته أوروبا بعد النهضة نتيجة قيام البرجوازية نؤكد على هذا الكالم لنضع مسألة ظهور المجال السياسي وتميزه عن بقية المجاالت المجال الديني خاصة في سياقه التاريخي والسوسيولوجي تفنيدا لذلك الحكم المطلق الذي توصف به الدولة في اإلسالم على أنها دولة يهيمن عليها الدين وسلطة األمير ولم تعرف فصال وتمايزا بين العاملين الديني والسياسي وبين الدولة والمجتمع المجتمع المدني * تحديدا وأن هذا التمايز هو ابتكار غربي محض ليس نتيجة للتطور االقتصادي واالجتماعي فحسب ولكن ألن المسيحية الكاثوليكية تحديدا تحوز بطبيعتها على قابلية الفصل والتمييز بين العامل بن األزرق عبد اهلل بدائع السلك يف طبائع امللك تح و تق علي سامي النشار بغداد وزارة اإلعالم 2933 ص 792 نقال عن اجلابري حممد عابد العقل السياسي الغريب ص أنظر: * - برتان بادي وبيار برينبوم سوسيولوجيا الدولة ت" القومي )ب.ت( السيما الفصول: الثاين الثالث والرابع. ج وزيف عبد اهلل وجورج أيب صالح بريوت مركز اإلمناء
156 السياسي والعامل الديني. والتمايز الذي نتكلم عنه حدث في سياق تطور مؤسسة الدولة في إسالم العصر الوسيط تمايز حدث بالقياس إلى دولة الخالفة ثم أن التطور التاريخي خاصة التطور الذي حدث في بنية سلطة الخالفة بعد صعود االتراك و البويهيين ثم السالجقة كأمراء تغلب يديرون الدولة في مستواها السياسي والعسكري بينما لم يبق للخليفة إال سلطته الرمزية كرئيس لألمة وهو األمر الذي سنفصل فيه في الفصل القادم عندما نتعرض لطبيعة نظام سلطة الخالفة العباسية المهم أن تمايزا قد وقع بداية من حكم الساللة األموية وهذا بالقياس إلى ما كان عليه األمر في دولة الخالفة. هذا التمايز سيتطور ليبلغ مداه مع البوهيين وهو التمايز الذي سمح من جهة إلى ميالد العالم كفئة لها مكانة statut ودور Rôle وأدى من جهة أخرى ومبكرا إلى ميالد فئة من الكتبة البيروقراطيين المرتبطين بالدولة "وهكذا ظهرت إذا في وقت متزامن مع الدولة فئة من الرجال هم األسالف األقدمون لكبار الموظفين المعاصرين تمتعوا بفضل امتالك معرفة معينة بموارد سلطوية متميزة عن تلك المستمدة من موقعهم في المجتمع المدني وقد عمقوا من هنا بالذات الفصل بين النظام السياسي والنظام االجتماعي" ما ينطبق على ظهور فئة الكتبة التي تمثل العقالنية البيروقراطية ينطبق باألولوية على فئة العلماء الذين بدورهم تميزوا بامتالكهم معرفة بالكتاب عقيدة وتشريعا مثلت موردا سلطويا مارسوا به حق الرقابة والحسبة على السلطة من مؤشرات هذه التمايز كذلك انتصار األرستقراطية القرشية بزعامة بني أمية جعل هذه االرستقراطية تختص بممارسة الحكم وتدع ممارسة العلم كصناعة "محتقرة" ال تليق باألرستقراطية إلى فئة اجتماعية تكاثر عددها بفعل الفتوحات في األمصار فئة الموالي التي باإلضافة إلى نشاطها اإلقتصادي كحرفيين مزارعين وتجار مارسوا العلم أو مهنة الكتابة الديوانية وقد فسر ابن خلدون ظاهرة "أن حملة العلم في اإلسالم أكثرهم العجم" تفسيرا غير بعيد عن مسألة تمايز الممارسة السياسيةكمهنة واختصاص عن الممارسة العلمية حيث قال: "وأما العرب الذين أدركوا هذه الحضارة وسوقوها وخرجوا إليها عن البداوة شغلتهم الرئاسة في الدولة العباسية وما دفعوا إليه من القيام بالملك من القيام بالعلم والنظر فيه فإنهم كانوا أهل الدولة وحمايتها وأولي سياستها مع ما يلحقهم من األنفة عن انتحال العلم حينئذ بما صار من جملة الصنائع" هذا التفسير وإن كان يخصص الساللة العباسية إال أنه يمكن تمديد حكمة على الدولة األموية نظرا لعدد النابغين في العلم من الموالي بالقياس إلى نظرائهم العرب هذا يعني وجود ارستقراطية قرشية اختصت بممارسة الحكم والسياسة من بين الناس بتبرير وتسويع ديني- -أموية ثم عباسية- األئمة من قريش واختص املرجع السابق ص 32. ابن خلدون املقدمة ص
157 آخرون من الرعية بممارسة العلم كصناعة إلى جانب الصنائع األخرى وهذا يعني من الناحية السوسيولوجية تقسيم اجتماعي للعمل بموجبه تتمايز الفئات االجتماعية انطالقا من تمايز مكاناتها وأدوارها يعكس هذا الوضع السوسيولوجي عمال قامت به الدولة األموية نذكر مرة أخرى أن معاوية قد دشن بإجراءاته السياسية نموذج رجل السياسة حيث أقام حكمه على أساس عقد جديد يقوم على مبدأ "المواكلة الحسنة والمشاربة الجميلة" انطالقا من ذلك أعاد توزيع عالقات القوى القبلية بمحالفة القبائل اليمنية على حساب القيسية وحل جيش العراق وتحويل أفراده إلى رعية واستعمالهم في أحسن األحوال كجبهة لصد الخوارج وإعادة توزيع القوى هذه حتمت إعادة توزيع العطاء وفق معايير وأسس جديدة تراعي منطق الوالء والطاعة وتأخذ بعين االعتبار السبق في الموالة صاحب هذه وعلى المستوى اإليديولوجي تعميم ونشر أيدلوجيا الجبر. اإلجراءات واشغل فقهاء الشام على المفاهيم الفاعلة في تلك الفترة مثل مفهوم الجماعة السنة البدعة الفتنة الجهاد وصياغتها انطالقا من الواقع الشامي وانطالقا من إشكالية الشرعية األموية خاصة عندما تم استحداث والية العهد وتحويل نظام الحكم من نظام الخالفة إلى الملك هذا الملك الذي تمركز حول االرستقراطية العربية القرشية والقبائل العربية اليمنية الموالية لألمويين قام بعملية تعريب واسعة لإلدارة والمعامالت المالية انعكست على عملية إنتاج المعرفة فقد أدى ذلك إلى تطور في اللغة العربية من الناحية التقنية الخط الحركات األسلوب أدوات الكتابة الورق الخاصة وأدى إلى نمو المعارف المرتبطة باللغة العربية كالشعر األنساب واألخبار نهيك عن العلوم المرتبطة بالنص الديني وأهم المجاالت التي نمت فيها المعرفة المجال الديني المجال التاريخي المجال العقلي وهذه المجاالت مرتبة حسب األولوية واألهمية: 1. المجال الديني: األمر مرتبط بجملة المعارف المتمركزة حول النص الديني- القرآن والحديث- جمعا تفسيرا كالما واستنباطا التشريع- وهذه المعارف بدأت بشكل مبكر وكان منشطها طبقة من الصحابة عدو قراءا وأوعية علم كالخلفاء وعبد اهلل بن عمر وعبد اهلل بن مسعود وأبي موسى األشعري وزيد بن ثاب وأبي الدرداء وعبادة بن الصامت وأبي ذر ومعاذ بن جبل "هؤالء الصحابة العلماء الذين تفرقوا في األمصار أنشئوا حركة علمية في كل مصر نزلوه وكونوا مدارس وكان لهم تالميذ يتلقون عنهم العلم فتخرج عليهم التابعون ثم تابعوهم" وهذه المدارس هي اتجاهات وطرق وأوجه في القراءة الرواية التفسير والتشريع وهذا التمايز في هذه المدارس يعزى لألطر االجتماعية التي نشأت فيها واألحداث السياسية وفي هذه الفترة التي نتكلم عنها القرن أمني أمحد فجر اإلسالم مصر شركة الطباعة الفنية املتحدة ط 22 ص 157
158 األول- ليس لدينا مادة مكتوبة ومحفوظة عن الفاعلين فيها إال ما دون عنها بداية من منتصف القرن الثاني للهجرة أي في عصر التدوين فلدينا أسماء وأفكار ومواقف وليس لديناكتابات كما أنه في تلك الفترة لم تصل اللغة العربية إلى درجة من التطور التقني والشكلي بحيث يمكن صياغة األفكار والمواقف في نصوص ومقاالت وإنما غلب عليها طابع االسترسال الخبر والرواية لقدكان التعبير عن المواقف واالتجاهات يتم بواسطة أجناس األدب من شعر بجميع أغراضه والخطابة والقصص واألخبار فلقد تعرفنا على فحوى كثير من االتجاهات أو المواقف المذهبية لمنتجي المعرفة في تلك الفترة بواسطة الشعر والخطب كشعر "بشر بن معتمر"و"ذي الرمة" و"الكميت" و"الطرماح" و"ثابت قطنة" و"عون بن عبد اهلل بن عطية" و"أبي األسود الدؤلي" كما أن مواقف الرجال واالتجاهات ابان الفتنة خاصة أو إبان الثورات على بني أمية كانت تتداول وتعرف بواسطة الخطب كان ذلك في صفين وتهروان وخطب وأشعار القراء في معركة "دير الجماجم" وهذا يعبر عن سيطرة نموذج النص البليغ القرآن- على ما عداه من األقوال فصار نموذجا للبالغة والبيان لغيره من أجناس األقوال شعراكانت أم نثرا. الممارسة العلمية في المجال الديني كانت تنتهي كلها إلى الفقه كممارسة تهدف إلى استنباط األحكام الشرعية لتوجيه الواقع ونوازله وكان هذا األمر يتم إما وفق تقاليد مدرسة أهل الرأي أو تقاليد مدرسة أهل الحديث. وقد تأطرت تقاليد تلك المدرستين بالمجال الجغرافي وطبيعة اإلطار االجتماعي والسياسي الذي اشتغلتا فيه فقد انتشرت مدرسة الرأي في العراق ومرجعيتها عبد اهلل بن مسعود مرورا بربيعة الرأي لتنتهي عند أبي حنيفة النعمان )ت 154 ه( والمجال الجغرافي والحضاري الذي انتشرت فيه كان له تأثيره في صبغ هذه المدرسة بالصبغة العقلية فالتعدد العرقي والثقافي باإلضافة إلى تعقد الواقع االجتماعي وجريانه بوتيرة سريعة ناهيك عن قلة الحديث في العراق كما فسر ذلك ابن خلدون جعلت هذا المجال يستخدم في التشريع الرأي فهي مدرسة تكثر من تفريع الفروع وافتراض الفروض كما كانوا قليلي رواية الحديث أما االتجاه المقابل فهو الذي تمثله مدرسة أهل الحديث والتي تقاليدها في التشريع تكاد تتعارض مع المدرسة األولى فهم يكثرون من رواية الحديث واالعتداد به حتى الضعيف منه وتقديمه على الرأي وكراهتهم إلعمال الرأي والسؤال عن الفروض إن العوامل التي أدت إلى اعتماد الرأي في ذلك المجال هي نفسها معكوسة و قد حسمت لسلطة األثر عند أهل الحديث قد تكون لطبيعة المجال الجغرافي تأثير في نشأة هذين التقليدين في التشريع وفي النظر إلى تراث اإلسالم ولكن وفي زمن متأخر عن النشأة أصبح الصراع بين االتجاهين ينشط الحركة 158
159 الفكرية في الحواضر العراقية نفسها في الكوفة والبصرة وبشكل خاص في بغداد حيث أصبح االرتباط بنوعية الجمهور والشرائح االجتماعية هو ما يميز هذا االتجاه أو ذاك فأصحاب الرأي في الفقه والمعتزلة في العقائد أصبحوا يعبرون عن اهتمامات النخبة االجتماعية والسياسية بينما ارتبط أهل الحديث بالجماهير الشعبية المهم أنه على مستوى التشريع ستتمايز رؤيتان و ستظالن تتقاسمان المجهود المعرفي في اإلسالم في جميع حقول المعرفة فقد امتد ذلك الصراع من مجال الفقه إلى بقية العلوم العربية األخرى التفسير النحو... وألن مجال التشريع تتلقى فيه العلوم العربية اإلسالمية من حديث وتفسير ولغة فإنه المجال الذي استهلك الجهد المعرفي األكبر سواء على المستوى العملي استنباط األحكام- أو على مستوى التنظير إنشاء علم أصول الفقه- هذا االنقسام سيتطور بتضخم األصل الذي تعتمده كل مدرسة سيتضخم الحديث بالوضع و الرأي باإلمعان في الفروض وإنكار األثر والرواية األمر الذي أدى الى ما يسميه الجابري "أزمة أسس" التي تعجل بقيام علم أصول الفقه على يد الشافعي. 2.مجال األخبار القصص والتاريخ: وهو مجال لم يظهر مستقال عن المجال الديني التشريعي منه خاصة وال عن المجال السياسي إذ يشكل المجال األكثر تعبيرا وبشكل يكاد يكون صريحا عن صراع القوى التي كانت تشكل الحياة االجتماعية والسياسية إلسالم القرنين األول والثاني ونظرا لهذه الخصوصية خصوصية االرتباط بالتشريع وبالسلطة سيكون التاريخ كحقل معرفي نموذجا للتحليل في المرحلة القادمة ولكن نقول في هذا السياق الحاضر أن الفقه والخبر الذي بنيت عليه المؤلفات التي ألفت بعد ذلك ككتب ابن إسحاق وابن جرير وأمثالهما" 3.مجال النظر العقلي "كان األساس الممارسة النظرية قبل عصر التدوين كانت محدودة في مجال التشريع بالرأي والكالم في العقائد وربما تسرب شيء من العلوم العقلية عن طريق علوم عملية كالطب والكيمياء رغم أن كتب تاريخ الفرق واألفكار تتكلم عن ترجمات وكتابات فلسفية تنسب لألمير األموي خالد بن يزيد. بعد هذا العرض يمكن أن نتوج المطالب السابقة بإبراز الخصائص التي طبعت المعرفة وإنتاجها في القرن األول وأهمها: ازدياد االعتماد على القرآن كمرجع أو إمام في الخالف السياسي )حركة القراء( أو الخالف العقائدي علم الكالم- أو التشريع الفقه التفسير علوم اللغة. أمني أمحد فجر اإلسالم ص
160 شكل التشريع أو الفقه القانون -المجال األكثر استقطابا للمجهود المعرفي والمجال الذي يلتقي على صعيده جميع االتجاهات العقلية والنصية-وتعود لتتوزع على صعيد العقائد أو الحديث أو النحو أو التفسير. ظلت اللغة حتى ذلك الحين بمنأى عن التعقيد واالكراهات المنهجية لذا لم تصل اللغة من الناحية التقنية والشكلية إلى الدرجة التي يمكنها صياغة المواقف واالتجاهات على أنها نصوص ومقاالت )إشكال موقف استدالل( وظل التعبير عن ذلك يتوسل بأجناس األدب المعروفة فسادت الثقافة المرتبطة باللغة العربية وآدابها خاصة الشعر وذلك كإنعكاس لسلطة عربية مركزية. ظل العلم في هذه الفترة علما يتداول مشافهة غير مبوب وال مصنف فالرواية والسند شكال سلطة على المتن وظلت الشهادة وعدالتها كقيمة أخالقية ودينية تتحكم في المعرفي فقها وتفسيرا حديثا ولغة وأخبارا لذا سيظل العلم حتى عصر التدوين يماثل "المروي" فهو قول وخبر قصة ورواية أكثر منه رأيا واستدالال أو استنباطا إنه عقل شفهي متحرر من اإلكراهات المنهجية مرتبط ببالغة القرآن حيث غزارة المعاني وتدفقها العفوي في قالب من اإليجاز والمجاز وجمال العبارة وسحرها. إلى جانب العالم )الفقيه المحدث اإلخباري اللغوي( هناك الكاتب الديواني وهذا خادم السلطة الذي يطيع أوامرها ويصيغ قراراتها ومراسيمها بلغة فنية وتقنية وألن معظم ممارسيهاكانوا فرسا أو روما فإنه عن طريق الكتابة الديوانية تسربت إلى قلب السلطة قيم وعادات وأعراف ثقافية غير عربية في مجال السياسة الحياة العامة الكتابة وبالتالي أصبح هناك مرجعية أخرى غير عربية وغير دينية منافسة للمرجعية العربية في مجالي السياسة والثقافة وستدخل الكتابة الديوانية خاصة بعد تعريبها تغيرات في اللغة العربية من الناحية المعجمية الفنية والتقنية اذ سيتطور الخط وأدواته خاصة الورق وبذلك شكلت عملية تعريب الدواوين قاعدة وأساسا لتدوين العلم وتبويبه في عهد الدولة العباسية. ارتباط هذه الحركة العلمية بمراكز حضرية أو لنقل مجاالت حضرية الحجاز )المدينة ومكة( العراق )البصرة والكوفة( الشام )دمشق( خصوصية هذه المجاالت من حيث التركيبة السكانية عربية خالصة أو هجينة- ومن حيث عالقتها بالتقاليد الحضارية حيث العراق والشام حاضرتين لهما تقاليد حضارية عريقة فلسفية ودينية و حيث الحجاز مرتبط بماضي وتراث ديني عربي محض وفي هذا اإلطار أي مجال العلم اكتسى التنافس والصراع تنافسا وصراعا جغرافيا بين مجال وآخر ثم تنافسا وصراعا بين الحواضر داخل المجال نفسه وكان لهذا 160
161 التنافس والصراع قاعدة خلفية ذات طابع سياسي فالصراع اإليبستيمولوجي بين الكوفة والبصرة ال يمكن عزله عن المواقف السياسية للمدينتين من الصراع بين علي وطلحة والزبير وعائشة وال يمكن عزله عن تأثير التوجهات السياسية والمعرفية لكبار الصحابة تأثير عبد اهلل بن مسعود في الكوفة وتأثير أبي موسى االشعري في البصرة وال يمكن عزل تأثير التوجه العثماني واألموي في الشام في قرائه وفقهائه والذين اشتغلوا وباإلضافة إلى مجاهدة العدو بصياغة مفاهيم كالسنة البدعة الفتنة الجماعة الجهاد على نحو يختلف عن العراق ويدخل في ذلك تبرير شرعية حكم معاوية وتوليته العهد إلبنه يزيد ولدى قيام مدرسة الشام الفقهية األوزاعية لم تكن تختلف في جوهرها وتوجهاتها عن مدرسة اإلمام مالك انتقل الشاميون إلى المذهب الشافعي مما بدى وكأنه كانت ما تزال تؤثر األحناف والمالكية ببغداد". التدوين ونشوء العلوم العربية اإلسالمية: وعندما اضمحل المذهب األوزاعي "معارضة غير واعية للسلطة العباسية التي يقول الذهبي: "في سنة ثالث وأربعين شرع علماء اإلسالم في هذا العصر في تدوين الحديث والفقه والتفسير فصنف ابن جريح بمكة ومالك الموطأ بالمدينة واألوزاعي بالشام وابن أبي عروبة وحماد بن سلمة وغيرهما بالبصرة ومعمر باليمن وسفيان الثوري بالكوفة وصنف ابن إسحاق المغازي وصنف أبو حنيفة رحمه اهلل- الفقه والرأي ثم بعد يسير صنف هشيم والليث وابن لهيعة ثم ابن المبارك وأبو يوسف وابن وهب وكثر تدوين العلم وتبويبه ودونت كتب العربية واللغة والتاريخ وأيام الناس وقبل هذا العصر كان األئمة يتكلمون من حفظهم أو يروون العلم في صحف صحيحة غير مرتبة". هذا النص الهام يحدد من الناحية التاريخية بداية التدوين في سنة 143 ه أي بعد مرور سبع سنوات من خالفة أبي جعفر المنصور المؤسس الفعلي للدولة العباسية فهو يماثل من هذه الناحية معاوية بالنسبة للساللة األموية كما أن النص يحدد األمصار التي كانت مسرحا لعملية التدوين الحجاز بمصريه: المدينة ومكة فالكوفة البصرة الشام واليمن وهي أمصار تشكل مجاالت جغرافية متصارعة ومتنافسة علميا وسياسيا كما أن النص يستخدم جملة من المفاهيم التي علينا التوقف عندها لقد وصف النص أن من قام بهذا العمل " "علماء اإلسالم وهذا المفهوم سيتحدد أوال: من خالل العمل التاريخي التدوين والتصنيف- ثم سيتحدد ثانيا من خالل طبيعة ونوعية العلوم موضوع التدوين والتصنيف ثم هناك مفهوم "الكالم من الحفظ والرواية من الصحف غير المرتبة". السيد رضوان اجلماعة واجملتمع والدولة ص 223 السيوطي تاريخ اخللفاء ت ج: حممد أمحد عيسى القاهرة دار ألف اجلديد 2027 ص
162 "عالم اإلسالم " حسب النص يتحدد مفهومه بكونه من يشتغل بتدوين وتصنيف العلوم: الحدث الفقه التفسير اللغة التاريخ وأيام الناس وهذه منظومة من العلوم بمعنى أنها نسق من المعارف تقوم على التكامل والتبادل الوظيفي بينها والعالقة الوظيفية بين هذه العلوم هي التي تجعل من بعض العلوم "علوما آلية" إلى يتوسل بها لبلوغ العلوم التي تشكل غاية وهدفا أي " علما اشرفا" على انه من الملفت لالنتباه أن العلوم العربية اإلسالمية وإن تمايزت مراتبها ومواقعها وتباينت أهميتها فإنها تميزت بالتداخل والتراتب بحيث يصعب الفصل بين االختصاصات ويصعب على ممارس فعل الثقافة في الحضارة العربية اإلسالمية االستقالل بفرع عن بقية الفروع و االستغناء عنها" )4( "أن يتجه التعلم والتكوين والتأليف جميعا إلى األخذ بالموسوعية" هذه الميزة أدت وعمل العالم أو مهنته التي حددها النص هي التدوين والتصنيف فأما التدوين فيتمثل في جمع األحاديث األقوال األحكام األخبار في مجال محدد من مجاالت المعرفة المتداولة وتثبيتها كتابة أي نقلها من مجال التداول الشفهي إلى مجال التداول الكتابي والنص يشير بقوة من خالل عدد األسماء واألماكن والمعارف إلى عملية تاريخية ضخمة يعرفها حسين مروة "ذلك العمل التاريخي الذي بدئ به قصد كتابة المعارف األدبية والدينية والعلمية وأخبار العرب بعد أن كانت هذه المعارف تحكى وتروى بالسماع دون )5( القراءة" يردف النص مفهوما آخر إلى التدوين هو يشير معناه المباشر الذي "التصنيف" والمتداول إلى ال تنظيم أي وضع علم ما في مكانه ضمن منظومة من المعارف التي تشترك في جملة من الخصائص تجعلها ترتب تحت اسم جامع كأن نقول علوم القرآن أو علوم الحديث وال نحسب أن األمر وصل إلى هذه الدرجة من التطور والتعقيد سنعرف هذه المرحلة الحقا مع و"الفهرست" "مفاتيح العلوم" بل نحسب وطبقا الستعماالت هذا المفهوم في تلك الفترة أن األمر يتعلق بالكتابة والتأليف في فن مخصوص دون غيره أي الكتابة المتخصصة في علم من العلوم المكونة للعلوم العربية اإلسالمية والنص يؤكد هذا المنحى عندما يتكلم عن طريقتين للممارسة العلمية في تلك الفترة فإما "الكالم من الحفظ" أو النوع الذي يدعم التحليل السابق لمفهوم التصنيف "رواية العلم من صحف عبد الرمحان طه جتديد املنه ج يف تقومي الرتاث بريوت والدار البيضاء املركز الثقايف العريب 2992 ص ص املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. بوحجرة ساحي تارخيية املنطق العريب اإلسالمي رسالة ماجستري يف الفلسفة غ.م قسم الفلسفة جامعة وهران 03 مارس 2999 ص )4( عبد الرمحان طه جتديد املنه ج يف تقومي الرتاث ص )5( مروة حسني النزعات املادية يف الفلسفة العربية اإلسالمية ج 2 ص 222.
163 صحيحة غير مرتبة" بمعنى أنها غير مصنفة إلى علم بذاته خالية من وحدة الموضوع فقد تجد في الصحيفة الواحدة الحديث والتفسير واألخبار واأليام األحكام الفقهية إذن هناك تدرج من " الكالم من الحفظ" إلى "الرواية من صحف غير مرتبة" إلى المرحلة األكثر تقدما التدوين والتصنيف أي نحن أمام مرحلة ممارسة التخصص ليصبح ممارس العلم متحدثا أو فقيها أو عالما باألخبار األنساب واأليام أو متكلما أو عالم لغة... وهذه يعنى مرة أخرى الوصول إلى مرحلة تحديد موضوع العلم وآليات ممارسته وهذا دائما ضمن نظام معرفي هو البيان الذي ولطبيعته اقتضى ورغم التمايز بين العلوم المكونة له التباين والتساند الوظيفي والموسوعية. من جهة أخرى عدد االسماء المعارف األماكن والتزامن يبين وكما أسلفنا أن التدوين عملية تاريخية ضخمة و تؤكد من جهة أخرى أن التدوين كعمل فردي منعزل قد جرى بشكل مبكر قبل هذا التاريخ فعبارة "رواية العلم من صحف صحيحة غير مرتبة" تشير بوضوح إلى ذلك باإلضافة الى أن المصادر التي عنيت بتأريخ العلوم العربية اإلسالمية كالفهرست تؤكد ذلك من ذلك وعلى سبيل المثال ال الحصر أن "أول من ألف في المثالب فرع من علم االنساب أي ابن النديم- أمر الكالم والجدال" ذلك بخط أبي الحسن الكوفي أو ذكره كتاب زباد بن أبية" وقد قرأ - "ألخبار متكلمي المعتزلة والمرجنة وابتداء حيث يذكر مصنفات للحسن البصري ولواصل بن العطاء ولعمرو بن عبيد و مصنفات للخوارج وأخبار فقهاء الشيعة وأسماء ما صنفوه من الكتب وكل ذلك كان في القرن األول من تاريخ االسالم وكان القرآن قد دون قبل هذا التاريخ بفترة طويلة النص يشير كذلك إلى مفهوم من أهم المفاهيم التصاقا بالثقافة العربية اإلسالمية إنه مفهوم "الشهادة" وقيمة "السند" بمفهوم المفاهيمية تحيل إلى وضع كان العلم فيه ومصادره وارتباط هذه المفاهيم بمفهوم "الرواية والسماع" المرتبطين "الحفظ والذاكرة" هذه الشبكة القرآن والحديث وتراث العرب من شعر ونثر وأخبار وقصص وأساطير يروى ويسمع من أفواه الرجال نحن إذن إزاء ثقافة شفاهية أو عقل شفهي له منطقه يتحول بفعل عملية التدوين إلى * "عقل كتابي" له منطقه وإكراهاته وعليه يكون التدوين قد قام بنقلة ابستيمولوجية عميقة األثر تمثلت أساسا في انتقال ثقافة كانت تعتمد المشافهة السماع ابن الندم حممد بن يعقوب اسحاق الفهرست تح: عباس عثمان )ب.ط( دار قطرى بن فجاءة 2932 ص املرجع ذاته ص 772 وما بعدها. املرجع ذاته ص 212 خاصة - * هذا املفهوم هو عنوان لكتاب لألنرتيولوجي االجنليزي جاك غوديGodet Jaque
164 والرواية إلى ثقافة مكتوبة ومثبتة في نصوص ولتبيان القيمة االبستيمولوجية لمفاهيم كالرواية والسماع يكفي أن نذكر بأن عملية التدوين انصبت في المقام األول على النصوص المؤسسة لإلسالم القرآن والحديث- مما يفسر اهتمام العلماء بعلم القراءات التي أخذت عن الرسول مشافهة ثم عن القراء فالقرآن قبل أن يصبح نصا بين دفتين- مصحفا- كان كالما منطوقا غير مكتوب فالقراءات القرآنية خضعت آللية اإلرسال والتلقي وحتى بعد التدوين ورغم تطور الكتابة العربية من الناحية الشكلية والتقنية مازالت في مستوى معين تؤخذ سماعا وال عالقة لها بالكتابة إنها مؤسسة على السماع وتثبت وتؤدي بالسماع وإذا علمنا أن القراءات هي التي حددت المنهج اللغوي العربي إذ القارئ عالم بالنحو واللغة في نفس الوقت وأن اللغة العربية جمعت بالسماع كذلك من أفواه األعراب علمنا أية قيمة وثقل ابيستيمولوجين لعملية "السماع" و"الرواية" في الحضارة العربية اإلسالمية وفي العلوم الموصوفة "بالعلوم األصيلة" دون استثناء فلكل قراءة رواية وكان لكل شاعر رواية ولم يكن له كاتب وقد كانت تهمة "قليل السماع" كفيلة بوصم عقل معرفي ما بالضحالة وعدم القيمة هذا يقودنا إلى نتيجة هامة وحاسمة تتعلق بماهية العلم المقصود وبمهنة العالم حتى عصر التدوين على األقل فكل هذه الحيثيات والقراءات تحدد أن العلم المقصود هنا هو ما يساوي "المروي" لهذا ارتبط بالتدوين التصنيف والتبويب ما قام به العلماء "وأئمة االسالم اإلمام في هذا السياق رتبة تطلق على رواي الحديث الذي أصبح مرجعا - هو تحويل المروي العلم- إلى نص مكتوب مدون ومصنف. هناك جانب آخر على جانبكبير من األهمية هذا الجانب بقدر ما له عالقة بالمعرفة وبأدوات إنتاجها له عالقة كذلك باألطر المرجعية المؤسسة للمعرفة في المجتمع العربي اإلسالمي في العصر الوسيط وبالتالي له عالقة بالسلطة بشكل أو بآخر هذا الجانب يتعلق "بشروط صحة العلم" فمن حيث عالقة هذا الجانب بالمعرفة وأدوات إنتاجها كان العلماء كل في تخصصه يضعون شروطا يجب على المروي أن يخضع لها حتى يكون صحيحا يعبر عن الحقيقة ويصنف المروى حسب درجات خضوعه لتلك الشروطكلها أو معظمها أو جزء منها أو ال يخضع لها تماما. لذا وفي المجال الحديث مثال قد يصح الحديث على شروط أحدهم وال يصح على شروط آخر مع أنه قد يكون صحيحا في الواقع ولكنه حسب الشروط ال يصح أو يكون غير صحيح واقعيا ولكنه صحيح حسب الشروط وعليه يكون " الموروث الثقافي العربي اإلسالمي الذي تناقلته األجيال منذ عصر التدوين إلى اليوم ليس صحيحا "على درجة القطع" بل هو صحيح فقط "على شروط " أهل "العلم" الشروط التي وضعها وخضع لها المحدثون والفقهاء والمفسرون والنحاة واللغويون الذين عاشوا 164
165 ت) في عصر التدوين ما بين منتصف القرن الثاني ومنتصف القرن الثالث للهجرة" وهذه الشروط من وضع العقل وتقع خارج العلم إنها مقدماته ومبادئه الضرورية التي يقوم عليها من أجل ذلك يستنتج الجابري أن األمر لم يكن يتعلق فقط بتدوين العلم وتصنيفه بقدر ما كان يتعلق بتأسيس العقل العربي نفسه لذا ال يتردد في القول بأن " حديد جميع فروع هذه الثقافة وينظم مختلف تموجاتها الالحقة. عصر التدوين يمثل اإلطار المرجعي الذي يشد إليه وبخيوط من أما الجانب اآلخر من "شروط صحة العلم" فهو الشرعية الشرعية العلمية ولكنها شرعية مرتبطة بشرعية وجود القوى المتصارعة على الساحة االجتماعية والسياسية فبداية من القراء والعثمانية فالخوارج والشيعة فالمرجئة والقدرية والجبرية والمعتزلة ثم الحقا أهل السنة والجماعة فأصحاب الرأي وأصحاب الحديث فاألشعرية كل هذه القوى السياسية أو المعرفية تدعي ارتباطها بما يعطيها شرعية الوجود والتكلم والممارسة تدعي امتالكها العلم الصحيح الذي تسلموه من منابعه بطريقة سليمة أمينة وصحيحة فكل فرقة تدعي أنها الفرقة الناجية التي تعبر عن حقيقة الدين ومقاصده وماعادها فضالل وباطل لنتفحص عند المحدثين ذلك العلم الذي يسمى علم الرجال" والذي يتناول بالجرح والتعديل سيرة من رووا الحديث وبغض النظر عن التحفظات واألخالقية والشرعية شرعية التجريح في شخص المسلم والتشهير بأخطائه التي يمكن أن تقال عن هذا العلم فإن وصم أحدهم بكونه متكلما أو متشيعا أوحنفيا أو حتى متعاطفا مع هذه المذاهب جدير بأن تسقط مشروعية ومصداقية روايته وهكذا تم استبعاد علماء كبار من دائرة المحدثين لهذا السبب"كإبن علية" حنبل" )113 فرغم رسوخ قدمه في علم الحديث وحضور المع علماء الحديث حلقة دروسه "كأحمد بن و"الشافعي" و"شعبة بن الحجاج "و"عبد الرحمان بن مهدي" وغيرهم إال أنه لم يكن يعد من علماء الحديث "إذاكان هناك ما يشوب سجله أو تاريخه وقد جاءت هذه الشائبة أو الوصمة من دعم إبن علية للنقاشات الكالمية والعقدية" ونفس الحكم انطبق على القضاة وصاحب كتاب "الخراج" وأحد الشخصيات العلمية المقربة من "أبي يوسف" )ت 112 ( قاضي "هارون الرشيد" فلم تشفع له هالته العلمية في الحديث الفقه والقضاء في أن يحظى بثقة تلميذه أحمد بن حنبل ال لشيىء سوى أنه من أصحاب "أبي حنيفة" يقول "أحمد بن حنبل" "أبو يوسف صدوق ولكن أصحاب أبي حنيفة ال حممد عابد اجلابري تكوين العقل العريب ص 12. املرجع ذاته ص 12. ميرودهورويرت أمحد بن حنبل وشكل املهب احلنبلي الورع يف موقع السلطة ت: السيد بريوت الشبكة العربية لألحباث والنشر 2022 ص غسان علم الدين مر وتق رضوان
166 ينبغي أن يروي عنهم شيء" بل أن محدثا ال تناقش مكانتهكالبخاري )256( صاحب أصح أثر بعد القرآن عند أهل السنة استبعد من طبقات الحنابلة بسبب موقفه من مسألة "ألفاظ القرآن" هذا وأمثلة أخرى كثيرة من هذا الطرف أو ذاك الحكم فيها على القيمة العلمية لرجل من الرجال ال تتعلق بمضامين علمه أو مدى مطابقته لشروط الصحة علم الكالم و هذه الخاصيةيفسرها مفهوم الحيادية بل تتعلق بانتمائه المذهبي في الفقه و في "المزاودة المحاكاتية: mimétiquela" "Surenchère الذي هو "مصطلح أنترويولوجي حديث من اختراع رونيه جيرار وهو يعني مزاودة عدة فئات من داخل األيديولوجيا نفسها على محاكاة النموذج األصلي األعلى )النبي أو القائد الملهم أو الزعيم( وإدعاء كل واحدة منها أنها أكثر إخالصا له من غيرها وأكثر تشابها به ومحاكاة له" فكل مذهب أو فرقة أو سلطة قائمة أو مقاومة كانت تحاول البرهنة على إتباعها خطا مستقيما صادرا من المصدر األول للحقيقة القرآن والنبي "فالشعارات التالية تعبر عن هذه المزاودة المحاكاتية أبلغ تعبيرا: ال حكم إال اهلل ال طاعة لمخلوق فيي معصية الخالق العمل بكتاب اهلل وسنة نبيه الفرقة الناجية والفرقة الهالكة أهل السنة والجماعة أهل العصمة والعدالة" وهكذا فكل فرقة أو مذهب أو فرع من فروع المعرفة يدعي "أورثوذوكسيته" أي أنه "يمشي سويا على صراط مستقيم" ويمثل الدين الصحيح والعلم الصحيح ولعل التوقف عند نص الذهبي سيالحظ أن عملية التدوين في علم الكالم ولدى المجموعات األخرى المنافسة من شيعة وخوارج قد أقصيت مع العلم أن التدوين في علم الكالم ولدى الشيعة ولدى حتى الخوارج بدأ كذلك في التاريخ الذي حدده الذهبي إن لم يكن قبله يقودنا هذا كله إلى التساؤل حول شروط صحة تلك الشروط أو ضمانات صدقيتها الشك أن تلك الشروط تقع خارج العلم المدون وتحدد الشروط التي وضعها العقل أو الرأي )لصحة العلم( إنها تقع ضمن اإلكراهات والظروف التي أدت إلى هذا العمل التاريخي فالنصوص المدونة بداية من القرآن ثم الحديث إلى اللغة والتاريخ تتمثل بالنسبة للمجموعات المتنافسة رهانا يجب كسبه ألنه وكما بينا في المبحث السابق السيادة العليا التي أطلقت كل شيء في تاريخ اإلسالم قد تجسدت وانتقلت إلى القرآن والحديث بعد أن أصبحت نصوصا وتستمر في مراقبة التاريخ وحيثيات الواقع االجتماعي عبر تقنين التشريع بواسطة علم أصول الفقه وإذا علمنا االرتباط العضوي بين السيادة العليا والسلطة من حيث أن هذه األخيرة تحتاج دائما إلى السيادة العليا لتستند عليها وتستمد منها شرعيتها وألنه يجب املرجع ذاته ص 90. أركون حممد اإلسالم األخالق والسياسة ص 29. املرجع السابق الصفحة ذاهتا. 166
167 اعتبار السلطة بمثابة هي ممارسة القمع" "شبكة منتجة تمر عبر الجسم االجتماعي كله أكثر مما هي هيأة سلبية وظيفتها فإنها ولطبيعتها تلك تنتج معارف محددة وتقمع أخرى و ترمي أخرى بالزيف وعدم الجدوى من أجل ذلك كانت عملية التدوين التي انطلقت في أمصار اإلسالم في فترة تاريخية واحدة كانت عمال تاريخيا له أهدافه المعرفية ولكنه في نفس الوقت مورس كآلية من آليات السلطة المتالك السيادة العليا واحتكارها وقطع الطريق أمام المجموعات األخرى المنافسة التي كانت تمثل المقاومة للحيلولة دونها ودون امتالك مصادر الشرعية وهذه اآللية هي آلية واحدة بغض النظر عن اسم من يمثل السلطة الساللة األموية أو الساللة العباسية فقد تم التمهيد لعملية التدوين هذه من قبل "عبد الملك بن مروان" و ذلك بتعريب الدواوين وما أدى ذلك إلى تطور تقني وفني للغة العربية "أركون" ويتساءل تساؤال اثباتيا عن طبيعة األهداف السياسية التي وقفت وراء ما قام به يوسف" من ضبط لمبنى اللغة وذلك بوضع العالمات التقنية لها - نقاط حركات- مدى نشأت عن قرار حاكم العراق الحجاج بن يوسف الثقفي- لمصحف عثمان- أو 167 "الجاج بن بقوله: ""إلى أي القاضي بتثبيت الكتابة اإلمالئية اختيارات جديدة صرفية ولغوية كان من شأنها بالضرورة أن تنال من المعنى هل كانت المجموعات الشيعية التي شكلت في تلك الفترة "األساس العقائدي" لمعارضة السلطة الرسمية هل كانت هي المقصودة بهذه االختيارات" جمع الحديث وتدوينه إنما جاء تنفيذا ألمر الخليفة األموي وإذا صحت روايات أهل السنة "عمر بن عبد العزيز" والجماعة في فان لواليه على المدينة "إلبن شهاب الزهري" وقبل ذلك كان هناك عدم إجماع على قرار الخليفة عثمان القاضي بجمع القرآن وتدوينه في مصحف جامع وإتالف بقية الصحف خاصة وأن الخليفة "قال للرهط من قريش: إذ اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش فإنما أنزل بلسانهم" وكان المحتجون على ذلك القراء وقد كان من بين المطاعن التي أخذت على عثمان من قبلهم ألنه أراد "محو الكتاب" ولعل القراء بتوجههم المضاد لقريش قد قرأوا مسعى الخليفة بأنه احتكار قرشي للكتاب ولم يدرك وسط القراء أو أنه لم يرد أن يدرك مقصد عثمان فجرى تشويهه وربما لم يجر )4( تنفيذ أمره في الكوفة والبصرة على حد سواء" بينما نشر وعمم وأعيد نسخ مصحف عثمان في الشام مركز العثمانية والنفوذ األموي بتشجيع وإيعاز من السلطة األموية وفي نفس السياق صاحبت عملية التدوين وباإلضافة إلى الصراعات المذهبية على امتالك مصدر الشرعية كما أسهبنا منافسة فوكو مشال نظام اخلطاب ص 97. أركون حممد الفكر العريب ت: عادل العوا اجلزائر د.م.ج ط ص 72. ابن الندمي الفهرست ص 27. )4( هشام جعيط الفتنة ص 222.
168 ومنازعة بين المجاالت الجغرافية المجال العراقي والمجال الشامي في تتبع األثار وتدوينها فهذا "التقصي كان متميزا بالمنازعات )شامية-يثربية( لدى لدى الزهري ت 442 م( )أبي مخنف ت 444 م( ت 411 م(...". السياسية االجتماعية على نحو يجعلنا نجد منافسة ذات نزعة و)صهيب بنقيسان ت 451 م( ثم حلت محلها نزعة عراقية و)جابر بن يزيد ت 454 م( و)محمد الكلبي ت 463 م( وابنه هاشم وستكون لنا الفرصة في المطلب القادم بمناسبة عرض نموذج من العلوم العربية اإلسالمية لإلسهاب في اتجاهات الكتابة والتأليف وما تعكسه من مواقع اجتماعية وسياسية. إن جميع المالحظات واالستشهادات والقرائن السابقة تقرر بوضوح إقتران عملية التدوين بميالد عقل دولة محكوم بعقالنية براغماتية أي بتثبيت مصادر السيادة العليا- تحقيق جملة من األهداف على رأسها تثبيت شرعيتها القرآن الحديث التراث- كتابة ألن تلك المصادر وهي متداولة شفاهة هي ملك مشاع لجميع األفراد والجماعات المتنافسة وجميع الفئات المكونة لألمة والكل يدعي صدور آرائه ومواقفه عنها وهي اذ تتداول مشافهة تظل عرضة للوضع والتضخيم والبتر والنسيان فهناك تضامن بين عقل دولة بعقالنيته البرغماتية و"العقل الكتابي" من أجل احتكار السيادة العليا وتوظيفها لتبرير شرعية السلطة القائمة ولقد بينا في المبحث السابق كيف حدث ذلك التحول في ترتيب عنصري الزوج: سيادة عليا/سلطة من أولوية وأسبقية زمنية وأنطولوجية للسيادة العليا إلى أولوية للسلطة التي باتت تستخدم السيادة العليا لتبرير شرعيتها "فقد حصل نوع من القلب أو العكس للمراتبية األخالقية-الروحية التي كانت سائدة في زمن النبي هذه المراتبية المتمثلة بالعدالة التالية: سيادة عليا/سلطة سياسية أصبحت األولوية للسلطة السياسية القائمة على العنف واستخدام العنف لكي تفرض نظامها االجتماعي و السياسي المثبت والمرسخ من قبل الفئة االجتماعية المنتصرة والدولة بصفتها قوة ضبط وإكراه قسري سوف تستخدم ذروة السيادة العليا كمرجع ضروري تبرير سلطتها السياسية التي تنقصها في األصلكل شرعية ذاتية أو حقيقية". من أجل وإذا علمنا أن هذه السيادة العليا وبعد وفاة النبي تحولت إلى النصوص المؤسسة القرآن والحديث ثم إلى عمل العلماء أي االجتهاد وكل هذا احتاج إلى عمل جبار تمثل في إعادة بناء التراث العربي بجميع مكوناته قصص أخبار أنساب سير أيام لغة شعر... لخدمة النص علمنا كذلك ومن جهة أخرى قيمة العمل السيكولوجي المتمثل في كعلوم مساعدة "المخيال أركون حممد الفكر العريب ص 21. أركون حممد الفكر اإلسالمي قراءة علمية صص
169 االجتماعي" حيث "إن القوى السيكولوجية الفاعلة والمسببة لهذا االنتقال أو التحول من مرحلة االنبثاق والظهور الطازجة إلى مرحلة تشكل الدولة المركزية الرسمية تتمثل في المخيال االجتماعي وبالبحث عن عقلنة برغماتية لتسيير أمور الدولة في آن معا" ثم هناك وظيفة أخرى أو آلية أخرى من آليات السلطة التي يمكن أن تستشف من خالل عملية التدوين إنها عملية التجميع والتشتيت تجميع العناصر التي تزيد من انتشارها واتساعها وتشتيت العناصر التي تقوم بعمل سلبي فالتدوين ليس إال عملية تجميع لعناصر التراث والنصوص التي تمكن السلطة في االنتشار وهذه العملية تمكن من استقطاب كل األفراد والفئات التي تدخل ضمن صيرورة الدولة وأهدافها وذلك بجمعها حول تراث ثقافي ومعرفي مشترك سيشكل هويتها وعامل استمراريتها أي مطابقة الدولة مع األمة كهدف أقصى هذه البرغماتية هي ما دفعت الدولة ومن التقنية "أجل توضيح السيادة العليا وبلورتها احتاجت لكل السيادة )أو العلوم التقنية الخاصة باإلخباري-عالم األخبار والعالم اللغوي والنحوي وعالم الكالم التيولوجي والفقه(". نعتبر إذن التدوين ليس مجرد جمع تصنيف وتبويب المعارف إلى علوم كما ال نعتبر أن هذه العملية التاريخية والتي حدثت تقريبا في زمن واحد ومست جميع أمصار اإلسالم في تلك الفترة أنها تمت برغبة أو إرادة معرفة خاصة بشخص ما كما ال نعتبر هذه العملية التاريخية عملية معرفية خالصة تمت بمعزل عن السياق التاريخي بجميع حوادثه بما في ذلك األحداث السياسية التي ارتبطت أكثر ما ارتبطت بامتالك السلطة والتحكم في توزيع األرزاق وتبويب للمعارف ولكنها حدثت بتأطير جملة من الشروط السلطة والمال- "شروط صحة العلم" نعم إنها جمع وتنظيم التي تشكل وبالنسبة لحضارتنا ماكان قد أسماه "فوكو" "الحقيقة" "ال باعتبارها ما يجب اكتشافه وجعل اآلخرين يقبلونه بل القواعد والشروط التي تقرر ما هو حقيقي) (" 3 وتلك الشروط قد حددت من قبل épistème باعتباره وتلك الشروط- شروط )4( "البنية الضمنية للفكر" "صحة العلم" "االيبسمي الفكر كما نشأ ومورس في الثقافة العربية اإلسالمية وضعت من قبل الرأي والعقل الذي فاتح بذلك مسار نشوئه واشتغاله على هذا األساس نصل إلى هذه النتيجة التي مفادها أنه لم يكن هناك وقبل هذه الفترة التاريخية علم كانت هناك معارف آثار أخبار وأقوال لم يكن هناك حتى مؤلف أو مصنف بلغة املرجع السابق ص 211. املرجع ذاته ص ) - فوكو ميشال نظام اخلطاب ص 75 3 ( )4( املرجع ذاته ص 12.
170 تلك الفترة ومعيار الحقيقة هو االستناد إلى إخباري راوي حافظ بدوره يستند إلى سلسلة من اإلخباريين والرواة والحفظة وصوال إلى المصدر الحدث أو الشخصية المرجعية كالنبي حيث هو بدوره ليس قائال فاعال على وجه الحقيقة بمعنى أنه ليس منتجا للقول الذي يعبر عن الحقيقة األزلية واألبدية ولكنه وسيط بين المتكلم بالحقيقة السيادة العليا- والبشر وضمانة كل ذلك ضمانة أخالقية عدالة الشهود الذين يتصلون بالصحابة الذي شهدوا الحدث التاريخي في طزاجته األولى وقد بينا سابقا كيف أن الصحابة بالنسبة ألهل السنة واألئمة بالنسبة للشيعة اعتبروا الحقا أوعية العلم و حفظته األمناء والشهود العدول عليه إلى درجة العصمة يقودنا هذا إلى ما اعتبره أركون األرضية الفكرية أو العقلية المشتركة التي يقوم عليها فكر ونظام الحقيقة في العصر الوسيط والذي تخضع له جميع العقول والعلوم سواء تلك المرتبطة بالدين واللغة أو تلك المصنفة على أنها علوم عقلية هي الرجوع إلى سلطة مأذونة تقع في الماضي ف"إذا حللنا المؤلفات في كلتي الجهتين أي الجهة الدينية/ والجهة الدنيوية الفلسفية وجدنا أنها تعطي األولوية للمبدأ الميثالي: كل تجربة بشرية لها قيمة القدوة التي ال تعوض وهي تعبر عن حقيقة وجدت في الماضي وينبغي أن نعود إليها باستمرار من أجل هداية السلوك الحاضر وتحديد معايير الكمال البشري" لقد ثبت التدوين هذه السلطة المأذونة بالنسبة للعلوم المرتبطة بالدين والتي ظلت تغذي باستمرار سلطة العالم في المجتمعات اإلسالمية وتعطيه صك المرور كاعتراف بمصطلح "بورديو" للتكلم باسم هذه السلطة المأذونة والمرافعة عن حقوقها لدى السلطات أو الدفاع عنها باعتباره حقيقة لدى من ينكرها من الملل والنحل األخرى أو إعادة إنتاجها من خالل وظائف التدريس الوعظ واإلرشاد واستخدامها في االحتجاج والتغيير أو توظيفها كمسكن أو مثبط لقوى التغيير وسيكون من الالزم التذكير بأن العلوم الدينية في العصر العباسيكانت أكثر ارتباطا بالفئات االجتماعية المدعوة "عامة" والتي ظلت موضع احتقار واستبعاد من قبل الخاصة أو النخبة السياسية أو المعرفية الممارسة لماكان يدعى "العلوم العقلية" والمرتبطة بالفئات البرجوازية التي كانت تضم كبار المالك والتجار و كبار الموظفين البيروقراطيين وهكذا وطبقا لمبدأ تمايز المجاالت أو الحقول االجتماعية ظهر تقسيم اجتماعي للعمل المعرفي ووظائفه ولفضاءات ممارسته فالعالم المتحدث والفقيه ارتبط بالعامة أي الفئات االجتماعية الكادحة من تجار وحرفيين صغار وطلبة علم ووراقين ومهمشين والفضاء الذي يمارس فيه العلم وينشر هي تلك الفضاءات العامة التي يرتادها العامة المساجد االسواق دكاكين الوراقين وسيكون الدين بصفة عامة الفقه أركون حممد نزعة األنسنة يف الفكر العريب جيل مسكويه والتوحيدي ص
171 بصفة خاصة خبزهم اليومي ومجال تنفسهم النفسي والروحي و"قوت النفوس المؤمنة " وستكون اللغة الدينية ببساطتها وعاطفتها الدينية القوية ورمزيتها المعتمدة على المجاز والخيال الطريق الملكي للنفاذ إلى عالم العامة أو الجماهير مما جعل من العالم يرتفع لدرجة الرمز خاصة أثناء وبعد المحن التي خاضها في مواجهة السلطان ولن نستطيع فهم بالمعنى الفيبري- المحنة محنة المحدثين وعلى رأسهم إبن حنبل بجميع مالبساتها وأطرافها بدون هذه الحقيقة الحقيقة السوسيولوجية والمتمثلة في التقسيم االجتماعي للمعرفة وتوزيع أدوارها ووظائفها في أوساط الفئات االجتماعية المكونة للمجتمع العربي اإلسالمي في العصر العباسي وعالقة المعرفة المرتبطة بكل فئة اجتماعية بالسلطان كان ذلك خالل العصر العباسي خاصة في عهد سلطان بني بويه ولم تتغير مواقع الخريطة المعرفية كمكان للصراع بين العلوم العقلية والدينية حتى مجيء السالجقة اذ وكما سنرى الحقا حدوث تغير على مستوى األطر االجتماعية للمعرفة بفعل تغير طبيعة النظام- ساللة تركية غازية ومشروع "إحياء سني" وبفعل متغير المحيط الخارجي التهديد الفاطمي والمغولي والصليبي وما أعقبها من تحول في طرق التجارة العالمية- والتي كان من أهم نتائجها تمأسس العلم الديني بظهور المدرسة الجامعة- وترسيم المذهب االعتقادي االشعري والمذهب الفقهي الشافعي ويتحول العالم إلى موظف وصاحب مهنة ومنشط لما يسمى "بأيديولوجيا الكفاح" هذا التحول هو ما سيكون موضوع تحليل من خالل دراسة نموذج الغزالي في إطار النظام السياسي السلجوقي ولكن اآلن وقبل حلول القرن الخامس للهجرة نحاول عرض نموذج يعبر عن تلك العلوم العربية اإلسالمية التي نشأت وتكونت غداة وبعد عصر التدوين يتعلق األمر بالمعرفة التاريخية. القاص واإلخباري وظهور التأليف التاريخي: سنذكر مرة أخرى أن العلوم العربية اإلسالمية تكون نسقا أي رغم تمايز المعارف المكونة لها إال أن بينها عالقة تكامل وظيفي بحيث كان هناك تبادل في اآلليات والمناهج والنتائج مما جعل الحدود غير واضحة بين معرفة وأخرى والممارسة المعرفية كانت تقتضي الموسوعية ويؤدي إتقان فرع من هذه الفروع إلى القابلية لتعلم المعارف األخرى وإتقانها كما ال ننسى أن هذه العلوم ومهما كانت إنما اعتمدت على آلية واحدة في إنتاج المعرفة آلية القياس البياني الذي يقوم على ثابت واحد هو التماثل ومن بين تلك المعارف نتجه إلى ما نعتبره نموذجا يعبر عن خصوصية الممارس للعلم في المجال اإلسالمي "علم التاريخ" لنرى إلى أي مدى يتحول التاريخ إلى موضوع تحمل عليه األوصاف التي ثبتناها للمعارف التي تقع تحت مسمى العلوم العربية اإلسالمية أو العلوم البيانية من حيث النشأة الغزايل إجلام العوام عن علم الكالم ضمن رسائل اإلمام الغزايل ص. 171
172 من حيث الوظائف من حيث كونه كذلك خطاب إلى جانب الخطابات األخرى ونظرا لطبيعته شكل المجال الذي مارست فيه موضوعات مثل السياسية سلطتها من أجل ذلك كان التاريخ وال يزال مكان معركة بين القوى المتصارعة. االهتمام بالتاريخ كحبر ورواية متجذر في الحياة الفكرية قبل اإلسالم لتضافر طبيعة مادة التاريخ األيام أخبار الملوك واألمم- "الشهرستاني" العلوم: من عناية للعرب بعلوم ثالث مع طبيعة االجتماع العربي وبيئته يؤكد هذا المنحى ما ذكره أحدها علم األنساب والتواريخ واألديان" و"الشاطبي" في "أعلم أن العرب في الجاهلية كانت على ثالث أنواع من "موافقاته" وفي معرض تفسيره ألمية الشريعة وكيف أن القرآن تبعا لذلك ال يذكر من العلوم إال تلك التي عرفتها العرب وأن لتلك العلوم عالقة بالشريعة. الماضية..." يذكر من بين تلك العلوم التاريخ ستتضاعف أهمية التاريخ في اإلسالم لتبلغ الذروة في القرون: "...ومنها علم التاريخ وأخبار األمم الثاني الثالث والرابع حيث أصبح التأليف فيه يشكل ابرز الممارسات المعرفية في اسالم العصر الوسيط لدرجة يذهب معها عبد اهلل العروي إلى اعتبار اقتباسا أو استعارة من الغير" "تأليف التاريخ اإلسالمي من إبداع العرب...ليس التاريخ اإلسالمي نقال أو والرهان في هذا المطلب الذي نحن بصدد عرضه هو إظهار هؤالء المؤلفين للتاريخ اإلسالمي والحقا لتاريخ الشعوب المؤلفة لإلمبراطورية العباسية على أنهم ممارسون لمعرفة تعبر عن "وعي جماعي في طور التشكل واالندماج االجتماعي )4( السياسي-الثقافي" ومن ثم يغدو الممارس للمعرفة في حقل التاريخ فاعل مندمج في سياق حضاري واجتماعي تحركه إشكاليات وهموم المجتمع فاعل له موقع مكانة ودور له مقاصد وأهداف تندرج ضمن توجهات المجتمع في تلك الفترة إنه "مثقف" بالمعنى المعاصر أي باحث عن المعنى )العبرة( وباحث في مشكلة الشرعية وإندماج الجماعات المشكلة لألمة ووحدتها ومصيرها بلغة موجزة التأليف في التاريخ اإلسالمي متمفصل تماما مع احتياجات المجتمع وتوجهاته وطرائف التأليف وتطورها وإندماج أصنافه: األنساب األخبار المغازي والسير الفتوح تاريخ الخلفاء- المؤرخين" إلطبري ومع البالذري )ت 341 ه( )ت 241 ه( ف تاريخ جامع وعام مع - "أمير يعكس تماما تطور المجتمع اإلسالمي الشهرستاين امللل والنحل ج 7 ص الشاطيب إبراهيم بن موسى املوافقات يف أصول الشريعة شرح وختري ج الشيخ عبد اهلل درار وآخرون بريوت دار الكتب العلمية )ب.ت( ج 2 ص 27. العروي عبد اهلل العرب والفكر التارخيي بريوت الدار البيضاء املركز الثقايف العريب ط ص 39. )4( املرجع ذاته الصفحة ذاهتا.
173 وتوجهاته اإلدماجية خاصة في جانبه السياسي - تطور الصراع بين الجماعات السياسية كالشيعة والدولة المركزية- وفي جانبه المعرفي ظهور الفرق الترجمة تأثير الفلسفة اليونانية- وهذا العرض يحاول أن يبين هذه العالقة التطورية وفي نفس الوقت البحث عن الثابت فيها. ال نعرف على وجه الدقة المعايير التي كانت تعتمد كمعيار العتبار حدث ما موضوعا للتاريخ أي خبرا جديرا بأن يروي ثم يكتب ولكن من المؤكد أن األمر متصل باألطر االجتماعية للمعرفة في المجتمع العربي قبل اإلسالم حيث القبيلة كمرجعية وما يتصل بها من مصالح من شأنها جعل القبيلة تستمر وتؤمن وظائفها لذا فمسائل كالنسب ومؤسسة الشرف والثأر والصراع على مصادر الرزق النادرة هي ما كانت تحدد قيمة الحدث باعتباره مادة للرواية ثم للتاريخ لذلك كانت األنساب وأيام العرب المادة األولية للتاريخ العربي ثم ما أحدثه الدين من انقالب جذري في حياة العرب حيث ستصبح السيرة والمغازي ثم الفتوحات ثم تاريخ السلطة اإلسالميين وعليه ستتطور الكتابة -تاريخ الخلفاء- هي مادة الرواية والتأريخ العربيين التاريخية من الصيغة الشفهية للخبر ثم جمع تلك الروايات عن طريق مجمعين محترفين ليسلموا مادتهم للمؤرخ الذي سيرتب وينظم وينتقي ويبعد ويمأل الثغرات أي مرحلة بناء الحداثة التاريخية و"هكذا غالبا ما كانت المرحلة األولى للكتابة التاريخية عبارة عن تقارير شفاهية لتلك األخبار والروايات بينما كانت المرحلة الثانية تنصب على جمع هذه األخبار في حين أن المرحلة الثالثة وهي مرحلة التطور التي كانت تتصف بالعقالنية ومواجهة التحديات كانت تعنى بتنظيم األخبار وجعلها متناسقة ومثبتة أو على األقل ذات طابع روائي سهل الفهم واإلدراك". تطور الحاجة إلى فهم وتفسير النص لغايات تشريعية جعل التاريخ علما مساعدا على غرار علوم اللغة وبخاصة النحو فهناك جانب تاريخي في االتصال بالنص إذ أنزل القرآن منجما وهذا يعني تغير األحكام من العام إلى الخاص أو العكس وهناك أحكام نسخت أخرى مما يتطلب معرفة تاريخية بالنص تحدد السابق بالقياس إلى الالحق وفي مجال تقسيم عائدات المجتمع على األفراد احتاج األمر وفق المعايير التي وضعها عمر إلى معرفة تاريخية بالسيرة الذاتية لألشخاص في اإلسالم من حيث درجة القدم والسبق في اإلسالم والمشاركة في الغزوات والفتح وارتبط بهذا الحقا وضع شجرة أنساب العرب وفي عهد الدولة األموية و نظرا للوظائف الحيوية ألشراف القبائل كقوة اجتماعية مؤثرة في ظل تنامي عدد الموالي وحيث االنتساب للعرب كانت له فوائد اقتصادية واجتماعية لذا "البحث في أنساب العرب لم يكن إال مجرد محاولة يستفيد منها أولئك الذين ال يملكون أية خلفية عربية هنا كنيدي هيو احلياة خالل القرون األربعة األوىل يف اإلسالم ضمن املناه ج واألعراف العقالنية يف اإلسالم تح: فرهاد دفرتي ت: ناصح مريزا بريوت لندن دار الساقي ومعهد الدراسات اال ساعلية 2002 ص
174 يمكننا الرجوع إلى أوضاع المجتمع اإلسالمي المبكر أو بالتحديد القرنين األولين لإلسالم حيث كانت مسألة المعاشات والرواتب التقاعدية الممنوحة من الدولة مرتبطة إلى حد كبير بتحديد الدور الذي لعبه أو لم يلعبه آباء وأجداد وكذلك أسالف أي فرد من القبائل العربية في الفتوحات... وذلك حتى تقدر مستحقاته وراتبه التقاعدي" واألمر نفسه ينطبق على تحديد حقوق وواجبات الجماعات التي خضعت للفتح حيث كان من ضروري معرفة ظروف خضوع تلك الجماعات والبلدان ألن ذلك يتمخض عنه تفاوت في الحقوق والواجبات تبعا لطبيعة الفتح صلحا كان أم عنوة و"من هذه المعلومات فقط نستطيع أن ندرك ونوضح مميزات التأليف التاريخي العربي. ال يهدف السرد إلى معرفة الماضي فقط بل يهدف أساسا إلى تحديد حكم شرعي لصالح فرد أو جماعة لهذا السبب كثر بين المؤلفين في التاريخ أول األمر عدد الفقهاء" وبمناسبة العالقة بين التأليف التاريخي والتشريع نذكر أن تشغيل وتوظيف القرآن والسنة كمصادر للتشريع بتطلب معرفة تاريخية بهما يؤدي ذلك الى أن يكون الخبر كمذكرة شاهد هو ما تقوم عليه الرواية وصدقها وسيكون هناك مجال تقاطع بين علم الحديث والتاريخ من حيث أن كالهما في مرحلة ما يسلك نفس المسلك الرواية والسند واالعتماد على عدالة الشاهد وصوال إلى المصدر األول الرسول بالنسبة للمحدثين والشاهد المعاين للحدث بالنسبة للمؤرخ نقاط التقاطع هذه أغرت بالقول أن المؤرخ تابع ومقلد للمحدث ودارس ومؤرخ كبير "كهشام جعيط" يعكس هذا التوجه العام الذي طبع تاريخ ثقافتنا إذ أن "الحديث وخالفا للظاهر الحق للتراث التاريخي" خاصة في الجوانب أو المجاالت التي ال تحظي بالقبول واالجماع وتتميز بااللتباس كما يرى نفس الباحث أي تلك التي بطبيعتها تاريخية كالسيرة والمغازي- ومن جهتنا نعتقد أن طبيعة الموضوع موضوع علم الحديث والتأليف التاريخي قد حددت سلفا أوجه التداخل والتكامل بين منهج المؤلف التاريخي ومنهج المحدث وأن كالهما كان يخضع في حقيقة األمر لمقتضيات المناخ الذهني للقرون األولى لإلسالم حيث الثقافة الشفاهية وما تقتضيه من رواية وسماع وحفظ هذا من جهة ومن جهة أخرى يجب االعتراف أن قسما كبيرا من السنة ذو طبيعة تاريخية وأن عملية جمعها وتدوينها وترتيبها عمل مؤرخ قام به مؤرخون قبل أن يقوم به محدثون مثل ابن إسحاق الذي تعتبر كتاباته في السيرة والمغازي الهيكل الذي قامت عليه بقية المصنفات في هذا العلم خاصة سيرة ابن هشام وكذلك الواقدي وابن سعد ثم البالذري والطبري ومع ذلك ورغم هذا التداخل والتكامل إال املرجع السابق ص ص العروي عبد اهلل العرب والفكر التارخيي ص 30. هشام جعيط الفتنة ص 174.
175 أن هناك مزايدة من قبل المحدثين على المؤرخين تصل لدرجة التقليل من قيمة المؤرخين باسم علم الحديث وفروعه كعلم الرجال فقد اعتبروا هؤالء النقلة والرواة غير محترفين وغير محترزين في رواياتهم وأخبارهم كما يفعل المحدثون األسباب في ظاهرها تبدو مرتبطة بأصل أو جذر عمل الرواة للحادثة التاريخية والراوي للحديث فاألصل هنا هو الرسول ومن ثم فإن الشاهد والناقل يتوخى آليا الصدق وإال * "يتبوأ مقعده من النار" ليس هناك ضمانات موضوعية عدا التعويل على حرمة وقدسية األصل الملزمة أخالقيا ودينيا لتوخي الصدق في النقل والرواية بينما في الجهة المقابلة جهة المؤرخين تخف درجة المسؤولية األخالقية والدينية ومن ثم نتوقع التساهل. لقد قال إبن حنبل وهو " رأس المحدثين" ثالثة ليس لها أصل: التفسير و المالحم والمغازي وذلك ألن الغالب عليها المراسيل " 1 ( (هذه العلوم التي يرى ابن حنبل أن ال أصل لهل و ال جذر معارف تاريخية بما فيها التفسير في نوعه المنقول ليس من الصعب على المشتغل في تاريخ األفكار المذاهب والمدارس في إسالم العصر الوسيط أن يستنتج أن هذا ليس إال وجها من أوجه الصراع بين اتجاهات الرأي واتجاهات الحديث والنص والتي لم تكن صراعات محض معرفية بقدر ما كانت تعكس صراعات في المواقع والتوجهات السياسية فالمسكوت عنه في األحكام القيمية للمحدثين التي أطلقوها بشأن زمالئهم جامعي األخبار والمؤرخين هو الحمولة السياسية واأليديولوجية للخبر التاريخي والذي يتعارض مع مضامين واتجاهات المحدثين السياسية فقد اتهم أغلب الرواة واإلخباريين بالتشيع الواقدي أبو مخنف ابن إسحاق نصربن مزاحم هشام الكلبي وال يستثنون من ذلك إال الزهري ألنه محدث وله موقعه في الدائرة السنية وسلطتها وهذا العمل الدعائي والتبخيسي ارتفعت وتيرته في القرن الثالث والرابع بعدما تصاعد صيت المحدثين كنتيجة من نتائج المحنة وكنتيجة من نتائج تغير توجهات مؤسسة الخالفة العباسية بداية من خالفة المتوكل ليخرج من دائرة المحدثين حيث نجد صداه في تلك المصنفات التي من نوع المعاجم التي تؤرخ للسيرة الذاتية للفاعلين في مجال المعرفة كالفهرست الذي كتب في حدود 344 ه حيث نجد ذلك في أخبار ابن إسحاق "المطعون عليه غير مرضي الطريقة" "كان مخنف من سليم من أصحاب عليكرم اهلل وجهه" أما الواقدي ف"كان يتشيع حسن المذهب يلزم التقية..." وقد تعرض الطبري إلى مضايقات الحنابلة طالته حتى بعد وفاته إذ دفن - * هذه صيغة جمتزأة من احلديث الذي رواه مسلم يف صحيحه عن النيب صلى اهلل عليه وسلم الذي يقول فيه: "ال تكتبوا عين ومنكتب عن غري القرآن فليمحه وحدثوا عين وال حرج ومنكذب علي معتمدا فليتبوأ مقعده من النار" ) 1 السيوطي االتقان يف علوم القرآن ج 3 ص, 111 ( ابن الندمي الفهرست صص
176 ليال وذلك بسبب تصنيفه ألحمد بن حنبل على أنه محدث وليس فقيها كل هذا يدخل ضمن آليات االستبعاد والمزاودة المحاكاتية ومن محاولة احتكار والمدارس واالتجاهات الفكرية. شروط صحة العلم التي مارستها المذاهب إمعانا في ربط المعرفة التاريخية بالسلطة أي بكون خطاب المعرفة التاريخية يشكل مجاال موضوعا للسياسة والسلطة وتطور ذلك الخطاب وفق مقتضيات تطور المجتمع وإرادة الحقيقة التي حكمته وإذا أخذنا الطبري كنموذج و الذي بلغت الكتابة التاريخية عنده "الذروة وعن طريق هذه الذروة الشامخة تتفرع نازلة معظم سفوح علم التاريخ عند العرب" فإن هذا التاريخ العام يحتل فيه تاريخ القرن األول مركز الثقل ألن أحداث القرن األول في اإلسالم تحديدا تلك التي صنعت دراما الفتنة تشكل الرحم الذي ينسل كل تاريخية اإلسالم ففيه حدثت الفتنة بكل فصولها وفيه قامت دولة الساللة األموية ونشأت المقاومات والثورات ثورة الخوارج وفيهتكون التشيع وكل التاريخ الدرامي المرتبط به ولم يكد القرن الثاني يطل حتى كانت الدولة العباسية لتتحول شروط وأطر إنتاج المعرفة تحوال كبيرا هذا التزاحم ألسماء األبطال المالحم القراء العلماء الخلفاء الفتن والمحن تنتهي وقد إنجلى غبار المعارك الدموية والفكرية إلى أحداث تقرأ مرتبة ومنتقاة في كتاب والملوك" ألبي جعفر محمد بن جرير الطبري كيف تم تغطية هذه المسافة الزمنية "تاريخ االمم ثالثة قرون- من أحداث الفتنة إلى اإلخباريين إلى المؤرخين وكيف ارتبط ذلك بتطور نظام الحكم وعالقات القوى المشكلة للمجتمع العربي اإلسالمي اإلجابة عن هذه األسئلة منوطة بالعودة إلى الطبري من خالل استقصاء مصادره لرصد أهم المحطات النوعية بين الفتنة الثانية جعيط" ) 63 ه/ 43 ه( وعالقتها بتطور األوضاع االجتماعية يربط" هشام وظهور وعي تاريخي تمخض عن ظهور جيل من مجمعي األخبار بصورة شفهية محضة أصبح بعضهم متخصصا ومحترفا النموذج المثالي لهذا الجيل ولهذا الوعي التاريخي الشعبي ت 145 ه وقد اشتغل هذا الجيل في الفترة الواقعة بين 14 ه و 124 ه " نإ النظرة العامة إلى قاطرة الحوادث الكبرى ربما جرى جمعها وصوغها في الكوفة من قبل محترفي الذاكرة الجماعية األكثر قدما الذين ال يفصلهم سوى جيل عن الحرب األهلية مستوى ثاني ظهر جيل ثاني من الرواة شكلوا الجيل اشتغل في الفترة الممتدة ما بين الفتنة-" وفي جسرا بين جيل الشعبي وجيل سيف بن عمر وهذا 144 ه و 144 ه كانوا قبل عصر التدوين وسلموا موروثهم الشفهي إلى الجيل الذي شكل القاعدة واألساس لقيام تأليف عربي جيل سيف بن عمر ت 143 ه أركون حممد نزعة األنسنة يف الفكر العريب ص جعيط هشام الفتنة ص. 222
177 وأبي مخنف 154 ه كجيل مدون وجامع للمادة التاريخية وهؤالء صنفوا وكتبوا في الفترة الواقعة بين 124 ه و 154 ه أي في عصر التدوين وعن هؤالء يأخذ الطبري مادته التاريخية. وهكذا فالمسافة الزمنية التي تربط أحداثا هامة كالفتنة واإلخباريين تقدر بقرن أو يزيد والمسافة الزمنية التي تربط بين هؤالء اإلخباريين والمؤرخين الجامعيين كالطبري والبالذري فتقدر بقرنيين من الزمن ورغم هذه المسافة الزمنية إال أن المادة التاريخية منسجمة ومتواصلة تنقل العالم الذهني لتلك القرون وخاصة القرن األول الذي يبدو أنه رسم وأعيد بناؤه وحفظه بفعل هؤالء اإلخباريين الذين ظهروا في القرن الثاني للهجرة كجسر عبر ويعبر من خالله كل تراث اإلسالم في خط متواصل إلى مرحلة اختبار المصادر إجراء المقابالت بينها الترجيح واالنتقاء ثم دمج الروايات و بناءها وفق هيكل ومخطط عام تأسيسا لعلم التاريخ ألنه ال علم إال بالكلي وهذا لتجاوز الكتابات الجزئية أي المتعلقة بأحداث متفرقة وبموضوعات مجزأة وأزمنة وأمكنة متباينة و متباعدة إنها محطة الطبري والبالذري بكل تأكيد ولكن لحظة الطبري والبالذري ما كانت لتأتي لوال عمل هذا الجيل من اإلخباريين"فبدونهم ال تاريخ إسالمي قط وال عملية أدلجة ممكنة في األحزاب والفرق والمذاهب وقبل ذلك فلوال هذا الجمهور الضيق والمجهول أو شبه المجهول من الرواة األوائل لروايات ال تزال شفوية لكانت القطيعة التامة مع الماضي" من الرواية إلى المنوغرافيات إلى التاريخ العام القرن األول قرن الروايات القرن الثاني قرن المنوغرافيات والقرن الثالث قرن التاريخ هل لهذا التطور عالقة بنمط سلطة الساللة األموية فالعباسية وال شك ان الرواية الشفهية بطبيعتها تقوم على االسترسال وعدم خضوعها لشكل وقالب محددين حيث يمكن صياغتها على أكثر من شكل فهي تفلت بطبيعتها من عقال المراقبة أنها ال تنسب حتى لمؤلف بعينه يمكن أن يسأل عنها أخالقيا و سياسيا وإذا كانت هناك ظروف موضوعية النتشار الثقافة الشفهية في القرن األول فال شك أنه من ضمن تلك الظروف و العوامل ماله صلة بالسياسة والشرعية لقد أفرزت الفتنة ثالث فرق سياسية خوارج شيعة وسلطة أموية وكان الماضي ماضي اإلسالم خاصة بعد وفاة النبي محمد وأحداث الفتنة يشكل مرجعا تستمد منه كل القوى شرعية وجودها وتصوغ منهأيديولوجيتها التي تبرر إما المقاومة الثورة والخروج أو تبرر التشبث بالسلطة وعلى امتداد الحكم األموي كان الصراع األموي الهاشمي يظهر في شكل ثورات من فترة ألخرى ولكنه -املرجع السابق الفتنة ص
178 صراع كان يدار بوسائل وأدوات ذات طبيعة معرفية وايديولوجية بشكل متواصل في شكل حرب دعائية التالعن التنابز اختالق القصص ووضع األحاديث التي تذكر بفضل معاوية و تحط من قدر وشأن كل المتنافسين وفي مقابل ذلك ستنشأ كل األدبيات التبجيلية والتي تضفي الطابع الدرامي على تاريخ األئمة بداية من الفتنة الثانية مقتل الحسين- وفي هذا السياق يشير الباحث "هشام جعيط" إلى ظاهرة انطالق التدوين التاريخي من عقاله إبان الحكم العباسي مع الجيل الثاني جيل سيف ونصرو أبي مخنف هذا األخيركان بإمكانه وحسب سيرته الذاتية أن يكتب قبل 132 ه لكنه لم يفعل والبد أن ذلك مرتبط بالمراقبة رقابة الدولة األموية على التأليف التاريخي المرتبط بالفتنة والهاشميين "فالمسألة ال تتعلق بالمسافة الزمنية بقدر ما تتعلق بالرقابة التي من األقرب أن تكون الدولة األموية قد فرضتها على استقصاءات كهذه تتصل بالسياسة اتصاال حميما وبالتالي يمكن االفتراض أن األلسن واألقالم لم تنطلق إال مع قيام الساللة الجديدة بأمر الخالفة ال شك أن العباسيين كانوا يشعرون بحاجة ملحة إلى تصحيح الرؤية التاريخية للماضي التي غيبها األمويون تغيبا شديدا" هذا التغيب طال أخبارا محددة أسماء وجهات بعينها ألسباب سياسية طال هذا التغييبكذلك تاريخ و ثقافات شعوب وقوميات دخلت اإلسالم بسبب مركزية السلطة األموية في تسيير األقاليم باالعتماد على العنصر العربي ولم تكن في نهاية القرن األول للهجرة قد حدثت تغيرات أو تطورات نوعية في الصراع المذهبي أي صراع القوى التي تشكل الخريطة المعرفية و السياسية للقرن األول والثلث األول من القرن الثاني عكس ما جرت عليه األمور مع قيام الساللة العباسية حيث احتاجت السلطة الجديدة إلى إثبات شرعيتها أمام منافسيها أمام أبناء عمومتهم الشيعة الطالبين وتغيير االتجاهات واآلراء وتصحيح الرؤى التي كانت قد نشرت وسادت ابان الحكم األموي وذلك من خالل إعادة النظر في ايديولوجيا اإلمامة وموقع مؤسسة الخالفة وإفساح المجال لشعوب غير عربية للعب دورها في الدولة ومؤسساتها الجيش اإلدارة وفي المجال المعرفي راحت نخب غير عربية تعبر عن هويتها الثقافية بإحياء تراثها وتمجيده وهكذا ترجمت اآلداب السلطانية وسير الملوك أي أنه بموازاة عملية التدوين كان ابن المقفع على سبيل المثال يدون في السياسة واألدب والتاريخ الفارسي كما تم فسح المجال لعرب األطراف عرب الجنوب والشمال وشرق الجزيرة للتعبير عن وجودها ومساهمتها في التاريخ العام لدولة اإلسالم وذلك من خالل أعمال "وهب بن منبه" و"هشام الكلبي" "لقد اهتدت الخالفة بعد تجارب عديدة خاصة أيام المتوكل الى سن سياسة تعايش بين الجماعات المتصارعة وذلك بإدماجها تدريجيا في حظيرة الدولة وبالمساهمة في استغالل الثروة و النفوذ ومن عبارات ذلك املرجع السابق ص 115.
179 اإلدماج من نتائج ايديولوجيا الوحدة والجماعة توسيع نطاق التدوين التاريخي إلى ماضي الشعوب غير العربية" كما نسجل إجراءا آخر لدعم هذا التوجه اإلدماجي يتمثل في نقل عاصمة الحكم من مجال الشام إلى المجال العراقي وااليراني الكوفة ثمبغداد بعد أن تم بناؤها سنة 146 ه والتي بتأسيسها أصبحت مدينة عباسية خالصة غير مثقلة بالتاريخ كما هو الشأن بالنسبة للكوفة و البصرة مدينة حيادية يمكن لكل الفئات واالتجاهات أن تبني لها تاريخا جديدا فيها وعلى الصعيد المعرفي وفي إطار استراتيجية اإلدماج هذه بنت السلطة العباسية سياستها على االنفتاح أكثر على االتجاهات الكالمية المعتزلة بشكل خاص والفرق اإلسالمية المعتدلة كالشيعة الزيدية دون أن ننسى التطور الحاصل في المجال االقتصادي هذه التحوالت تضافرت من أجل تحبيذ المصالحة بين المذهبية والعقائدية المختلفة ثم توسيع الفضول التاريخي بشكل خاص وهكذا تجلت القوة االستيعابية " والدمجية للمجتمع الجديد عن طريق الموقف العقالني لحركة المعتزلة واألهمية المتزايدة للحزب الشيعي المعتدل" علم أصول الفقه حسم الشافعي ستنعكس هذه السياسة الدمجية على مجال المعرفة وأنظمة إنتاجها فعلى مستوى الصراع بين الرأي و الحديث والحقا و نتيجة لسياسة المأمون ستتأسس مدرسة بغداد ذات الطابع العقالني في الكالم والنحو وفي التأليف التاريخي الذي أصبح مع الطبري نموذجا للدمج والمصالحة بين المذاهب المختلفة ومصالح الجماعات المتنافسة فقد أفسح المجال لتواريخ غي عربية للتعبير عن نفسها وأفسح المجال لكثير من المصادر و الروايات من هذه الجهة ومن تلك ومارس عليها جميعا عملية المقابلة والمقارنة والموازنة يعلق حكمه في سياقات تاركا للقارئ حرية االختيار ويحسم ويرجح في سياقات أخرى حيث يترك لنفسه مجال الكالم "قال جعفر..." ومن المؤكد أن انتقاله من مجال تكوين آلخر القرآن والتفسير وفي مجال الفقه رسم لنفسه وجهة خاصة به أي مذهبا قائما في التفسير والفقه لقد شكل تاريخه مجاال تتوزع فيه هذه المعارف التفسير الحديث اللغة واألدب- مادة ومنهجا حيث يتيح الفرصة للمحدثين في السياقات التي تقتضي تدخلهم ويتيح الفرصة لإلخباريين في سياقات أخرى لذا كان تاريخ الطبري من وجهة "نظر التاريخ اإلسالمي نفسه يمشي إلى أقصى حد في اتجاه التوفيق وتحقيق التناغم بين التراثين الشيعي والسني لقد وصل في عملية المصالحة إلى حد لن يستطيع الفكر اإلسالمي أن يتجاوزه" - العروي عبد اهلل العرب والفكر التارخيي ص أركون حممد نزعة األنسنة يف الفكر العريب ص املرجع ذاته ص 165.
180 وقبل أن نخرج من هذا النموذج علينا أن نستغل الموقف للوقوف على ثوابت التأليف التاريخي العربي تلك الثوابت التي تشكل القاسم المشترك الذي يضم جميع المعارف إلى نظام فكري واحد. كيف يتمثل المؤرخ عامل الزمني بإبعاده ماضي حاضر مستقبل وبدون أن نغوص في تلمس المعنى لهذه المفاهيم في التأريخ العربي كشكل من أشكال فلسفة التاريخ نعرف أن الحوادث التاريخية بالنسبة للمؤلف التاريخي تحدث بشكل متصل واإلطار ألزماني والمكاني لهذه األحداث فيكل زمان ومكان ال تخرج عن القيم األخالقية والدينية المتقابلة: خير/شر سلب/إيجاب إيمان/كفر ظالل/هدى. متعارضة معها فهي أي األحداث أما تكون متطابقة مع اإلرادة اإللهية أو.التاريخ مجال معركة دائمة بين الحق و الباطل ومصير هذه المعركة محسوم لصالح الحق انه تصور دوري دائري للتاريخ الخاضع لإلرادة اإللهية ولكن في محيط هذه الدائرة نقطة ارتكاز أو معلم لما قبل أو بعد هذه النقطة تتمثل في تاريخ النبوة التي تشكل النموذج المثالي األعلى "مركز الثقل يوجد هنا في الوسط ال في البداية كما عند بعض الشعوب القديمة وال في النهاية كما في النظريات المهدوية داخل وخارج اإلسالم" وهذه النواة أي السيرة بكل 180 مراحلها تتكرر بشكل أو بآخر في التواريخ الطبقية أي تواريخ السالالت العباسيون الفاطميون المرابطون الموحدون...سيتمثلون هذا النموذج في بناء حركاتهم تاريخيا أي جعل تاريخهم يعيد النموذج كقدوة وأسوة حسنة قد تم إعادتها مما يعطي لتلك الحركات كل الشرعية في الوجود على صعيد الزمن والتاريخ وعلى صعيد الواقع االجتماعي والسياسي إزاء اآلخر فهذه السيرة النموذج ال تروى كما يقول "العروي" مرة واحدة ألنها تنحصر في حياة النبي صلى اهلل عليه وسلم الخصوصية ألنها تلعب دور النمط أي البنية الخفية التي المحلية" "بل تتجدد في التواريخ تفعل وتبوب عليها تلك التواريخ هذا اإللحاح على استعادة هذا النموذج على صعيد التأليف التاريخي الطبقي والمرتبط بشكل مباشر بالسالالت الحاكمة أي مرتبط بالسلطة وشرعيتها يؤكد مرة أخرى على قيمة السيادة العليا في إعطاء الشرعية هذه السيادة العليا التي ظلت مستمرة ومراقبة للتاريخ والواقع بواسطة التشريع تستمر كذلك بواسطة اإلبداع والتأليف التاريخيين بإعادة إنتاجها من خالل تمثل التاريخ النواة تجربة المدينة المستودع التاريخي للسيادة العليا وهكذا فالصراع بين سفحي الثقافة العربية اإلسالمية الشيعة والسنة على السلطة هو صراع في المقام األول على المشروعية على السيادة العليا ولذا ورغم - العروي عبد اهلل العرب و الفكر التارخيي ص املرجع ذاته الصفحة ذاهتا..
181 الصراعات واالختالف بينهما في كيفية الرواية وطرائق استخدام التاريخ اال أنهما يصدران عن نفس التصور لوظيفة التاريخ وعن نفس النموذج لذا "يمكننا منذ اآلن التأكد من الحقيقة التالية: أال وهي أن كليهما يحرصان على قيادة العمل السياسي الحاضر وتوجيهه طبقا للتجربة الروحية والزمنية للنبي صلى اهلل عليه وسلم وإذن فمثالهما األعلى واحد على رغم من كل االختالفات العقائدية والصراعات الدموية التي حصلت بينهما" سيتطعم التأليف التاريخي الحقا بالنزعة العقالنية والفلسفية خاصة في القرن كنموذج من خالل كتابه "تجارب األمم" تسويغ شرعي كما رأينا لسلطة قائد األمة واستخالص ورغم كل هذا التطور والتنوع ظل التاريخ "مغزى" يقول القرآن فيما يتعلق باألعمال المفروضة واألفعال المحرمة" 4 ه مع مسكوبه "يخضع لهدفين: الحوادث الماضية إلنذار الناس كما األهداف السياسية المتمثلة في تبرير سلطة الخليفة العباسي أو مبرر الخروج والثورة لتنصيب شرعية جديدة ناهيك عن الهدف الديني واألخالقي أي التاريخ كعبرة هي األهداف التي ظلت تؤطر التأليف التاريخي ليظل التاريخ ينشد دائما زمنا نموذجا يقع في الماضي ولكنه حاضر في التمثل العام أو في المخيال االجتماعي هذا األخير كان التاريخ وال يزال يمثل أحد روافده األساسية التي تغذيه وبالتالي يبقى االقتداء والرجوع دائما إلى أصل أو نموذج يشكل واحدة من ثوابت الثقافة العربية اإلسالمية وال يخرج التاريخ عن كونه معرفة السمات األكثر ثباتا فيكل الفكر العربي اإلسالمي". "ترتبط باألدب الواسع أدب االقتداء حيث تتأكد الخطاب التاريخي وكما تم عرضه منذ نشأته كقصة وخبر إلى رواية و "منوغرافيات" إلى تاريخ عام في الجهة السنية من خالل نموذج الطبري يختزل الممارسة العلمية في إسالم العصر الوسيط حتى مشارف القرن 4 ه واالختزال يعني هنا الصيغة الرياضية التي تحيد الكثرة والتنوع والتحول وصوال إلى ما ال يختزل أي إلى الجوهري أو البنية وهكذا تندرج المعرفة التاريخية ضمن التطور العام للمعرفة في اإلسالم من حيث ارتباط هذا الحقل المعرفي بالنص وبالسنة والمؤلف التاريخي سيظهر بعد عصر التدوين بعد أن يتسلم منوغرافيات كتواريخ مجزأة وغير مرتبة والتي بدورها انبثقت من الرواية كقصة وخبر فيتحدد العالم على هذا المستوى كما في أي علم من العلوم البيانية بكونه مدونا ومصنفا أي جامع ومنظم لمواد معرفية في صيغة كلية تعطيها هويتها كحقل معرفي متميز وفي هذا اإلطار توضع - أركون حممد نزعة األنسنة يف الفكر العريب ص 163/ أركون حممد الفكر العريب ص املرجع ذاته ص
182 شروط لصحة الخبر التاريخي على غرار شروط صحة العلم التي تؤسس "الحقيقة" بالمفهوم الذي أشرنا إليه سابقا وكما بينا الحقا الصراع على صحة شروط العلم هو في الحقيقة صراع على امتالك واحتكار المرجعية التي تبرر الحاضر الحاضر السياسي واأليديولوجي وهكذا رأيناكيف شكلت تجربة المدينة في مرحلتها النبوية خاصة بنية أو نمطا تحاول التواريخ الطبقية إعادتها اي بناء تجربتها السياسية وفق ذلك النموذج إلتماسا و إثباتا للشرعية هكذا فعلت كل السالالت التي حكمت في إسالم العصر الوسيط وهكذا تفعل اآلن كل الحركات الموصوفة بأنها إسالمية الجهادية منها خاصة ال يخرج التأليف التاريخي إذن عن ما كان قد حددناه كأرضية فكرية تقف عليها جميع العقول المشتغلة على الساحة اإلسالمية أي الرجوع إلى سلطة مأذونةكائنة في الماضي. المحنة واالمتحان هل يختزالن عالقة العالم بالسلطان سيكون هذا المطلب محطة مهمة في عالقة العالم بالسلطان المعرفة بالسلطة أو الصدام السلطتين سلطة العالموسلطة السلطان إذ على مستوى المحنة حدث التماس المادي والرمزي بين السلطتين حيث انتقلت العالقة إلى الضفة األخرى ضفة ممارسة العنف المادي والرمزي ولكن هل المحنة تختزل عالقة السلطة بالمعرفة في حضارتنا نطرح هذا السؤال ألن السلطة امتحنت من امتحنتهم باسم المعرفة وباسم "الحقيقة" واستعملت نمطا من المعرفة في ذلك وجندت أصحاب معارف أي علماء كممتحنين لزمالئهم في الطرف اآلخر لتنقلب األدوار الحقا حيث تبقى السلطة هي هي لكن يتغير موقع الجالد والضحية. تدل عدد الكتابات ونوعيتها التي ألفت عن المحن على حضور وعي قوي بتمايز مجال المعرفة عن مجال السلطة وعن تعارض مطلبيهما فلو عدنا إلى "كتاب المحن" "ألبي العرب محمد بن تميم التميمي" ت 333 ه ومن خالل مقدمة محققه "يحي وهيب الجبوري" نحصي أربعة عشر مصنفا في المحنة خمسة منها صنفت في محنة أحمد بن حنبل أما في العصر الحديث وبتأثير من الكتابات المعاصرة التي تناولت عالقة السلطة بالمعرفة كتابات "فوكو" خاصة انكب مستشرقون وباحثون عرب على تناول المحنة وستكون أبحاث "أحمد أمين" و"الجابري" و"أركون" و"فهمي جدعان" وبحث "نيمرودهورويتر" حول أحمد بن حنبل مادة لهذا المطلب والذي سنذهب فيه إلى ما هو جوهري في محن العلماء عالقة المعرفي بالسياسي أو عالقة السلطتين: سلطة المعرفة بسلطة السياسي وذلك عبر استقصاء تاريخي للمفهوم والتوقف عند أهم محطات ذلك التاريخ: محنة أهل الحديث والداللة السياسية لها وأخيرا المحنة المضادة حيث تتبدل األدوار والمواقع من خالل "االنقالب السني" 182
183 و"االعتقاد القادري" يصاحب السبف باألسس واليوم. لنحاول من خالل كل هذا استنتاج ثوابت عالقة صاحب المعرفة أو صاحب القلم ال نعرف على وجه الدقة متى حازت مادة محنة على الداللة االصطالحية التي نجدها في لسان العرب "إلبن منظور" فمن الناحية االشتقاقية ترتبط المحنة بجملة من الدالالت: االختبار االمتحان النظر والتدبير في القول وتهذيب الشيء وتصفيته كما نمتحن الفضة بالنار وصوال إلى أصلها الذي يعني الضرب بالسوط ويستقر ابن منظور عندما نعتبره داللة اصطالحية من خالل تحليل لهذا المفهوم حيث يقول: "وفي حديث الشعبي: ويقول: المحنة بدعة "الشعبي" هي أن يأخذ السلطان الرجل فيمتحنه فعلت كذا وفعلت كذا فال يزال به حتى يقول ما لم يفعله أو ما ال يجوز قوله يعني أن هذا القول بدعة" وإذا أخذنا المحنة بهذا المعنى األخير وجدنا أنها تتألف من العناصر التالية: - سلطان مدعي. - مدعي عليه العالم-. دعوى -تهمة دينية باطنها سياسي بدعة في القول أوفي العمل. استخدام العنف المادي والرمزي: التهديد التعذيب التشهير السجن النفي اإلقامة الجبرية المصادرة القتل يهدف تغير االتجاه والموقف. - - وهذه العناصر التي تكون المحنة منوطة كما نالحظ بوجود مجالين متمايزين متنافسين مجال رجل السياسة السلطان-ومجال رجل العلم ومجال أو حقل التنافس بينهما الحقل الرمزي وما يحويه من موارد رمزية: سيادة عليا تراث رأسمال رمزي وحيث أن السلطان يدعي امتالكه لهذا المجال والعالم ليس إال مؤتمنا من قبل السلطان باعتباره خليفة لصاحب الشرع -النبي-. والعالم يدعي أنه الوصي والقيم على هذا اإلرث إرث النبوة باعتبار العلماء ورثة األنبياء األمر الذي يعطيه حق ممارسة الحسبة على السلطان نفسه يتعلق األمر إذن بنشوء قناعات ووعي بمكان ودور كل طرف ومن ثم نشوء رؤى مختلفة متعارضة ومتصارعة نظرا الختالف موقع وزاوية الرؤية لكل طرف للمسائل الكبيرة المرتبطة بسلطان السياسة وسلطان العلم هذه الحالة نشأت وتعمقت منذ أيام معاوية الذي سيدشن باسم حق السلطان وسلطته التقديرية في النظر للمسائل المحن واالمتحان انطالقا من العمل على تغيير اتجاهات وميوالت الناس السياسية والعاطفية تجاه علي وآل البيت عامة وممارسة عنف رمزي بسب وذم علي وآل بيته وشيعته وإرغام أئمة المساجد بلعن علي وقتلة عثمان من على منابر المساجد (1)
184 كأمكنة رمزية للحقيقة الدينية يمارس فيها لعن علي كفعل رمزي كذلك يفيد اإلخراج من الملة والجماعة والحرمان من رحمة اهلل وعنايته وهكذا سيلقى"حجر بن عدى الكندي" أصحابه لعدم إذعانهم إلرادة معاوية و"حجر بن عدي" حتفه إعداما مع سبعة من من القراء وأصحاب علي له ماضي ثوري فهؤالء فيما نعلم أول من قتلوا بعد امتحان إلرغامهم علىالعدول عن مواقفهم وآرائهم من قبل السلطان وكتب المحن ككتاب "مقاتل الطالبيين" "ألبي الفرج االصفهاني" وكتاب "أسماء المغتالين من األشراف في الجاهلية واإلسالم" " البن حبيب" باإلضافة إلى الكتاب الجامع للمقاتل والمحن "كتاب المحن" "ألبي العربي محمد بن أحمد بن تميم التميمي" سطرت تاريخا متواصال لكل أنواع االمتحانات والمحن التي تعرض لها العلماء ووجوه الناس النخبة- نتيجة لتعارض آرائهم ومواقعهم مع مواقف وآراء السلطان وهكذا قتل "سعيد بن جبير" وضرب بالسوط "سعيد بن المسيب" بسبب رفضه مبايعة ابني عبد الملك بن مروان الوليد وسليمان دفعة واحدة ثم تتولى محن العلماء مع السلطان أمويا كان أم عباسيا محن مالك وأبي حنيفة والشافعي وغيرهم و قبلهم حبس "أبو جعفر المنصور" "ابن الجريح" و"عباد بنكثير" و"الثوري " وحتى الننساق مع التوجه االنتقائي لكتب المحن والمقاتل يجب أن نذكر محن ومقاتل المتكلمين والمتصوفة والكتاب هؤالء محنهم ال المحن ككتاب المحن ألبي العرب تميم التميمي حيث قتل المقصوص" و"الجعد بن درهم" و"عبد الحميد الكاتب" "جهم صفوان" تذكرهم كتب ورفيقه و"عمر و"ابن المقفع"ومأساة"الحالج" واعدام "السهروردي...ألخ والقائمة تطول إال أنه يجب قبل االستمرار وصوال إلى محنة "خلق القرآن" التوقف عند ظاهرة لها عالقة بتطور مجال المعرفة ومجال السياسة حيث انه وحتى العهد العباسي وبداية من خالفة "المهدي أبو عبد اهلل محمد بن المنصور" ت 161 ه ستظهر السلطةكجبهة ضد فئة ما يسمى "الزنادقة" ثم بعد ذلك فئة المحدثين كاتجاه ضمن جبهة أوسع هي أهل السنة والجماعة بمعنى أن األمر تطور من امتحانات ومحن موجهة ألفراد إلى محن وامتحانات التجاهات ومذاهب وهذا يؤشر على نمو وتطور مجال المعرفة وإزدياد تميزه واستقالله عن المجال السياسي واستدراكا لمدلوالت المحنة وبغض النظر عن دعاوى الممتحن الذي هو السلطان فإن الدعوى ذات طبيعة سياسية فحواها وكما أسلفنا عمل السلطان على احتواء سلطة المعرفة وتطويعها لسلطته بحجج تتراوح بين ما هو ديني "طاعة أولى األمر" جميع األحوال ف"العالم" وما هو واقعي سياسي متصل كذلك بالدين تجنيب الشرعية وألنه كذلك يحظى بمساندة "الفتنة وافتراق الكلمة" "وفي إنما يمتحن بكونه يمتلك سلطة هي سلطة التحدث باسم الدين أي باسم "العامة" أو ما نعبر عنه نحن اليوم ب"الجماهير الشعبية"" اجلابري حممد عابد املثقفون يف احلضارة العربية اإلسالمية حمنة ابن حنبل وتكية ابن رشد ص
185 وبمجرد ما تدخل سلطة أو قوة في مواجهة قوة ويصبح الرهان بينهما امتالك المجال العام واالستحواذ عليه فإننا نكون في قلب السياسة من أجل ذلك كانت المحنة في جوهرها سياسية "وإذا رجعنا إلى تاريخ محن العلماء في اإلسالم فإننا نجدها ذات أسباب سياسية في األغلب األعم منها فليس هناك في اإلسالم من العلماء من تعرض لالضطهاد والمحنة في طرف الحكام من أن يكون لذلك سبب سياسي". محنة هذا التوقف عند داللة المحنة لغة واصطالحا وإبراز تطور داللتها في عالقة بتطور المجال السياسي والمجال المعرفي من محنة العلماء وكأفراد إلى محن المعرفة كاتجاهات ومذاهب وتشكل "خلق القرآن" محطة رئيسية في تاريخ المحن وفي تاريخ العالقة بين المعرفة والسلطة في اإلسالم لذلك باتت قيمينه بالدرس والبحث الستجالء تلك العالقة ونتائجها في السياق اإلسالمي. وفاءا للمبدأ المنهجي الذي كنا قد أعلنا عنه سابقا والذي يقوم على الذهاب من اإلطار التاريخي والسوسيولوجي العام إلى الحدث أو إلى الفعل أو الشخص كمتحدد ضمن هذا اإلطار فإنه وطبقا لذلك يتعين تحديد اإلطار التاريخي بجميع عناصره السياسية السوسيولوجية والمعرفية الذي حدثت في إطاره محنة والمرتبطة بمحنة "خلق القرآن" "خلق القرآن" وطبقا لذلك تحديد العناصر الفاعلة والمنفعلة بهذا اإلطار أما اإلطار التاريخي العام المحدد فهو طبيعة النظام السياسي لدولة الساللة العباسية وبالتحديد في النصف األول من القرن الثالث للهجرة أما العناصر الفاعلة والمنفعلة المحددة من قبل هذا اإلطار فهي: مسؤوليتهم في إثارة محنة هناك "خلق القرآن" علماء الكالم المعتزلة منهم خاصة إذ نطرح قضية ما مدى وصيرورتها ثم هناك األحناف نسبة إلى أبي حنيفة- ثم "أهل السنة والجماعة" أهل الحديث منهم خاصة ثم مؤسسة الخالفة وعلى رأسها الشخصية المثيرة للجدل المأمون ومن خلفوه في الحكم المعتصم والواثق الذان سلكا مسلكه تحديد العالقة بين هذه العناصر فيما بينها وعالقة كل هذه العناصر مجتمعة العالقة بين السياسي والمعرفي والعالقة بين رجل السياسة والعالم. باإلطار التاريخي العام سيكشف طبيعة سنتكلم اآلن إجماال ما سنتناولوه تفصيال في الفصل القادم عن طبيعة النظام السياسي لدولة الخالفة العباسية ألننا نرى وجود عالقة ارتباط سببي بين النظام السياسي للعباسيين واألفعال السياسية لخلفائها بما في ذلك مواقفهم وإجراءاتهم المتخذة في حق المجال المعرفي كما نرى وجود ارتباط سببي بين متغير قوة مؤسسة الخالفة ومتغير عالقة العلماء بالسلطة. لقد بينا في المبحث السابق عملية املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. 185
186 تحول دولة الخالفة إلى دولة ملك حيث يظهر السياسي ويتميز عن المجال الديني والمعرفي وبينا كيف عملت السلطة على استثمار السيادة العليا أو ذروة المشروعية كآلية من آليات السلطة بعد أن كانت تسبق زمنيا وأنطولوجيا السلطة وفي خضم ذلك تشتغل المعارضة والمقاومة الشيعية بمختلف تياراتها تحت سقف الدعوة للرضا من آل البيت حيث كانت تنشط هذه الدعوة سرا في المجال العراقي اإليراني الكوفة وخرسان بشكل خاص اذ ستتبلور إيديولوجيا اإلمامة القائمة على بناء صورة مثالية نموذجية لإلمام مستعيدة نموذج النبي كمشرع للعلم المعصوم إذ يغدو اإلمام من هذا المنظور رأس األمة المنصوص عليه بالنص والوارث ألسرار النبوة ومستودعا للعلم بوصية من سابقه من األئمة وصوال لعلي فالنبي محمد ليصبح منصب اإلمام منصبا يجمع بين القيادة الروحية والسياسية إنه منصب مقدس بكل ما تحمله الكلمة من معنى وقد ضاعف هذا التصور والتمثل لإلمام أن هذه الدعوة قد نشأت في محيط حاضن يزخر بالقابلية المعرفية واألنترويولوجيةلهكذا تمثل وتصور لإلمام ففي المجال العراقي اإليراني المعرفة ذات طبيعة عرفانية وغنوصية كما أنه مجال تاريخي له تجربته التاريخية السياسية المتمثلة في تقديس منصب الملك كمسجد للسلطة الدينية والسياسية وهي ما حاولت األيديولوجيا السلطانية من خالل "رسالة الصحابة" "إلبن المقفع" استعادته وهكذا ستنشأ الدعوة العباسية تحت غطاء الدعوة الشيعية حازت على شرعية الدعوة كما يدعي بنو العباس عندما أوصى اإلمام "أبو هشام" باإلمامة "لمحمد بن علي بن عبد اهلل بن العباس" المهم في األمر أن الدعوة والثورة العباسيتين قامتا على أيديولوجيا اإلمامة بجميع مكوناتها وعناصرها وتشبعت تماما بهذه األيديولوجيا التيكونت صورة للخليفة العباسي باعتباره إماما وقد عمل خلفاء بني العباس على ممارسة هذه الصورة سياسيا أي كأئمة في الدين والدنيا مجتهدين في الدين وحارسين عليه وفي نفس الوقت يقومون على رأس األمةكقادة سياسين يجسدون وحدتها سنضيف إلى هذا االعتبار المهم جدا إعتبار آخر هو تأثير إيديولوجيا الشيعة الزيدية وعن طريقها تأثير المعتزلة األوائل األمر الذي سيشكل الوجه اآلخر لهذا النظام التشيع الزيدي سيسم النظام السياسي العباسي بطابع العقالنية الواقعية السياسية والمرونة مما يفسر ذلك التعدد والتنوع لحد التعارض في السياسات التي اتبعها الخلفاء إزاء القضايا السياسية والمعرفية التي واجهوها كما نضيف إلى هذا عامل قوة مؤسسة الخالفة فحتى عهد المتوكل كان الخلفاء يمارسون كل سلطات الخليفة ومهامه وبعده سيتولى أمراء التغلب على السلطة السياسية المتمثلة في إدارة شؤون الدولة لتبقى السلطة الرمزية لمؤسسة الخالفة حتى سقوطها في عام 656 ه وخالل هذه الفترة ستحدد عالقة العالم بالخليفة بنمط جديد من العالقة سيجسده علماء على غرار الباقالني والجويني والماوردي والغزالي هذا اإلطار التاريخي هام ألنه يفسر ذلك التدخل المباشر والعنيف في أحيانكثيرة في إدارة المجال الديني وما يرتبط به من معارف ويفسركذلك ذلك 186
187 التقلب الظاهري في مواقف الخلفاء من القضايا التي كانت تعرض عليهم والبد من استدعاء ما يسمى باإليديولوجيا السلطانية كنمط من المعرفة السياسية العملية والتي يمثلها "ابن المقفع" الذي يماثل نظيره في تاريخ الفكر السياسي الغربي "مكيافيلي" هنا "رسالة الصحابة" وهناك "األمير" فرسالة الصحابة كتبها "ابن المقفع""ألبي جعفر المنصور" كانت تنظيرا لمقام الخليفة كما انتجتها وكرستها إيديولوجيا اإلمامة بحيث يجب طاعته في كل أمور التدبير والرأي أي السلطة التشريعية والتنفيذية أما عدم طاعة اإلمام في معصية اهلل- ال طاعة لمخلوق في معصية اهلل- فالتكون إال في عزائم الفرائض من صالة وصيام وحج وحدود... بل إن اإلمام وهكذا يسمى في "رسالة الصحابة" يجب أن تلحق به صالحيات األقضية واألحكام والنزاعات فال يحكم فيها بقياس أو برأي مجتهد فتختلف األحكام من قاضي آلخر ومن بلد آلخر فيعود إليه حق االجتهاد فيها برأيه توحيدا لألحكام واألقضية لدرجة أن ابن المقفع يقترح وضع مذكرة قضائية جامعة يصدرها اإلمام تكون مرتكزا لألحكام فيكل األمصار. نعتقد أن ضمن هذا اإلطار يجب أن نموقع محنة خلق القرآن من أجل فهمها وتفهم مواقف وإجراءات أطرافها فإلى تلك األطراف أو العناصر المكونة لها نتيجة. بوفاة هرون أبوجعفر الرشيد ه- 113 ه- تسلم الخالفة من بعده جيل جديد من بني العباس األمين والمأمون والمعتصم على التوالي ثم الواثق والمتوكل ابنا المعتصم إستهل هذا الجيل القرن الثالث إلى غاية 244 ه سنة اغتيال المتوكل أي حوالي النصف األول من القرن الثالث خالل هذه الفترة وقعت المحنة وما أسميناه "بالمحنة المضادة" وكما حددنا سابقا فإن اإلطار التاريخي العام يضم الفاعلين التاليين: السلطة ممثلة بالخليفة المأمون المعتصم ثم الواثق فالمتوكل الذي أوقف المحنة ولكنه دشن محنة مضادة ستبلغ ذروتها بإصدار الخليفة القادر باهلل ت 422 ه- ما يسمى باالعتقاد القادري فالمتكلمون بجميع اتجاهاتهم معتزلة مرجئة جهمية وأصحاب الرأي في الفقه- األحناف- فأصحاب الحديث و إذا كان لنا أن نضع هؤالء الفاعلين في فئات تقوم بينهم عالقة تقابل سنجد الفئة األولى وتضم الخليفة اإلمام بالصورة والتمثل الذي اشرنا إليه سابقا أي اإلمام الذي أستودع العلم والذي يرى أن من مهامه حفظ الدين واالعتقاد الصحيح للناس انطالقا من اجتهاده وتأويله باعتباره إماما يقف إلى جانب الخليفة في هذه الفئة جبهة واسعة من المتكلمين ذوي المشارب المختلفة والمتنوعة لكن ما يؤلف بينهم اجتماعهم على القول بحق العقل في التفكير والكالم وإبداء الرأي في الدين عقيدة وشرعة وهو موقف ينسجم تماما مع موقف المأمون ومبادئه وسيكون لنا فرصة للتدليل على هذا الرأي وإلى جانبهم يقف كذلك أصحاب الرأي من األحناف والذين يقاسمون المتكلمين والمأمون الموقف من أولوية العقل في التشريع من أجل ذلككان األحناف 187
188 يتوزعون من الناحية العقائدية بين الفرق الكالمية كالمعتزلة و الماتريدية والمرجئة فليس من الغريب أن يتبنى األحناف على الصعيد الكالمي القول "بخلق القرآن" انطالقا من أن "أبا حنيفة" نفسه كان يقول بفكرة خلق القرآنكما أكد ذلك"أبو الحسن األشعري" في مقابل هذه الجبهة تقف جبهة "أهل السنة والجماعة" ممثلين بأهل الحديث بصفة خاصة والذين كانوا يحرصون على إظهار أنفسهم على أنهم "أتباع السنة" كمفهوم أصبح يقف تماما في مقابل "أهل البدعة" أو "المبتدعة" ذلك أن مصطلح "أتباع السنة" كان يرجع في األصل إلى أولئك العلماء الذين درسوا أو نقلوا الحديث المتعلق بسيرة النبي وقد تدرج وتطور من الداللة على االنشغاالت الفكرية المرتبطة بحياة الرسول إلى أن أصبح توصيفا تنعت به مجموعة معينة من العلماء تميزت بإطالقها عددا من االجتهادات العقائدية الخاصة" تتعلق تلك االجتهادات بتثبيت صورة تاريخية للخلفاء الراشدين وبمسألة الشرعية واإلنحياز للسلطان القائم تجنبا "للفتنة والبدعة" من أجل ذلك صاغوا عقائدهم في اإليمان والتوقف عند الداللة الظاهرة للنص والكف عن الخوض في الكالم في العقائد فكان علماء الكالم والشيعة والخوارج وأهل الرأي يمثلون بالنسبة إليهم خصوما مبتدعة قالوا بالسيف في األمة فمصدر العقيدة والشريعة النص الذي يحفظه ويدرسه ويبلغه لعامة الناس العلماء وليس السلطان أو الذين من قبله والة كانوا أم متكلمين وكناقد ألمحنا في هذا المبحث إلى قيام مدرسة أهل الحديث ومدرسة أهل الرأي وكيف أن التنافس والصراع بينهما ظل يطبع الحياة الفكرية إلسالم العصر الوسيط ومازال يطبع حياتنا الفكرية الراهنة وإن بمسميات أخرى وألمحنا كذلك أنه ال يمكن فهم محنة محنة "خلق القرآن" إال بوضعها ضمن سياق الصراع على تنصيب سلطة مصدر التشريع ومن ثم سلطة القائل بذلك المصدر النص أم لعقل أما أرض المعركة والصراع فكان المجال العام مجال العامة التي كانت طاعتها ووالؤها ألي جبهة مؤشر على قوته وسلطته لقد كان والء العامة الرهان التي عملت هذه القوى على كسبه كل بوسائله فكانت "خلق القرآن" وامتحان المحدثين خاصة إحدى المتكلمون والقضاة األحناف منهم خاصة- العالقة بين األطراف المكونة للمحنة وعالقة تلك األطراف بمسألة سياسات الدولة حيال المسائل المعرفية والقائلين اآلليات التي مارستها السلطة وجنودها إلضعاف قوة المحدثين وتفصيال لما سبق أي تحديد "خلق القرآن" سنركز اآلن على بها نقول سياسات لتعددها واختالفها من خليفة آلخر ولكنها ترتد في األخير إلى ثابت يتمثل في حق الخليفة أو الدولة في حراسة الدين وإشاعة االعتقاد "الصحيح" بين الناس كوظيفة من وظائف اإلمام المركزية كما كرستها إيديولوجيا اإلمامة التي نشأت في كنفها الدعوة العباسية واستغلتها أحسن استغالل في الثورة ثم في تسيير الدولة إلى أن نيمرود هورويتز أمحد بن حنبل وتشكل املذهب احلنبلي ص
189 سقطت الخالفة وهي سلطة رمزية لم تتخل عنها الخالفة في مختلف أطوارها ولم تسمح بأن تزاحمها فيها قوة أخرى. التي كونت الكتلة وهكذا ستقرب مؤسسة الخالفة المعتزلة والزيدية األولى لكونها شكلت أهم العناصر التاريخية التي احتضنت الدعوة وقامت بالثورة باعتبارها حركة تنويرية معارضة لتوجهات الحكم األموي والثانية ألنها تمثل مصدر شرعية الدعوة العباسية وعقالنيتها أي الزيدية- ومرونتها اذ شكلت جسرا انتقلت عليه الخالفة العباسية من ضفة التشيع إلى ضفة السنة والمسؤولية على األمة جمعاء على أن لهذا التوجه تفاصيل من األهم أن نوردها تتعلق خاصة بموقف الخلفاء من مسألة خلق القرآن فهذه المسألة القديمة الحديثة انتقلت من كونها قضية كالمية خالفية إلى قضية كالمية سياسية تبناها المأمون لكن من قبله كان خلفاء بني العباس يتحفظون منها بل يذهب هذا التحفظ إلى درجة رفضها وعدم قبول قائليها فهذا المهدي الذي يكون الجدل في الرد على الزنادقة والمحدثين" والذي عنهم في اآلفاق وقتلهم " التصنيف للرد عليها لذا تصفه كتب التاريخ بأنه "جد في سنة "أول من أمر بتصنيف كتب 164 ه في طلب الزنادقة والبحث قد شن حربا على الملل والنحل غير اإلسالمية مشجعا علماء الكالم على "صحيح االعتقاد" مع العلم أن هذه الشهادة عندما ترد في كتب التاريخ السنية هي شهادة براءة للسلطات من االعتقاد بالمسائل الكالمية سنجسد هذا المنحى عند هارون الرشيد الذي "كان يبغض المراء في الدين والكالم في مفارقة في النص وبلغه عن بشر المريسي القول بخلق القرآن فقال: اهلل" ت 111 ه- )4( ألن ظفرت به ألضربن عنقه" أما "األمين محمد أبو عبد فيحظى بالتعاطف رغم ضعفه ولهوه ألسباب تتعلق بنسبة القرشي الخالص من جهة أبيه وأمه زوبيدة الهاشمية ولموقفه من مسألة خلق القرآن فقد وقفنا على رأى ألحمد بن الحنبل لم نجده في المصادر والمراجع التي تناولت المحنة والتي أطلعنا عليها وهو رأي غاية في األهمية في هذا السياق حيث قال: "إني ال أرجو أن يرحم اهلل األمين بإنكاره على إسماعيل بن علية فإنه أدخل عليه فقال: يا ابن الفاعلة أنت الذي تقول: يتضمن الرضى على األمين وهو األخ العدو )5( كالم اهلل مخلوق" فإذا صح هذا الموقف الحنبلي الذي "للمأمون" بالترحم عليه مما يعني أن هذا الموقف صدر بعد قتل "األمين" أي في عهد المأمون أو بعده فإن هذا يعني موقفكل أهل الحديث والعامة من أهل بغداد كما يعني أن مسألة خلق القرآن كانت متداولة في أوساط النخبة السياسية منها والعلمية و"إبن السيوطي تاريخ اخللفاء ص 962. الطربي تاريخ األمم وامللوك ج 4 ص 68. السيوطي تاريخ اخللفاء ص )4( املرجع ذاته ص 952. )5( املرجع ذاته ص 985.
190 علية" كان واحد من ألمع العلماء في الحديث والكالم وقد مرمعنا خبره مع أحمد بن حنبل الذي أخرجه من دائرة المحدثين لخوضه في الكالم. سنجمع شتات هذه المعطيات الحقا لنكون منها قضية أو فرضية نستعملها في الوقت والمكان المناسبين واآلن نتجه إلى "المأمون" الشخصية التي أعلنت "خلق القرآن" معتبره إياه عقيدة للدولة على الجميع القول بها وهناك جملة من األسئلة التي تطرح في مقدمتها لماذا أثار المأمون هذا الموضوع وما هي الغايات واألهداف التي كان يتوخى تحقيقها لماذا مسألة خلق القرآن وليس قضيه كالمية أخرى أي صلة للمعتزلة بتبني المأمون لخلق القرآن وامتحان الناس فيه خاصة المحدثين لعل السمات الشخصية للمأمون والمالبسات التاريخية التي جاء فيها إلى الحكم وبقائه فيه لمدة عشرين سنة ستسعفنا إلى حد كبير في اإلجابة عن هذه األسئلة وإن كانت هذه األسئلة تجمل كل المحنة فال بأس أن نؤجل اإلجابة عن بعضها. هناك إجماع على اجتماع صفات القيادة واإلمامة في شخص المأمون فقد وصفته كتب التاريخ بأنه "أفضل رجال بني العباس حزما وعزما وحلما وعلما ورأيا ودهاءا وهيبة وشجاعة وسؤددا وسماحة" وقد كان أبوه الرشيد يستشعر فيه الصفات التي تؤهله أن يقدمه على أخيه األمين لتولي األمر إذ قال فيه: "إني ال أعرف في عبد اهلل حزم المنصور ونسك المهدي وعزة الهادي...وقدمت األمين- محمدا عليه... ولوال أم جعفر وميل بني هاشم لقدمت عبد اهلل عليه" وقد أبان خالل فترة حكمه عن أفعال رجل سياسي حقيقي تضاهي تلك التي ميزت معاوية أو عبد الملك بن مروان * وقدكان يقارن نفسه بهما مرجحا إياها عليهما بعصاميته "وأخرج عن أبي عبادة قال : كان المأمون أحد ملوك األرض وكان له هذا اإلسم على الحقيقة. تكوينه العلمي وعالقته بطالبي المعرفة واألمر الثاني: السياسية التي قام بها. من سيرته الذاتية يهمنا أمران: األمر األول: مجموع اإلجراءات واألفعال ذات الداللة فعن األمر األول كتب التاريخ والسير تؤكد تضلع المأمون في العلوم العربية اإلسالمية من قرآن وحيث وفقه وتفسير ولغة وكالم وأخبار فقد كان )4( "أعلم الفقهاء بالفقه والكالم" و"ولم كبر عنى 190 املرجع السابق ص 982. املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. * -كان يقول:" معاوية بعمره- عمر بن العاص- وعبد امللك حبجاجه و أنا بنفسي". املرجع ذاته ص 922. )4( املرجع السابق ص 922.
191 * بالفلسفة وعلم األوائل ومهر فيها" وقد جاء في الفهرست أن للمأمون ثالثةكتب وال نعرف على وجه الدقة تحت تأثير أي شخص أو ظرف إنحاز المأمون تماما إلى جهة العقل والرأي في الفقه والكالم والفلسفة هناك جملة من اإلجراءات واألفعال التي أتى بها المأمون تؤكد تأكيدا ال ريب فيه هذا المنحى من ذلك وعلى سبيل المثال ال الحصر طلب للعلوم األوائل والفلسفة وتأسيسه لبيت الحكمة وفي الفهرست وفي معرض ذكره "للسبب الذي من أجله كثرت كتب الفلسفة وغيرها من العلوم القديمة في هذه البالد" من تلك األسباب يذكر ابن النديم الحلم الذي رأى فيه المأمون أرسطو سائال إياه عن مسألة الحسن وهي من اإلشكاليات األخالقية التي كانت مطروحة بحدة في علم الكالم- مصدر التحسين والتقبيح العقل أم الشرع - " ويجيب أرسطو المأمون "ما حسن في العقل قلت: ماذا قال: ثم ماذا قال: ما حسن في الشرع قلت : ثم ماذا قال ما حسن عند الجمهور قلت: ثم ثم ال ثم" الحلم هنا طريق ملكي لالستنجاد بسلطة مأذونة سلطة أرسطو لتقرير اعتقاد المأمون نفسه وترتيب مصادر المعرفة بالحسن والقبح العقل أوال ثم الشرع ثم الجمهور وتقدم العقل كمصدر للمعرفة وأساس للقيمة األخالقية هو تقديم للكالم بجميع تياراته الفاعلة في تلك الفترة من جهمية ومرجئة وقدرية ومعتزلة. يوصلنا هذا إلى صلة المأمون بهذه التيارات بما فيها تيار "أهل السنة والجماعة" وتتكرر فيكتب التاريخ ما رواه "يحي بن أكثم" احد العلماء وقاضي قضاة المأمون ومستشاره المقرب عن حرص المأمون على مجالسة العلماء فيقول: "أمرني المأمون عند دخوله بغداد أن أجمع له وجوه الفقهاء وأهل العلم من أهل بغداد فاخترت له من أعال مهم أربعين رجال وأحضرتهم وجلس لهم المأمون فسأل عن مسائل وأفاض في فنون الحديث والعلم" لم يكن طلب المأمونكما هو واضح من النص يعين على وجه التحديد فقيها بعينه أو مذهبا مخصوصا وال عالما وال مذهبا كالميا محددا فلم تكن لديه خيارات مذهبية معلنة وتتأكد هذه الحقيقة من خالل الخبر الذي أورده" الطبري"يستفاد منه تنوع اتجاهات من كان يغشى مجلس المأمون وتنوع المواضيع التي كانت تناقش التشريع الكالم التحزب السياسي...ألخ كما يشير النص إلى التقاليد التي أرساها المأمون ابن الندمي الفهرست ص * يذكر ابن الندمي عناوهنا على اهليأة التالية: كتاب جواب ملك برغر فيما سئل عنه من أمور اإلسالم والتوحيد رسالته يف أعالم النبوة رسالته يف حجم مناقب اخللفاء بعد الرسول صلى اهلل عليه وسلم الفهرست ص 992. ابن الندمي الفهرست ص 604. ابن طيفور بغداد يف تاريخ اخلالفة العباسية ص نقال عن فهمي جدعان احملنة بريوت الشبكة العربية لألحباث والنشر ط ص 984 وتتكرر هذه القصة عند ابن حلكان مع اختالف يف بعض التفصيالت يف العدد وتأكيد حضور بن أيب دؤاد وفيات األعيان نقال عن منريودهورويتز.
192 ج في الحوار والنقاش حيث ينقل الطبري رواية"بشير بن غياث المريسي" "حضرت عبد اهلل المأمون أنا وثمامة )ابن أشرس النميري( هذا النحو ت 211 على ومحمد بن ابي العباس وعلي بن الهيثم فتناظروا في التشيع" فهذه األسماء تمثل المرجئة من خالل "البشير بن الغياث المريسي" والمعتزلة من خالل العباس" "ثمامة بن أشرس النميري" أما الشيعة الزيدية فيمثلها "علي بن الهيثم" أما"محمد بن أبي فهو أحد قادة الجيش وكان المأمون حسب الطبري يتدخل عندما يحتدم النقاش ويوشك أن يخرج عن مآربه من ذلك أن المأمون قعد بعد أن كان متكئا ليضع معالم النقاش عندم اختلف "على بن الهيثم "و"محمد بن أبي العباس" إلى حد الشجار قائال: "الشتم عي والبذاء لؤم إنا قد أبحنا الكالم وأظهرنا المقاالت فمن قال بالحق حمدناه ومن جهل ذلك وقفناه ومن جهل األمرين حكمنا 2 فيه بما يجب فاجعال بينكما أصال فإن الكالم فروع فإذا افترعتم شيئا رجعتم الى األصول.) 2 ( " يؤكد هذا النص حقيقتين:- 1 -إباحة الكالم في مختلف المواضيع - 2 -إقامة أصل جامع مانع للنقاش والجدل وصوال إلى الحق القابل للنشر والتعميم وذلك بالتنصيص على الرجوع إلى مبادئ وأصول. وقد شملت هذه الرعاية "المأمونية" للنخبة الرعاية المادية ألهل الحديث فقد روى "إسحاق بن موسى" المحدث و القاضي قائال: "دفع إلي المأمون ماال أقسمه على أصحاب الحديث فإن فيهم ضعفاء فما بقي منهم أحد إال أخذ إال أحمد بن حنبل فإنه أبى" وفي مالبسات المحنة كان المأمون وخلفائه الذين قالوا بخلق القرآن يستعملون سالح قطع األعطيات ومصادرة الوظائف فهذا المحدث إياه... "عفان أبو عثمان) ت 224 ه ") يبلغه عامل المأمون على لسانه "بأنه سيحرم مما اعتدنا منحه )4( وكان عفان يتلقى من المأمون خمسمائة درهم شهريا" يتضح من هذه االستشهادات والقرائن أن المأمون وإن كان ينحاز للعقل في الكالم والرأي في الفقه لم يكن لديه أفضليات وكان يحرص في نفس الوقت على استقطاب أهل الحديث ووضعهم تحت مضلة أمره" سياسة واقعية تقوم على إحداث التوازن بين القوى المعرفية الموجودة على الساحة. أما تلك الصورة النمطية التي تتكرر والتي ألحقت بالمأمون فهي تلك التي تنسبه إلى التشيع واالعتزال التشيع ألنه أقدم على عملين خرق بهما كل التقاليد إن لم نقل طابوهات السياسة منذ أن تحولت الخالفة إلى ملك األول توليته العهد لعلي الطربي تاريخ االرسل وامللوك تق ومر صدقي مجيل العطار, بريوت دار الفكر 9010 (- 2 املرجع ذاته اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا ( 11 ص 4 أبو نعيم أمحد بن عبد اهلل األصفهاين حلية األولياء وطبقة األصفياء بريوت دار الكتب العلمية 1255 ج 2 ص 181 نقال عن منريودهورويتز أمحد بن حنبل ص 904. )4( أبو عبد اهلل حنبل بن إسحاق بن حنبل ذكر حمنة اإلمام أمحد بن حنبل القاهرة دار الثقافة 1255 ص 55 نقال عن نفس املرجع ص
193 بن موسى الرضا سنة "بمرو" 241 وأمره بإزالة السواد شعار العباسيين ولبس األخضر شعار العلويين وهذا الفعل الذي اتسم بالجرأة أثار الحيرة والتساؤل هل كان ذلك تكتيك سياسي أراد من خالله المأمون امتصاص ضربات الحركات الشيعية الثائرة خاصة في الفترة الممتدة بين 111 ه و * 241 وجعل زعمائها وأئمتها يظهرون ويخرجون للعيان فتتبدد الهالة التي اكتسبوها باإلختفاء والدعوة السرية أم أن األمر يتعلق بقناعة حدثت للمأمون بتأثير من المعتزلة والزيدية الشيعية بضرورة إرضاء الشيعة إلحداث تكامل بين جناحي األسرة الهاشمية وبين شقي األمة الشيعة والسنة هذه األسئلة تحمل في طياتها جملة من الفرضيات التي يمكن أن تفسر هذا اإلجراء مهما يكن فهذه ليست قضينا اآلن ما نضيفه في هذا الشأن أن المأمون كتب عهد الوالية لعلي بن موسى الرضا وهي وثيقة سياسية هامة تتضمن رأيه وموقفه من مسألة اإلمامة والخالفة. أما العمل الثاني الذي هو من جنس العمل األول وإن كانا متباعدين زمانيا بذم معاوية وإعالن تفضيل على ما سواه من الخلفاء وقد اثناه قاضيه ومستشاره إنفاذ رأيه. أما صلة المأمون باالعتزال فقد جاءته من اعتناقه مسألة "خلق القرآن" 211 ه هو أمره "يحي بن أكثم" عن وفرضها على الناس وهذه الصورة االعتزالية التي بنيت للمأمون تحتاج إلى توقف ومساءلة فأن يكون لالعتزال مكانة في دولة بني العباس فال مراء في ذلك وقد بينا كيف أن المعتزلة شكلوا فئة نشيطة وفاعلة في الكتلة التاريخية التي نمت فيها دعوة بني العباس وقامت بالثورة ولكن هذه الصلة لم تكن دائما على وتيرة الود والصفاء كما أن تلك الصلة لم تصل إلى حد الذي يثير حفيظة القوى األخرى فقد رأينا أن "المهدي" أمر بتأليفكتب الجدل للرد على الزنادقة والملحدين وال بد أن الجهة المعنية بهذا األمر المعتزلة فقد أمر أن يحمل إليه "العالف" من البصرة لهذا القصد والغاية وعرفنا أن كان "الرشيد" يمنع الجدل في العقائد وكان ساخطا على "بشر بن غياث المريسي" لقوله بخلق القرآن وعلى "بشر بن المعتمر" ألنه رافضي واألمر ذاته مع "األمين" لما أثبتناه من شهادة "أحمد بن حنبل" لصالحه بسبب موقفه الرافض لمسألة خلق القرآن الوضع سيتبدل مع لفيف من الخلفاء الشباب المأمون المعتصم الواثق وقد كانت الظروف واألطر االجتماعية للمعرفة قد تحولت بفعل تحوالت في مراكز القوى القوى المعرفية ومن ورائها القوى االجتماعية التي تمثلها والمقصود هنا تنامي قوة أهل الحديث وصيتهم لدى العامة ومع ذلك كان مجلس المأمون يغشى من قبل متكلمين مختلفين في االتجاهات دون أن يحظى فريق بأفضلية على األقل علنية " إن المأمون لم يظهر يوما أي تعاطف 193
194 سياسي تجاه أي تيار من التيارات التي شكلت عصبة المتكلمين فقدم يد العون لجميع أعضاء العصبة دون استثناء عبر توليتهم مواقع النفوذ الفكري وإجزال العطاء لهم ماديا وبمنأى عما كانت عليه قناعاته الشخصية فقد اختار مستشاريه من تيارات دينية مختلفة ولو شئنا 194 استرجاع كيف كان المأمون يتخيل مخططه الديني السياسي كنا سنحذو حذوه في تجاهل التفاصيل الصغيرة التي كانت تميز تيارا من المتكلمين عن آخر ألن المأمون بالمصطلح السياسي لم يكن لديه أية أفضليات" هناك قائمة كبيرة من المعتزلة كانت ترتاد مجلس المأمون بداية من ت 112 ه- و"النظام" الذي صحب ت 231 ه- و"أحمد بن دؤاد" ت 211 ه "ثمامة بن األنشرس" وأبو ت 244 ه- "المهدي" و"الرشيد" "الهذياللعالف" ثم ثمامة بن "المأمون" و"بشير بن المعمر" و"أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ" و"هشام بن عمر الفوطي" 211 ه- "األشرس النميري"- ت 214 ه- ت 254 ه- و"بشر بن غياث المريسي" في هذه القائمة ثالث أسماء مثيرة للجدل في عالقتها بالمأمون وبمسألة خلق القرآن و"بشر بن غياث المريسي" و"أحمد بن دؤاد" فاألول "بلغ من المأمون منزلة جليلة وأراده على الوزارة فامتنع" ولمنزلته هذه يعتقد أنه كان له تأثير في قول المأمون القرآن. أن بخلق وهناك حادثة تدل على أن مكانة ثمامة كجليس للمأمون ومتكلم مفوه لم تصل إلى حد التأثير في اتجاهات المأمون الكالمية والعقدية فبعد أن هم بلعن معاوية وتقديم علي أثناه "يحي بن أكثم" وهو سني وليس معتزليا رغم أن "ثمامة" كان من مؤيدي مسعى المأمون في ذم "معاوية" كما ال ننسى "ثمامة" توفي قبل قرار امتحان الناس في خلق القرآن بست سنوات وهناك اإلسماألكثر إثارة للجدل والذي يرتبط اسمه بال منازع بمسألة خلق القرآن "بشر بن غياث المريسي" إذ "يبدو حالة فريدة تستحق اهتماما خاصا بسبب عالقة الرجل بالمأمون من ناحية وبسبب ما يمكن أن يكون له دور في قول المأمون بخلق القرآن وإعالن االمتحان من ناحية ثانية" هذه الحالة غير محسوم في تصنيفها فمن قائل أن بشرا معتزليا إلى قائل أنه مرجئي وأنه من أصحاب الرأي في الفقه ويصفه أعدائه الحنابلة بأنه جهمي وهذا االنتساب للجهمية تجعله معطال للصفات وفي نفس الوقت قائل بخلق القرآن باعتبار أن مبتدأ هذه الفرقة هو "جهم بن صفوان" الذي طور القول بخلق القرآن بعد أن أخذه عن "الجعد بن درهم" المراجع تجمع على قول "بشر المريسي" بخلق القرآن منذ ايام "الرشيد" مرورا بفترة "األمين" ثم قبل دخول "المأمون" بغداد حيث حبس ولما دخل المأمون أصبح من الذين نيمرود هورويتز أمحد بن حنبل وتشكل املذهب احلنبلي ص 906. ابن الندمي الفهرست ص 848. جدعان فهمي احملنة حبث يف جدلية الديين والسياسي يف اإلسالم بريوت الشبكة العربية لألحباث والنشر ط ص.20
195 يرتادون مجلس المأمون كما مر وهذا مما يرجح أن مسألة خلق القرآن كانت من المقاالت التي كانت تثار وتناقش ويذهب "فهمي جدعان" إلى ترجيح أن يكون بشر "قد قدم للمأمون نظريا بعض العناصر الكالمية التي تعزز عقيدة القرآن المخلوق" ما نستفيد منه هو أن هذه الشخصية التي قد يكون لها دور في صياغة عقيدة خلق القرآن للدرجة التي جعلت المأمون يقول بها كاعتقاد لم تكن صريحة االنتساب إلى المعتزلة بل تنسب أكثر إلى المرجئة أو الجهمية أما الشخصية الثالثة "أحمد بن دؤاد" فهو المتكلم المعتزلي الذي بسبب مكانته في بالط المأمون وبسبب كونه قاضي قضاة المعتصم ثم الواثق أشرف على االستجوابات المتعلقة بخلق القرآن ألحقت مسؤولية محنة المحدثين وعلى رأسهم "أحمد بن حنبل" بالمعتزلة هذا المتكلم والموظف المرموق في دولة بني العباس معتزلي صريح وهو و أكثم" "إن لم يكن له تصنيف... من أفاضل المعتزلة" وكان من الذين انتدبهم "يحي بن لمجالسة المأمون إلى أن بلغ عنده درجة رفيعة من الثقة جعلته يوصي أخاه المعتصم بأن يتخذه مستشارا أمينا يقول في وصيته: "وأبو عبد اهلل أحمد بن دؤاد ال يفارقك الشركة في المشورة في كل أمرك فإنه موضع لذلك" وقد تضاربت اآلراء فيه من منزل إياه منزلة رفيعة في العلم واألخالق إلى حاط من منزلته لدرجة تكفيره وهو و إن كان من طبقات المعتزلة فإن الحنابلة يصفونه بأنه جهمي والجهمية تقف على رأس القائمة التي ترمى بالتكفير والتبديع من قبل أحمد بن حنبل وورثته في المذهب إلى "ابن تيمية" وقد تبين لنا أن الحنابلة كانوا يصفون كل من قال بخلق القرآن بأنه جهمي ربما لما ثبت لديهم أن أصل القول بخلق القرآن إنما جاء من قبل "جهم بن صفوان" ثم أن الحنابلة لم يكونوا مهتمين بالتفاصيل التي تميز مذهبا عن مذهب مهما يكن فإن معظم الشهادات التي قيلت في أحمد بن دؤاد تشهد أو تقارب أن تشهد بما وصفه إياه ابن النديم قائال: "لم ير في أبناء جنسه )4( أكرم منه وال أنبل وال أسخى" ورغم هذه المكانة إال أن "أحمد بن دؤاد" لم يتقلد أي منصب رسمي في عهد المأمون "والذي يؤخذ من جميع الروايات التي يرد فيها ذكر ألحمد بن أبي دؤاد في حياة المأمون ال يتعدى مشاركة أحمد في مجالس المأمون العلمية والفقهية والخاصة وأن الرجل استحوذ على إعجاب الخليفة وثيقته إلى الحد الذي جعله يحث خليفته المعتصم على أن يشركه )5( المشورة في أمره" في مقابل هذا كانت الشخصية األولى في خالفة المأمون "يحي بن أكثم" 195 املرجع ذاته ص 861. ابن الندمي الفهرست ص 861. أبن خلكان وفيات األعيان ج 1 ص 84 نقال عن فهمي جدعان احملنة ص 100. )4( ابن الندمي الفهرست ص 869. )5( جدعان فهمي احملنة ص 101.
196 كمستشار وقاضي قضاة المأمون وهذا كان سنيا ولم يكن معتزليا وكان يحظى باإلشادة من قبل المحدثين وقد بلغ من المكانة في نفس المأمون ما جعله ينزل عند رأيه بعدم إعالن ذم معاوية وتقديمه على سائر الخلفاء والكف عن القولبتحليل نكاح المتعة ولعله حاول أن يثني المأمون عن إعالن خلق القرآن وامتحان الناس فيه أو أنه لم يساير المأمون في عزمه هذا فأبعده المأمون بتهمة الفساد. وهكذا يبتدأ فصل جديد في حياة "إبن أبي دؤاد" قاضي القضاة ويجعل منه المستشار األول ولعل كفاءة وفي المحنة عندما يقلده المعتصم منصب "أبي دؤاد" الجدالية والكالمية وتضلعه في المعارف المتداولة في تلك الفترة جعلته يمثل من هذا الجانب تعويضا وإكماال لما كان ناقصا في شخصية المعتصم الذي كان رجل حرب وسياسة ولكنه "كان عريا من العلم" ومن موقعه كقاضي القضاة مارس عملية االستجوابات التي طالت فيما طالت أهل الحديث وعلى رأسهم أحمد بن حنبل وهذا يعني أن االستجواب والتحقيق الذي مارسه "إبن ابي دؤاد" يدخل في مهامه كقاضي للقضاة وليس بالضرورة ألنه معتزلي وواصل على نفس المنوال في عهد الواثق ومن موقعه كشاغل لمنصب رسمي في الدولة ونحن نذهب إلى ما ذهب إليه المحقق والباحث "إبن ابي دؤاد" " منصب "الرسمية" "قاضي القضاة" "فهمي جدعان" إلى القول بأن كان على وجه التحديد هذا الرجل الذي اختاره الخليفة لتقلد أسمى مناصب الدولة ومعنى ذلك أن "فعل" أحمد بن ابي دؤاد ينبغي أن يفسر في ضوء وظيفته ال بالرد على مذهبه أو على هواه الشخصي إن كان له مثل هذا المذهب أو الهوى". لم يكن إذن المأمون معتزليا أو متحيزا على وجه الصراحة لمذهب بعينه لقد كان متحيزا بكل تأكيد للعقل عقل المتكلمين كافة وعقل أهل الرأي وعقل الفالسفة عقل أرسطو الذي طلبه من خالل الترجمة ترجمة منطقه على وجه التخصيص ومن خالل تأسيس بيت الحكمة الذي كان األساس الذي قامت عليه مدرسة بغداد العقالنية لقد أثر عن المأمون القول: "غلبة الحجة أحب إلى من غلبة القدرة ألن غلبة القدرة تزول بزوالها وغلبة الحجة ال يزيلها شيء" ومنكالمه المأثور "ال نزهة ألذ )4( من النظر في عقول الرجال" المحاججة والنظر في عقول الرجال قد يكون هوى المأمون ولكن في نفس الوقت سالحه الذي واجه به الخصوم في الجبهة الداخلية وإحدى هذه الجبهات جبهة أهل الحديث الذين كانوا موضوع امتحان ومحنة خلق القرآن ونحاول أن تحرى األسباب التي من أجلها السيوطي تاريخ اخللفاء ص 811. جدعان فهمي احملنة ص 118. السيوطي تاريخ اخللفاء ص )4( املرجع ذاته ص 805.
197 سلط عليهم االمتحان امتحان السلطة الذي يجب أن نقول أنه قرار سياسي اتخذه المأمون لدواعي سياسية وإستراتيجية وليس قرارا اتخذه بإيعاز من هذه الجهة أو تلك مستخدما بطبيعة الحال نمط معين من المعرفة والحاملين لها في تحقيق أهدافه وغاياته السياسية واإلستراتيجية وليس انجرارا من المأمون لتأثير المعتزلة ألن مسألة خلق القرآن لم تكن كما رأينا مسألة اعتزالية محضة و"هناك ما يدل على أن المعتزلة أنفسهم فوجئوا باألمر أيضا ولعدة جهات: إذ ما كانوا جميعا يقولون بخلق القرآن...وهناك ما يدل أن المأمون ما كان يوافقهم في نفي القدر وكان يعتبر ذلك ضد مصالح السلطان والدولة وما تولى المعتزلة أو كبارهم مالحقة أهل الحديث وإنما توالها والي بغداد ثم القضاة والموظفون وجلهم من األحناف والمرجئة وبعضهم ضد المعتزلة". استكماال لعرض األطراف الفاعلة في المحنة وتأكيدا للنتيجة األخيرة التي حصلنا إليها والتي تتعلق بعالقة المعتزلة بالمأمون ومسؤوليتهم في المحنة نتجه اآلن إلى أهل الحديث لنرى الدواعي واألسباب التي من أجلها كانوا هدفا لمحنة القول بخلق القرآن جذور هذه الفئة تعود إلى قيام اتجاه يقول باعتماد األثر والحديث مرجعين ومصدرين للتشريع في مقابل من كان يقول بالرأي وفي ظل تطور الصراع بين االتجاهين وضغط الواقع ظهرت الحاجة الى وضع الحديث و تضخمه االمر الذي أدى الى قيام الحاجة كذلك إلى تأسيس عملية طلب الحديث واعتماده مصدرا للتشريع او هذا الذي أدى إلى نشوء فئة متخصصة في طلب الحديث وروايته وتدوينه في منتصف القرن الثاني للهجرة في الكوفة بشكل خاص هذه الفئة أسست تقاليد طلب الحديث وشد الرحال إلى األمصار لسماعه من أفواه الرجال وفي فترة التدوين ولتراكم مادة الحديث وقيام تقاليد في الرواية والسند سيتأسس علم الحديث وفروعه الجرح والتعديل علم الرجال هذا العلم وفروعه سيستعمل في تحديد دائرة أهل الحديث وإخراج المتكلمين واألحناف والشيعة منها ويبدو أن اتساع دائرة خصومهم أهل الرأي وعلماء الكالم قد دفعتهم إلى تكوين رأي وعقائد في المسائل التي كانت مطروحة اإليمان الصورة التاريخية للخلفاء شرعية السلطة القائمة حدود استخدام العقل في التشريع والتأويل ليسموا باسم "أهل السنة والجماعة" لتمييز أنفسهم عن أهل الرأي أو أهل الكالم والفرق اإلسالمية كالشيعة والخوارج وهو معسكر يضم المحدثين وأهل الفقه يجمعهم اعتبار السنة أصال من أصول التشريع موسعين دائرة شروط قبول الحديث كمصدر للتشريع على خالف الشيعة والخوارج وعلى خالف من كان ينكر أصال أن تكون السنة مصدرا للتشريع حيث "أن الثقة في الحديث تنال برواية العدل عن مثله حتى يبلغ به رضوان السيد مقدمة ل: منمريودهورويتز أمحد بن حنبل ص
198 رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم ولو كان الراوي واحدا فقط ولم يقيموا لغير ذلك من الشروط وزنا" وقد تدعمت هذه الجبهة بدعامة قوية بعمل الشافعي الذي عرض في رسالته "المبادئ األساسية للمقاربة الفقهية التي تبناها الحقا معظم أهل السنة وقد أتاح هذا اإلطار الفقهي الفرصة أمام أهل الحديث لوضع ثقتهم في األحاديث النبوية الشريفة باعتبارها سننا أو سوابق شرعية هكذا ونتيجة لرسالة الشافعي فقد تم تكريس نهائية األحاديث النبوية التي اكتسبت أهمية متزايدة واعتمدت بصورة جازمة مصدرا وحجة وأصال شرعيا" من هذه الجبهة الواسعةتبرز فئة المحدثين كفئة محترفة في جمع الحديث وتصنيفه والحقا تأسيس تقاليد في البحث عن سيرة الرواة ومواصفاتهم باسم الجرح والتعديل وعلم الرجال وسيتبلور هذا االتجاه في الكوفة من خالل عمل ثالثة أسماء مهمة "سفيان الثوري" ت 161 ه و"شريك بن عبد اهلل النخعي" ت 144 ه و"محمد بن عبد الرحمان بن ابي ليلى" ""وكان بين هؤالء الثالثة وأبي حنيفة وحشة" بسبب االختالف في النظر إلى قيمة الحديث في التشريع وحدود استعمال العقل أو الرأي فيه وتحديد طبيعة الشريعة نفسها من حيث أنها معقولة المعنى تقوم على أصول عامة يقوم عليها االجتهاد أو من حيث أنها اثر يتبع أي "نصوصا تعبد بها الشارع اإلسالمي من دان باإلسالم في غير نظر إلى علل رعاها في تشريعه وال أصول عامة يرجع إليها المجتهد وال أصول خاصةباألبواب المختلفة فهم المتشرعون الحرفيون و من أجل ذلك نراهم اذا لم يجدوا نصا في المسألة سكتوا و لم يفتوا )4(." ومن الطبيعي أن يجمع المحدثون أهل الرأي والمعتزلة خاصة معتزلة البصرة على صعيد واحد حيث ستتعمق االختالفات بين المحدثين واألحناف والمتكلمين في المسائل التشريعية والعقدية والمواقف السياسية ومن بين مسائل الخالف الجوهرية مسألة خلق القرآن بين "أهل السنة" بما فيهم أهل الحديث وجبهة واسعة تضم األحناف والمرجئة والجهمية وأكثر الزيدية الشيعية والمعتزلة وفي المرحلة التي أصبح لهم فيها كالم في المسائل الخالفية أصبحوا فرقة قاعدتها احتراف رواية الحديث وتصنيفه وتعديل و جرح الرجال وسقفها الكالم في السياسة وهذا التطور جعلهم ينتقلون إلى مرحلة الفتيا بتكفير أو تبديع من خالفهم وهذا سالح استعمله المحدثون بشكل واسع ارتبط بعالقة طردية مع القول بخلق القرآن و تكمن فاعلية هذا السالحفي الحط من قيمة خصومهم وتبخيس سيرتهم ا اخلضري حممد بك تاريخ التشريع اإلسالمي اجلزائر دار "أشريفة" للنشر و التوزيع )ب ت( ص 128 نيمرود هورويتز أمحد بن حنبل ص 125. ا اخلضري حممد بك املرجع السابق ص )4( املرجع ذاته ص 900.
199 العلمية واألخالقية لدى العامة وهذا الحكم أو الفتيا التي تخرج من الدين والجماعة المعسكر القائل بخلق القرآن هو في نفس الوقت حكم ينطبق على السلطة التي ترعى هذا المعسكر وبواسطته تروج مسألة خلق القرآن وتمتحن الناس لقد كان لسان حالهم في عالقتهم بالسلطة من هذه الناحية المثل العربي "إياك أعنى فسمع يا جارة" وقد أشار المأمونكما سنرى إلى هذا في رسائله لعامله علي بغداد مبديا انزعاجا بالغا من هذا األمر الحكم بالكفر على المتكلمين- هناك تطور وتدرج في اتجاه تكون سلطة موازية لسلطة الخليفة والدولة فمن احتراف جمع الحديث إلى تكوين موقف من اإليمان والصورة التاريخية للراشدين ونبذ المراء والجدل واالختالف في الدين انتقلوا إلى سلطة الفتوى بالتكفير والتبديع والتكلم باسم السنة والجماعة وخاصة بعدما أصبحت السنة سلطة مرجعية في التشريع والقضاء تتضاعف هذه السلطة عندما نعلم أن فضاء نشاطهم كان الفضاءات العامة المساجد األسواق دكاكين الوراقين األعياد والمواسم-الحج العمرة- أي أن نشاطهم كان على تماس مباشر مع العامة كقوة طالبة للحديث والفقه لتمفصلهما مع الحياة الخاصة والعامة للفرد والجماعة وعليه جعلت طبيعة موضوع الحديث والفقه من شخصية العالم طبيبا ألدواء العامة والجماهير وستكون السيرة النموذجية للكثير من المحدثين خاصة في شقها األخالقي مثار إعجاب هيبة وتجله ووقار من العامة "كعبد اهلل بن المبارك" ت 111 ه و"الفضيل بن عياض" ت 114 ه و"أحمد بن حنبل" و"عفان بن مسلم " ت 211 ه الورع واالستقامة األخالقية ومواجهة اإلغراءات الدنيوية بما في ذلك إغراءات السلطة هي ما رفع درجة هؤالء وعلى رأسهم ابن حنبل إلى درجة القداسة وإذا حاولنا إثبات تلك الصلة التي كانت للمتكلمين عامة والمعتزلة خاصة بسلطان بني العباس ومخاصمتهم لبني أمية فلنمارس نفس األمر بالنسبة للمحدثين في عالقتهم بالسلطانين سلطان بني أمية وسلطان بني العباس لقد مر معنا أن علماء الشام قد صاغوا مفاهيم السنة والجماعة والفتنة والبدعة والجهاد وتبناها معظم أهل الحديث وكان من جملة انشغاالتهم تبرير شرعية الحكم ابتداء من شرعية حكم معاوية وتحويله الخالفة إلى ملك وسيخرج المحدثون في ثورة "إبراهيم بن عبد اهلل بن الحسن بن الحسين بن علي" على "ابي جعفر المنصور" وسيكون "يزيد بن هارون" ت 246 واحدا من الذين خرجوا علما أن هذا المحدث بلغ من الصيت والعلم ما جعله يحول بين المأمون واإلعالن عن القول بخلق القرآن إنه محدث له ماضي في الخروج عمت شهرته العراق والشام والحجاز روى عنه أئمة الحديث المشهورين كابن حنبل و"علي بن المديني" و"أبو خيثمة" و"أبو بكر بن شيبة" و"خلف بن سالم" "وكان يقال أن في مجلسه سبعين 199
200 ألفا" وهناك روايات كثيرة تصب في إظهار الهالة الكبيرة التي كان يتمتع بها هذا المحدث ومن ورائه عامة المحدثين الذين أصبحوا يتمتعون بسلطة رمزية لدى العامة كما ال ننسى أنه في خالفة "أبي جعفر المنصور" تعرض ثالثة من رموز العلم والحديث لمحنة الحبس إذ حبس بحبسهم: الناس". المأمون "محمد بن إبراهيم بن محمد بن علي" وهو أمير مكة - "في هذه السنة فيما ذكر- إبن الجريح وعباد بن كثير والثوري" وقد وصفهم هذا األمير بأنهم واستئنافا في القول بسلطة أهل الحديث يروي "يحيى بن أكثم" ""قال لنا المأمون لوال مكان يزيد بن هارون ألظهرت القرآن مخلوق" 246 ه أو قبلها على أساس أن يزيد بن هارون توفى في 151 ه- بأمر المنصور إياه "عيون من عيون قاضي قضاة المأمون مقالة وكان هذا في سنة 246 ه وسواء أصحت هذه الروايات وتطابقت مع الوقائع أم انها كان مضخمة فإنها في النهاية تعكس حقيقة تاريخية تتمثل في قوة أهل الحديث من حيث قوة العدد والقدرة على استقطاب العامة وحيازتها على رأس مال رمزي ضخم- الحديث- أصبح منذ الشافعي مصدرا للتشريع ومصدرا لالحتجاج الثورة والخروج والتبرير وصناعة الصورة التاريخية لهذا الشخص أو لذاك واستخدام سالح الجرح والتعديل وعلم الرجال في إدخال أو إخراج الرجال والمذاهب من أو إلى دائرة "أهل السنة والجماعة" باعتبارهم "فرقة ناجية" وقبل هذا التاريخ أي قبل أن يدخل المأمون بغداد عام 244 ه عاشت بغداد حوالي ست سنوات حالة فراغ أو شعور في السلطة تراكمت أثناءها أحداث صبت في صالح سلطة المحدثين فباإلضافة إلى ما خلفته الحرب األهلية التي انتهت بحصار بغداد وقتل األمين من مشاعر الغضب على المأمون والتعاطف مع األمين إلى درجة مسارعة أهل بغداد لمبايعة عم المأمون بالخالفة خاصة بعد توليه لعلي بن موسى الكاظم العهد وو أمره بلبس األخضر هذا ويكون أهل بغداد وعامتهم قد استشعروا أن المأمون قد ترك مدينتهم لمصيرها وتخلى عن واحدة من وظائف اإلمامة حفظ األمن وإقامة الحدود وأثناء ذلك حدث في بغداد هرج ومرج فكان لصوصها وفساقها قد "أذو الناس أذى شديدا واظهروا الفسق )4( وقطع الطريق وأخذ الغلمان والنساء عالنية من الطرق" ويضيف الطبري مفصال في أنواع األذى الذي لحق الناس من جراء غياب الدولة والسلطة "وكان يجبون المارة في الطرق وفي السفن وعلى الظهر ويخفرون البساتين ويقطعون الطرق عالنية وال أحد يعدو عليهم وكان الناس منهم في بالء اخلطيب البغدادي تاريخ بغداد أو مدينة السالم ج 14 ص 845 نقال عن فهمي جدعان احملنة ص 198. الطربي تاريخ األمم وامللوك ج 4 ص 616. اخلطيب البغدادي تاريخ بغداد أو مدينة السالم نقال عن فهمي جدعان احملنة ص 196. )4( الطربي تاريخ األمم وامللوك تق ومر صديق مجيل العطار بريوت دار الفكر 9010 ج 10 ص
201 عظيم" و في ظل غياب السلطة انتظم أهل بغداد في لجان دفاع مدني " سميوابالمطوعة قاموا " باألمر بالمعروف و النهي عن المنكر ويذكر الطبري بتفصيل يثير االنتباه هذه الحركة التي كان على رأس جناحها األول رجل يسمى "خالد الدريوش" الجناح الثاني من المطوعة فكان رجل يدعى وهذا كان ال يرى الخروج على السلطان أما رأس "سهل بن سالمة" دفع باألمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى مداه أي الخروج على السلطان مستقطبا بذلك خلق كثير يقول الطبري في التمييز بين رؤى زعماء المطوعة في الخروج على السلطان أو عدمه: "وقال دريوش أنا ال أعيب على السلطان شيئا وال أغيره ال أقاتله وال آمره بشيء وال أنهاه وقال سهل بن سالمة: الكتاب والسنة كائنا من كان سلطانا أو غيره والحق قائم في الحركة سيبرز إسم ينتمي ألهل الحديث صراحة إنه لكنني أقاتل كل من خالف الناس أجمعين" وفي خضم هذه "أحمد بن نصر الخزاعي" ت 231 ه الذي اضطلع بمهمة األمر بالمعروف والنهي عن المنكر في صفوف المطوعة حتى دخول المأمون بغداد وسيكون على رأس حركة ثورية استهدفت حكم "الواثق" ت 232 ه الذي سيعدمه بيده عندما قبض عليه بعد اكتشاف أمر الثورة قبل إعالنها وقد امتحن في مسألة خلق القرآن ولم يسأل عن أمر الشغب وقتل بتهمة عدم القول بخلق القرآن ومن ثم بتهمة التشبيه والكفر. ستكتمل هذه الصورة عندما نجري عالقة تقابل بين اإلجراءات التي قامت بها السلطة األموية وتلك التي قامت بها السلطة العباسية في عهد المأمون فيما يتعلق بمسائل الكالم كمسألة الصفات ومسألة خلق القرآن والصورة التاريخية للراشدين والصحابة عموما لنرى أي الفريقين أقرب تعبيرا عن هوى وعقيدة أهل الحديث فمن حيث مسائل الكالم مسألة خلق القرآن التي بدأ القول فيها منذ حوالي 124 ه في عهد الخليفة األموي "جهم بن صفوان" "هشام بن عبد الملك" ت 125 ه حيث دشن القول فيها "الجعد بن درهم" ويكون أخذها عنه ودمجها في منظومته الكالمية التي تقوم على تعطيل الصفات والقول بخلق القرآن والقول بخلق اهلل في عباده القدرة التي األموية عن طريق واليها في الكوفة ستعدم كذلك "الجهم بن صفوان" "خالد بن عبد اهلل القسري" بها يريدون والتي أولت على أنها جبر السلطة ستعدم "الجعد بن درهم" والحقا ورفيقه في مقابل هذا الموقف سيحتضن البالط العباسي أيام المأمون والمعتصم والواثق المتكلمين بجميع مشاربهم واتجاهاتهم كما رأينا ويوفر لهم الرعاية والدعم املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. املرجع السابق اجلزء ذاته ص
202 وسيتطور القول بخلق القرآن في المجادالت والنقاشات التي كانت تجري في مجلس المأمون ليصبح القول بخلق القرآن عقيدة رسمية تمتحن السلطة الناس فيها صورتين متعارضتين تماما. لقد كان للمعتزلة سابقة في الخروج والثورة على األمويين وكان لرواد المعتزلة األوائل موقف يشوبه عدم الرضى بل والسخط على المحدثين باعتبارهم قوى محافظة ومثبطة للخروج والثورة والتغيير فهذا "عمرو بن عبيد" يصف أهل الحديث بالحشوية وهو وصف نابي ظل المتكلمون واألحناف ثم المأمون يصفونه به المحدثين يقول "عمر بن عبيد" "هؤالء الحشو آفة الدين هم الذين صدوا الناس عن القيام بالقسط واألمر بالمعروف والنهي عن المنكر" ولهذه السابقة سابقة الخروج على األمويين أصبح من الطبيعي أن يكون الكالم عامة المعتزلى منه خاصة سالحا إيديولوجيا لسلطة الدولة العباسية في فترة من فتراتها فتتبدل المواقع ليصبح المتكلمون واألحناف قوة محافظة والمحدثون قوة ناقدة ومحتجة وإن لم يقل كلهم بالخروج وكانت أشكال النقد واالحتجاج تتم بآليات كثيرة لعل أهمها الزهد ورفض الرعاية المادية للدولة لقد مارس هذا الموقف الكثير من المحدثين كما مر معنا وكان من بينهم ابن حنبل الذي رفض أعطية المأمون ورفض صراحة تقلد منصب قضاء اليمن رغم توسط الشافعي في ذلك وظل يرفض أية مساعدة أو هبة آتية من السلطان حتى من المتوكل رغم ما أظهره من سياسة موالية صراحة ألهل الحديث أما الصورة التاريخية للراشدين والصحابة فمن المعلوم أن عقيدة أهل السنة والجماعة وكما صاغها "أحمد بن حنبل" ترتب الراشدين في الفضل حسب ترتيبهم في تولي الخالفة ويضيف إلى ذلك تقديم الصحابة على من سواهم مهما بلغوا من العلم والتقوى والورع فهو يقدم مثال معاوية على عمر بن عبد العزيز على أساس مبدأ أن صحابة رسول اهلل ال يعدلهم و في هذا السياق حسن الصورة التاريخية لمعاوية من حيث أنه صحابي ونقد كل من نال من تلك الصورة وحدث باألحاديث التي ترفع من قيمته في مقابل هذه الصورة رأينا المأمون يشهر هواه العلوي والشيعي بإعالن تولية علي بن موسى والية العهد ولبس األخضر وإعالن ذم معاوية وتقديم علي في الفضل على الشيخين أبي بكر وعمر وهذا تعارض وتضاد بين الرؤيتين ويضعنا الجابري أمام هذا التعارض ومضمونه السياسي عندما يحلل مضمون عقيدة أهل السنة كما طورها وقررها أحمد بن حنبل حيث يقول مستنتجا "وهكذا نرى أن عقيدة أهل السنة والجماعة كما يقررها إبن حنبل بطل محنة خلق القرآن هي في مضمونها الديني عقيدة معارضة على طوال الخط للعقيدة التي قالت بها القوى المعارضة زمن األمويين وبالتالي فمضمونها السياسي ينصرف مباشرة إلى القاضي عبد اجلبار فضل االعتزال وطبقات املعتزلة ص 949 نقال عن جدعان احملنة ص
203 رفع اإلدانة عن األمويين وتوجيهها إلى العباسيين" نضيف إلى ذلك ما تورده كتب التاريخ من أن محدثا آخر ممن امتحن وقضى في هذه المحنة في سجون بغداد هو "أبو مسهر الدمشقي" أحد وجوه العلم والحديث في الشام المكان التاريخي لحزب العثمانية وبني أمية مجال الدولة العباسية والمعقل الذي تكونت فيه مفاهيم السنة والجماعة قد شارك في ثورة يزيد بن معاوية بن أبي سفيان" الذي خرج في الشام أيام األمين في سنة "علي بن عبد اهلل بن خالد بن 115 ه على أمل استرداد ملك أجداده ومكانة العرب رافعا شعار " السفيانية " ويبدو أن "السفيانية" اختراع ذو طبيعة أيديولوجية تماثل فكرة المهدوية عند الشيعة السفيانية مهدوية سنية أمل يتعلق به حزب بني أمية ومن يواليهم يغذي ثورتهم وخروجهم على سلطان بني العباس وقد عين "السفياني" هذا أبا مسهر الدمشقي قاضيا على دمشق وعندما زار المأمون دمشق في امتحن بنفسه 211 "أبا مسه"ر وقضى بسجنه إلى أن مات وإنه لمما له داللة أن يعلن المأمون امتحان خلق القرآن من الشام في طريقه إلى غزو الروم. واآلن ما هي النتائج الالزمة عن هذه التقابالت لعل أهم نتيجة هي أن أقرب الفريقين إلى هوى واعتقاد أهل الحديث هم األمويون وبالتالي بات من الواضح أن تكون مسألة خلق القرآن مسألة في ظاهرها دين أي رؤية عقائدية وباطنها سياسة تتعلق وكما سنرى باالعتراف بسلطة الخليفة الدينية أي حق االجتهاد وإلزام الناس بذلك االجتهاد على أنه يمثل الحق والقول الرشيد في الدين وفي نفس الوقت إضعاف السلطة الموازية سلطة المحدثين التي باتت سلطة منافسة إن لم نقل طاغية على سلطة الدولة والخليفة وهي سلطة يمكن أن توضع في أيدي أعداء الدولة. بتحديد العناصر الفاعلة في محنة خلق القرآن وبتحديد العالقة القائمة بين تلك العناصر اكتمل بناء الصورة وبقي لنا أن سنستثمر هذا البناء في تحليل العالقة بين السلطان والعلم من خالل عرض المحنة والمحنة المضادة. سنتجاوز الكثير من الحيثيات والتفاصيل التي يمكن الرجوع إليها في المصادر التاريخية وكتب المحن وسنركز على تلك األحداث واألقوال التي تأخذنا مباشرة إلى صلب إشكاليتنا العالقة بين السلطان والعلم الدواعي واألسباب المصير والمآل الذي آلت إليه هذه العالقة ما هو الثابت فيها وما هو المتغير ملتمسين إلى هذا الهدف مسلك العرض التاريخي لألحداث والوقائع وتحليل تلك األحداث والوقائع واألقوال تحت مسمى: المحنة امتحان عقائدي /ديني أم امتحان سياسي وتأكيد نتيجة هذا العنصر خالل سيرورة المحنة تاريخيا إذ تتبدل المواقع موقع الجالد والضحية حيث أنه اجلابري حممد عابد املثقفون يف احلضارة العربية ص
204 في سياق السيرورة التاريخية التعاقبية نحاول البحث عن الثابت فيها وذلك من خالل طرق العنصر الذي سيكون عنوانه "المحنة المضادة". 1. المحنة الوقائع واألحداث: بغداد- يقول الطبري: "وفي هذه السنة - واليه على في امتحان القضاة والمحدثين وأمر بإشخاص جماعة منهم إلى الرقة وكان ذلك أول كتاب كتب في ذلك" في هذه السنة ه- كتب المأمون إلى إسحاق بن إبراهيم ه- حسم المأمون أمره بامتحان الناس في خلق القرآن ووفق طبائع األمور يسبق كل امتحان الدرس وتحصيل المادة وهكذا عمد المأمون بعد أن نضجت فكرة خلق القرآن لديه إلى محاولة إظهاره في سنة 246 ه أو قبلها طبقا لرواية يحي ببن اكثم والتي أوردناها سابقا وفي سنة 212 ه "أظهر المأمون القول بخلق القرآن" وال بد أنه خالل هذه الفترة عمل على الترويج لمسألة خلق القرآن والدعوة لها في أوساط النخبة في اإلدارة والجيش والعلماء والقضاة ولعل إبعاد و إقالة قاضي قضاته ومستشاره األول يحيى بن أكثم تدخل في هذا السياق ولعله بعد تقييمه للموقف وتقييمه لمدى االستجابة انتقل إلى مرحلة االمتحان الذي ليس إال محاكمة للقضاة والفقهاء فقهاء المالكية والشافعية والمحدثين الفئة األكثر استهدافا من االمتحان وهكذا وغداة خروجه من الشام لغزو الروم يكتب إلى واليه على بغداد بامتحان القضاة والمحدثين حيث اشخص إليه منهم سبعة أشخاص من بينهم "محمد بن سعد" كاتب الواقدي وصاحب كتاب "الطبقات" وفي رسالة ثانية يحدد المأمون فيها األسماء التي على واليه امتحانهم وقد كان عدد األسماء المذكورة حسب الطبري ستة وعشرين شخصا ما بين فقيه ومحدث وقاضي وحاكم وقد ضمت هذه المرة ألمع وأشهر المحدثين وكان من بينهم أحمد بن حنبل وقد كتب إسحاق بن إبراهيم تقريرا مفصال بإجابات هؤالء ليعقب المأمون في رسالة أخرى على تلك اإلجابات آمرا إياه بإشخاصهم إليه "فأجاب القوم كلهم حين أعاد القول عليهم إلى أن القرآن مخلوق إال أربعة نفر منهم أحمد بن حنبل وسجادة والقواريري ومحمد بن نوح المضروب فأمر بهم إسحاق بن ابراهيم فشدوا في الحديد" ثم عاودهم أيضا وأعاد عليهم القول فأجاب سجادة ثم القواريري"وأصر أحمد بن حنبل )4( ومحمد بن نوح على قولهما ولم يرجعا فشدا جميعا في الحديد ووجها إلى طرسوس" حيث كان الطربي تاريخ األمم وامللوك ج 11 ص 86. املرجع السابق اجلزء ذاته ص 92. املرجع ذاته اجلزء ذاته ص 48. )4( املرجع ذاته اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا. 204
205 يعسكر المأمون بجيشه ولكنهما لم يبلغا المأمون إذا كان قد توفي فأعيدا إلى بغداد وبقية ممن أشخصوا إلى المأمون حيث أمروا أن يلتزموا بيوتهم ثم رخص لهم بعد ذلك بالخروج "الطبري" يكف عند هذا الحدث عن الكالم في المحنة ال في عهد المعتصم وال في عهد الواثق إال ما كان من امتحان "أحمد بن نصر الخزاعي" وإعدامه من قبل "الواثق" وكأن الطبري يعتبر مسألة خلق القرآن مسألة "مأمونية" بقية أحداثها في عهد المعتصم والواثق غير ذات أهمية سيواصل المعتصم بناءا على وصية أخيه في امتحان الناس "فسلك ما كان المأمون عليه وختم به عمره من امتحان الناس بخلق القرآن فكتب إلى البالد بذلك وأمر المعلمين أن يعلموا الصبيان ذلك وقاسى الناس منه مشقة ذلك وقتل عليه خلقا من العلماء وضرب أحمد بن حنبل وكان ضربه في سنة عشرين 224 ه..." وما يميز المحنة في عهد المعتصم أمران: من - األول التشديد في القول بخلق القرآن ومحاولة تعميمها على كل الفئات وفي كل الفضاءات بما في ذلك الكتاتيب الثاني وهو األهم في سياقنا امتحان "أحمد بن حنبل" حبسه وضربه بالسياط وفي سنة 224 ه يموت المعتصم ويتولى الخالفة من بعده ابنه "الواثق باهلل" حيث يواصل القول بخلق القرآن والتشديد فيه وتعميمه على جميع األمصار موكال قاضي قضاته "أحمد بن دؤاد" بمباشرة االمتحان وما يميز المحنة في عهده: قتل أحمد بن نصر الخزاعي في سنة تدبيره للثورة على الواثق. 231 ه بعد امتحانه وكان قد قبض عليه بعد اكتشاف - بلغ من شدة الواثق في القول بخلق القرآن أنه وخالل مبادلة األسرى مع الروم امتحن األسرى "فمن قال: القرآن مخلوق فودي به ومن ابى ذلك ترك في أيدي الروم". وباستخالف المتوكل سنة 332 ه "أظهر الميل إلى السنة ونصر أهلها ورفع المحنة" هذه وقائع وأحداث المحنة منذ أن أظهرها المأمون سنة 212 وامتحن الناس فيها في 211 ه إلى سنة إبطال االمتحان من قبل المتوكل في سنة 232 ه أربعة عشرة سنة من المحنة واالمتحان منذ آخر من خالفة المأمون لتمتد طيلة خالفة المعتصم والواثق على أن إبطال االمتحان وبقرار سياسي لم تنه الجدل والنقاش في قضية خلق القرآن وكذا في إشكالية لفظ القرآن إال أن وضع لها حد قرار سياسي كذلك وهو المسمى "االعتقاد القادري" في القرن الخامس للهجرة. - - السيوطي تاريخ اخللفاء ص 818. الطربي تاريخ الرسل وامللوك ج 11 ص 188 السيوطي تاريخ اخللفاء ص
206 2. المحنة امتحان ديني أم امتحان سياسي لقد حددنا لحد اآلن اإلطار التاريخي العام ومن خالله حددنا األطراف الفاعلة في المحنة مؤسسة الخالفة المتكلمون مع األحناف أهل الحديث وتم عرض مجريات المحنةكأحداث تاريخية متسلسلة في الزمن وبقي اآلن ما هو أهم استثمار المحنة في استنتاج النتائج الضرورية المرتبطة بإشكاليتنا إشكالية العالقة بين العلم والسلطان وجدل الديني والسياسي في اإلسالم ولن يكون أمامنا لتحقيق ذلك سوى التوجه إلى األقوال والمواقف لتحليلها في ضوء الموقف التاريخي وسياقه العام الذي كنا قد حددناه سابقا دون االنخراط في تقاليد التضخيم والتهويل أو التقزيم الذي تمارسه التواريخ الطبقية وفي هذا اإلطار لدينا رسائل المأمون لعامله علي بغداد ولدينا في الجهة المقابلة ما كتبه أهل السنة والجماعة ومؤرخيها عن المحنة تحديدا محنة أحمد بن حنبل هذا األخيركان يمارس تقليد التحديث اإلسماع و االمالء ضف أبناؤه وإبن عمه ما حدث به ورواه حديثا أو فقها أو ما تعلق بمحنته يتعلق األمر بمذكرات أسرية ومذهبية ونظرا للفاعلية التدوينية لهذه المدرسة ولنشاطية اإليديولوجية لمنتسبيها ونظرا ألنه كتب لهذا الخط االنتصار تاريخيا فإن المحنة تكاد تختزل في شخص أحمد بن حنبل واعتبارا لهذه الوضعية وضعية توفر نصوص عن المحنة محنة ابن حنبل نضطر بدورنا إلى عرض تلك المحنة محاولين استخراج داللتها وادراجها ضمن محنة جبهة واسعة. أورد الطبري كما أشرنا سابقا نصوص ورسائل المأمون عن المحنة وتكاد تكون الرسالة األولى بمثابة النص األم وما أتى بعده ال يعدو أن يكون في نظرنا مجرد تفصيل أو إضافة أو تحديد أسماء أو إعالن إجراءات وقرارات ونص الرسالة األولى نعتبره من جهتنا "بيانا مأمونيا" من أجل خلق القرآن قسمنا هذا البيان إلى أربعة مقامات داللية مقام الخليفة/اإلمام مقام اإلدعاء مقام المدعى عليهم مقام القرارات واإلجراءات المقام األول: نعتبره رأس المقامات عنه تصدر البقية صدورا ضروريا من حيث شرعية القول شرعية اإلدعاء شرعية إصدار األوامر واتخاذ اإلجراءات هذا المقام هو مقام إمام وخليفة المسلمين وأمير المؤمنين وهذا المقام يمثله المأمون مقام ال كما مورس تاريخيا من قبل بني أمية ولكنه المقام الذي بنته وتمثلته إيديولوجيا اإلمامة ونشأت في أحضانه الدعوة العباسية وبزخمه وهالته الرمزية قامت ثورتها واستأثرت بهكواقع تاريخي وسياسي بعد نجاحها ويكون المأمون من خالل نشأته وتكوينه وممارسته السياسية قد أراد أن يستثمر هذه الصورة صورة اإلمام كما أنتجتها األيديولوجةاإلمامية وأن يمارسهاكاملة غير منقوصة وقد أشرنا إلى ذلك في مكان سابق ونصصنا عليها لما لها من أهمية في تفسير عالقة العالم بالسلطان وفي تفسير األفعال السياسية لخلفاء بني العباس فلقد اقتضى هذا المقام ضمن ما اقتضاه أن يكون اإلمام مستودع العلم الحائز على أسراره والذي يبين 206
207 للناس دينهم عقيدة وتشريعا ويكون العلماء من دونه كدعاة لعلمه واجتهاده ناشرين ومبلغين إياه لرعيته يقول المأمون في رسالته: "فإن حق اهلل على أئمة المسلمين وخلفائهم االجتهاد في إقامة دين اهلل الذي استحفظهم ومواريث النبوة التي أورثهم وأثر العلم الذي استودعهم" يتحدد واجب األئمة أمام اهلل ب: االجتهاد في الدين المودع عندهم كأمانة استحفظهم اهلل عليها مع مواريث النبوة التي لم تورث دورهما وال دينارا كما جاء في ت االثر وإنما ورثت العلم الذي استودعه اهلل في اإلمام وراثة عن النبي وهذا االدعاء ينازع العلماء الذين يعتقدون من جهتهم أنهم ورثة األنبياء وفي الرسالة الثانية يؤكد المأمون هذا المقام وهذه الصورة فاألئمة أمناء استأمنهم اهلل على دينه فمن اوجب واجباتهم " نأ يجهدوا اهلل أنفسهم وينصحوا له فيما استحفظهم وقلدهم" أما الذي يخولهم القيام بهذا الواجب "فبفضل العلم الذي أودعهم والمعرفة التي جعلها فيهم" وهذا ما يمكنهم من هداية من زاغ ورد من أدبر إلى أن يصل الى واجب يتعلق بالعقيدة واإليمان ال تنسبه اال الشيعة ألئمتهم حيث يستطرد قائال: "ويقفوهم على حدود إيمانهم وسبل فوزهم وعصمتهم ويكشفوا لهم معطيات أمورهم ومشبهاتها )4( عليهم" ويشهد لهذا التمثل لصورة اإلمام ومهامه ما أفاد به أحد الممتحنين "أبو حسان الزيادي" 242 ه أحد وجوه العلم والمعرفة بالحديث وأيام الناس عندما سأله إسحاق بن إبراهيم عن رأيه في خلق القرآن إذ أجاب قائال "القرآن كالم اهلل واهلل خالق كل شيء وما دون اهلل مخلوق وأمير المؤمنين إمامنا وبسببه سمعنا عامة العلم وقد سمع مالم نسمع وعلم ما لم نعلم وقد قلده اهلل أمرنا فصار يقيم حجنا وصالتنا ونؤدي إليه زكاة أموالنا ونجاهد معه ونرى إمامته إمامة إن أمرنا إئتمرنا وإن )5( نهانا انتهينا" تنطق هذه الشهادة بما ال يدع مجاال للشك ما نحاول إثباته أي حمل صفات اإلمام الشيعي كما تقول بها اإلمامية على المأمون وهذه شهادة من قبل عالم من علماء المسلمين المشهود له في تلك الفترة شهادة تنصب المأمونكمنبع للعلم ومصدرا له "بسببه سمعنا عامة العلم" وفي النص إقرار باختصاصه بنصيب من العلم الذي ال يستطيع غيره تعلمه وبلوغه "وقد سمع ما لم نسمع وعلم ما لم نعلم". هذا المقام يخول له االجتهاد في الدين وتعليم الناس عقيدتهم الصحيحة وفي نفس الوقت الحكم عليها وتقييمها ويصبح له حق على عامة الناس وخاصتهم الطاعة فيما يأمر والنزول عند اجتهاده في الدين. الطربي تاريخ الرسل وامللوك ج 11 ص 86 املرجع السابق اجلزء ذاته ص 85. املرجع ذاته اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا. )4( املرجع ذاته اجلزء ذاته ص 85. )5( املرجع ذاته اجلزء ذاته ص
208 المقام الثاني: ويتعلق بالدعوى محل االمتحان والمحنة مسألة خلق القرآن فألن اإلمام أمير المؤمنين له من الحق ما سلف حق االجتهاد في الدين حفظا لعقيدة الناس فقد هداه إجتهاده إلى القول بخلق القرآن ونرى أن المقام هنا ليس مناسبا لعرض هذه اإلشكالية من حيث تاريخها ومن حيث المواقف النظرية منها ولكن يبدو لنا في هذا السياق أن لها وجهين وجه عقدي كالمي ووجه سياسي فأما الوجه العقدي/الكالمي فهو ما بت فيه المأمون في رسالته بشكل مباشر فهو إذ يقول بعقيدة خلق القرآن فذلك ألنها العقيدة التي تنزه اهلل في وحدانيته وتفرده بالصيغة التي تقول بها المعتزلة وفق أصل من أصولها التوحيد وعلى هذا األساس تقوم هذه الدعوى على مبدأين أساسيين: تنزيه اهلل بدرأ ما يمكن أن يؤدي الى اشراك غيره معه في صفة من صفاته -القدم واإلزالية -في حالة خلق القرآن- إذ يؤدي عدم القول بخلق القرآن إلى القول بقدمه مما يجعله مساويا هلل في هذه الصفة وهذا ما يؤدي إلى تأليه القرآن. أما المبدأ الثاني فهو متصل بالمبدأ األول ومفاده النأي عن الوقوع تقول بها المسيحية. في شرك نظرية الكلمة التي فأما المبدأ األول فإن المأمون قد ساق الحجج والبراهين عليه من خالل تأويل اآليات واتخاذ نتائج ذلك التأويل مقدمات تلزم عنها نتائج ضرورية من ذلك اتخاذ اآلية قضية تحليلية أي تحليل كلمة " اآلية "جعلناه" "إنا جعلناه قرآنا عربيا" وبناء النتائج على ذلك التحليل أو استخراج حكم الزم من الر كت اب أح ك مت آي اته ثم فصلت من لد ن ح كيم خبير" يؤول هذه اآلية يقول وكل " محكم مفصل فله محكم مفصل" أما المبدأ الثاني فيرد في سياق ذكر النتائج المتمخضة عن القول بقدم القرآن إذ القول بذلك يضاهي "قول الناصري في دعائهم في عيسى بن مريم: أنه ليس بمخلوق )4( إذكانكلمة اهلل". فإذا كان األمر حرصا من المأمون على سالمة عقيدة الناس فلماذا امتحن الناس في مسألة فرعية متفرعة من مسائل عقدية تشكل أصوال لالعتقاد مثل مسألة الذات والصفات- التوحيد- العدل القدر اإليمان...ألخ وكل هذه المسائل مختلف فيها داخل دائرة أهل السنة والجماعة وداخل دوائر 208 سورة الزخرف اآلية 08. سورة هود اآلية 01 و 09. املرجع ذاته اجلزء ذاته ص 85. )4( املرجع ذاته اجلزء ذاته ص 85.
209 المتكلمين اإلجابة عن هذا السؤال له عالقة بالوجه السياسي لمسألة خلق القرآن وفلنتركها إلى حين. أما المقام الثالث فهي الجهة المدعى عليها أي الجهة المتمحنة رسائل المأمون وسيرورة االمتحان تسمي صراحة الفآت الممتحنة التالية: القضاة المحدثين والفقهاء وآخرون ال ينتمون إلى هذه الفآت ولكن بعملية إحصائية بسيطة نجد أن الفئة األكثر استهدافا كانت فئة المحدثين فما هي دعاوى المأمون على ساووا بين اهلل وما خلق- هذه الفئة الدعوى قائمة على الحكم على عقيدتهم باالنحراف من حث أنهم القرآن- "وذلك أنهم ساووا بين اهلل تبارك وتعالى وبين ما أنزل من القرآن فأطبقوا مجتمعين واتفقوا غير متعاجمين على أنه قديم أول لم يخلقه اهلل ويحدثه ويخترعه" وفي دعواهم هذه قد "ضاهوا به قول النصاري في دعائهم في عيسى بن مريم إنه ليس بمخلوق إذ كان كلمة" لقد جانبوا العقيدة الصحيحة كما قررها المأمون باعتباره إماما وألنهمكذلك فهم أولى بأن يوصفوا ويحكم عليهم باألحكام التي ما فتئوا يطلقونها على المتكلمين واألحناف فباإلضافة إلى نسبهم إلى "حشو الرعية وسفلة العامة" وهي األوصاف واأللقاب التي كان المتكلمون يطلقونها على المحدثين يستعيدها المأمون ويستخدمها يعمد المأمون كذلك إلى استخدام سالح المحدثين العنف الرمزي المتمثل في تكفير وتبديع كل من خالفهم من المتكلمين واألحناف وبالتالي إخراجهم من دائرة الملة وهذا ينجر عنه التكذيب ورد الشهادة في الحديث واألقضية مما ترتب عنه إلحاق أضرار معنوية ومادية بالمتكلمين وفقهاء الحنفية وهكذا يصبح هؤالء المحدثين ونتيجة لما سبق ال نظر لهم وال رؤية وال استدالل اي العجز عن استخدام العقل وهنا نفتح قوسا مستدركين ما ذهلنا عنه من مسألة العقل ولكن هذه المرة العقل في عالقته بالسياسة والسلطة فأهل السنة والجماعة وتحت ضغط تحديات خصومهم من المتكلمين حاولوا صياغة رأيهم في العقل ومن ابن حنبل إلى ابن تيمية يعتبر الحنابلة العقل غريزة جزء من بنية وتركيبية اإلنسان وظيفته التحكم الذاتي من الداخل أما المتكلمون والفالسفة فالعقل عندهم جوهر فرد يمثل الجانب الواعي والضابط والمتحكم في اإلنسان ولكن مصدره آت من خارج اإلنسان من العقل الفعال وستفترق هاتان الرؤيتان على مستوى النتائج خاصة فيما يتعلق برؤية المجتمع ووسائل الضبط فيه ومصدر السلطة "فإذا كان العقل كذلك بالنسبة للفرد ماهية ووظيفة فإنه يتبلور اجتماعيا بنفس الكيفية... أما على مستوى السياسي فإن نتيجة هذه النظرة أن السلطة عقل المجتمع ليس نابعا منه بل آت إليه بمهمة رسالية هي السيطرة عليه املرجع ذاته اجلزء ذاته ص 86. املرجع السابق اجلزء ذاته ص
210 من فوق بحكم الطبيعة" أما في الجهة األخرى جهة أهل السنة والجماعة وألن العقل غريزة في الفرد فإنه وعلى المستوى االجتماعي المجتمع ولوحده ومن داخله يضبط ذاته "إن المجتمع اإلسالمي استبطن الشريعة اإلسالمية وتوحد معها فصار هو من خالل شيوعه وسواد الشريعة فيه مصدر السلطة االجتماعية )العرف واإلجماع( ومصدر السلطة السياسية )الجماعة(" ولقد رأينا من قبل ونحن نتكلم عن المأمون توجهه العقالني عقل المتكلمين وعقل الفالسفة من خالل أرسطو علما أن مفهومه أرسطو- للعقل هو الذي نجد أثره وصداه عند المتكلمين وفالسفة اإلسالم في عمومهم باسم هذا العقل يدين المأمون المحدثين ويرى أنهم عاجزين عن استعماله من أجل ذلك هم األولى بأن "يتهموا في صدقهم وتطرح شهادتهم وال يوثق بأقوالهم ورغم أن هذه هي "حقيقتهم" فإنهم ينسبون أنفسهم للسنة ويدعون أنهم "أهل الحق والدين والجماعة وأن من سواهم أهل الباطل والكفر والتفرقة" هذه الممارسات واالدعاءات هي ما كان ينبذها المأمون فالتنصيص عليها في رسالته تبين مدى اإلساءة والضرر الذي ما فتأ يلحق بحلفائه من المتكلمين واألحناف من جراء رميهم بالكفر والتبديع من قبل المحدثين فتسوء سمعتهم لدى العامة معنويا ويتضررون ماديا بأن تقطع أرزاقهم واألخطر من هذا أن المحدثين وهم يمارسون هذا في حق حلفاء اإلمام وخاصته إنما مقصدهم اإلمام نفسه فهذه الفئة التي تدعى إتباع السنة وتبدع اآلخرين إنما تمارس االبتزاز واالنتهازية بهذا االنتساب وفي نص الرسالة األولى جملة هامة يصف فيها المأمون المحدثين بأنهم "أوعية الجهلة وأعالم )4( الكذب" ففضال عن عجزهم عن االستدالل والروية والتعقل فإن الجهل المقصود هنا هو الجهل بالسنة نفسها أما كونهم أعالم الكذب فهذه إشارة قوية إلى اختالق الحديث ووضعه والكذب على الرسول وقد روي عن المأمون قوله: "يطلب أحدهم الحديث ثالثة أيام ثم يقول: أنا صاحب من )5( أصحاب الحديث" وهذا ال ينم عن موقف عدائي للحديث نفسه فقد كان المأمون حاصال على علم ودراية بالحديث والفقه وأيام الناس والرواية التي ذكرتها لتوي قالها المأمون ردا على رجل أدعى أنه من أهل الحديث ولكنه عجز عن اإلجابة عن أسئلة المأمون لما اختبره في الحديث كما أن كتب السير واألسانيد يروون عددا من األحاديث التي رواها المأمون بعضها صحيح وبعضها ضعيف وفي تقديرنا أن ما أثار حفيظة المأمون هو استخدام سلطة الحديث استخداما يخرج عن دائرة التبليغ عن السيد رضوان اجلماعة واجملتمع والدولة صص املرجع ذاته ص 227. الطربي تاريخ الرسل وامللوك ج 22 ص 71 )4( الطربي املرجع ذاته اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا. )5( السيوطي تاريخ اخللفاء ص
211 الرسول ويخرج عن دائرة ممارسة العلم ممارسة بريئة فقد أشارت رسائله وبقوة إلى االستخدام غير البريء لألثر والدين من ذلك االستطالة على الناس والتغرير بالعامة وفي الرسالة يشير المأمون إلى فئة لم نقف على إشارة لها من قبل من أطلعنا على دراساتهم عن المحنة حيث أن تلك الدراسات تتكلم عن المحدثين وحسب لكن نص الرسالة األولى يشير بوضوح إلى تلك الفئة كفئة انتهازية تطلب تزكية أهل الحديث ورضاهم طلبا للرياسة والعدالة - شهادة أنهم عدول- يقول المأمون: "حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب والتخشع لغير اهلل والتقشف لغير الدين إلى موافقتهم عليه ومواطأتهم على سيء آرائهم تزينا بذلك عندهم وتصنعا للرياسة والعدالة فيهم فتركوا الحق إلى باطلهم واتخذوا دون اهلل وليجة إلى ضاللهم فقبلت بتزكيتهم لهم شهادتهم ونفذت أحكام الكتاب بهم على دغل دينهم ونغل أديمهم وفساد نياتهم ويقينهم" واضح من خالل النص أن األمر يتعلق بفئة طالبة للرياسة والرياسة هنا وفي هذا السياق وحسب المؤشرات الداللية المرافقة لها كالتزكية قبول الشهادة تنفيذ أحكام الكتاب تدل على مناصب مرتبطة بالوظيفة الدينية كالقضاء والخطابة والحسبة من أجل ذلك طال االمتحان القضاة الذين كانوا يعينون من بين الفقهاء والمحدثين من قبل الخليفة أو من قبله كالوزير أو قاضي القضاة والبد أن المأمون كان يعلم أن من بينهم أي القضاة من وضع رجله في القضاء كوظيفة في الدولة ورجل أخرى في معسكر المحدثين مهما يكن فإن ذلك يدل على قوة التأثير التي يكون المحدثون قد حازوها فمن يطلب صمعة وسمتا حسنا تؤهالنه للرياسة عليه أن يطلب تزكية المحدثين وشهادتهم لهم بالعدل وذلك بإظهار الميل إلى اعتقادهم والتحدث بمقالتهم. بناءا على إدعاءات المدعي المأمون- وبناءا على التوصيفات التي سلفت ونحن نحلل طبيعة اتجاهات ومواقف األطراف الفاعلة في المحنة فإن األمر " ال يرتبط كما هو واضح بمخالفة أهل الحديث للمتكلمين ومن ورائهم السلطة الممثلة بمؤسسة الخالفة في مسألة خالفية هي مسألة خلق القرآن وحسب بل ويتعلق األمر برهان امتالك السيادة العليا ومن ثم شرعية السلطة شرعية السلطة السياسية وشرعية السلطة الرمزية للمحدثين فالمأمون وطبقا لما سلف من تحليل لشخصيته وطبقا لما دلت عليه أقواله وأفعاله السياسية كان يريد تجسيد سلطة كاملة لها الحق في تمثيل الدين والحق في االجتهاد فيه والحق في التأويل والحق في حراسة عقيدة الناس وصيانتها نهيك عن تدبير الشأن الدنيوي السياسي- ولكن فئة من العلماء كانت تحترف جمع ورواية الحديث قد نمت وطورت نظامها ونسقها المعرفي فأصبح لها مقاالت وآراء كالمية في اإليمان وفي الصورة التاريخية للراشدين الطربي املرجع السابق ج 22 ص
212 والصحابة وموقف صارم من طبيعة الشريعة وفي سلطة مصادرها سلطة النص وأكثر من هذا تنامي صيتهم حضورهم وتأثيرهم في أوساط العامة باختزال لقد أصبحوا سلطة موازية إلى درجة أن أحد خلفاء بني العباس-المتوكل- حول عالم الحديث "يزيد بن إبراهيم" على ما تقول الرواية خطأ- فقال: "هذا هو الملك" مر بموكبه على حشد كبير من الناس ملتفا أي السلطان والسلطة على الحقيقة السلطة القائمة على "دين المعنى" ال سلطة األمر الواقع سلطة اإلكراه المادي وقد عبرت هذه الفئة عن استقالليتها وتميزها من خالل زهد وتقشف أئمتها الكبار ورفض الرعاية المادية التي كانت تقدمها الدولة على العلماء بما في ذلك المحدثين ومن خالل رفض تقلد الوظائف الحكومية كالقضاء هذا فضال عن االستقاللية المعرفية عن المعرفة التي كانت مرتبطة بالخاصة وببالطات الوزراء واألمراء أي المعرفة العقلية التي كانت ترى فيها فئة المحدثين أنها معرفة غير شرعية ألن سلطتها المأذونة تقع خارج الشرع الذي هو نص وأثر يتبع وعليه تكون المعرفة التي كان يقول بها المحدثون لها سلطتها ورمزيتها ألنها مرتبطة بسلطة النص ومن ينطق به ويبلغه وكان المحدثون لكي يلتمسون شرعية لعلمهم ال ينسبوه أليهم بقدر ما يقدمون أنفسهم على أنهم يتبعون السلف فهم مبلغون عنهم وال يقولون في الدين إال ما قالوا فكانوا أقرب ما يكون إلى وجدان وتطلعات واهتمامات ما كانت النخبة العلمية الممثلة للسلطة في تلك الفترة تسميهم احتقارا بالعامة والحشو والنباتة وألن المحنة محنة خلق القرآن تكاد تختزل في محنة أحمد بن حنبل رغم أم محدثين آخرين كانت محنتهم أشد إذ قضوا نحبهم فيها مثل "محمد بن نوح" رفيق ابن حنبل و"أبي مسهر الدمشقي" و"أبي يعقوب يوسف بن يحيى البويطي" ماتوا في الحديد متستبسلين في عدم القول بخلق القرآن فإن محنته حنبل- أي ابن يهمنا منها مقاالته ومواقفه ويهمنا منها ما أفضت إليه المحنة من مصير ومآل مثل نشأة المذهب الحنبلي وما مارسه من تأثير كبير في الحياة الفكرية واالجتماعية والسياسية إلسالم العصر الوسيط وإلسالم اليوم. سنعمل على أن تكون شخصية أحمد بن حنبل شخصية نموذجية تمثيلية ألهل الحديث من خاللها نفصل ما كنا قد أجلناه في الحديث عن هذه الفئة من العلماء وسنتجاوز كل األدبيات التبجيلية التي صنعتها األدبيات الحنبلية والسلفية حيث تضعه بعد الرسول مباشرة في القيام بأمر اإلسالم وكذلك األدبيات التبخيسيبة من خصومه المتكلمين الواصفة اياه "بالجاهل مرة وبالمعاند مرة" إلى الصورة األكثر موضوعية من الناحية التاريخية صورة محدث المع زاهد وورع ولعل الفراء أبو يعلى طبقات احلنابلة نقال عن فهمي جدعان احملنة ص 222. اجلاحظ أبو عثمان عمرو بن حبر رسائل اجلاحظ نقال عن املرجع ذاته ص
213 استقامته األخالقية والمنحى الطهري الذي سلكه باإلضافة إلى صالبته في مواجهة عنف السلطة وإغراءاتها هي ما جعلت منه في تقديرنا محل استقطاب وجذب جماهيري منقطع النظير وقطب جاذب لمآت من التالميذ الذين كانوا يعاملونه كما يعامل المريد شيخه الصوفي هذه الكاريزما التي يشكل السمت األخالقي بعدها األساسي متوفقا على البعد المعرفي هي التي جعلت منه شخصية مؤثرة ونافذة في أوساط مريديه وفي أوساط جماهير العامة "فنفوذهكان قائما على قبول شرائح عريضة من جماهير الشعب آراءه وأسلوبه في الحياة وكان كذلك محاطا بالمآت من المعجبين الذين كانوا يأخذون بفتاواه وأحكامه الشرعية في المشكالت الفقهية كما كان األسوة الحسنة والنموذج في دوائر واسعة وكان له أن يصبح رمزا للمقاومة إبان المحنة لقد كان تأثيره في مجتمعه مستمدا من بصماته الواضحة التي تركها في المعجبين بسلوكيات حياته ومثله العليا" هذه الصورة الحنبلية بنيت له بعد المحنة وبعد أن تبلور مذهب باسمه أما ما يهمنا اآلن فأحمد بن حنبل المحنة. على أول إشارة ألحمد بن حنبل في المحنة واستنادا على الطبري كانت عندما أحضر "إسحاق بن إبراهيم "المجموعة الثانية من أجل امتحانهم ولم يبرز اسمه إال عندما رفض اإلقرار بخلق القرآن حيث سيجيب: "هو كالم اهلل ال أزيد عليها فإمتحنه بما في الرقعة-رسالة المأمون- فلما أتى "لبس كمثله شيء" قال "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير" أمسك عن ال يشبهه شيء من خلقه في معنى من المعاني وال وجه من الوجوه فاعترض عليه "إبن البكاء األصغر" فقال: "أصلحك اهلل إنه يقول: سميع من أذن بصير من عين فقال إسحاق ألحمد بن حنبل: بصير" قال: هوكما وصف نفسه قال: فما معناه قال: ما معنى قوله: "سميع ال أدري هوكما وصف نفسه". وقد رد المأمون على مقالته هذه لما رفعها إليه عامله في تقريره قائال: "أما أحمد بن حنبل وما تكتب عنه فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك المقالة وسبيله فيها واستدل على جهله وآفته بها". المراجع تؤكد أن كل أفراد المجموعة أجابوا إال أربعة وتحت الضغط أجاب منهم إثنان ليبقى أحمد بن حنبل ورفيقه "أحمد بن نوح" الذي قضى في الطريق وبقي أحمد بن حنبل حيا ليواصل امتحانا أشد قسوة في عهد المعتصم سيسكت الطبري عن ذكرى أي أمر يتعلق بالمحنة عموما وبمحنة ابن حنبل خصوصا إال ما كان من ذكره إشخاص أحمد بن حنبل وأحمد بن نوح الى المأمون بطرسوس منريودهورويتز أمحد بن حنبل ص 217. الطربي املرجع السابق ج 22 ص 17.املرجع ذاته اجلزء ذاته ص 22. املرجع ذاته اجلزء ذاته ص
214 مشدودين في الحديد أو ذكره لمحنة "أحمد بن نصر الخزاعي" زعيم محاولة التمرد على الواثق وخبر امتحانه وإعدامه وفي هذا السياق يجب أن نشير إلى أن المؤرخين المؤلفين للتواريخ العامة أمثال الطبري والمسعودي أرخوا للمحنة في جانبها التأديبي باقتضاب ودون تهويل أخبار في شكل أحكام تقريرية عارية من أحكام القيمة في حين التواريخ الطبقية وكما أسلفنا هي تواريخ تريد تكرار النموذج الميثالي األول تاريخ ملحمة النبوة تواريخ تصيغ تاريخ ساللة أو شخص أو مذهب على منوال النموذج المثالي وهكذا فعل مؤرخو الطبقات طبقات الحنابلة ومؤرخو المحنة يعودون إلى مؤرخين من عائلة بن حنبل نفسه أبنائه وابن أخيه المهم أن هناك اختالف في حجم المحنة من حيث جانبها التأديبي والعقابي- مدة السجن وظروفه ظروف االستجواب واالستنطاق عدد السياط...- وألننا قررنا منذ البداية أن ما يهمنا هو "ردود ابن حنبل وداللتها ضمن السياق العام للمحنة وضمن السياق التاريخي العام الذي حدد تلك الفترة فزيادة على ما أجاب به ابن حنبل في حضرة المعتصم خالل ثالثة أيام من االستجواب وأمام "أرمادة" من المستجوبين على رأسهم أحمد بن أبي دؤاد ومن انتدبهم معهإلمتحان أحمد بن حنبل مثل "عبد الرحمان بن إسحاق" و"شعيب بن سهل" -أحد الفقهاء والقضاة المعروف بتوجهه الجهمي- و"محمد بن عيسى برغوث"- متكلم بصري صاحب فرقة البرغوثية التي يقال أنها فرع من النجارية التي هي بدورها فرع من المرجئة- والمصادر التي أطلعنا عليها نقال عن الدراسات المعاصرة مثل دراسة "فهمي جدعان" أو "نيمرودهورويتز" نستنتج منها المالحظات التالية: - سكوت أحمد بن حنبل عندما تصدر األسئلة عن مستجوبيه خاصة "أحمد بن أبي دؤاد" عدا ذلك التعقيب الذي اعتبر فيه أحمد بن حنبل مقالة أحمد بن أبي دؤاد في القرآن تأويل ورأي شخصي غير ملزم لآلخرين وأنه بناءا على ذلك ال يحق له تعذيب أو سجن أو قتل أحد لذلك. - المصادر تقدم المعتصم على أنه كان لين الجانب متعاطف مع أحمد بن حنبل الذي بدوره كان يجيب المعتصم إجابات تنم عن احترام لمقامهكخليفة. - كان احمد بن حنبل يكرر إجاباته التي تتعلق بخلق القرآن وهي إجابات ال تذهب إلى المسألة لرفضها أو تأكيدها بل تجاهلها وهذا ما يحتاج إلى تفسير. على كل حال عندما نسقط ما نعتبره إجابات وأسئلة جانبية نخلص إلى هذه اإلجابات التي تعبر عن موقف أحمد بن حنبل ومن خالله أهل الحديث ومنتسبي المذهب الحنبلي الحقا: " هوكالم اهلل ال أزيد عليه" "هوكما وصف نفسه" 214
215 "ال ادري هو كما وصف نفسه" "ما أدري ما هذا "!! " تأولت-يقصد أحمد بن أبي دؤاد-تأويال تدعوا الناس إليه فأنت أعلم وما تأولت وتحبس عليه وتقتل عليه " " "وكان إذا كلمني ابن دؤاد لم أجبه ولم ألتفت إلى كالمه وإذا كلمني ابو اسحاق-المعتصم-ألنت له القول والكالم فلم يكن لهم علي حجة" "يا أمير المؤمنين هذا القرآن وهذه أحاديث الرسول صل اهلل عليه وسلم وأخباره فما وضح لي من )4( حجة صرت إليها" )5( "أعطوني شيئا منكتاب اهلل أو سنة رسوله أقول به" )6( ولست بصاحب مراء والكالم وإنما أنا صاحب آثار وأخبار" )7( "يا أمير المؤمنين ما أعرف الكالم وإنما طلبت أمر ديني وصالتي واعلم الناس" مستقلة" يلي: سردنا هذه األقوال واإلجابات منزوعة من سياقها ورغم ذلك تبقى لها داللتها سواء كوحدة داللية أو بإدماجها في نسق داللي كلي 1 -االعتراف بالسلطة القائمة والتعامل معها. 2 -الموقف الألدري من قضايا الكالم التي ال نصفيها. نص-ويمكن صياغة داللة هذه األقوال في قضايا كما 3- يبقى الكالم مجاال للتأويل والرأي الشخصيين أي مجال العقل الذي ال يؤدي بطبيعته الناقصة الى الحقائق المتعلقة باهلل. 4 -تأكيد سلطة النص-القرآن والسنة-كمرجعيات في العقيدة والتشريع. -ابن حنبل سرية االمام أمحد بن حنبل 50 نقال عن نيمرودهورويتز أمحد بن حنبل ص 995 -اخلطيب البغدادي تاريخ بغداد او مدينة السالم ج 11 ص نقال عن فهمي جدعان احملنة ص ابن حنبل ذكر حمنة أمحد بن حنبل ص 56 نقال عن فهمي جدعان احملنة ص 155. )4( - املرجع ذاته نقال عن املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. )5( - ابن حنبل سرية االمام أمحد بن حنبل ص 62 نقال عن نيمرودهورويتز أمحد بن حنبل ص 995. )6( - ابن حنبل ذكر حمنة أمحد بن حنبل ص 50 نقال عن فهمي جدعان احملنة ص )7( - أبو العرب حممد بن أمحد متيم التميمي كتاب احملن تح يي وهيب جبوري بريوت دار الغرب االسالمي 9005 ص 841.
216 القضايا هذه القضايا التي صغناها انطالقا من ردود وإجابات أحمد بن حنبل مترابطة منطقيا خاصة 2 3 أحسن األحوال على أنها 4 حيث ال أدرية أحمد بن حنبل والتي أولت من قبل الجاحظ على أنها جهل وفي "تقية" تنسجم تماما مع أصل من أصول المتمثل في االمتناع عن ألمراءوالجدل في العقائد وأما القضايا 3 اعتقاد أهل السنة والجماعة و 4 فهي تأكد كذلك منحى أهل السنة والجماعة بما فيهم أهل الحديث في اعتبار الدين نص وأثر يتبع وطلب ابن حنبل من مستجوبيه إعطاءه شيئا من كتاب اهلل أو سنة رسوله ينم عن وعي وقناعة مبدئية بعدم شرعية وحجية أي مصدر للحقيقة الدينية غير النص الذي سمعه وحفظه وبلغه السلف وهو موضوع دراسة وتفسير من قبل علماء األمة وهذا عدم اعتراف صريح بعلم الكالم الذي يبقى عندهم مجرد رأي وتأويل عقليين شخصيين غير ملزمين لآلخرين "وبحسب ابن حنبل فان الجدال في الدين يقع في مجال الرأي الشخصي وكان ابن حنبل مستعدا لتقبل الحقائق الدينية ومسلماتها في حالة واحدة فقط هي إذا كانت قد وردت بوضوح تام في القرآن والسنة" وهذا الموقف من الخطورة بمكان بالنسبة لسلطة الخليفة كإمام وبالنسبة لقطاع واسع من العلماء علماء الكالم المشاركين لسلطة الخالفة قناعتها فهذا الموقف ينسف تماما حق الخليفة كإمام في االجتهاد في الدين وتقرير الحقيقة الدينية وحمل الناس على إتباعها وينسف كذلك المرجعية التي يقوم عليها علم الكالم المعتزلي خاصة السمع" لقد كان لسان حال المحدثين: العقل قبل ورود " ال يحق للمأمون وال لغيره من الخلفاء أو المتكلمين أو الوالة أو القضاة البت في عقائد الناس وشرائعهم وإنما يقع ذلك على عهدة العلماء محدثين و فقهاء من أهل السنة والجماعة وهؤالء إنما يقفون عند النص كتابا وسنة ويتبعون سلف األمة من أجل ذلك لم يكن المتخاصمون )الخليفة والمتكلمون من جهة وأهل الحديث من جهة ثانية( يقفون على صعيد واحد ولم تكن هناك أية قواسم مشتركة تجعل من الحوار أمرا ممكنا ومثمرا ولم تكن هذه الحقيقة خافية على رجل محنك كالمأمون لذا كان يعرف مسبقا أن آلية الجدل و النقاش ال تؤدي إلى النتيجة التي كان يرجوها فعمد إلى استخدام الوجه اآلخر لسلطته كخليفة أي رجل السياسة الذي يدير الدولة التي تحتكر استعمال العنف" الشرعي" إلنقاذ ما كان يراه حقيقة ولممارسته سلطته كإمام بالصالحيات التي كنا قد أوردناها آنفا فكان االمتحان-المحاكمة-كآلية من آليات السلطة أما لماذا مسألة خلق القرآن بدال من مسائل كالمية أخرى فقد اجتهد باحثون كثر في محاولة اإلجابة عنها ومن جهتنا وانسجاما مع فرضيتنا حول المحنة وطبيعة األطراف الفاعلة فيها فانا نرد ذلك إلى أن المسألة تلقى إجماعا في جهة المتكلمين والسلطة رغم تعدد اتجاهاتهم فهي مسألة تقول بها الجهمية -نيمرودهرويتز أمحد بن حنبل ص
217 ت) والمرجئة والمعتزلة وأكثر الزيدية واألحناف فيحين كان احد أهداف المأمون من االمتحان إحداث شرخ في صفوف المحدثين إذ سيجيب فريق ويمتنع آخر وقد عمد المأمون ومن أتى بعده إلى إشهار إجابة من أجاب على رؤوس األشهاد وبقدر ما خرج أصحاب الحديث منتصرين في هذا االمتحان بقدر ما تزعزعت وحدتهم فقد أجاب الكثير من المحدثين الذين استبعدوا من قبل زمالئهم وأصبح علمهم بضاعة كاسدة أصيب أحمد بن حنبل بخيبة أمل عميقة من جراء إجابة لفيف من رفاقه الذين كان يتوقع مقاومتهم أمثال" أبي نصر التمار" و"يحيى بن معين" و"أبي خيثمة"... وتعمقت خيبته أكثر لما استجاب أفراد عائلته أبناؤه وأبناء عمه إلغراءات سلطة المتوكل إذ قبلوا األعطيات والمناصب "إن هذا االرتباك الذي دار حول مكانة قادة المحدثين القدامى قد ضرب بعمق في أوساطهم وسبب شرخا في النسيج االجتماعي في هذا الجمهور". هل هذا كل ما في األمر طبعا ال ألن سلطة أهل الحديث وهي سلطة متأتية من تمثيل أو امتالك النص الذي تثوي فيه "السيادة العليا" التي هي مصدر الشرعية قابلة ألن تتحول الى سلطة مادية في أي لحظة أي تتحول الى ثورة وخروج على السلطان خاصة وان هوى أهل الحديث كان هوى أمويا لما أثبتناه آنفا بصدد المقارنة بين فعل السلطة األموية وفعل السلطة العباسية وقد وجدنا أن أقرب الفريقين لمعتقد واتجاه أهل الحديث فريق بني أمية ثم ال ننسى أن العمق االستراتيجي ألهل الحديث كان العامة وهذا ما كانت السلطة العباسية تدركه فلقد كشفت رسائل المأمون عن هذه السلطة سلطة أهل الحديث على العامة فيرجع "ظاللها وابتعادها عن جادة الصواب" إلى تغرير أهل الحديث بهم وافساد عقيدتهم وطاعتهم إلمامهم وقد "كان أحمد بن حنبل يعلم أن المصدر الرئيس لقوته تكمن في العامة فكان يقيس حركاته وسكناته ال في ضوء مقياس رضوان اهلل وحده وانما أيضا في ضوء ما يترتب على هذه الحركات والسكنات من تأثير على الناس والعامة لقد كان يمثل "المقاومة" والى التحالف مع دعاة مناهضين للدولة" التي لم تقف عند المسايرة" وانما تعدتها الى ثورة الخزاعي "نصرة" وادراكا منها لمغبة إذاء أحمد بن حنبل وانعكاس ذلك على صورتها وعلى رد فعل العامة وضعت خطوط لم تتجاوزها في امتحان ابن حنبل وينقل لنا العرب التميمي" 333 ه( صاحب "كتاب المحن" يفيد صيت ابن حنبل يقول: "وصاح الناس والعامة "أبو ما يفيد الضغط الجماهيري على السلطة وما وخرج الجالدون فقالوا مات أحمد وذكروا للعامة أنهم أخرجوا من رجليه الحديد وهو على وجهه ثم خرج أبو اسحاق عدو اهلل من القصر وابن أبي دؤاء الزنديق في موكب عظيم فحالت العامة بينه وبين الجسر حتى خاف على نفسه وأسمعوه ما -املرجع ذاته ص جدعان فهمي احملنة ص
218 يكدره وقالوا قتلتم أحمد فقال لهم: "هذا أحمد في الحياة" ولم يقف األمر عند هذا الحد حسب أبي العرب التميمي إذ خرج األمر الى عامة بقية األمصار فقد "كتب عامل اليمن اهلل اهلل يا أمير المؤمنين في أحمد بن حنبل فإن البالد قد خرجت عن يديك فخلي عنه" ما يفيد هذا المعنى. سيخرج أحمد وكتب عامل خرسان ابن حنبل من السجن الى بيته في شبه اقامة جبرية حيث حضر عليه تحديث الناس أو افتائهم أو الخروج للجمعة وذلك طيلة خالفة المعتصم وخالفة الواثق وبمجيئ المتوكل يبدأ فصل آخر مع ابن حنبل ومع المحدثين وأهل السنة والجماعة عامة. المقام الرابع: هو مقام االجراءات والقرارات ودالالتها تتعلق تلك االجراءات بإجراءات االمتحان فقد بدأ بالقضاة والبد أن يكون هؤالء القضاة من صفوف المحدثين أو من فقهاء المالكية أو الشافعية أو من وصل الى منصب القضاء بتزكية من أهل الحديث وتبدأ اجراءات االمتحان المحاكمةبقراءة بيان المأمون "واقرأ عليهمكتاب المؤمنين" في البيان بخصوص مسألة خلق القرآن فابدأ في " )4( يعتقدون" وبناءاعلى اجابة الممتحن تتحدد االجراءات: _1 والعامة في حالة االقرار: " ثم يسأل كل واحد عن رأيه في ما ورد امتحانهم فيما يقولون وتكشيفهم عما يعيد الممتحن اقراره بخلق القرآن أمام الشهود تشهيرا لموقفهبين الخاصة فإذا أقروا بذلك ووافقوا أمير المؤمنين فيه... الناس ومسألتهم عن علمهم في القرآن" )5( 2_ في حالة عدم اإلقرار تتخذ في حقهم االجراءات التأديبية التالية: مصادرة المنصب _ " فمرهم بنص من يحضرهم من الشهود على وأعلمهم أن أمير المؤمنين غير مستعين في عمله وال واثق فيما قلده اهلل )6( واستحفظه من أمور رعيته ممن ال يوثق في دينه وخلوص توحيده ويقينه" _ رد الشهادة. _ الحجز والحبس في الحديد. - أبو العرب التميمي كتاب احملن ص املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. -الطربي تاريخ الرسل وامللوك ج 11 ص 85 )4( - املرجع ذاته اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا )5( - املرجع ذاته اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا )6( - املرجع ذاته اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا 218
219 _ قطع األعطيات. _ النفي. _ التهديد بالقتل... ليس لهذه المعطيات اآلن اهمية بالقياس الى المعطيات السابقة ولكننا ذكرناها هنا إلثبات مقاصد المأمون ومن أتى بعده والتي كان من بينهما اشهار أمر من أقر بخلق القرآن من المحدثين والقضاة وذلك إلظهار حقيقتهم أمام العامة واحداث شرخ في صفوفهم وقد بينا في الفقرة السابقة الى أي مدى نجح المأمون في ذلك. لقد انتهينا من خالل هذا العرض الذي كان يزاوج بين العرض التاريخي التعاقبي والتحليل اآلني الى أن المحنة بقدر ما كانت امتحانا عقائديا/ دينيا كانت امتحانا سياسيا امتحان لقياس درجة الطاعة والوالء للخليفة اإلمام من قبل فئة العلماء علماء الحديث وكشفت المحنة بذلك عن صراع بين سلطتين سلطة الخليفة الذي كان يرى انه بقدر ما كانت له سلطة في التدبير السياسي وادارة المصالح الدنيوية للرعية بقدر ماله الحق كذلك في امتالك السلطة الدينية والرمزية يمارسها كإمام مجتهد ينطق بالحقيقة الدينية ويمثلها باعتباره مستودعا للعلم ووارثا للنبوة فيحين بينت المحنة من جهة أخرى ومن خالل مواقف أحمد بن حنبل أن علماء الحديث ال يعترفون للخليفة بهذا الحق حق االدعاء بامتالك الحقيقة الدينية والتكلم باسمها وفرضها على الناس رغم أنهم يعترفون بسلطانه السياسي وال ينازعونه األمر وال يرون الخروج عليه انسجاما مع واحد من مبادئ اعتقاد أهل السنة والجماعة رغم أنه من الناحية الواقعية والتاريخية شارك المحدثون في الخروج على"أبي جعفر المنصور" و شاركوا في ثورة المطوعة وشغب "أحمد بن نصر الخزاعي" ومارس الحنابلة على وجه الخصوص العنف الرمزي والمادي على من خالفوهم حيث أصبح لهم ميليشيات تمارس الحسبة واالغارة على أحياء الشيعة في بغداد فأصبحت قوة موازية لشرطة الدولة ومؤسساتها األخرى كالقضاء االعتراف بالسلطان السياسي دون السلطة المعرفية بالشأن الديني يعتبر نضاال من قبل هؤالء العلماءكابن حنبل من أجل استقاللية المجال الديني والمعارف المرتبطة به عن المجال السياسي ومن جهتها السلطة خاصة المأمون حاولت أن تحد من سلطة المحدثين التي هي بطبيعتها سلطة رمزية متأتية من احتكار النص مصدر السيادة العليا التي هي مصدر شرعيةكل سلطة ومتأتيةكذلك من ذلك الوالء والخضوع الطوعي "كدين معين" لعددكبير من التالميذ والعامة لهؤالء العلماء وكانت اآللية التي استعملتها السلطة في محاولتها تلك والى جاني آلية االمتحان االستعانة بالعقل عقل المتكلمين وعقل فقهاء الحنفية وعقل الفالسفة أي االستعانة بنمط من المعرفة ونمط من العلماء فكان القول بخلق القرآن من وجهة نظر المحدثين مساس ونيل من قداسة النص القرآني فما بالك بالحديث الذي ناضل 219
220 ت- ثبت فقهاء و محدثي أهل السنة و الجماعة من أجل تثبيته كمصدر للتشريع وهذا ما ينسف مصدر شرعيتهم ووجودهم وعليه يكون ابن حنبل في رفضه لطاعة "أمر الخليفة في إحدى مسائل العقيدة قد حدود صالحيات الخليفة التي ال ينبغي أن يتعداها فموقف ابن حنبل يعني عمليا: الخليفة ال يطاع إال في المسائل الخاصة بجهاز الدولة أما العقائد الدينية المحضة فهي من اختصاص مسؤولية األمة المستنيرة التي يقودها علماء مستقلون عن السلطة ومعترف بهم من قبل الجمهور العام على هذا النحو العام ومن واجب الخليفة حماية القانون الديني والسهر على تطبيقه ولكن ال يحق له أن يحدد مضامينه ويفرضها" هكذا وعلى هذا النحو برزت وجهتان من النظر الى العالقة بين السياسي والديني وبين السلطان والعالم وكان موقف أحمد ابن حنبل القول باستقالل المجال المعرفي في أمور الدين عن سلطة السلطان ولكن إلى أي مدى _"المحنة المضادة": نقصد "بالمحنة المضادة" سلسلة اإلجراءات المتخذة من قبل السلطة ومن قبل الحنابلة والتي تجسدت في ممارسة كل أنواع العنف الرمزي و الجسدي الذي طال المتكلمين وفقهاء الحنفية و المتصوفة عندما تبدلت وتغيرت األدوار والمكانات بتغير وتبدل األطر االجتماعية للمعرفة وهكذا حدث ما كان قد أسماه المستشرقون اهلل جعفر" لم يأمر القرآن". 244 ه- "باالنقالب السني" مع الخليفة "المتوكل على الذي أوقف رسميا اجراءات االمتحان والقول بخلق القرآن كعقيدة ولكنه بوقف الجدل والنقاش في المسألة اذ سيظهر الوجه اآلخر لها والمتمثل في اشكالية "لفظ كتب التاريخ والسير السنية تثني على المتوكل وترفعه مقاما عليا رغم كونه خليفة مستهترا ومبذرا و مطعونا في أخالقه يقول ابن كثير "وكان المتوكل محببا إلى رعيته قائما في نصرة أهل السنة وقد شبهه بعضهم بالصديق في قتل أهل الردة ألنه نصر الحق ورده عليهم حتى رجعوا إلى الدين وبعمر بن عبد العزيز حين رد مظالم بني أمية وقد أظهر السنة بعد البدعة واخمد أهل البدع وبدعتهم بعد انتشارها واشتهارها فرحمه اهلل" ويعيد"جالل الدين السيوطي" نفس الصورة تقريبا مع إضافات تفصيلية يقول: "فأظهر الميل إلى السنة ونصر أهلها ورفع المحنة وكتب بذلك إلى اآلفاق وذلك في سنة أربع وثالثين واستقدم المحدثين إلى سامرا وأجزل عطاياهم وأكرمهم وأمرهم أن يحدثوا بأحاديث الصفات و الرؤية... وتوفر دعاء الخلق للمتوكل" ويعيد السيوطي نفس الرواية التي تشبه فعل المتوكل كما قام به أبو بكر وعمر بن عبد العزيز مضيفا إلى ذلك عبارة دالة "...والمتوكل في -أركون حممد اإلسالم األخالق و السياسة ص ابنكثري البداية و النهاية اجلزء 10 ص السيوطي تاريخ اخللفاء ص
221 احياء السنة واماتة التجهم" "التجهم" و هو الصفة التي كان يطلقها الحنابلة على كل من قال من المتكلمين بخلق القرآن سواء كان جهميا على الحقيقة أم لم يكن سيقوم هذا الخليفة بجملة من االجراءات المضادة الدالة فعال على أن سياسة المتوكل تجب ما قبلها ونذكر باختصار ووفق التسلسل التاريخي القرارات التي اتخذها والمرتبطة بمسألة خلق القرآن والتمذهب بصفة عامة: "وفي هذه السنة- 235 ه- أمر المتوكل بأخذ النصارى وأهل الذمة كلهم بلبس الطيالسة العسلية والزنابير وركوب السروج بركب الخشب وبتصيير كرتين على مؤخر السروج..." هذا االجراء العنيف االقصائي والتمييزي المتخذ في حق النصارى واليهود أتبعه بفعل أكثر عنفا في حق الشيعة خاصة ومشاعر المسلمين المتعاطفين مع آل البيت عامة "وفيها ه-. وهدم ما حوله من المنازل والدور وأن يحرث ويبذر موضع قبره" استعادته لوجوه أ بعدت من ق بل سالفيه المأمون المعتصم الواثق- أمر المتوكل بهدم قبر الحسين بن علي ومن القرارات الدالة سياسيا وابعاد تلك التي لعبت دورا في المحنة وهكذا وفي سنة 234 ه "رضي عن ابن اكثم وكان ببغداد فأشخص إلى سامرا فولي القضاء على القضاء ثم ولي أيضا المظالم وكان عزل المتوكل محمد بن أحمد بن دؤاد عن مظالم سامرا )4( لعشر بقين من صفر من هذه السنة" "وفيها-نفس السنة-غضب المتوكل على بن أبي دؤاد" )5( وحبس أبنائه وصودرت أموالهم وفي نفس السنة أي 234 ه "أمر المتوكل في يوم الفطر بإنزال جثة )6( أحمد بن نصر الخزاعي ودفعه إلى أوليائه" وقد كان أحمد بن نصر كما مر معنا قد قتل من قبل الواثق وأمر بتعليق جثته في ساحة عامة كل هذه األفعال لها دالالتها السياسية والرمزية التي تدل من الناحية الواقعية على قطيعة سياسية مع سياسة أسالفه فأية جهة كان المتوكل يبعث لها برسائل الود والتقرب واضح أن هذه األعمال استهدفت علماء الكالم والشيعة وأهل الذمة واستهدفت النخب التي أدارت مرحلة أسالفه كعزل أحمد بن دؤادوابنه ومصادرة أموال عائلته وهو من ارتبط اسمه بالمحنة والممقوت جدا من قبل المحدثين وفي نفس الوقت أعاد االعتبار ليحيى بن أكثم السني والذي يحظى بالرضى والقبول من قبل أهل الحديث وفي مقدمتهم أحمد بن حنبل كما يروي السيوطي رواية لها داللتها المهمة في هذا السياق حيث يظهر المتوكل فيها متأسفا على أنه لم يدرك أيام - املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. -الطريي تاريخ الرسل وامللوك ج 11 ص املرجع السابق اجلزء ذاته ص 154. )4( - املرجع ذاته اجلزء ذاته ص 155. )5( - املرجع ذاته اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا. )6( - املرجع ذاته اجلزء ذاته ص
222 الشافعي ليتعلم منه مبررا هذا التوجه بحلم رأى فيه الرسول يأمر الناس باتباع علم الشافعي مختتما رواية حلمه بهذا الدعاء " اللهم ارحم محمد بن ادريس رحمة واسعة وسهل علي حفظ مذهبه وانفعني بذلك" السيوطي ويعقب السيوطي على هذه الرواية تعقيبا نعتبره الفائدة القصوى من ذكر هذا الخبر يقول "استفدنا من هذا أن المتوكل كان متمذهبا بمذهب الشافعي وهو أول من تمذهب له من الخلفاء" على أن التمذهب بالمذهب الشافعيكان ديدن أهل الحديث لقربه منهم روحا وصحبة إذ لم يكن المذهب الحنبلي قد نشأ بعد وهذا يعني كذلك انقالب على المذهب الحنفي لذي كانت له الريادة والرئاسة في بغداد وسامرا أيام المأمون المعتصم والواثق كما أنه البد وأن من يقرأ خبر حلم المتوكل الذي يستدعي فيه الشافعي يتذكر حلم المأمون الذي استدعى فيه أرسطو وشتان بين الشافعي وأرسطو. أما عالقة المتوكل بأحمد بن حنبل فقد تميزت اكثر ما تميزت بمحاوالت استقطاب متكررة فبعد مرور سنتين من حكم المتوكل حاول وفي اطار سياسته القاضية بإحداث قطيعة مع سياسة أسالفه تقريب أحمد ابن حنبل اذ بعث له مع حاجبه ماال ورسالة تبرئة مما نسب إليه من أنه كان يأوي علويا في بيته سيقبل أحمد ابن حنبل المال على مضض وبعد الحاح من الحاجب لكنه يسارع بتوزيعه على فقراء المحدثين الحقا يتلقى دعوة ملحة من المتوكل يلبيها على مضض وكره منه وامعانا في االستقاللية ومقاومة االغراء يكتري دارا ويرفض النزول في ضيافة المتوكل وإلعتالل صحته يأذن له بالعودة إلى بغداد حيث يقرر اعتزال الحياة العلمية العامة وهذا لم يمنع المتوكل من استشارته في مسائل دينية منها رأيه في مسألة االموال التي صادرها من عائلة بن أبي دؤاد كما أنه طلب منه أن يكتب له عن مسألة خلق القرآن وفي الوقت الذي كان ابن حنبل يرفض بصالبة الرعاية المادية والمعنوية للمتوكل كان أبناؤه وعائلته ينغمسون في نعيم العطايا والمناصب. لقد استعملنا في السياق السابق مفهوم القطيعة كتعبير على سياسة تبدو أنها مخالفة لسياسة المأمون المعتصم والواثق ولكن هل يتعلق األمر بقطيعة ومن ثم "بقفزة سياسية" قام بها المتوكل لتصحيح ما يكون قد اعتبره سياسة خاطئة من أسالفه المراجع التي اطلعنا عليها ومن خالل استنطاق األحداث يتبين أن المتوكل قد جاءته الخالفة اضطرارا إذ لم يكن هناك مرشحين أقوياء لتوليها ومع ذلك فقد حاول األتراك توليه محمد بن الواثق إال أنه كان صغيرا في السن كما تؤشر الكثير من األحداث أنه كان منبوذا من قبل أخيه الواثق ولم يكن يشركه في ادارة الحكم والرواية التالية تبين نمط هذه الشخصية وكيف أن األمر آل اليه مصادفة خرجت من الموضع الذي كنت "فذ كر عن بعض من حضر الدار مع هؤالء أنه قال: فيه فمررت بجعفر المتوكل فاذا هو في قميص وسروال قاعدا مع - السيوطي تاريخ اخللفاء ص
223 فقال لي أبناء األتراك: :ما الخبر فقلت: لم ينقطع أمرهم ثم دعوا به فأخبره بغا الشرابي الخبر وجاء به فقال: أخاف أن يكون الواثق لم يمت قال: فمر به فنظر اليه مسجى فجاء فجلس فألبسه أحمد بن أبي الدؤاد الطويلة وعممه وقبله بين عينيه وقال: السالم عليك يا أمير المؤمنين ورحمة اهلل وبركاته" لقد قطعت هذه الرواية قولكل مستنتج فهو لم يكن وليا للعهد وكان قاعدا يلهو مع أبناء األتراك ولم يكن يعلم حتى بموت أخيه وظل خائفا من شبحه حتى وهو ميت ثم ال ننسى الروايات المجمعة على استهتاره لهوه وتبذيره ومع ذلك يحظى بالمدح والذكر الحسن من قبل أهل السنة لما اعتقدوه منه أنه إحياء للسنة واماتة للبدعة. هناك متغير هام جدا ظهر على الساحة السياسية لم يكن بالقوة والتأثير الذي وصل إليه في عهد المتوكل هذا المتغير هو صعود األتراك كقوة كما أن هناك متغير آخر ال يقل أهمية مرتبط بمعسكر أهل السنة والجماعة ويعد من نتائج المحنة وتأثيرها فقد خرج أهل السنة والجماعة منتصرين رغم تضعضع صفوفهم من الداخل نتيجة استسالم محدثين إلرادة السلطة لكن سرعان ما استدرك هذا المعسكر ذاته إذ أعاد بناء ذاته من الداخل بالقيام بتصفية لصفوفه مستعمال هذه المرة تاريخ الرجال ومواقفهم من المحنة وكذلك مواقفهم من "مسألة ألفاظ القرآن" وبموازاة ذلك ونتيجة للصدى الذي أحدثه موقف ابن حنبل في أوساط الجماهير نمى ذراع ذو طبيعة عسكرية إذ تكونت ميليشيات من العامة تمارس العنف باسم األمر بالمعروف والنهي عن المنكر. في ظل هذه المتغيرات كان المتوكل يقدر الموقف ويوازن بين هذه القوى قوة األتراك وقوة أهل الحديث ربما باالستعانة برأي وزيره "الفتح بن خاقان" ليحسم أمره بالميل إلى أهل الحديث ومن ورائهم قوة الشارع ليوازن بها قوة األتراك ويواجهها واألفعال واالجراءات التي قام بها كلها تصب في هذا االتجاه وسنضيف إلى ذلك حدثا آخر يكشف تماما عن مقاصد المتكلم وأهدافه السياسية فقد دب ر على "ايتاخالخزري" و لي الخالفة" فقتله وهو عائد من الحج و"إيتاخ "هذا ارتقى بسرعة في سلم القيادة " فلما المتوكل كان ايتاخ في مرتبته اليه الجيش والمغاربة واألتراك والموالي والبريد والحجابة ودار يعني عمليا كانت بيده كل الصالحيات الحساسة التي كان يطوق بها المتوكل الذي كان يعتقد أن بقتله تضعف قوة األتراك إال أن األمر لم يكن مرتبطا بشخص بقدر ما كان مرتبطا بنسق أو نظام كان قد نشأ نتيجة لعالقات قوى قوة الجيش اإلدارة تدبير شؤون القصر االتصال والمعلومات...ألخ انطالقا من كل هذه المعطيات التاريخية يتبين أن المتوكل لم يفعل شيئا خارقا من -الطريي.تاريخ الرسل وامللوك ج 11 ص 146. ) 2 ( -الطريي تاريخ الرسل وامللوك ج 22 ص 223
224 الناحية السياسية لقد تصرف انطالقا من المتغيرات التي أشرنا اليها تصرفا اماله عليه الذي ال يخضع اال للواقعية السياسية التي غايتها تبرر وسيلتها وعليه فمسألة "إحياء السنة" "منطق الدولة" هي آلية من آليات السلطة مورست لغايات سلطوية تماما كما كانت مسألة خلق القرآن في جوهرها قضية سياسية أراد المأمون من خاللها تعزيز سلطته السياسية مستعمال نمطا من المعرفة وفئة من الحاملين لها وها هو المتوكل يصنع نفس الشيء مع تغيير في األدوار و المكانات بالنسبة للفاعلين إذ يصبح أهل السنة هم " الجالدون" ويتقهقر المتكلمون واألحناف الى موقع " الضحية " فعلينا ووفقا لكل هذه المعطيات أن " نقرر بوضوح تام أنه ما كان للمتوكل إال أن يكون "رجل دولة ملك" أوال وآخرا مثله في ذل مثل خلفاء بني العباس السابقين... وما بدا غير ذلك لم يكن اال مجرد "ظاهر" يخفي تحته أمرا ال يشذ عن القاعدة وهو أن منطق الدولة محكوم بماهية السياسي وأن الجدلية التي تحكم السياسي والديني هي جدلية ال تقوم على صراع الغايات فحسب وانما على الصراع من أجل السيادة أيضا" لقد تغيرت المواقع المكانات و األدوار لكن آلية السلطة ظلت هي هي وتعتبر خالفة المتوكل بصفة عامة واغتياله بصفة خاصة تحوال مفصليا في تاريخ الخالفة العباسية أدى إلى تحوالت في عالقات القوى المكونة للسلطة ومن ثم إلى تحول في عالقة المعرفة بالسلطة والتحول الذي طرأ يتعلق بسلطة الخليفة مقام و مكانة مؤسسة الخالفة نفسها فبظهور متغير قوة مؤسسة الجيش المتمركزة في يد األتراك و الصالحيات الواسعة التي استحوذوا عليها والتي امتدت لصالحيات الخليفة أدت إلى أزمة عميقة في مؤسسة الخالفة إذ أصبحت مجرد مؤسسة رمزية وفقدت القوة المادية التي تخولها أن تكون صاحبة القرار والتدبير السياسيين واستولى من سماهم الماوردي تسمية دالة أمراء االستالء- على صالحيات رجل السياسة كتب التاريخ تعج بذكر األحداث الدرامية التي مست الخلفاء من عزل ومصادرة وسجن وسبل للعيون وقتل...الخ وليس هناك قوال داال على هذا الوضع أكثر من قول الشاعر: "خليفة في قفص بين وصيف وبغا يقول ما قاال كما يقول الببغا" أمراء االستالء هؤالء كانوا في الغالب من األتراك دخلوا في الخدمة العسكرية في عهد المعتصم كمماليك حيث استكثر منهم لمواجهة تزايد نفوذ الخرسانية وزاد عددهم ونفوذهم في عهد الواثق إلى أن وصلوا إلى درجة السيطرة واالستالء على مؤسسة الخالفة وهؤالء ونظرا لطبيعتهم كبدو ومرتزقة ومحترفي قتال لم يكن لهم هوية مذهبية أو مشروع سياسي وحضاري انهم جسم غريب زرع 224 ) 1 ( - جدعان فهمي احملنة ص 722.
225 بشكل تعسفي في جسد الحضارة العربية اإلسالمية خلق اختالالت عميقة على المستوى االقتصادي إذ تغيرت السياسة المالية للدولة في اتجاه االقطاع العسكري وفي المجال السياسي أدى ذلك إلى انقطاع السلطة عن الحياة العامة وانقسمت الحياة السياسية و الشأن العام بين بغداد وسامرا وهو انقسام رمزي بين السياسي والعسكري كأنه انقسام يعيد انتاج العالقة: أثينا/اسبرطة تاريخيا وقد امتد هذا الوضع من خالفة المتوكل حتى خالفة المستكفي عندما دخل "بنوبويه" بغداد سنة 003 ه حيث سيبدأ النفوذ البويهي وهنا يدخل متغير آخر فالبويهيون ساللة فارسية من أصول بدوية غازية لكنها ارتبطت بإرث حضاري فارسي حاولت األسرة البويهية الحاكمة تقديم نفسها على أنها وارثة هذا االرث كما ارتبطت الدولة البويهية بالدعوة الزيدية الشيعية وكما بينا سابقا طبيعة هذا المذهب كان لها تأثير على السياسة العامة وعلى المجال المعرفي ناهيك عن المركزية هذه الدولة انقسامها إلى ثالث مملكات متنافسة- ومن حيث األطر االجتماعية نسجل انبثاق برجوازية صغيرة متكونة من النخبة االدارية والعسكرية باإلضافة إلى كبار المالك والتجار أولت هذه الفئة عناية خاصة بنمط من المعرفة وطالبيها فأدى ذلك إلى ازدهار العلوم المدعاة علوما عقلية واألدب وبصفة عامة و المعرفة المرتبطة بالحياة المادية في حين ظلت العلوم الدينية والمعارف المرتبطة بها ذات طبيعة جماهيرية فإذ كانت اآلداب والفلسفة وكل المعارف المرتبطة بالحياة المادية مرتبطة بالنخبة السياسية والعسكرية واالجتماعية فإن العلوم الدينية ظلت جذورها شعبية من جهة وأفقها مرتبط بالخليفة كمقام ومكانة رمزية مرتبطة باألمة وقد كان هناك تبادل وتساند وظيفي بينهما حيث أن أهل السنة ومن خالل الحنابلة الذين صاروا قوة اجتماعية في بغداد تضامنوا مع الخليفة اذ ظلوا يرون فيه اإلمام الشرعي الذي ال يجوز الخروج عليه والذي له عليهم حق الطاعة وظلوا يرون فيه اإلمام الذي يقف على رأس األمة يمثل رمز وحدتها واستمراريتها وظل هو يرى فيهم القوة االجتماعية والرمزية التكلم باسم الدين- التي تدعمه رمزيا وماديا كما ظل يستخدم الصالحيات التي بقيت له في دعمهم في صراعهم المذهبي ضد الشيعة والمتكلمين عندما ضعفت سلطة الخالفة تحول الصراع من صراع بين الخليفة ونوعية من العلماء كانت ترى أحقيتها في تمثيل الدين وليس الخليفة وكف النشاط العلمي أن يكون اجتهادا مبدعا اذ اقتصرت مهمته في القيام "بنشاطية أيدولوجية" فقد قام الفقهاء الشافعيون منهم خاصة بعمل تكييفي في مجال السياسة الشرعية خاصة لتبرير األمر الواقع "الماوردي" وأحكامه السلطانية تعتبر نموذجا من بين نماذجكثيرة. في سياق متصل وتأكيدا للمالحظات السابقة كان الخلفاء واستغالال منهم لظروف طارئة يتدخلون في الحياة العامة خاصة في الصراع المذهبي لصالح هذا الطرف أو ذاك وهكذا وفي العهد البويهي سيصدر الخليفة "القادر باهلل" ه- ما يعرف باالعتقاد القادري الذي يعتبر 225
226 ترسيما لعقيدة أهل السنة والجماعة فما كان اجتهادا عقائديا ضمن جملة من االجتهادات وما كان يجب أن يحسمه النقاش والحوار العلمي أصبح حقيقة دينية عامة ملزمة للجميع وقبل صدور هذا االعتقاد كان هذا الخليفة الذي تصفه المصادر التاريخية السنية بصفات االجالل واالحترام قد أصدر مرسوما يحرم على المعتزلة الكالم و التدريس والتعليم والجدل في العقائد وتعرض المعتزلة وبقية المتكلمين إلى االضطهاد قتال ونفيا وحبسا ولعنا على المنابر و" هذا اعتقاد المسلمين ومن خالفه فقد فسق وكفر" فكما اعتبر علماء الكالم 226 قد كتب الفقهاء خطوطهم فيه أن "خلق القرآن" حقيقة دينية يجب نشرها وتعميمها ها هم الفقهاء يفعلون نفس الشيء لصالح اعتقاد مضاد صادر كذلك عن خليفة "االعتقاد القادري" عبارة عن قرارات اعتقادية جازمة في كل ما كان محل نقاش وحوار وجدل بين القوى المكونة للساحة المعرفية في االسالم مثل مسألة الصفات االيمان خلق القرآن القدر الصورة التاريخية للصحابة خاصة أولئك الذين كانوا طرفا في الفتنة عثمان وعلي وعائشة ومعاوية...وقد اخترنا مقاطع من هذا االعتقاد للوقوف على الصيغة السلطوية اآلمرة والحاسمة في أمر يعتبر أصال أمرا خالفيا جاء في هذا االعتقاد عن خلق القرآن "ويعلم أن كالم اهلل تعالى غير مخلوق تكلم به تكليما وأنزله على رسوله صل اهلل عليه وسلم على لسان جبريل بعدما سمعه جبريل منه فتاله جبريل على محمد وتاله محمد على أصحابه وأصحابه على األمة ولم يصر بتالوة المخلوقين مخلوقا ألنه ذلك الكالم بعينه الذي تكلم اهلل به فهو غير مخلوق فبكل حال متلوا ومحفوظا ومسموعا ومن قال أنه مخلوق على حال من األحوال فهو كافر حالل الدم بعد االستتابة منه" وفيما يتعلق بالصورة التاريخية للصحابة فيرتبهم االعتقاد القادري في الفعل ترتيبهم في تولي الخالفة كما يرتبهم أهل السنة والجماعة ثم يذهب إلى الصورة التاريخية لعائشة أم المؤمنين إلعادة االعتبار لها ردا على الشيعة وفعل نفس األمر بالنسبة لمعاوية "ومن سب عائشة فال حظ له في اإلسالم والنقول في معوية إال خيرا" الناجية الفرقة هو تحول كبير في موقف الخالفة العباسية من معاوية ويختتم القادر باهلل اعتقاده بتقرير "هذا قول أهل السنة والجماعة الذي من تمسك به كان على الحق المبين وعلى منهاج الدين والطريق الواضح ورجى به النجاة من النار ودخول الجنة ان شاء اهلل" من أبي جعفر المنصور الذي كان يقول. )4( "أنا سلطان اهلل على أرضه" إلى المهدي وقراره بمالحقة الزنادقة وتقتيلهم إلى الرشيد المتحفظ على الجدل والمراء في أمور الدين إلى المأمون ) 1 ( - ابن اجلوزي املنتظم نقال عن آدم ميتز احلضارة االسالمية يف القرن الرابع هجري ص 779. ) 2 ( -املرجع السابق ج 2 ص 720. ) 3 ( -املرجع ذاته ج 2 ص 722. ) 4 ( -املرجع ذاته اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا.
227 ت وامتحان الناس في خلق القرآن فالمتوكل الذي ارتبط اسمه بما يسمى "باالنقالب السني" فإلى االعتقاد القادري فمرسوم "الراضي" القاضي بإخراج الحنابلة من الملة الى "المستنجد باهلل" الذي أمر بحرق الكتب العلمية فتدخل السلطة في محاكمة القارئ "ابن شنبوذ" ه- ألنه كان يقرأ بقراءة شاذة فضرب بالسوط وكذلك فعل بتلميذه "محمد بن أحمد بن ابراهيم أبو الفرج الشنبوذي" ت 033 ه...ألخ ما الذي تغير تغيرت األسماء نعم تغيرت المواقع مواقع الضحايا ومواقع الجالدين فتبادلوا المواقع فكانت تلك المواقع دوال ولكن الثابت في كل هذا ومن خالل تحليلنا لتلك المواقف واألفعال في ضوء المتغيرات التاريخية هو أن السلطة كانت تتوسل بالمعرفة كآلية وكان العلماء يغيرون مواقعهم من "ضحية" إلى "جالد" أو من "جالد إلى ضحية" أي أن موقعهم ظل هو هو أي آلية من آليات السلطة والغريب او الطبيعي!! أن ال أحد من الفريقين حسب اطالعنا استعمل معرفته ال باسم العقل وحقوقه وال باسم الدين وما يتيحه من حق للشخص االنساني في االختالف احتج على التعسف في استعمال السلطة ضد المنافس والمخالف معرفيا بل رأينا كال الفريقين يسارع إلى االفتاء باستحالل دم اآلخر وتكفيره وتبديعه وتبرير أفعال السلطة فيه هل الفضاء الفكري المفعم بالتقديس وبثنائية القيم: حقيقة باطل خير شر ايمان كفر...ألخ والمتميز بالتالعب بالرمز وبذروة المشروعية هو ما كان يؤطر الموقف المعرفي األخالقي واالنساني هل كان يحتاج األمر واليزال إلى إعادة ترتيب عالقة الذرى المكونة للوجود اإلنساني خاصة بين ذروتي الدين والدنيا ليظهر مجال ثالث مجال المجتمع المدني والفضاء العام حتى يظهر المثقف الذي يستطيع أن يقول: "إني أحتج" باسم الحقيقة وباسم حق االنسان في حرية التفكير وحرية القولكما فعل "اميل زوال" في قضية "دريفوس" المتغيرات التي أشرنا إليها متغير صعود األتراككقوة عسكرية مسيطرة وما أدى ذلك الى أزمة في مؤسسة الخالفة ثم دخول الفرس الديلم كقوة عسكرية ذات أصول بدوية غازية األصل االثني لهذه الساللة واعتناقها للدعوة الزيدية المتحالفة مع المعتزلة وطابعها الالمركزي كل هذه الخصوصيات تظافرت لتخلق دفعة حضارية في القرن الرابع الهجري وستكون لنا الفرصة لإلفاضة في ذلك ثم سيدخل السالجقة األتراك بغداد وارثين السلطة وهم بدو غزاة كذلك ذوي نزعة عسكرية حملوا مشروع اإلحياء السني بحثا عن الشرعية وعمقوا اقتصاديا من اإلقطاع العسكري انعكس هذا على انتاج المعرفة ووظائفها فحدث تقسيم اجتماعي للعمل ولكن هذه المرة على مستوى العمل العلمي إذ ازداد ارتباط العلوم الدينية بمهام الخليفة الذي واصل االحتفاظ بسلطته الرمزية دون السياسية واالدارة ظلت امتيازا فارسيا في شخص نظام الملك واالمتياز االقتصادي والعمل العسكري للسلطان ونظرا ألن هذه الدولة شكلت اإلطار السياسي والتاريخي الذي نشأ فيه الغزالي فستكون موضوع
228 الفصل القادم ستتضافر الطبيعة العسكرية للسالجقة ومشروع "اإلحياء السني" باإلضافة إلى تأثير العوامل التاريخية الخارجية المتمثلة أساسا في التحدي االسماعيلي ثم الغزو الصليبي فالمغولي إلى حدوث تغيرات في عالقة المعرفة بالسلطة وفي آلية اشتغال المعرفة وانتاجها إذ نشأت المدارس النظامية لتدريس ونشر المذهب الشافعي في الفقه واألشعري في العقيدة حيث درس بها ألمع العلماء وتخرج منها كذلك علماء متميزون ظلوا مرتبطين بها وبالسلطة التي أنشأتها مثل الغزالي واقتصر النشاط المعرفي على التدريس والتأليف خاصة من أجل تحقيق الوظائف التالية: - انتاج واعادة انتاج المعارف المرتبطة بالمذهب عقيدة وتشريعا. - ادماج العلماء في "نشاطية إيديولوجية" للدفاع عن المذهب و تبرير األمر الواقع في المجال السياسي وجود سالطين متغلبين- والدفاع عن الخالفة السنية ضد الدعاية االسماعيلية. سيقوم بهذه الوظائف والمهام علماء محترفون كالباقالني والجويني والماوردي والغزالي... هؤالء سيصبحون علماء محترفون أي أصحاب مهنة ووجهة بمعناها "الفيبري" وسيشكلون ما دعاهم "غرامشي" "بالمثقفين العضويين" انهم موظفون لدى الدولة وتمكنهم وظيفتهم من االستفادة من امتيازات مادية ومعنوية في مقابل ذلك عليهم الزامات يجب تأديتها في الفصل الذي ندرس فيه الغزالي ستتوسع هذه اإلشارات ليصبح الغزالي النموذج الذي يؤكد هذه السيرورة التي آل اليها العالم في االسالم. واآلن هل لنا بعد عرض هذه السيرورة التاريخية الطويلة والتي عمرت خمسة قرون أن نحوصل التحوالت التي عرفها مفهوم العلم في تعريف جامع مانع جامع للقواسم المشتركة التي تجمع بين الفاعلين في مجال العلم ومانع يمنع دخول أفراد آخرين إلى دائرة هذا التعريف لقد أجلنا هذا التحديد إلى النهاية لغاية منهجية بحتة مفادها أن يكون التحديد الذي سنضعه نتيجة منطقية وضرورية تخبت من الصيرورة التاريخية قطعها المفهوم منذ انبثاقه إلى أن استقر في حدود العلم كمهنة واذا كان علينا أن نذكر بأهم محطات تلك الصيرورة التاريخية فلن يخرج األمر عن هذه المحطات: - ظهور القراءكقوة احتجاج باسم القرآن. - من هؤالء ستتشكل فئة تمارس العلم انطالقا من النص فيظهر الفقيه. - اعتزال الفتنة والتفكير في مسائلها كمسألة االيمان القدر...ألخ سيؤدي إلى ظهور المتكلم. - يؤدي االختالف في أساس التشريع وحجيته إلى ظهور التشريع بالرأي والتشريع بالنص وسيفضي الصراع بينهما إلى تأسيس علم أصول الفقه 228
229 - التدوينكحدث مؤسس للعلوم العربية االسالمية يؤدي إلى ظهور العلمكصنو للمروي وتتحد وظيفة العالمكجامع للتراث ومصنف له وواضع في نفس الوقت شروطا لصحته مشرعا بذلك للعقل. - االحتجاج بالحديث والنضال من أجل تنصيبه كمصدر للتشريع سيؤدي إلى ظهور فئة تحترف جمع الحديث وروايته انهم المحدثون الذين ستدفع بهم الظروف والمتغيرات إلى أن يكونوا قوة معرفية فضال عنكونهم قوة اجتماعية. - الترجمة كحدث مؤسس ثاني سيسمح للثقافات األجنبية الفلسفة اليونانية خاصة بالتواجد جنبا إلى جنب مع العلوم الدينية المدعاة علوما "أصيلة" وستتعرض العلوم العربية االسالمية لتأثيرها بدءا بعلم الكالم وانتهاءا بعلم اصول الفقه. - طبيعة النظام السياسي لدولة الخالفة العباسية خاصة فيما يتعلق بمقام الخليفة كمقام مقدس منبثق من االديولوجيااإلمامية سيعتبر أن مهامه وصالحياته اإلجتهاد في الدين وتقرير العقيدة الصحيحة وفرضها على الناس من جهتهم العلماء الممثلين بالمحدثين وعلى رأسهم أحمد بن حنبل يرفضون االستحواذ على وظيفة العالم الناقد باسم حقوق العلم والحقيقة الدينية في مواجهة السلطة ومن يدعمها من علماء الكالم وفقهاء الحنفية فكانت المحنة. - المتغيرات التي حدثت على مستوى السلطة والتي أدت إلى تقهقر مكانة الخليفة وسلطته ادى إلى تعديل في طبيعة العالقات وأطرافها حيث ارتبطت عقيدة أهل السنة بالخليفة السني في عالقة تبادل وتساند وظيفي ستتطور هذه العالقة أكثر في العهد السلجوقي الذي سيعرف تأسيس المدرسة ومأسسة التصوف وترسيم المذهب الشافعي واألشعري فيتحول العالم إلى صاحب مهنة ووجهة في هذه المؤسسة لينخرط في "ايديولوجيا الكفاح " بدال من انتاج معرفة حرة وناقدة. - إذا استجمعنا هذه المحطات صار في اإلمكان وضع األبعاد التي تكون مفهوم العالم في االسالم وأهم تلك األبعاد المحددة للمفهوم: *دائرة اشتغال العالم في االسالم هو النص الذي يحوي كليات في العقيدة وقواعد في التشريع وتبعا لذلك تتعدد دوائر االختصاص داخل هذه الدائرة الكبيرة المتمركزة حول النص حيث نجد الفقيه وعالم الكالم المحدث...إلخ ويتحدد اطار هذه الدائرة بحجم التبادالت وحجم الصراع والتنافس بين أطرافها المكونة لها و بين األطراف المونة للعلوم العقلية. *تأسيسا على ما سبق تصبح الوظيفة الجوهرية التي تحدد مفهوم العالم تتمثل في البحث عن المعنى الثاوي في النص أي االجتهاد المؤدي إلى استنباط األحكام الشرعية والتأويل المؤدي إلى تكوين مواقف اعتقادية البحث عن المعنى هو ما يشكل القاعدة أو االرضية المشتركة لهؤالء الفاعلين وألن 229
230 النص لغة تصبح "سيمانتي". "Semantique "المعرفة بهذا المعنى هي مجرد استنباط لغوي من النصوص أو عمل معنوي هذه الوظيفة الشارحة المؤولة والمفسرة للنص والمؤدية إلى استنباط األحكام الشرعية وإلى تكوين اآلراء العقائدية شكلت صورة للعالم بكونه وارثا للنبوة في جانبها المتصل بالمعرفة بالدين وبالتالي ممارسة كل الحقوق المتأتية من ذلك بما فيها ممارسة الحسبة على أولي االمر واألمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حين ال يقر السلطان للعالم بهذا الحق خاصة السلطان العباسي الذي انطالقا من تمثله لصورة الخليفة اإلمام مارس في بعض العالم المجتهد كالمأمون. فترات الحكم مهمة السياسي ومهمة *تبعا لذلك "رأس مال" العالم الذي يشكل سلطته والذي سيخدمه كمورد في "اللعبة اإلجتماعية" كما "بورديو" يسميها هو ممارسة العلم تشريعا وعقيدة متخذا من هذه الممارسة هوية اجتماعية بدال من هويات أخرى كالقبيلة او االنتماء االجتماعي الطبقي إذ ينتج أحكاما فقهية أو آراء كالمية باختصار ينتج خطابا يتوجه به إلى مستهلكيه من العامة والسلطة التي لها حاجاتها المعرفية "العقيدة" يمارس "وبعبارة اخرى ان ال كمجرد اعتقاد بل ايضا كرأي وتعبير عن هذا الرأي انه بذلك يتحول الى وصاحب مقالة وأكثر من ذلك يتجه بكالمه ومقالته إلى الجمهور)أي المستمع( ألطراالجتماعية التي تؤطر الجمهور موضوعا لكالمه" متكلم ويتخذ من *من الناحية السوسيولوجية "ال يشكل العلماء طبقة اجتماعية واحدة وانسجامية فهم يحتلون مواقع جد مختلفة في الساحة االجتماعية وذلك طبقا لمستوياتهم الثقافية ونوعية عملهم في الدولة أو األمة وطبقا ألسلوب حياتهم الدينية ينتمون إليها") 3 ( المجددون ذوي النزعة النقدية هناك أنواع عديدة من العلماء بحسب المرتبة االجتماعية والثقافية التي كما هناك تراتب في النخبة من حيث مستوى المهارات و الكفاءات فهناك العلماء وهناك المشتغلين بإذاعة الفكر وآخرون كانوا حفظة كما يختلف هؤالء من حيث الفضاءات التيكانوا يمارسون فيها نشاطاتهم اذ لكل فئة فضائها والفئات االجتماعية المستهدفة اذ يرتبط علم الكالم والفلسفة واالدب بمفهومه الكالسيكي بالنخبة االجتماعية بقصور االمراء وكبار المالك و كبار التجار في حين نشاطها في األماكن العامة كالمساجد و األسواق. ارتبطت العلوم الدينية بالعامة وبالتالي كانت تمارس ) 1 ( -أركون حممد الفكر االسالمي نقد واجتهاد ص 3. ) 2 ( -اجلابري حممد عابد املثقفون يف احلضارة العربية ص 71. ) 3 ( -أركون حممد االسالم األخالق والسياسة ص
231 الفصل الرابع : النظام العباسي الخالفة والدولة السلجوقية 231
232 وجود هذا الفصل ضرورة أمالها اعتباران األول منهجي وهو االعتبار الذي نخضع له في هذا البحث والقاضي بتحديد االطار التاريخي والسوسيوثقافي الذي يؤطر عملية انتاج المعرفة واالعتبار الثاني معرفي ويتمثل في السياق المعرفي الذي سيحدد فكر الغزالي من أجل ذلك كانت مباحث هذا الفصلكالتلي : 1. الخالفة العباسية من الثورة إلى الدولة 2. السالجقة العقيدة العسكرية ومشروع "االحياء السني". 232
233 المبحث األول: الخالفة العباسية من الثورة إلى الدولة: يكاد يكون هناك إجماع على أن قيام الدولة العباسية وانتقال الخالفة من السلطة األموية إلى الساللة العباسية قد أحدث تحوالت جذرية وعميقة على مجال الحياة االجتماعية ومجاالتها فنحن أمام نمو واتساع لهذه المجاالت على كافة المستويات واألصعدة وإذا كان هذا النمو واالتساع في مستوى معين نعوزه إلى التطور الطبيعي للمجتمع فإن طبيعة النظام السياسي للدولة الجديدة الصاعدة كان قد انعكس بشكل واضح على األفعال المؤسسات والعالقات وعليه فإن مهمة هذا المبحث هي تسليط الضوء على هذه التغيرات وعالقتها بطبيعة النظام السياسي العباسي خاصة التغيرات التي طرأت على األنظمة المعرفية وعالقتها بالسياسي وألن األمر يتعلق بالتاريخ فال مناص من العودة إلى تثبت وتركيز معطيات تاريخية تخص حكم السلطة األموية بالتركيز على المعطيات التي لم نأت على ذكرها في الفصل السابق والتي نرى أنها المسؤولة عن ما يعتبره البعض قطيعة بين النظامين السياسيين وتبرز تلك التمايزات واالختالفات في المجاالت السياسية الجغرافية واألثنية ففي مجال الممارسة السياسية السلطة مركزة في يد الخليفة األموي ومن حيث المجال الجغرافي جميع أقاليم وواليات الدولة خاضعة بشكل مباشر وعن طريق الوالة المعينين من قبل الخليفة إلى سلطة دمشق التي اختيارها كعاصمة للملك هو اختيار للمجال الحضاري العربي الديني الحجاز مكة والمدينة من الناحية اإلثنية الدولة األموية دولة ركزت السلطة تدبيرا وعطاء في يد العنصر العربي حيث االرستقراطية القرشية تقبع على رأس الهرم االجتماعي ثم القبائل العربية الحليفة خاصة القبائل القحطانية اليمنية القبائل الكلبية في مواجهة القبائل القيسية والتي شكلت جندا للدولة وهي قبائل استوطنت الحواضر المفتوحة إبان الفتح وبعده أما غير العرب فسيتشكلون ما بات بعرف بالموالي والذين يمثلون في أغلب األحيان الفئات النشيطة الممارسة للزراعة والصناعة وبيقة الحرف من سكان المدن والحواضر وهذه الفئات راحت تبحث لها عن مكانة إما بامتهان العلم والنبوغ فيه إلتماسا لسلطة بديلة أو االنخراط في صفوف الخارجين عن الدولة هذه المواصفات التي ذكرناها إنما هي مواصفات على وجه اإلجمال أما على وجه التخصيص هو ما أحدثه األمويون تحديدا "معاوية بن ابي سفيان" في طبيعة النظام السياسي لدولة الخالفة وما ترتب عن ذلك من نتائج عميقة في بنية الدولة والمجتمع فمع "معاوية" تحولت الدولة من دولة خالفة إلى دولة "الملك العضوض" القائم على القوة التغلب والعصبية هذا التحول البنيوي سيؤدي إلى تغير في وظائف الدولة وفي التراتبية االجتماعية وكنا في الفصل السابق قد بينا طبيعة الظروف التاريخية التي أدت إلى انبثاق فئة العلماء وفئة رجال السياسية وسنعيد تركيز هذه العملية التاريخية الحساسة بما تقتضيه أهداف وطموحات هذا الفصل فنطور الصراع بين الفآت المشكلة للفتنة وانتهاء هذا الصرع إلى إستيالء االرستقراطية القرشية األموية 233
234 على الملك واتخاذ القوى المنهزمة إليها الهاشميين والخوارج مواقع المقاومة للسلطة الجديدة وما أفضت إليه كل هذه العملية من تمايزات في التراتبة اإلجتماعية أدى كل ذلك إلى نشوء تمايز بين المجال السياسي والمجال المعرفي ففي دولة الخالفة بالمدينة لم يكن هناك تمايز واستقاللية للعالم عن السياسي فقد كان الخليفة أميرا وعالما في نفس الوقت أو لنقل رجل عقيدة ومع ظهور الملك ظهر وانبثق رجل السياسة بالمواصفات التي حددها 234 "فيبر" في شخص ومنذ ذلك الحين "معاوية" ستغدوا شخصيات من مثل ابي بكر وعمر من الماضي المثالي والنموذجي والتي ستغذي المخيال السياسي لجماهير األمة اإلسالمية حيث ستتضخم صور هذه الشخصيات النموذجية باطراد بينما سيتكرر نموذج رجل السياسة كما دشنه معاوية في التاريخ السياسي في شخصيات كثيرة كعبد الملك بن مروان والمتوكل والقادر والمستظهر... الغائية السياسية التي أنتجت القاعدة التسويغية المشهورة واألحرى القول حيث سيمثلون هؤالء وغيرهم بأفعالهم السياسية نموذج "يجوز إمامة المفضول مع وجود األفضل" "يجب إمامة األفضل سياسيا مع وجود األفضل أخالقيا وعقائديا" وقد عبر في أكثر من مناسبة عن رجمان هذا المصوغ وصلته رسالة "الحسن بن علي" الكفاءة السياسية- "معاوية" في أخذ األمر لنفسه فعندما الذي أختاره أهل العراق كخليفة مكان أبيه يدعوه إلى الطاعة أجابه معاوية "إنه لوكان يعلم أنه أقوم باألمر وأقسط للناس وأكيد للعدو وأحوط للمسلمين وأعلم بالسياسة وأقوى على جمع المال منه ألجابه إلى مسأل ألنه يراه لكل خير أهال" ويصيف "إن أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكر وأمركم بعد وقاة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم" حيث أن هذا االحتيار قد بني على الكفاءة والقدرة وليس على أساس القرابة من الرسول وفي موقع آخر خطب معاوية في أهل المدينة عاصمة دولة خالفة ومعقل أهل السابقة والفضل في اإلسالم قائال: "...أما بعد فإني واهلل ما وليتها بمحبة علمتها منكم وال مسرة بواليتي ولكن جالدتكم بسيفي هذا محالدة... خيركم فإني خيركم والية" لمن فإن لم تجدوني فالقوة والكفاءة لسياسية هي ما يؤسس دولة الملك العضوض ومن هنا يكون معاوية قد " شن من جهة أخرى وبوجه خاص طريقة في إضفاء العلمنة على مفهوم السلطة ألنه يرهن أن السلطة تكون "يحسن أخذها وتعهدها والحفاظ عليها تكون لذاك الذي يكون جديرا بها سياسيا". إن ما نرمي إلى قوله من خالل هذه اإلحاالت هو أنه في دولة الملك وبداية من معاوية سينفصل رجل البالذري األنساب ج 7 ص 72 يف هشام جعيط الفتنة ص 729. ابن عبد ربه العقد الفريد تح: حممد سعيد العريان ج 7 القاهرة املكتبة التجارية الكربى 2927 ص 223 يف حممد عابد اجلايري العقل السياسي العريب ص 220. هشام جعيط الفتنة ص 730.
235 الساسة عن رجل العلم ومع عملية االنفصال هذه ستغدو السيادة العليا أو ذروة التشريع وسيلة للعية السلطة وستصبح الطاعة قائمة على "المواكلة الحسنة والمشاربة الجميلة" "مجالدة السيف ال أو تلك الطاعة التيكانت قائمة على "دين المعنى" "ثالثة ثوابت بنى عليهم "معاوية" دولته وستكون هي نفسها التي سيعتمدها الخلفاء األمويون من بعده" المجالدة المواكلة الشرعية القرشية" إلى هذا ما كنا قد أفضنا فيه آنفا أن دولة الملك وقد صارت أمرا واقع أو لنقل سنضيف "قدرا شاء اهلل أن يكون" فالبد من حمل الناس على التسليم به ومن هنا كانت الجبرية هي إيديولوجيا هذه الدولة. تلكم هي جملة المواصفات التي طبعت النظام دولة الملك األموي الذي عمر بمعاوية وانتهى بمقتل مروان بن محمد سنة 11 سنة بدأ 132 ه بعيد معركة الزاب يسوق أهل العباس حيث تبدأ مرحلة الدولة العباسية التي ستشكل مجال دراسة هذا الفصل كمجال سياسي ومعرفي يؤطر ويحدد في مرحلة من مراحل تاريخها فكر أبي حامد الغزالي في عالقته بالسلطة السياسية وبالسلطة المعرفية لما اسماهم بأصناف الطالبين في إلى ذلك المجال نتجه. كنا قد تركنا دولة الملك األموي وقد تأسست تتويجا النتصار إحدى القوى المشكلة ألطراف الفتنة أال وهي اإلسالم السياسي األرستقراطي بزعامة العاملة في الفتنة: إسالم راديكالي وعنفي "معاوية بن أبي سفيان" القراء إسالم تاريخي وشرعي- قوى مقاومة لهذه السلطة المنتصرة بقوة السيف والتدبير السياسي وألنه على أن بقية علي" أي المقاومة فإنها مقاومة" مؤسساتها الملكية الدولة وأجهزتها: "القوى قد تحولت إلى "حيثما توجد سلطة توجد كانت تؤشر بما ال يدع مجاال للشك عن ميالد سلطة فعلية لها جيش شرطة دواوين قضاء...إلخ هذه المقاومة أو باألحرى المقاومات وإذا أردنا اختزالها بالتسميات وصوال إلى مبتغانا قلنا أنهم الخوارج والهاشميين وإذا كان الخوارج قد وصلوا خروجهم عن أية سلطة في شكل أعمال حربية مباشرة انطالقا من مبادئ واضحة وصارمة فإن المعارضة أو المقاومة الهاشمية اتخذت جبهة واسعة من حث عدد المطالبين المنطوين تحت لوائها حيث تطورت المطالبة من اإلجمال إلى التعدد وهذا يعني عمليا وتاريخيا تعدد الشرعيات فمن مطلب حق آل البيت من بن هاشم بالخالفة بما في ذلك أبناء العباس عم النبي إلى تخصيصها في أبناء أفضى إلى فرق شيعية متعددة فلقد علي كرم اهلل وجهه لتتعدد الشرعيات على هذا المستوى الحقا األمر الذي "كانت البذرة األولى للشيعة الجماعة الذين رأوا بعد وفاة النبي حممد عابد اجلابري العقل السياسي الغريب ص 220. هشام جعيط الفتنة ص 719. ميشال فوكو إرادة املعرفة تر: جورج أيب صالح بريوت مركز اإلمناء القومي 2990 ص
236 ب) عمه صلى اهلل عليه وسلم أن أهل البيت أولى أن يخلفوه وأولى أهل البيت العباس عم النبي وعلي ابن وعلي أولى من العباس لما بينا من قبل والعباس نفسه لم ينازع عليا في أولويته للخالفة وإن نازعه في أولويته في الميراث في "فدك" هذه المطالبة بتلويناتها استقطبت فئات اجتماعية متنوعة من حيث اإلنتماء االجتماعي المكانات واألدوار- ومن حيث اإلنتماء العرقي قبائل عربية معارضة وموالي- ومن حيث الجغرافيا أن المناطق التي كانت تنشط فيها هذه المقاومات ترسم قطعا مكافئا من مدن الحجاز إلى الكوفة إلى خرسان إجماال المناطق البعيدة عن دمشق البعيدة عن المراقبة والعقاب أي المجال الحضري العربي الديني مكة والمدينة والمجال الحضري اإليراني وهذا يعني أنها كأي مقاومة تخترق مختلف التراتبيات االجتماعية والوحدات الفردية" إننا ننصص على خصائص عامة وثابتة بكل مقاومة وصوال إلى إمكانية هذه المقاومة وعلى غرار السلطة على إنتاج وسائلها وأدواتها بما في ذلك خطاباتها الحاملة لشرعيتها ومشروعهاكسلطة مستقبلية. خطاب الشرعية الهاشميين سيتطور وينضج ليصبح دعوة شيعية وما يهمنا في هذا المقام هو جملة األفكار أو الدعاوى التي تقم عليها وتداعيها والتي ستوظفها الدعوة العباسية في القيام بثورتها والتي ستطبع النظام السياسي العباسي بخصائص وصفات المعرفية وعلى عالقات السلطة بالمعرفة. لم تعرفها في النظام األموي ستنعكس على إنتاج األنظمة وسنتجه رأسا إلى "اإلمامية" باعتبارها فرقة أقامت دعوتها على أسس لها عالقة مباشرة بمبحثنا األمر يتعلق أساسا بفكرة اإلمام كمنص ديني وسياسي يختلف رمزيا ووظيفيا عن ما يتمثله أهل السنة والجماعة لمنصب ومقام الخليفة فهذه الفرقة الشيعية بهذا اإلسم نسبة إلى اإلمام سموا " الخليفة ألنهم أكثروا من االهتمام به وركزوا كثيرا من تعاليمهم حوله فكانوا يرون أن عليا يستحق الخالفة بعد النبي )ص( ال من طريق الكفاية وحدها وال من طريق ما ورد من النبي )ص( من أوصاف ال تنطبق غال عليه بل عن طريق النص عليه باإلسم ثم يرون أن األئمة هم علي وأبناؤه من فاطمة على التعيين واحدا واحدا وأن معرفة اإلمام وتعيينه أصل من أصول اإليمان" األحداث الدرامية ستدفع بهذه الدعوة إلى اإلكتمال حيث ستصبح دعوة لها مشروعها ومقاصدها القائمة على نظريتها أو باألحرى اعتقادها السياسي الذي صار موضوعا تحمل عليه مبادئها العقدية والكالمية وهذا االعتقاد السياسي يقوم على شبكة مفاهيمية هي بمثابة أركان أو أسس هذا : االعتقاد وهي العصمة المهدية التقية الرجعة وقد وصفنا هذه األركان بكونها شبكة أو بنية أمحد أمني فجر اإلسالم مصر شركة الكباعة الفنية املتحدة ط ص 211. ميشال فوكو إرادة املعرفة ص 202. أمحد أمني ضحى اإلسالم بريوت دار الكتاب العريب ط ت( ج 7 ص 222.
237 اعتقاد حيث كل مفهوم أو عنصر فيها يستمد داللته وقيمته من خالل عالقته بقيمة المفاهيم التي تتغذى مضامينها من مفهوم اإلمام نفسه "الذي يسبغون عليه نوعا من التقديس فهو يتلقى علمه عن طريق الوحي ويعده اهلل إعدادا خاصا من حين 237 يكون نطفة ويحفظه برعايته السامية ويعصمه من الذنوب ويورثه علم األنبياء والمرسلين ويطلعه علىكل ماكان وما سيكون" من أجل هذه المكانة كان اإلمام من حيث الوظائف واألدوار المنوطة به مشروعا ومنفذا أقواله وأفعاله معيار التحسين والتقبيح فما أمر به هو الحسن وما نهى عنه فهو القبح وأكثر من هذا ال ينفع بر وعبادة بدون اإليمان به إذا كان األمر هكذا فإن مفاتيح داللة المفاهيم التي ذكرنا تشتغل وذلك بربطها بهذا التصور والتمثل الذي للشيعة اإلمامية عن اإلمام وما يهمنا من تلك المفاهيم بالتحديد مفهوم "المهدية" الذي مفاده إنتظار مجيء إمام يمأل األرض عدال كما مألت جورا وبغض النظر عن أصل هذه الفكرة فإنها قد قالت بها "الكيسانية" وقال بها "المختار الثقفي" أثناء تورثه ودعوته باسم "محمد بن الخليفة" قيلت في حق علي ثم من بعده في حق إبنه "محمد بن الحنفية" وقد إلى الوظيفة أمين" "تنبه أحمد السيكولوجية والسياسية واالجتماعية لفكرة المهدي حيث يقول "ثم رأوا الشيعة- أن ذلك إال بقيام رئيس للشيعة يلتف الناس حوله ولو سرا ويلقبونه بأنه الخليفة حقا ورأوا أن ذلك ال يتم أيضا غال بصبغة دينية فهو اإلمام وهو المعموم ورأوا من إحكام أمرهم بث الرجاء واألمل في نفوس الناس حتى يتشجعوا ومنوهم بأن األمر لهم في النهاية. إن مقتل علي كرم اهلل وجهه ومقتل "الحسين" وأهل بيته وفشل ثورة المختار الثقفي" وكل الثورات التي أعلنت على الدولة األموية التي صارت أمرا واقعا كان من شأنه أن يؤدي إلى اإلحباط اإلنكسار واليأس فكان البد من أمل البد من وضع اعتقاد ويقين بمصير سعيد مقدر وموعود منوط بشخص رمز إنه "المهدي" الذي له قدرات ومواهب خارقة هذا الشخص الرمز سيعود وإن مات أو قتل وهكذا تولد األسطورة والرمز وتزداد قوة وتضخمها بشكل طردي مع الزمن وبعالقة عكسية مع الفشل واليأس "إن فكرة "المهدي" ليست فكرة دينية وإنما هي وسلة للتمسك باألمل إن الضعفاء وبسطاء الناس يربطون مطامحهم وآمالهم بأشخاص رموز والتمسك باألمل والرجاء في التخلص من )4( الظلم يقتضيان بالرمز بعناء" ليشكل هذا الرمز أو األسطورة إيديولوجيا تقوم عليها الدعوة ووقودا للثورة فكما تعتمد السلطة القائمة على التكامل الوظيفي لمؤسساتها المعارضة والمقاومة تعتمد على األديان الشيعية تقول بالوحي عن طريق... املرجع السابق ص 220. املرجع ذاته ص 222. )4( حممد عابد اجلابري العقل السياسي العريب ص 233.
238 عملية ترميز "ولهذا فال ريب في أن الترميز اإلستراتيجي لنقاط المقاومة هو الذي جعل ثورة ما ممكنة وذلك تقريبا مثلما ترتكز الدولة على التكامل المؤسسي للعالقات السلطوية" ستتعلق بهذا الركن أو األساس من االعتقاد مفاهيم فاعلة في العمل السياسي من تلك المفاهيم مفهوم التقية الذي يقتضى من بين دالالته استشار اإلمام وتأجيل ظهوره حتى يتم األمر حيث يفوض لدعاته النطق باسمه مما سيصبغ على شخص اإلمام المريدين واألتباع والمتعاطفين فقد المهدي هالة عظيمة من التقديس والزمير من قبل الدعاة في نفوس "كان الدعاة يتكلمون باسم اإلمام وبما أنه في حالة تقية فهو كالغائب ال يتكلم وال يظهر وهذا يفسح المجال للدعاة للغلو في حقه إن الكالم بضمير الغائب يفسح المجال دائما للتضخيم والغلو واإلدعاء" ولواحقهاكفكرة "التقية" "لمحمد بن الحنفية" ورث عنه الشجاعة والعلم 238 الممارسة العملية والتاريخية لفكرة بدأت عندما نسبتكل من السبأية والكيسائية والمختارية "المهدي" هذه األوصاف من حيث أنه هو المهدي وأنه لم يمت وبأنه سيرجع وأنه الوصي من "علي" وقد رواية الحديث- هذه الميزة األخيرة سيضخمها الدعاة واألتباع ليصبح العلم المقصود ليس رواية الحديث فقط ولكن العلم بأسرار التأويل وهذه الميزات سيرثها ابنه اهلل بن محمد بن الحنفية بن علي" المعروف ب"أبي هاشم" إلى عملية تسميم من قبل األمويين لدى زيارته للخليفة األموي عودته عرج على )*( "الحميمة". "عبد والذي تقول الروايات التاريخية أنه تعرض "سلمان بن عبد الملك" ولدى حيث يقيم ابن عمومته أبناء العباس عم الرسول صلى اهلل عليه وسلم فسلم اسرار الدعوة ووثائقها إلى "محمد بن علي بن عبد اهلل بن العباس" ولنترك "الشهرستاني" يجمل لنا في هذا النص سيرورة األحداث التي تناولناها فيقول عن مادة "الهاشمية": "أتباع أبي هاشم محمد بن الحنفية قالوا بانتقال محمد بن الحنيفة غلى رحمة اهلل ورضوانه وانتقال اإلمامة منه إلى إبنه أبي هاشم قالوا فإنه أففى إليه بأسرار العلوم وأطلعه مناهج تطبيق اآلفاق على األنفس وتقدير على التنزيل على التأويل وتصوير الظاهر على الباطن قالوا إن لكل ظاهر باطنا ولكل شخص روحا ولكل تنزيل تأويال ولكل مثال في هذا العلم حقيقة في ذلك العالم والمنتشر في اآلفاق في الحكم واألسرار مجتمع في الشخص اإلنساني وهو العلم الذي إستأثر على علي عليه السالم به ابنه محمد بن الحنفية وهو أفضى بذلك السر إلى إبنه أبي هاشم وكل من اجتمع فيه هذا العلم فهو اإلمام حقا واختلف بعد أبي هاشم شيعته خمس فرق قالت فرقة أن أبا هاشم مات منصرفا من الشام بأرض ميشال فوكو إرادة املعرفة ص. حممد عابد اجلابري العقل السياسي العريب ص 292. أتباع املختار الثقفي. )*( قرية يف األردن كان يقيم فيها أبناء العباس متخفيني
239 الشاره وأوصى إلى محمد ابن علي بن عبد اهلل بن العباس وانجرت في أوالده الوصية حتى صارت الخالفة إلى أبي العباس وقالوا ولهم في الخالفة حق التصال النسب وقد توفي رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم وعمه العباس أولى بالوراثة" أردنا أن ننقل هذا النص على طلوله إلحمال ما أفضنا فيه ولتثبيت بعض الحقائق التي لها صلة بموضوعنا ولعل أهمها انتقال اإلمامة بالوصية ويلزم عن ذلك إفضاء أسرار العلوم والعلم بالتأويل إلى الموصى إليه بحيازته على هذا اإلرث يصبح إماما وهو األمر الذي حدث مع "أبي هاشم عبد اهلل بن محمد بن الحنفية" الذي ورث اإلمامة بجميع مقوماتها عن أبيه وبدوره سلمها "لمحمد بن علي بن عبد اهلل بن العباس" الذي بناء على ذلك يصبح إماما ومن هذا المفترق التاريخي سواء كان صحيحا أم ملفقا يصبح للدعوة العباسية شرعيتها التي تقوم على الوصية وهي شرعية سيستمر العمل بها إبان الدعوة والثورة حيث أن منطق الدولة سيؤدي إلى القول بأسس أخرى للشرعية سنتكلم عنها عندما يحين أوانها المهم أن الدعوة العباسية ستمارس دعوتها إلى دولتها تحت قبة الدعوة الشيعية وذلك بأن أوعزت إلى دعاتها بالدعوة لإلمام الرضا من ىل البيت دون تحديد هويته وشخصه إلى درجة أن الدعاة أنفسهمكانوا يدعون إلمام دون أن يكون قد عرفوه أو رأوه رأي العين فقد "بعث محمد اإلمام رجال إلى خرسان وأمره أن يدعو إلى الرضا من آل محمد صلى اهلل عليه وسلم وال يسمي أحدا" ألئمة محتملين وهكذا كانت الدعوة العباسية دعوة قائمة إلى جانب دعوات أخرى والدليل على ذلك أن الدعوة لما نضجت كان من الممكن أن تؤول إلى الطالبين وإذ تواترت األخبار التاريخية في أكثر من مصدر أنه "لما بلغ أهل الكوفة مقتل إبراهيم بن محمد أراد أبو سلمة الخالل أن يحول الخالفة إلى آل علي بن الخطاب فغلبه بقية النقباء واألمراء..." أثناء ذلك عمد أبو سلمة الخالل إلى حجز اإلمام "أبي العباس" وفي وإخوته وأعمامه في دار في شكل إقامة جبرية مدة طويلة مؤخرا إظهار اإلمام انتظارا لجواب الطالبين الذين راسلهم في هذا الشأن سرا وقد دفع ى"الخالل" مسلم الخرساني" ثمن هذا إذ استوزره "أبو العباس السفاح مدة قصيرة ليوعز بقتله على يد "أبي هذا األخير الذي لعب دورا محوريا في الدعوة العباسية وفي قيادة الثورة ومن ثم التمكين آلل عباس كان قد نشأ في الكوفة نشأة شيعية إمامية فقد شارك في حركة "المغيرة بن سعيد البجلي" وبفشلها التحق "بأبي موسى السراج" أحد ابرز دعاة الدعوة العباسية والذي قدمه إلى اإلمام الشهرستاين امللل والنحل تصحيح وتعليق أمحد فهمي حممد بريوت دار الكتب العلمية )ب.ت( ج 2 ص جالل الدين السيوطي تاريخ اخللفاء ضبط حممد خالد العطار بريوت دار الفكر للطباعة والنشر 2020 ص ابنكثري البداية والنهاية القاهرة دار احلديث 2001 ج... ص
240 "ابراهيم بن محمد" هذا األخير وتقديرا منه لمواهب هذا الشاب جعله مولى له وأعاد تسميته من إبراهيم إلى عبد الرحمان بن مسلم وصار رسوله إلى دعاته لينفذه في األخير إلى خرسان ليقوم بأمر الدعوة ثم إعالن الثورة من هناك بالعودة إلى بالدعوة الشيعية اإلمامية بمفاهيمها مطالبها وقيمها يقول "الشهرستاني" نقتبس نصا يثبت صلة الدعوة العباسية "الشهرستاني" : "وكان أبو مسلم صاحب الدولة على مذهب الكيسانية في األول واقتبس من دعاتهم العلوم التي اختموا بها وأحس منهم أن هذه العلوم مستودعة فيهم فأنفذ إلى الصادق جعفر بن محمد: "إني قد أظهرت الكلمة ودعوت الناس من مواالة بني أمية إلى مواالة أهل البيت فإن رغبت فيه فال مزيد عليك" فحاد إلى أبي العباس بن محمد السفاح- فكتب إليه الصادق: "ما أنت من رجالي وال الزمان زماني" وقلده الخالفة" العباسية تماثل تماما نظريتها الشيعية إذ نقوم على مطلبين أساسيين: واألهم من هذا كله أن مطالب الدعوة - - المغتصب في الخالفة والدعاء لإلمام الرضا من آل البيت. إقامة العدل في تقسيم الفيئ وأعباء الجباية. استرجاع آل النبي حقهم في هذا السياق نبتت الدعوة العباسية وترعرعت إلى نضجت وكان أوان قطفها سنة وهي السنة التي ظهر فيها "أبو العباس السفاح" 132 ه إماما وخليفة بالكوفة ومنها استمر زحف الثورة المنطوي تحتها فئات متعددة ومختلفة عرب وموالي أغنياء وفقراء شكلوا ما كان قد استعاره الجابري تحت مسمى كتلة تاريخية مشحونة بتاريخ درامي مؤسطر )من األسطورة( برمزية اإلمامة لتكتسح الشام فمصر وبقية العالم اإلسالمي باختزال الدعوة العباسية ركبت موجة ضمن بحر الدعوات الشيعية ومسألة انتصارها كان مجرد إمكانية ضمن إمكانيات أخرى إنها دعوة متشبعة بمفاهيم وقيم الدعوات الشيعية األمر الذي انعكس على طبيعة النظام السياسي للدولة العباسية خصوصا مكانة ومقام الخليفة كمنصب ديني وسياسي وحتى في أضعف حاالته ظلت مكانته الرمزية والدينية قائمة حتى سنة نشيط وفعال. 656 ه تاريخ سقوط بغداد وبعدها سيسكن هذا المنصب في المخيال السياسي كحكم وقبل أن نترك مرحلة الدعوة والثورة إلى مرحلة الدولة وكتتويج لمسارات نشوء الدعوة العباسية ولثورتها ثم لدولتها علينا أن نكشف عن ذلك الخيط الرفيع الذي يجمع وينظم عناصر النظام السياسي العباسي ليجعل منه نسقا سياسيا بكل ما في الكلمة من معنى هذا الخيط الرفيع يتمثل في الروافد التي غدت هذا النظام وطبعت سلوكه السياسي من خالل أفعال ومواقف الخلفاء خصوصا اتجاه القضايا المعرفية ومن ثم تجاه العلماء والمذاهب والفرق حيث اتسمت تلك األفعال والمواقف الشهرستاين امللل والنحل ج 2 ص
241 بالتعاضي وحتى بالتناقض من عصر إلى عصر بل وفي نفس العصر من خليفة آلخر كما مر معنا في تحليل "المحن" وبناء على القراءات التي أفضت إلى هذه الدراسة وجدنا رافدين رأسيين الرافد األول هو ميثولوجيا اإلمامة وهو رافد غذى الدعوة والثورة ولكنه ظل مستمرا غداة قيام الدولة على عكس ما ذهب إليه محمد عابد الجابري حيث أن مقام الخليفة يحظى بالتقديس إنما هو مستمد من األيديولوجيا اإلمامية ومكانته كمنصب ديني وسياسي "فقد أشغلوا فكرة المهدي حتى أضحت شعارهم الديني والسياسي واعتمدوا على نظرية اإلمامة التي كانت محور عقيدتهم ودعوتهم وقد أعطت هذه السياسة الدينية للخالفة العباسية مسحة في القداسة بحيث أضحى سلطان الخلفاء مستمدا من اهلل سبحانه وتعالى" وقد شرحنا كيف اتصلت فكرة المهدي من محمد بن الحنفية إلى إبنه أبي هاشم إلى آل العباس وبقي اآلن أن نبين كيف استمرت هذه الفكرة وكيف استغلت كآلية من آليات السلطة فباإلضافة شرعية األنساب إلى الرسول صلى اهلل عليه وسلم وأحقية وراثته...تسبق حق وراثته أبناء العم اإلمام كخليفة هو تعبير عن إرادة اهلل وسلطانه على األرض وهذه الصفة ما كان الخلفاء بني العباس ادعاؤها لوال ذلك التهيؤ العقائدي والنفسي واالجتماعي الذي حصل بفعل الدعوة التي كانت في جوهرها كما مر معنا دعوة بتبعية إمامية لدى األتباع والرعية دون أن ننسى ذلك التهيؤ األنثرولوجي إن صح التعبير أي سيادة األفكار الفنوصية والعرفانية في المجال الحضري اإليراني الماجل الذي نشأت وعاشت فيه الدعوة العباسية وقد كان بنو العباس يؤكدون في خطبهم وسلوكهم السياسي واتخاذهم لأللقاب واحتجابهم عن الناس يؤكدون هذا المقام مقام الخيفة كتعبير عن إرادة اهلل وسلطانه على األرض يقول "أبو العباس السفاح" في خطبة المبايعة:" الحمد هلل الذي اصطفى اإلسالم لنفسه تكرمة وشرفه وعظمه واختاره لنا وأيده بنا وجعلنا أهله وكهفه وحصنه به...ووضعنا من اإلسالم وأهله بالموضع الرفيع... ومودتنا وأجزل من الفيئ والغنيمة نصيبا تكرمة لنا وفضال علين" والقوام فأعلمهم جل ثناؤه فضلنا وأوجب عليهم حقنا فيه ما يعبر عن صورة آل العباس من خالل صورة الخليفة فكما اصطفى اهلل لقد تصرفنا في هذا النص وأبقينا اإلسالم اصطفى اإلسالم لهم وأيد ه بهم فهناك تكامل وظيفي بين موضع وقيمة الدين وموضع وقيمة آل العباس ومن ثم الخليفة وعليه فمن أوجب واجبات الخليفة الحفاظ على الدين وهو تصور خول لخلفاء بني العباس التدخل في الشأن الديني كما يبين لحق رعايته وحفظه انطالقا من رؤيتهم وتأويلهم وهو حق تاريخ حممد سهيل طقوس تاريخ الدولة العباسية بريوت دار النفائس ط ص ابن كثري البداية والنهاية ج 20 ص 27 اجلديد 2027 ص 223. والسيوطي تاريخ اخللفاء تح حممد أمحد عيسى القاهرة دار الغد
242 فيه رجل الساسة رجل العلم كما مر معنا من محن العلماء ثم ونأمر من اهلل ليصبح على الناس واجب مودة ومواالة بن العباس تتضح هذه الصورة أكثر مع أبي جعفر المنصور الذي يعتبر بحق المؤسس الفعلي للخالفة العباسية إذ يقول: "أيها الناس إنما أنا سلطان اهلل على أرضه أسوسكم بتوفيقه وتسديده وأنا خازنة على فيئة أعمل بمشيئته وأقسمه بإراقته وأعطيه بإذنه قد جعلني عليه قفال إذا شاء يفتحنى ألعطياتكم وقسم فيئكم وأرزاقكم فتحنى وإذا شاء أن يقفلني قفلن". لقد اقتضت إرادة اهلل أن يصطفى اإلسالم دينا ومن الناس بن العباس أئمة وخلفاء فالسلطان منهم هو سلطان اهلل على أرضه وما يفعله من سياسة لألمر وتقسيم للفيء فإنما هو بإرادة اهلل ومشيئته إن هذا الخطاب يعطي االنطباع بأن الخليفة على اتصال مباشر مع اهلل العمل بإرادته ورعايته وتوجيهه فهل هناك مسافة بعد هذا بين ما تدعيه اإلمامية في اإلمام وبي ما يدعيه الخليفة العباسي لنفسه وما يدعيه أنفاره له "فالرواندية تبيعة للعباسيين وفرقتهم الدينية غال فبهم من غالكما عال في الشيعة العلوية من 242 غال" إلى درجة أن منهم من قد أله أبا جعفر المنصور وقد ظلت هذه المسحة التقديسية لمنصب الخليفة حاضرة حتى في اسوأ وأضعف فترات الخالفة العباسية حيث جرد من صالحياته السياسية إال بما تعلق بكون رمزا وقائدا لجماعة المسلمين واحدا من الخاصة" البيت... وال مجرد فرد من أفراد ليجعله سلطانا في أرضه على عباده". "الخليفة إذن في منزلة ال تضاهيها منزلة إنه ليس بل "آل البيت" إنه الشخص الذي اختاره اهلل من هذا أما الرافد الثاني فهو اقل وضوحا من الرافد األول ولكن مؤشرات وفعاليته فبينة يتمثل هذا الرافد في تأثير الشيعة الزيدية ومن خاللها تأثير المعتزلة فمن هذا الرافد استقت السلطة العباسية مرونته وموقفه من شرعية خالفة "أبي بكر" و"عمر بن الخطاب" ومسألة جواز إمامة المفضول مع وجود األفضل" وهو موقف يتماهى من جهة مع الشرعية العباسية كونها شرعية آتية من االنتساب إلى النبي صلى اهلل عليه وسلم ومن جهة أخرى إمكانية النطق بإسم األمة والجماعة سواء كانوا سنة أو شيعة هذه الواقعية والمعقولية التي وال شك أن بسمة المعتزلة فيها واضحة من حيث أن واصل بن عطاء رأس المعتزلة )4( "قد تلمذ له زيد بن على وأخذ األصول عنه فلذلك صارت الزيديةكلها معتزلة" ثم ال يجب أن ننسى صلة ابي جعفر المنصور بشيوخ المعتزلة تحديد "عمر بن عبيدة" )ت 144 ه( "الذي تولى القيادة السياسية والفكرية لتيار المعتزلة... وكان ذلك التيار قد اجتذب إلى صفوفه أنصارا الطربي تاريخ األمم وامللوك بريوت دار الكتب العلمية 2933 ج 2 ص 277. أمحد أمني ضحى اإلسالم ج 7 ص 292. حممد عابد اجلابري العقل السياسي الغريب ص )4( الشهرستاين امللل والنحل ج 2 ص 22..
243 جددا كثيرين وخاصة من شيعة آل البيت العباسيون وكان ضمن الذين انظموا وتتلمذوا على يد يتولى الخالفة العباسية بل كان يتولى جمع نفقات ويكن له أعظم الود واإلجالل والتوقير"....كما انظم إلى االعتزال أيضا شباب بني هاشم ومنهم "عمر بن عبيد": "أبو جعفر المنصور" "عمرو" قبل أن من المريدين ويظهر الميل الشديد له إن استخدام هذا الرافد كآلية للمرور من حدود الدعوة الشيعية إلى حدود أوسع إلى األمة لتعميم الشرعية أو بعبارة أخرى يضم الضفة األخرى والنطق باسمها ضفة أهل السنة والجماعة التي تكونت مفهوما وواقعا في الشام في المجال الحضاري اآلخر بل واستعمال هذه اآللية في جانبها العقالني المعتزلي في محاربة ميثيولوجيا اإلمامة نفسها فهي كل مراحل تطور السلطة العباسية منذ قيامها وحتى سقوطها كانت تواجه خصما دائما وثابتا الشيعة بجناحيها اإلثنى عشرية واالسماعيلية خاصة وأن الشرعية التي يستندون إليها هي نفس الشرعية التي صدرت عنها الخالفة العباسية دعوة وثورة ثم دولة هذا الحفر في أصل وجدود السلطة العباسية مهم لتفسير طبيعة عالقة هذه السلطة بالمعرفة ومنتجيها..1.2 الخالفة العباسية منطق الدولة: وفرضه منطلق الدولة ما الذي استمر من الدعوة في الدولة وما الذي أستجد سيكون من الالزم اإلتيان على ذكر تلك التحوالت العميقة التي أصابت بنية المجتمع ومن ثم بنية العالقات بين الفئات المكونة له على أن هذا الذكر سيركز على تلك التحوالت التي كان لها تأثير مباشر في عملية إنتاج المعرفة والتحكم في طبيعة العالقة بين الفاعلين في حقل المعرفة والفاعلين في حقل السياسة وإذا كان لنا أن ننتقي تلك التحوالت حسب األولية أولية التأثير في عملية إنتاج المعرفة وطبيعتها فستكون أوال التحول من مجال حضاري آخر فغداة قيام الدولة العباسية كان )*( هناك ثالثة مجاالت حضارية المجال الحضاري الرماني البيزنطي في الشام ومصر المجال الحضاري اإليراني المجال الضاري العربي فاألول يشغل الشام فلسطين ومصر حيث جرى تمازج حضاري بين إثنيات متعددة أخذت فيها الغلبة االثنية العربية شيئا فشيئا وهو مجال تسيطر عليه المسيحية الشرقية مع حضور قوي لمنطق الدولة الرومانية أما الثاني فيشغل جغرافيا شبه الجزيرة العربية مركزه الحجاز حيث مكة والمدينة وهو مجال يشكل منيع ومركز اإلثنية العربية الخالفة مجال تهيمن عليه قداسة المكان المدينة ومكة وتأثير النموذج الثاني المثالي المسمى بدولة حممد عمارة الرتاث يف ضوء العقل بريوت دار الوحدة )ب.ت( ص )*( تعريف اجملال احلضاري هنا يكونه إقليم جغرايف خيضع أو خضع لسيادة سلطة سياسية وبتميز هويته الثقافية من لغة دين عادات وتقاليد...إخل.
244 ب) المدينة العارف في هذا المجال مركزه حول النص ومن ثم اللغة أما المجال الثالث فهو المجال اإليراني الواسع والذي "لم تكن فارس سوى بلد من بلدان اإلقليم اإليراني الكبير فهي مهد العرف الفارسي مركز دياناتهم ومن هناك كانت قد تحدريت الساللتان الكبيرتان األخمينية والساسانية" ورغم انهيار السلطة الساسانية في 212 ه في معركة ومتكررا نظرا للمقاومة الفارسية المؤطرة من قبل 244 "نهاوند" الحاسمة ظل فتح فارس بطيئا وصعبا "المرازبة" وهم مجال غني زراعة مزدهرة صناعة حرفية بموازاة ذلك هو عالم تسيطر عليه المانوية والمزدكة بقيمها ورؤيتها للعالم يضاف إلى ذلك أن هذا المجال هو مجال تركز المدن التي كانت مركزا للنشاط الفلسفي والعلمي المتأثر برياح الغرب رياح الفلسفة والعلم اليونانيين ففي هذا الصدد " يذكر هانريكوربان" مركزين للعمل: األول يتناول ما قام به السريان وهو عمل تم بين شعوب غرب وجنوب اإلمبراطورية الفارسية ومحور هذا العمال كان الفلسفة والطب. الثاني يتعلق بشمال وشرق فارس يغطيه ما يسميه "هنري كوربان" بالتقليد اليوناني الشرقي ونوع أعمال هذا المحور هو العلوم السحرية" "السيمياء" في مرحلة ما مركزا إلدارة توجيه يؤكد Alchemie وقد تطعم هذا المجال بإنشاء مدن عربية خالفة وعلم الفلك والفلسفة وعلوم الطبيعة بما في ذلك "الكوفة والبصرة" اللتين مثلتا ومراقبة هذا المجال ومنطلقا لتطعيم هذا المجال بالعنصر العربي إما في شكل حماالت عسكرية أو هجرات وفي المقابل شكلت هذه المدن مراكز استقطاب لعناصر عربية على رأسها العنصر الفارسي حيث سيشكلون موالي هذه المدن وسيلعبون دورا محوريا في تنشيط الحركة العلمية وأعوانا في التنظيم اإلداري سواء في الدولة األموية أو في الدولة العباسية الحقا "أحمد أمين" هذه الظاهرة نقال عن ولهوس " "Wellhauson "إن أكثر من نصف سكان الكوفة كانوا من الموالي وكان هؤالء الموالي يحتكرون الحرف والصناعة والتجارة وكان أكثرهم فرسا في جنسهم وفي نعتهم" ونظرا التساع هذا المجال وغناه الحضاري واالقتصادي وكشكل من أشكال التكيف من قبل العرب الفاتحين فقد عهدوا إلى االرستقراطية المحلية مهمة تسيير شؤون تلك البالد باالستعانة "بالمرازبة" في جميع الضرائب ومن الطبيعي في وضع كهذا أن تحتفظ هذه األرستقراطية بنصيب من السلطة ولعل أهم تلك الشخصيات العربية التي نجمت أيما نجاح في تسيير شؤون هذا المجال "زياد بن أبيه" الذي بفعل عقالنيته السياسية والتي اقتضت أن يحكمهم "يسيرة أبو هشام جعيط الفتنة ص 227. ساحي أمحد بوحجرة حفور املنطق اليوناين يف العامل اإلسالمي مقاالت فلسفية جامعة مستغامن عدد جوان 2022 ص.33 أمحد أمني فجر اإلسالم مصر شركة الطباعة الفنية املتحدة ط 22.ت( ص 92.
245 شروان" صالح" النموذج الفارسي ثم العربي القديم للعقالنية السياسية لم يتصرف زياد كفاتح بل كراع قد مهد لدخول التأثير الساساني ثقافيا وسياسيا إلى هياكل الدولة والمجتمع العربي "فالخطوات األولى إلدخال التأثير الفارسي على الدولة والمجتمع والحضارة العربية قام بها زياد وذلك على أثر التشبع الذي كان قد تشربه من خالل إقامته" كبيرة فالدولة العربية قد ورثت إمبراطورية فارسية "ضمت فرسا وعربا وأكرادا وأفغانا وتركا وأرمنا وغيرهم باإلضافة إلى تركيبات ترسبت من جيوش الغزاة كاإلغريق وغيرهم وهناك عناصر الحقة من تتار ومغول باألخص وهذا التعدد أدى إلى تفاعالت ومؤثرات متبادلة في مختلف ميادين الحياة". هذه التركيبة لم تكن ستاتيكية فبحكم تحول العامل السياسي من نظام ساساني إلى نظام الخالفة ومن العنصر الفارسي إلى العنصر العربي ومن المجوسية إلى اإلسالم فإن هذه التركيبة ستتطور وتتسع باتجاه التفاعل والتنافس والصراع والعامل الحاصل لكل تلك التحوالت هو العامل الديموغرافي فنحن تقريبا في منتصف القرن الثاني للهجرة ه- حيث بدأ حكم الساللة العباسية وتكون الفتوحات اإلسالمية بالشكل الذي صارت عليه في عهد الخلفاء الراشدين وفي عهد الدولة األموية قد توقفت وقد حدثت أثناءها تحوالت عميقة في حركة السكان من هجرات وامتزاج بين اإلثنيات بفعل عوامل االسترقاق التزاوج... األمر الذي أدى إلى ظهور أجيال جديدة بقيم جديدة هي التي صنعت المالمح الديموغرافية والثقافية للسكانة في القرون التي تلت القرن الثالث الرابع والخامس ومظاهرة الموالي والدور الكبير الذي لعبوه في الحقول االقتصادية الثقافية واإلدارية إلى مظهر من المظاهر الجديدة التي تستحق الدرس والعناية مع العلم أن ظاهرة الغزو والهجرات لم تتوقف األمر الذي سيؤدي حتما إلى اتساع المدن ونموها ونشوء مدن جديدة وقيام سالالت سياسية جديدة واضمحالل أخرى وستكون لخصائص ومالمح السالالت الغازية أو المهاجرة للمجاالت الحضارية تأثيرها في قيام أو اختفاء أنماط من المعارف وسيادة مذهب من المذاهب على حساب المذاهب األخرى وفي األخير إخفاق وسقوط المشروع الحضاري ككل كما سنرى في الفصل األخير الذي يعال مآل ومصير المعرفة والحضارة. المهم أن هذه العناصر المكونة للمجال الحضري الذي نشأت فيه الدولة العباسية وتوسعت منه ومن خالله إلى مجاالت حضارية أخرى قد كان لها تأثيرها في عملية إنتاج لمعرفة من حيث آليات إنتاجها ومن حيث سيادة وهيمنة أنماط معينة من المعرفة "فالعادات الفارسية والرومانية امتزجت هشام جعيط الفتنة ص املرجع ذاته ص 723. إبراهيم حركات اجملتمع اإلسالمي والسلطة يف العصر الوسيط بريوت إفريقيا الشرق 2933 ص 22.
246 بالعادات العربية وقانون الفرس والقانون الروماني امتزاجا باألحكام التي أوضحها القرآن والسنة وحكم الفرس وفلسفة الروم امتوجت بحكم العرب ونمط الحكم الفارسي ونمط الحكم الروماني امتزاجا بالحكم العربي وباإلجمال كل مرافق الحياة والنظم السياسية واالجتماعية والطبائع العقلية تأثرت تأثيرا كبيرا بهذا االمتزاج" وكان البد وكما رأينا في الفصل السابق أن ينشأ حقل معرفي يستوعب هذه الفسيفساء اإلثنية والحضارية فكان األدب بمعناه الذي كان قد حددناه من حيث هو حقل معرفي يمثل إطارا عاما ضاما لكل المعارف والعلوم "وهكذا فإنكانت الفلسفة العربية حتى عصر النهضة أما للعلوم العربية اإلسالمية فهو الحقل الذي تداخلت فيه وبشكل بنيوي كل فروع العلوم العربية اإلسالمية من فقه وأصول ونحو وبالغة وتفسير وحديث ومنظوم ومنثور". كما سيكون الحقل الذي سيهب منه ريح الفلسفة حاملة معها األسئلة الفكرية والمواقف المتفتحة إلى المجال الديني الصرف كما ذهب إلى ذلك "أركون" في تقديس مقام الخليفة: لعل أهم التحوالت التي ميزت الحكم العباسي عن نظيره األموي طابع التقديس الذي حضي به منصب الخليفة فلقد كان الخليفة رمز الراشدين وفي العصر األموي يعتبر مجرد عضو من الخاصة أعني فيما كان يقوم مقامها ففي عهد الخلفاء الراشدين كنا الخليفة واحدا من العامية يعين "بالبيعة" بعد مشاورة... في جوهره عن "وضع" وفي عهد بني أمية كان "وضع" الخليفة ال يختلف شيخ القبيلة يحضى باحترام الناس ولكن دون أن يظهر بمظهر من مظاهر التقديس" في حينكان منزله الخليفة العباسي منزلة مقدسة ومنزهة فهي ليست منزلة تقع على رأس الهرم السياسي للدولة بل منزلة دينية تستمد هيبتها ومكانتها من اهلل فهي تكريس لصورة اإلمام كما أنشأتها وكرستها الدعوة الشيعية كما أسلفنا الذكر يضاف إلى ذلك أن المجال الذي نشأت فيه الدولة العباسية وهو المجال اإليراني الساساني بشكل خاص هو مجال يقدس بالمعنى الديني مكانة الملك لدرجة التأليه هذه المكانة اقتضت من بين ما اقتضته نشوء ايدلوجيا تنظر لهذه المكانة وتبررها لها ثالثة أوجه :وجه تبولوجي )كالمي( وجه فقهي وجه أدبي فطبيعة ونمو هذه السلطة قد أنتج اآلداب السلطانية وفقه السياسة وجليل الكالم كجنس من أجناس األدب وإذا كنا أسهبنا نوعا من اإلسهاب في الفعل الثالث في أنواع الخطابات التي تكونت يبقى أن نضيف إلى ذلك اإلشارة إلى ظاهرة األلقاب التي كان الخلفاء العباسيون يتلقبون بها كدال يستبطن مدلوالت سياسية تتم عن نمط أمحد أمني فجر اإلسالم ص ساحي أمحد بوحجرة تارخيية املنطق العريب اإلسالمي مذكرة ماجستري يف الفلسفة جامعة وهران 2999 ص 22. حممد عابد اجلابري العقل السياسي الغريب ص 772.
247 العالقة بين السياسي والدين في هذه الدولة فكل خلفاء بني العباس ياإلضافة إلى أسمائهم األصلية يتلقبون بألقاب مضافة إلى أسمائهم فلو أخذنا مثال ألقاب الخلفاء الذين مروا على الخالفة في العهد البويهي على التوالي "المستكفي باهلل" "المطيع هلل "الطائع هلل" "القادر باهلل" "القادر باهلل" "القائم بأمر اهلل" يقابلها ألقاب سالطين بني بويه المرتبطة بسلطة الدولة "فعندما دخل "أحمد بن بويه" بغداد في جمادي األولى سنة 334 هكان "المستكفي باهلل" هو الخليفة العباسي ولم يكن أمامه إال أن يظهر الترحيب به بل زاد على ذلك فخلع عليه الخلع ولقبه الدولة" وأخاه الحسن "معز الدولة" كما لقب أخاه "عليا" "عماد "ركز الدولة" وأمر أن تضرب ألقابهم وكنا هم على الدنانير والدراهم" فاأللقاب التي للسالطين الفعليين سواء كانوا بويهيين أم سالبقة مرتبطة مباشرة بالسلطة الفعلية للدولة من قبيل "ركز الدولة "عماد الدولة" "معز الدولة" "ناصر الدولة"... أما ألقاب الخلفاء فظلت مرتبطة باسم الجاللة أو أحد صفاته في حين اقترنت ألقاب السالطين الفعليين أصحاب التغلب والشوكة بالدولة كمؤسسة مبنية على القوة فهناك ثابت يخص الخلفاء هو االقتران بلفظ الجاللة وصفاته وثابت يخص سالطين اإلستالء كما سماهم "الماوردي" االقتران بالدولة كقوة وتغلب هناك رمزية دينية وهنا سياسة واقعية قوة السلطان "وليس من المبالغة إذا لحظنا أن مفهوم "الدولة" في هذه األلقاب التي خلعها الخلفاء أنفسهم على أمراء التغلب مرتبطا بالمعنى األصلي للمصطلح والذي ينتهي إلى معنى القوة والشوكة والقهر أكثر مما هو مفهوم مرتبط بمعنى األمة أو الجماعة أو ما شابهها من معاني الوحدة والنظام والتدبير ولعل خلو ألقاب الخلفاء من مفهوم الدولة ربما كان يعكس انحسار نفوذهم وضعف حيلتهم تجاه أولئك السالطين"... وقد أرجع ابن خلدون هذه الظاهرة إلى مقتضيات تطور الحضارة انسجاما مع تحليله وتفسيره لتطور العمران البشري وانتقاله من مرحلة العداوة إلى مرحلة الحضارة وما يصحب ذلك من ظواهر فهذه األلقاب إنما هي حجاب ألسمائهم األعالم خوفا من استهانها وابتذالها من قبل العامة والسوقة "ما ستحدث ذلك بنو العباس حجابا ألسمائهم األعالم عن امتهانها في ألسنة السوقة وصونا لها عن االبتذال فتلقبوا بالسفاح والمنصور والمهدي والهادي والرشيد إلى آخر الدولة" وهناك من أرجع ذلك إلى تراجع سلطة الخليفة في مقابل تزايد سلطة السالطين الماسكين بزمام السلطة سواء في عهد النفوذ التركي أو البوسهي أو السلجوقي حيث "أن جل ألقاب "الخلفاء" ترمز إلى ضعف سلطة أصحابها وذلك مقابل ما تعكسه حممد قباين الدولة العباسية من امليالد إىل السقوط اجلزائر دار األصالة 2009 ص 32. عبد اجمليد الصغري املعرفة والسلطة يف التجربة اإلسالمية القاهرة رؤية للنشر والتوزيع 2020 ص 22. ابن خلدون املقدمة بريوت دار الفكر )ب.ت( ص
248 ألقاب "السالطين" والملوك وأمراء التغلب من واسع النفوذ وعنف القوة التي يتمتعون بها". إن اتخاذ األلقاب له رمزيته السياسية الدالة على المكانة والدور والدالة كذلك على طبيعة النظام السياسي وهي ظاهرة ال شك أن لها عالقة بالتطور الحضاري كما ذهب إلى ذلك ابن خلدون فمن خليفة رسول اهلل صلى اهلل عليه وسلم إلى أمير المؤمنين إلى األلقاب التي تسمى بها العباسيون والفاطميون وفي فترة متأخرة من الحكم األموي في األندلس وملوك الطوائف ولكن هذا التفسير ال يغطي كل جوانب الحقيقة التاريخية فلو كان األمر كذلك لخضع خلفاء بني أمية في األندلس لمنطق * التطور الحضاري ونحن نعلم أن األندلس في تلك الفترة كانت قد وصلت إلى مستوى عال من تفشي الحضارة ورغد العيش أما عن التعليل الذي يذهب إلى القول بضعف سلطة الخليفة فهو تعليل لم يوضع في سياقه حيث أن ظاهرة األلقاب هذه كانت حتى في أقوى مراحل السلطة العباسية وعند بدأت سلطة الخليفة تتراجع بداية من الخليفة المتوكل حيث أصبحت الخالفة مجرد رسم في عهد البويهيين والسالجقة ولكن السؤال الذي لم يطرح أية سلطة فقدها الخليفة وبأية سلطة بقيت له كل المؤشرات تدل على أنه قد حدث تطور في النظام السياسي باتجاه حدوث تمايز بين السلطتين الدينية والدنيوية أو على األقل حدوث عملية إعادة توزيع للسلطة بتحديد الصالحيات التي بقيت للخليفة والصالحيات التي بقيت للخليفة وبالصالحيات التي استولى عليها أصحاب السلطان بالقوة والتغلب هذا التمايز أو إعادة توزيع السلطة يفسر تقريبا كل شيء يما في ذلك إنتاج المعرفة توزيعها وتصنيفها وكذا تقديرها من ذلك مثال وكما أشرنا سابقا يبدو كأن العلماء وسلطتهم المعرفية ظلت مرتبطة بمقام وسلطة الخليفة وهذا ما سيتأكد مع الغزالي فيكتابه المعروف ب "المنتظرهري". والمهمة العاجلة اآلن هي عرض هذا التمايز بين سلطة دينية ذات صبغة رمزية بحتة وسلطة سياسية ذات صبغة واقعية وبرغماتية لقد أسهبنا في بداية هذا الفصل ونحن نتكلم عن الدعوة والثروة العباسيتين في عملية تشرب الدعوة ومن ثم منصب اإلمام فالخليفة فيما بعد بميثولوجيا اإلمامة فالدعاة والثوار كانوا يتمثلون اإلمام ثم الخليفة كما أكملت صورته وبناؤه اإليديولوجيا اإلمامية لذا وكما رأينا أصبح منصب الخليفة ذو صبغة دينية ورمزية مغرقة في القداسة وكل ما عرضناه من خطب خلفاء بني العباس وكذا األدبيات التي نشأت في المحيط السياسي سواء كانت تلك األدبيات نثر أم نظاما وحتى الخطاب الفقهي يؤكد هذه الحقيقة على أنه العصر العباسي األول كان الخليفة يجمع الرمزية الدينية لمقام الخليفة وما يقتضيه ذلك المنصب من تدبير سياسي وقد بدأ واضحا أن الخالفة عبد اجمليد العفري املعرفة والسلطة يف التجربة اإلسالمية ص * املعلوم أن حكام بني أمية يف األندلس ظلوا يتفظون بألقاب األمري إىل فرتة متأخرة.
249 منذ "المتوكل" بدأت تفقد سلطتها السياسية والدنيوية إلى أن فقدتها تماما ولكن بقي جانب من سلطة الخليفة لم تستطع القوة السياسية إتالفه أو النيل منه بل لم تستطيع حتى األحداث الدرامية التي عصفت بتاريخ المسلمين زحزحة المكانة الرمزية للخالفة متخيلهم وحتى هذه اللحظة مزال هذا الرمز يغذي أمالنا وأحالمنا في إقامة خالفة إسالمية ويغذي النشاط السياسي والحركي لألحزاب والحركات المنطوية تحت عنوان اإلسالم السياسي فصورة الخليفة اإلمام كرمز جامع لجماعة المؤمنين بقيت حاضرة بكل ثقلها ولم تنته واقعيا وتاريخيا إال بسقوط بغداد سنة الخالفة كآلية من آليات السلطة تم إعادة بعثها أو لنقل اصطناعها من قبل القاهرة ونظرا كذلك " 656 ه ونظرا ألهميتها أي رمزية الطاهر بيبرس" ألهميتها تثبتت جماهير األمة اإلسالمية في فترة من تاريخها بأهداب وفي "الخالفة العثمانية" رغم طابعها السلطاني ورغم عدم قرشية سالطينها وكان إلغاؤها من قبل مصطفى أتاتورك" فعال صارما لمشاعر وأحالم المسلمين المهم ان تلك الصورة والقوة الرمزية التي صنعت أثناء الدعوة والثورة والتي غذتها اآلثار واألخيار المؤسطرة عن تاريخ مثالي ونموذجي لسلوك األمة والخلفاء األوائل أبو بكر وعمر وخاصة علي بقيت تصنع قوة الخليفة رغم ضعفه السياسي والعسكري وقد وعى سالطين االستيالء ذلك لم يستطيعوا إزاحة الخالفة نعم كانوا يقتلون هذا ويعزلون اآلخر إال أن الخالفة كمنصب كمكانة ودور مرسخين في ضميره وعي ومخيال األمة كان ضروري لشرعية المنصب السياسي وضروري الستمرار األمة في العصر الوسيط عصر اإلمبراطوريات حيث استمر الدعاء للخليفة في المساجد وسلطته طالت في أغلب األحيان مباشرة على القضاء وصالحية األلقاب وطقوس تنصيب السلطان ناهيك عن رمزية ما يسمى برسوم الخالفة ضرب اسم الخليفة على النفوذ األعالم والبنود ليس السواء ليس البردة النبوية والتمنطق بذي الفقار صلى اهلل عليه وسلم- سيف الرسول والخاتم والقضيب على أن أهم مؤشر في نفاذ هذه السلطة الرمزية هو أن هؤالء السالطين ومع ما يملكون من قوة كانوا يلتمسون ألقابهم من الخليفة كما كانوا يلتمسون تفويض مباشرة تسيير الدولة من الخليفة إذ الخليفة. وكان يدفع له من أجلها الشيء الكثير وكان ذلك أكبر أبوابه "لم تكن ثمة قيمة حقيقية إال لأللقاب التي يمنحها دخله في أواخر القرن الرابع هجري كما أن البويهيين لما دخلوا بغداد وهم شيعة لم يستطيعون إلغاء الخالفة العباسية "فقد فكر معز الدولة بعد دخوله بغداد وسيطرته على مقاليد األمور فيها في إلغاء الخالفة العباسية وإقامة خالفة أدم مينز احلضارة اإلسالمية يف القرن الرابع هجري تونس واجلزائر الدار التونسية للنشر واملؤسسة الوطنية للكتاب ج ص
250 شيعية على أنقاضها وتنصيب أحد زعماء الشيعة الزيدية- 250 أبا الحسين محمد بن يحيى الزيدي" ولكن لم يمضي في تفكيره إلى حد التنفيذ نظرا لقوة وهالة السلطة الرمزية التي قيام الخليفة ثم أن تنصيب خليفة شيعي لن يترك لهم شرعية ومبرر التصرف في مقاليد الدولة وهكذا كان يمثل الخليفة مذهب أهل السنة والجماعة بينما مذهب الدولة كان شيعيا فلم تستطع السلطة السياسية إزاحة الخليفة السني وال الخالفة السنية تغيير أو منع المذهب الشيعي وهكذا كان هناك ترتيب في العالقة بين السياسي والديني بمقتضاه حدث التعايش والتوازن بين السلطتين وبتأثير هذه الحالة أو الوضعية )التمايز بين السلطة الدينية والسلطة السياسية( والتي يمكن نعتها بالعلمانية الجنينية حيث حيث ساد العهد البويهي شيء من االستقرار السياسي من حين مدة بقاء الخلفاء لم يتوال على منصب الخليفة في مدة قرن تقريبا إال أربعة خلفاء ولم يتدخل البوهيون في تنصيب أو عزل الخلفاء إال مرتين وفي هذه األثناء وباعتبار الخليفة حارسا للدين كان يتدخل بشكل مباشر في فض النزاعات المذهبية وترجيح كفة هذا المذهب على حساب مذهب آخر االنتصار للمذاهب السنية على حساب المذهب الشيعي في الحرب األهلية التي كانت تدور رحاها بين أحبار السنة والشيعة في بغداد ومن المفارقات أنه في ظل الدولة البوهية التي هي شيعية زيدية ونحن نعلم تلك القرابة الوطيدة بين هذا المذهب والمعتزلة أصدر الخليفة القادر باهلل اعتقاده القادري الذي بموجبه رسم االعتقاد السني وحرم القول يفيده خلق القرآن واستحالل دم المعتزلة وهو إجراء يمثل ضربا للبوهيين بطريقة غير مباشرة لقد ظل شخص الخليفة حاضرا لما له من قداسة ورمزية حتى بعد ذهاب سلطته السياسية والتنفيذية إي باعتباره "حارسا للدنيا" من تفويضه تستمد الشرعية لدرجة أن ابن خلدون أشار عن طرف خفي إلى بقاء قدسية هذا المنصب وكأنه مقام ولي صالح تستمد منه البركة يقول: "ثم ذهب رسم الخالفة واثرها بذهاب عصبية العرب وفناء جيلهم بتالشي أحوالهم وبقي األمر ملكا بحتا كما كان الشأن في ملوك العجم بالمشرق يدينون بطاعة الخليفة تبركا والملك بجميع ألقابه ومناحيه لهم وليس للخليفة من شيء" وقد عبر "أدم ميتز" )4( "على أن شبحا لسيادة الخليفة ظل وهما ماثال في األذهان" على هذا الوضع أي ذهاب السلطة السياسية للخليفة وبقاءه كرمز ومن جهته وعى هذا قيمته "الشبح" الرمزية والتي كان يهدد باستعمالها حيث يلجأ إلى سالح مغرق في الرمزية إنه سالح غلق المساجد وتعطيل صالة الجمعة وتعليق الخطبة باسم الخليفة والسلطان والخروج من بغداد لتبقى األمة بدون حممد سهيل طقوس تاريخ الدولة العباسية بريوت دار النفائس ط ص 222. فقد عمر مثال يف اخلالفة املطيع 29 سنة والطائع 23 سنة والقادر 22 سنة. ابن خلدون املقدمة ص 202. )4( أدم ميتز اخلالفة اإلسالمية يف القرن الرابع هجري ج 2 ص 20.
251 خليفة. إذن ضعف سياسي تقابلها قوة رمزية األمر الذي يفسر التطور الحاصل في العالقة بين السياسي والديني كإنعكاس التطور حصل في المجتمع والدولة كان من الممكن أن يفضي إليه هذا التطور إلى ما أخضت إليه العالقة بين الدولة والكنيسة في الغرب إذ "نالحظ تشابها يستلفت النظر بين الخليفة والبابا وذلك أن الخليفة في هذا العصر صار رئيسا روحيا فقط ليس له سلطة سياسية وصار الرئيس الروحي لجميع المسلمين وكان تقلص سلطانه على العراق حتى لم يبق له إال بغداد ينازعه عليها المنازعون مما أسرع في جعل منصب الخليفة روحيا دينيا" فالترتيب الذي حدث بين الديني والدنيوي على مستوى السلطة هو ما يفسر في اعتقادنا ظاهرة األلقاب. لقد غيرت الدولة العباسية المجال الحضاري وهو ليس تغييرا جغرافيا فحسب بل تغييرا أثانينا وثقافيا مما سيطبع النظام السياسي بطابع خاص يستمد مالمحه من خصوصيات هذا المجال وقد رأينا كيف أن هذا المجال الحضاري بخصوصياته الدينية ذات الطابع العنوحي وبخصوصياته اإلدارية والسياسية الموروثة عن اإلمبراطورية الفارسية قد اثر بشكل مباشر في إنتاج المعرفة وإضفاء طابع التقديس على مقام الخليفة وبقي اآلن أن نشير إلى تغيير هام سيتضافر مع تغيرات أخرى في صنع خصوصيات النظام السياسي أنه سياسة بني العباس تجاه الفآت غير العربية الموالي وكل الفآت األخرى التيكانت مستبعدة من قبل األمويين "لقد شاركت في الثورة العباسية جميع القوى االجتماعية التي كانت لها مصلحة في التغيير : عرب موال زعماء قبائل عربية دهاقين الفرس فالحون حرفيون تجار ضعفاء الناس أغنياؤهم...إلخ والتحمت مع هذه القوى كل اإليديولوجيات المعارضة: ميثولوجيا اإلمامة )العلوية والعباسية( حركة التنوير فقهاء...إلخ هذه الكتلة التاريخية سيعاد ترتيب مكوناتها بما يقتضيه منطق الدولة حسب ميزان القوة الذي يمثله كل مكون مع العلم أن ميزان القوة هذا لم يبق على حاله إذ كان يتغير من فترة ألخرى ومع تغيره كان شكل الدولة ونظامها االقتصادي والسياسي واالجتماعي يتغير وباإلجمال أعادت الدولة االعتبار للموالي من الفرس خاصة هؤالء الذين قوي نفوذهم خاصة في العصر العباسي األول ليأتي بعد ذلك نفوذ العنصر التركي فالديلم ثم السالجقة األتراك وعلى المستوى االقتصادي وفي العصر العباسي األول وباإلضافة إلى اشتراك الجند من الموالي في الفيء والعطاء ثم إسقاط الجزية عن من اسلم من العجم ومعاملة أراضيهم على أنها أراضي عشر وهذا يعني إعفاؤهم من ضريبة الخراج األمر الذي أدى إلى حدوث تغير في التراتب االجتماعي صعود فآت وهبوط أخرى وشكل هؤالء الموالي فئة اقتصادية وثقافية نشيطة في قطاع 251 املرجع ذاته ص 229. اجلابري العقل السياسي العريب ص 270.
252 الزراعة والصناعة الحرفية والتجارة وأعمال اإلدارة وسنرى أنه مع تغير الوضع اإلقتصادي لهذه الفآت نتيجة تغير سياسة الدولة المالية قد أدى ذلك إلى تراجع خضاري ويبقى األهم من هذا إضفاء الطابع العسكري على الدولة أو بلغة أخرى عسكرة الدولة بداية من عهد الخليفة كرد "المعتصم" فعل على تنامي النفوذ الفارسي في مجال اإلدارة والسياسة والنفوذ الخرساني في المجال العسكري حيث تم اإلكثار من العنصر التركي ثم العنصر الديلمي وهم فرس الشمال الذين لم تمسهم الحضارة فبقوا على بداوتهم المتسمة بالعصبية والخشونة والطابع العسكري ثم أتوا السالجقة األتراك ذوي العقيدة العسكرية المهم في األمر أن هؤالء الغزاة جاءوا من أطراف الدولة ليصبحوا بالقوة والتغلب سالطين دولة لها باع طويل في الحضارة والتمدن وسنرى في الالحق من هذه الدراسة مفاعيل هذه المتغيرات على بنية الدولة والمجتمع ومن ثم على مصير ومآل الحضارة العربية اإلسالمية في العصر الوسيط. المبحث الثاني: السالجقة العقيدة العسكرية و مشروع "اإلحياء السني": من المفارقات التاريخية أننا نتكلم عن دولة داخل دولة دولة بويهية داخل الدولة العباسية ثم الدولة السلجوقية داخل الدولة العباسية وتفسير هذه المفارقة منوطا دائما بالفصل والتمييز الذي حصل بين منصب الخليفة كمنصب رمزي وروحي ثابت ودائم والمنصب السياسي المرتبط بالدولة كقوة إدارة وتنفيذ من قبل من يسميهم "الماوردي" "أمراء االستيالء" وهو منصب يتغير من عصبية ألخرى تماماكما فسر ذلك ابن خلدون فقد استولى األمراء األتراك منذ عهد "المعتصم" على مقاليد الدولة حتى دخول البوهيين بغداد سنة 334 ه ثم جاء دور أمراء اإلستيالء السالجقة وقبل الوصول إلى هؤالء اآلخرين البد من وقفة سريعة على الدولة البويهية التي عمرت أكثر من قرن من الزمن وكا سنرى مع السالجقة فإن األمر ال يتعلق على اإلطالق "بمجرد انتقال السلطة من أسره حاكمه إلى أخرى ولكنه حدث تاريخي وحضاري هام ألنه نقل السلطة من طبقة اجتماعية إلى أخرى ومن قومية إلى أخرى ومن مذهب ديني إلى آخر" فهذه الدولة وباقتضاب أقوامها الديلم المحترفين للخدمة العسكرية والمسترزقين منها المعتنقين للمذهب الزيدي ظهروا على مسرح التاريخ اإلسالمي في القرن الرابع الهجري وقد استولوا على السلطة ببغداد سنة 343 ه وذلك بدخول أحمد بن بوية الذي منحه الخليفة 343 ه- "المستكفي" لقب "معز الدولة" بغداد وذلك بعد أزيد من 232 ه إلى من قرن من السيطرة العسكرية التركية على مقاليد السلطة هذه العسكرة الجامحة العنيفة للدولة والمجتمع والتي كان من أهم مظاهرها كما أسلفنا القول تراجع السلطة السياسية والتنفيذية للخليفة التوايت مصطفى املثقفون والسلطة يف احلضارة اإلسالمية اجلزائر وبريوت أناب الفرايب ج 2 ط ص
253 العباسي اذ صادروا صالحياته فكانوا يعزلون وينصبون من يشاءون و يقتلون ويسملون عيون الخلفاء فمن بين ثالثة عشرة خليفة لم يمت موتا طبيعيا إال إثنان هما " المكتفي" ت 215 ه و"الراضي" ت 321 ه والبقية قتلوا وفي المقابل تصاعدت قوة ونفوذ قادة الجند لتنشأ ارستقراطية عسكرية طفيلية نمت وتوسعت باالقتطاع واإلستيالء مما شكل ذلك تمهيدا وتأسيسا لإلقطاع العسكري هذا النمو اإلنتاجي سيتبلور مع البويهيين ويصبح مؤسسة مع السالجقة "األمر الذي أدى إلى كبح القوى المنتجة وإعاقة تطورها في ظل ضعف السلطة المركزية حيث استقلت األطراف كإمارات" أضطر الخليفة إلى االعتراف بهم مقابل االعتراف بالسلطة الرمزية للخليفة عليهم ضمن هذه األوضاع برزت إحدى شعوب إيران الشمالية المعروفين باسم الديلم و"هو شعب لم لم يكن له حضور على الركح السياسي قبل القرن الرابع هجري والديلم هم سكان المناطق الجبلية الواقعة بين بحر الخزر شماال ومفازة خرسان وفارس شرقا وأذربيجان غربا وخوزستان والعراق جنوبا" هذا التحديد الجغرافي يمكننا وبسرعة من تحديد مالمح هؤالء األقوام فطبيعة المناخ والتضاريس والبنية القبلية جعلت منهم يحوزون على كل الصفات التي تميز العمران البدوي كما حدده ابن خلدون من خشونة الطبع وقوة العصبية والميل إلى القتال واالرتزاق بالغزو و"الديلم" "الجيل" أو "الجبل" وقبائل المتحالفة والمجاورين لمساكن األتراك ال يختلفون كثيرا عنهم في طباعهم وكما مر معنا فإن حركة االستقالل عن الدولة المركزية وما يقتضي ذلك من حروب جعلت من هؤالء األتراك والديلم مادة مطلوبة وسلعة رائجة كجنود مرتزقة وكان المنعطف الحاسم في تاريخ الديلم هو تعيين على بن بويه واليا على والية صغيرة تسمى "الكرج" والتي شكلت نواة لقيام الدولة البويهية حيث انطلقت منها حمالتهم حتى دخلت قواتهم بغداد سنة 434 ه واعترف الخليفة العباسي المستكفي بسلطتهم و"إذا كانت الدولة الصفارية أول دولة قامت في األطراف من صلب الطبقة العامة فإن الدولة البويهية هي أول دولة في المركز تنتمي الى أصول عامية بعيدا عن األوساط االرستقراطية التقليدية التي كانت في العهود السابقة تحتكر السلطة والصراع حولها" فالبويهيون من حيث التراتب السوسيولوجي من عامة الشعب ومن الناحية المذهبية شيعة زيدية ومن حيث التنظيم دولة قائمة على التنظيم العشائري والقبلي وهي خصائص كان لها الدخل المباشر في طبع النظام السياسي لهذه الدولة بطابع خاص وما يهمنا من تلك الخصائص اآلن الطابع المذهبي لهذه الدولة وتأثيره في سلوكها السياسي فمن المعروف تاريخيا وبداية من النصف الثاني من القرن الثالث للهجرة ونظرا لتضييق الخناق قامت جمموعة من الدول املستقلة اليت اعرتفت با اخلالفة يف بغداد بداية من 253 املرجع السابق ص 22. املرجع ذاته ص 23.
254 على الدعوة الشيعية اضطر الدعاة إلى اللجوء بدعوتهم إلى أطراف الدولة البعيدة عن المركز وهكذا وصلت الدعوة الشيعية الزيدية إلى بالد الديلم حيث أقيمت إمارة شيعية زيدية هناك ولكن الفضل يعود إلى الداعية الشيعي "الحسن األطروش بن علي" في إرساء قواعد المذهب الشيعي الزيدي في الديلم بداية من سنة 341 ه إذ باكتمال نشر المذهب الشيعي اكتملت شروط الخلدونية إلقامة الملك والدولة الدعوة الدينية والعصبية القوية وشظف العيش وقد أدى دخول البويهيين إلى أحداث تغييرات عميقة خاصة من الناحية المذهبية والفكرية اذ ال يجب أن ننسى القرن الرابع الهجري هو قرن البويهيين وهو قرن اإلبداع الحضاري واإلنتاج المعرفي في جميع الحقول اذ شكل هذا القرن ذروة التطور فهو بحق عصر النهضة في اإلسالم كما يصفه عزل "أدم ميتز" وعصر األنسنة العربية كما يذهب إلى ذلك "محمد أركون" وال شك أن هناك عالقة سببية بين عامل التمذهب وعامل إنتاج المعرفة وانتشارها فالمذهب الشيعي الزيدي وكما اشرنا في مناسبات سابقة من هذا البحث تميز بطابع المرونة والعقالنية المتأتية من عالقته باالعتزال األمر الذي طبع سياسة بني بويه بالتسامح الديني والحرية المذهبية فرغم سعيهم الواضح للتمكين للمذاهب الشيعية منها خاصة اتسمت سياستهم بالتعايش السلمي مع الدولة الجارة الدولة السمانية السنية حتى مجيء الغزنويين ثم السالجقة- كما اتسمت سياستهم اتجاه الخليفة السني بالعقالنية الواقعية نعم لقد قلصوا نفوذ الخليفة إلى حد كبير ونالوا حتى من هيبته الدينية والرمزية عندما "معز الدولة البويهي" الخليفة "المستكفي" بشكل عنيف ومهين ولكن هذا األمر قد صار سنة مع األتراك كما أسلفنا الذكر المهم أن البويهيين احتفظوا من نظام الخالفة بالطابع الرمزي والروحي وفوض لهم الخليفة تدبير الشأن السياسي والدنيوي وتحتفظ لنا كتب التاريخ بنص هام ومثير يتمثل في وثيقة تفويض من الخليفة "الطائع" إلى "عماد الدولة" سنة 361 ه جاء فيها: "قد رأيت أن أفوض إليك ما وكل اهلل إلي من أمور الرعية في شرق األرض وغربها وتدبيرها في جميع جهاتها سوى خاصتي واسبابي فتول ذلك مستجيرا باهلل تعالى" زيدية وهذا بموجب قاعدة لقد ابقوا على الخالفة العباسية وهم ال يعترفون بشرعيتها كونهم شيعة "يجوز إمامة المفضول مع وجود األفضل" التي كرسها "زيد بن علي" والتي بموجبها تعترف الشيعة الزيدية بخالفة الشيخين "أبي بكر" و"عمر" وهي قاعدة تالءمت مع أسباب أخرى سياسية ذكرناها جعلت "عماد الدولة أحمد بن بويه" يتراجع عن فكرة عزل الخليفة العباسي وإقامة خالفة شيعية هذه البرغماتية السياسية التي تسوغها المبادئ المذهبية للبويهيين والتي أدت إلى هكذا نوع من أنواع العالقة مع الخليفة السني يجب أن تقرأ على أنها شكل من أشكال العلمانية "وهكذا نجد أن مصادرة صالحيات الخليفة من قبل األمراء العظام منذ حلول عهد ابن الرائق عام 324 ه قد كرس السيوطي تاريخ اخللفاء ص 732 وأدم ميتز احلضارة اإلسالمية يف القرن الرابع اهلجري ج 2 ص
255 علمنة المؤسسات كأمر واقع )بمعنى أن العلمنة قد حصلت عمليا ولكن ليس نظريا أي ال على مستوى الفكر ذاته ولكن هل كانت علمنة الفكر شيئا ممكننا في ذلك العصر ليس بالدرجة التي نعرفها اليوم ولكن أدى ذلك فيما بعد إلى علمنة التأمل الفكري المتعلق بالسلطة السياسية" وهذا يعني عمليا أن الدين في ذلك القرن على األقل لم يعد إال آلية من آليات السلطة تستخدم بشكل برغماتي في تهدئة نفوس وخواطر الجماهير "بل أكثر من ذلك فإنه ليمكننا القول بأن الدين بدل من أن ينمي من أجل الحقيقة التي يمثلها كان يستخدم بكل بساطة كوسيلة للدعاية وكسب الجماهير" وفي مقابل ذلك كان هذا القرن مجاال لتوسيع ونمو جارف لحضارة مادية وجدت تعبيرها في نمو واتساع حقول معرفية جديدة وعودة لمعارف أخرى كانت قد قمعت فقد كان األدب الحقل المعرفي األكثر حضورا وتعبيرا عن هذا النمو الحضاري المادي وسجلت الفلسفة وكل الحركات العقائدية ومعتزلة بعد انحصارها قبل هذا التاريخ نتيجة االنقالب السني في عهد "الفهرست" "البن النديم" ه- المتضايفة مع الفلسفة من شيعة "المتوكل" كما يكفي أن تفحص لنستنتج وبدون عناء التزايد الكبير لتخصصات في كل مختلف العلوم وتزايد أهمية ما كان يسمى بالعلوم الدخيلة ولتخصصات أخرى مرتبطة بفن العيش تعبر من جهة على نمط العيش المادي ومن جهة أخرى على مستوى عالي لنوعية الحياة على األقل لطبقة وفآت اجتماعية معينة من ذلك مثال فن الطبخ آداب المائدة الصيد الرياضة... "ومجرد انتشار هذه العلوم التي ال عالقة لها بالدين يدل على أنها كانت تلبي حاجيات مادية ومدنية متقدمة جدا". في هذا الجو وجدت كل الطوائف الدينية مكانا لها في الحياة االجتماعية العلمية واإلدارية حيث استخدم البويهيون من أهل السنة شخصيات فكرية بارزة في مجال القضاء والسفارات كالياقالني والماوردي في أواخر حياة الدولة البويهية وهذا الوضع ينطبق على أهل الطوائف غير اإلسالمية من مجوس وصابئة ونصارى ويهود حيث استعمل البويهيون في أكثر من مرة النصارى كوزراء وكتاب ومستشارين كما أن البويهيين لم يكونوا يتدخلون بشكل مباشر كما كان يفعل خلفاء بني العباس في الحياة الفكرية والصراع المذهبي باالنتصار لهذا الطرف أو لذاك فلقد كتب كتابه الفرق بين الفرق" "عبد القاهر البغدادي" في عصر البويهيين وهو من هو في التشدد والتعصب لمذهب أهل السنة وفي هذا العهد اصدر الخليفة القادر مرسومه الموسوم ب "االعتقاد القادري" الذي يرسم فيه اعتقاد أهل السنة ويحرم القول بخلق القرآن ويستبيح دم المعتزلة. أركون حممد نزعة األنسنة يف الفكر العريب جيل مسكويه والتوحيدي ص املرجع ذاته ص 772. املرجع ذاته ص 772.
256 بدخول سنة 444 ه يكون سلطان بني بويه قد انتهى وبدأ سلطان السالجقة بدخول " طغرل بك" بغداد مؤذنا بداية سلطة ساللة وعرق جديدين فما هي لتحوالت والثوابت في طبيعة النظام السياسي االقتصادي واالجتماعي التي عرفتها المنطقة بمجيء السالجقة قبل الخوض في اإلجابة عن هذا السؤال من األولى معرفة من هم السالجقة بقول "ابن كثير" : "ثم دخلت سنة اثنتين وثالثين وأربعمائة فيها عظم شأن السلجوقية وارتفع ملكهم "طغر لبك محمد" وأخوه "جعفربيك داود وهما ابنا "ميكائيل بن سلجوق بن بغاق"" وقدكان جدهم "بغاق" هذا من مشايخ الترك القدماء الذي لهم الرأي والمكيدة والمكانة عند ملكهم األعظم ونشأ ولده "سلجوق" نجيبا شهما فقدمه الملك ولقبه "شياسي" فأطاعته الجيوش وانقادت له الناس بحيث تخوف منه الملك وأراد قتله فهرب منه إلى بالد المسلمين فأسلم فازداد عزا وعلوا ثم توفي عن مائة وسبع سنين وخلف "ميكائيل" و"أرسالن" و"موسى" فأما "ميكائيل" الكفار من األتراك حتى قتل شهيدا وخلف ولديه "طغرل بك محمد" و"جعفر بك بك داود. اليوم: فإنه اعتنى بقتال فعظم شأنهما في بني عمهما واجتمع عليهما الترك من المؤمنين وهم ترك اإليمان الذين يقال لهم تركمان وهم السالجقة بني جدهم هذا ففتحوا بالد خرسان بكاملها بعد موت "ابن سبكتكين"... واستكمل لهم ملك خرسان بأسرها". يشير ابنكثير إلى سنة 432 هكسنة فارقة في تاريخ السالجقة وهي السنة التي اعترف بها الخليفة العباسي "القائم باهلل" عليها تحديدا كل إقليم خرسان وبالد فارس متغلبين على بالسلطة السلجوقية على المناطق التي استولوا "الغزنويين" التاريخي إلى أصل العائلة السلجوقية من حيث انتهائها إلى القبائل التركية "فنق" قبيلة و"البويهيين" كما يشير النص "حيث ينحدر السالجقة من التركمانية وتمثل مع ثالث وعشرين قبيلة أخرى مجموعة القبائل التركمانية المعروفة ب"الغز" وفي منطقة ما وراء النهر والتي نسميها اليوم "تركستان" والتي تمتد من هضبة منغوليا وشمال الصين شرقا إلى شبه القارة الهندية وفارس جنوبا استوطنت عشائر الغز وقبائلها أو األتراك" الكبرى تلك المناطق وعرفوا بالترك وقد تحركت هذه القبائل من موطنها في شكل هجرات بضغط من عوامل اقتصادية وأمنية حيث استقرت في األراضي المتاخمة لإلمبراطورية اإلسالمية األموية ثم العباسية فهذه الشعوب وعلى غرار البويهيين قبائل بدوية خاضعة لتنظيم عشائري وقبلي وكانت حركتها باتجاه األقاليم والمدن المتحضرة في شكل هجرات وغزوات متتالية وبدخول هذه القبائل اإلسالم أضيفت الدعوة الدينية كعامل إلى العوامل المادية والموضوعية األخرى العصبية القبلية والكفاف االقتصادي. ويمثل عامل المذهب الديني الفارق الجوهري بين السالجقة والبويهيين إذ أن السالجقة مسلمون سنيون ماعدا هذا فهناك ابنكثري البداية والنهاية ختري ج وحتقيق: أمحد جاد القاهرة دار احلديث 2001 ج 23 ص 22. الصاليب علي حممد دولة السالجقة القاهرة دار اجلوزي 2003 ص
257 تماثل بين الساللتين فكليهما قبائل بدوية هاجرت من مواطنها األصلية باتجاه المدن والمناطق الحضرية تقوم حياتها على الغزو واالستيالء إذ أنها شعوب محترفة للقتال واالرتزاق منه وكليهما دخل اإلسالم مع فارق التمذهب. نضيف إلى هذا فارق آخر يتمثل في تاريخ وماضي الساللة البويهية فهذه الساللة ورغم أنها من فرس الشمال أي من عامة الناس إال أنها كونت روابط مع التراث الفارسي الساساني العريق وقدموا أنفسهم بسلوكهم وتنظيماتهم على أنهم ورثة هذا اإلرث الحاملين لرسالة بعثه وإحيائه. بينما األمر ليس كذلك بالنسبة للسالجقة الذين كان عليهم وعن طريق األنتساب لإلسالم السني صنع هوية وتاريخ كانت إحدى ركائزه تقديم أنفسهم كحماة لإلسالم السني ولخالفته ومن هنا يأتي التعاطف والمؤازرة من قبل الجماهير واالنخراط في مشروع ما يسميه "جورج مقدسي" "اإلحياء السني" من قبل العلماء حيث سيكون التي "أبوا حامد الغزالي" واحدا من أركان هذا المشروع وألن الغاية من هذا المبحث ليس العرض التاريخي إال بقدر ما يخدم مبدأنا المنهجي الذي أعلناه آنفا أي رسم اإلطار والشروط التاريخية الكلية حددت أعمال الغزالي والتي تصبح مندمجة ومتضامنة مع هذه الحقيقة االجتماعية والتاريخية الكلية فإنه علينا إكمال خطوط هذا اإلطار بتكثيف نقاط التحوالت التي أحدثوها في بينة النظام السياسي واالجتماعي ومن ثم النظام المعرفي فرغم أنهم مثل البويهيين ذوي نزعة عسكرية إلى أنهم طوروا هذه النزعة لدرجة أنها شكلت هويتهم فغداة دخولهم بغداد لم يجدوا مرتكزا إال حملهم لمشروع "اإلحياء السني" وتراثهم وماضيهمكجنود خدمة الدولة منذ عهد "المعتصم" ومن ذلك الحين تطورت قوتهم ومن ثم طموحاتهم حيث "أن تأثير المصالح القبلية التركية قد نما بدرجة هامة مع استقدام الرقيق التركي إلى جيوش الخالفة المنحلة آنئذ ومع التجنيد الالحق للمرتزقة األتراك إبان عهد الخليفة " المعتصم" وبحلول منتصف القرن الرابع للهجرة كان العنصر التركي قد نما وتحول إلى كتلة رئيسية راحت تهدد سلطة الخليفة العباسي بشكل مباشر" وهذه الظاهرة أي اعتماد األتراك كقوة عسكرية من قبل دول الشرق االسالمية ظلت مستمرة حتى العهد الحديث يثبت "محمد أركون" باالعتماد على أبحاث "كلود كاهين" هذه الحقيقة التاريخية حيث يقول: "ومنذ ذلك الوقت الحديثة العصور أي حتى القرن 11 الجيش التركي وكلها لجأت إليه الواحدة تلوى األخرى" أي استقدام المعتصم لألتراك" وحتى فجر لم يعد ممكنا لدول الشرق اإلسالمية أن تستغني عن خدمات هذه الصفة المتجذرة والمستمرة في تاريخ الساللة التركية قد شكلت صورة التركي أمام ذاته وأمام اآلخرين كرجل عسكري نضيف إلى ذلك تقديم ميتا فاروق الغزايل واإل ساعليون ص.22 تر: أركون حممد نزعة األنسنة يف الفكر العريب ص 293. سيف الدين الفقري لندن/بريوت معهد الدراسات اإل ساعلية ودار الساقي 257
258 أنفسهم كمدافعين ومحيين للتراث السني في مقابل العنصر الفارسي المرتبط بحركة التشيع هذه الطبيعة أو الخاصية أي كعسكر ليس لديهم دراية بالتصريف اإلداري دفعتهم إلى إحياء نظام بيروقراطي باالستعانة بإطارات فارسية يقف على رأس هذا النظام "الوزير السلجوقي ذو الصالحيات الواسعة في إدارة الدولة وهذا كشكل من أشكال تقسيم العمل السياسي واإلداري وهو محاولة إلحياء مكانة ودور الوزارة عندما كان الخليفة يمسك بكل السلطات "فبقدر ما مثل السالجقة استمرارية للسلطة بالشكل الذي أسسه البويهيون إال أنهم مع ذلك كانوا مولدين لتغير راديكالي وتكمن أكثر هذه التغيرات أهمية في تجديد حياة بيروقراطية حكومية ماثلت تلك التي كانت للبالط العباسي في أوج مجده قبل البوهيين" - - وفي هذا السياق يبرز اسم "الحسن بن علي بن اسحاق الطوسي" المعروف بلقب "نظام الملك ت 415- الذي استوزر لثالثة سالطين سالجقة ولمدة ثالثين سنة والذي ستطبع سياسته نظام السياسة السلجوقية بجملة من الخصائص التي تضاف إلى الخاصية السابقة وأهمها: الشروع في تطبيق سياسة إدارية ذات طبيعة إقطاعية بمقتضاها يقتطع ألمير وهو في العادة ذو رتبة عسكرية إقطاعا يشرف على تدبيره مباشرة ليصبح مسؤوال مباشرا أمام الديوان المخصص للجبايات واالقتطاعات ومسألة اإلقطاع واالقتطاع تدشنت مع البويهيين واستمرت مع السالجقة حيث ستصبح نمط إنتاج ومؤسسة كبيرة تديرها الدولة "وهذا الصنف من اإلقطاعية الجبائية الذي عرفه العالم اإلسالمي والهند المغولية لم يعد إذن يلزم المقتطعين باستثمار األراضي ودفع ضريبة العشر للدولة كما هو الحال في إقطاع التمليك بل حول إلى قانون حق الجند في اغتصاب المحصوالت الزراعية وإخضاع المزارعين للضرائب المباشرة" وضبط إدارته وقد عمل "نظام الملك" على ترسيخ هذا النظام بتعميمه هادفا إلى التحكم في جباية األموال وإثرائها والتحكم في أراضي الدولة ووالياتها باإلضافة إلى توطين القبائل السلجوقية بتمليكها األراضي هذه السياسة أدت إلى قيام طبقة األمراء. العقيد العسكرية وسياسة اإلقطاع المرتبطة بها والتي أدت إلى نشوء طبقة األمراء اإلقطاعيين احتاجت إلى قاعدة إيديولوجية ومشروع فكري تمثل في "نظام الملك" "اإلحياء السني" ومن اآلليات التي توسل بها ومن وراءه السالجقة آلية المؤسسات التعليمية المعروفة بالمدارس النظامية وإنشاء هذه الشبكة من المدارس يعتبر تحوال آخر يضاف إلى جملة التحوالت التي لها تأثير مباشر على إعادة توزيع المعرفة وآليتها فرغم أن مسألة تأسيس المدارس كانت قد بدأت قبل مجيء نظام الملك منذ بداية ميتا فاروق الغزايل واإل ساعليون ص محيش سامل الغزايل بني فكر القطعيات وسياسة اإلقطاع الفكر العريب املعاصر بريوت مركز اإلمناء القومي العدد 21/23 سبتمرب /أكتوبر 2933 ص 22.
259 القرن الثالث هجري شبكة المدارس النظامية تأسست بقرار من إال أنها كانت مدارس تتأسس لتدريس أو نشر مذهب فقهي بعينه على أن "نظام الملك" أي أنها نشأت برعاية السلطة السلجوقية ألهداف محددة وقد تم إنشاء هذه المدارس في كل من بغدادا بلخ نيسابور هراة إصفهان البصرة مرو آمل األمر يتعلق بدراسة وتخطيط فهذه المدارس وجدت في العواصم بغداد واصفهان- عاصمة السالجقة في عهد "الب أرسالن" و"ملكشاه"- أما المدن األخرى فهي مدن قد شهدت حركة تشيع كبيرة خاصة في عهد البويهيين كالبصرة ونيسابور وطبرستان وذلك من خالل إنشاء مؤسسات تعليمية ذات صبغة تعليمية ودعائية لصالح التشيع مثل دار الكتب التي أنشأها عماد الدولة في البصرة وأخرى في مدينة "رام هرمز" "أبو علي بن سوار الكاتب" أحد رجال وجعل فيها إجراء على من قصدها ولزم القراءة والنسخ وكان األولى منها شيخ يدرس عليه علم الكالم على مذهب المعتزلة كما أسس وزير أردشير" كذلك اتخذ "بهاء الدولة" ت 416 ه دارا للعمل في الكرخ في عام "الشريف الرضي-ت 446 ه- لطالب العلم وعين لهم جميع ما يحتاجون إليه" عام "سابور بن 313 ه ووقف فيها كتبا كثيرة... الشاعر األمامي المشهور دارا أسماها دار العلم ومنحها فأنشاء هذه الشبكة ما هي إال آلية من آليات اإلحياء السني ومحاولة وقف المد الشيعي بصفة عامة والتهديد الجدي لإلسماعلية بصفة خاصة نقول هذا ونحن نعرف أن الفاطميين وباإلضافة إلى النشاط الدعائي الفعال والمتغلغل في كل مكان بما في ذلك حتى بغداد عقر دار الخالفة قد أسسوا مؤسسات تعليمية وتربوية لتخريج الدعاة الفقهاء والقضاة أي تخريج جيش متسلح باإليديولوجيا الباطنية وكان أهم تلك المؤسسات األزهر الذي أنشأ الموقف 351 ه ودار الحكمة في عام "شاهرين نفس السالح الذي شهرته 315 ه فكان على السالجقة أمام هذا الوضع أن يواجهوا هذا أي الدعوة الشيعية- فأخذوا ينشئون المدارس والمعاهد التي شاركهم الجمهور في إقامتها ويجلبون العلماء والحكماء ويسخون في اإلنفاق عليهم من خالل تلك الثورة الثقافية التي عرفها المشرق اإلسالمي على يد نظام الملك والمتمثلة في المدارس النظامية" يتعلق األمر إذن باستراتيجية تهدف غلى تكوين إطارات علمية في مجال الفقه الشافعي املصادر تذكر أن أول مدرسة تأسست كانت يف خباري على يد أيب حفص البخاري ت 223 ه ويف نتسيابور أنشأ أبو حامت حممد بن حيان التميمي الشافعي مدرسة ت 722 -وتأسست يف دمشق املدرسة الصادرية نسبة غلى "صادر بن عبد اهلل -بطبرستان- الموصل والمالحظة السريعة على هذا التوزيع الجغرافي يجعلنا نستنتج أن يف سنة 792 ه فاملدرسة الرشائية نسبة غلى رشأ بن نضيف فاملدرسة البيهقية بنيسابور أمحد رسته أيب بكر البسيت ه مث مدرسة اإلمام أيب حنيفة واليت أسسها أبو سعد بن املستويف واليت عاصرت فتح نظامية بغددا. الصاليب علي حممد دولة السالجقة ص 211. البخاري محانة التعلم عند الغزايل اجلزائر املؤسسة الوطنية للكتاب ط ص
260 ت وعلم الكالم لألشعري لمواجهة المد الشيعي الباطني االسماعيلي وكما سيأتي سيكون الوجود الفاطمي المثير الذي يفسر الكثير من ردود األفعال واالستجابات سواء من قبل السلطة السلجوقية أو من قبل مثقفيها العضويين كأبي حامد الغزالي فالنظاميات كوقف شروطا كأن أهمها أن وأصول الفقه معا" وضع له "نظام الملك" صك وقف يتضمن "تؤلف النظامية وقفا لمنفعة أعضاء المذهب الشافعي الذين هم شافعية في الفقه في وقت أصبح فيه علم أصول الفقه نظرية قانونية ونظام من الشريعة وفي وقت أصبح فيه كذلك علم الكالم األشعري ثبولوجيا الدولة الرسمية فبعدما كان هذا المذهب في القرن الرابع الهجري وحتى لزمن ليس بالقليل من القرن الخامس للهجرة مذهبا كالميا غير منتشر ومحل مطاعن ومآخذ بل واضطهاد أصبح منتشرا في أرجاء الدولة السلجوقية ويبدو أن "نظام الملك" وبداية من عهد السلطان "ألب أرسالن" عمل على نشر المذهب األشعري لمواجهة االعتزال ذي الصلة العضوية والقرابة المعرفية بالتشيع وقد كان كبار األساتذة الذين تولوا مهمة التدريس في هذه الشبكة التعليمية من شيوخ األشاعرة ومن المعروف أن أغلب فقهاء الشافعية في هذه الفترة كانوا أشعريين نحن إذن أمام مشروع يهدف غلى اإلحياء السني" من خالل التعليم القائم على المذهب الشافعي في التشريع والمذهب األشعري في العقائد وهذا المشروع تطلب توظيف الوقف كمؤسسة لتمويله وكذا توظيف أو لنقل تجنيد ألمع العلماء وأكثرهم صيتا خاصة في المذهب الشافعي وهذا ما سمح بتكوين طبقة أو على األقل فئة من العلماء كمثقفين عضويين منافحين عن السلطة السلجوقية ومقاصدها والتي من أهمها "إعادة توكيد مثل اإلسالم السني وتغليبها على المد المتصاعد للشيعة وعبر هذا التوكيد عن نفسه بطرق متنوعة لعل أبرز مظاهرها كان استغالل طبقة العلماء السنة" وفي نفس االتجاه ولذات الغرض كان نظام الملك قد عمل على تحويل التصوف من موقف فردي وذاتي إلى مؤسسة دينية واجتماعية ودمجها في المنظومة السنية وذلك من خالل الرعاية المباشرة للتكايا والربط بوقف األموال عليها من أجل أداء مهام سياسية تتمثل في تأطير الجماهير اذ "أبي سعيد بن ابي الخير" 444 ه انخرط في هذه العملية متصوفون مشهورون على غرار "وبعبارة قصيرة قاد أبو سعيد حركة صوفية واسعة النطاق في إقليم خرسان وعموما على عهد السالجقة الذين فسحوا المجال للمتصوفة ليعملوا كحزب منظم مهمته "تأطير الجماهير" روحيا وبالتالي سياسيا" وقد كان نظام الملك على وعي تام بأهمية هذه المساهمة من قبل الصوفية في التعبئة الروحية والنفسية لدرجة اعتبار الصوفية جيش فقد عقب "نظام الملك" على ميتا فاروق الغزايل واال ساعليون ص 70. اجلابري حممد عابد تكوين العقل العريب ص املرجع ذاته ص 230.
261 تحفظ سلطانه من نفقات نظام الملك السخية على المتصوفة بقوله "إني أقمت جيشا يسمى جيش الليل إذا قامت جيوشك ليال قامت جيوش الليل على أقدامها صفوفا بين يدي ربهم فأرسلوا دموعهم وأطلقوا ألسنتهم ومد وا إلى اهلل أكفهم بالدعاء لك ولجيوشك... فأنت وجيوشك في حضرتهم تعيشون وبدعائهم تبيتون وببركاتهم تمطرون وترزقون" وهو الجيش الذي سينخرط فيه الغزالي في أواخر حياته بعد أن ناضل من قبل في جيش العلماء. وقبل أن نغلق باب التحوالت التي أحدثها السالجقة هناك تحول يتعلق بآليات إنتاج المعرفة تطويرها وتسويقها يتعلق األمر بتحول تلك اآلليات من آليات متفتحة متعددة ومتنوعة في اإلشكاليات وفي الحقول المعرفية وفي فئات العلماء المنشطين لها آلية المناظرات الحرة التي كانت تعقد في شكل مجالس "إمتاع ومؤانسة" في قصور الوزراء والطبقات المسيرة قلت تحولت إلى مؤسسات تعليمية الى دروس مقررة من حيث معارفها ومن حث نوعية المستفيدين منها ومن حيث األساتذة المنشطين لها ومن حيث أهدافها مع السالجقة بدأ عصر الغلق واالستبعاد وذلك بتقرير مذهب بعينه على أنه يمثل الطريقة المثلى والمستقيمة المتطابقة مع حقيقة الدين اذ أن المدارس النظامية وكما مر معنا وكما سيأتي تفصيله في حينه كانت وقفا لتعليم ونشر الفقه الشافعي وعقائد األشعرية. هل بعد هذه الرحلة وصلنا إلى محطتنا الموعودة محطة الغزالي وهل بعد هذه الرحلة اكتمل رسم اإلطار الذي نشط فيه ومن خالله أبو حامد الغزالي مهما كانت اإلجابة عن هذا السؤال األخير البد أن نركز مكونات هذا اإلطار في المحددات التالية: قامت الدولة العباسية في المجال الحضري اإليراني وقد تضافرت طبيعة هذا المجال مع الدعوة العباسية والتي في جوهرها دعوة إمامية حيث استمرت صورة اإلمام كما مارستها الدعوة الشيعية في شخص الخليفة العباسي وفي مكانه ومقام الخالفة كمقام مقدس له سلطته الرمزية والسياسية والدنيوية هذه األخيرة وبداية من الخليفة المتوكل سيستولي عليها أمراء االستيالء األتراك فالبويهيون ثم السالجقة األتراك مع استمرار وحضور السلطة الرمزية للخليفة. الدنيوية. تراجع السلطة السياسية والدنيوية للخليفة أدت إلى توزيع وتمايز بين السلطة الدينية والسلطة أمراء االستيالء هؤالء المنحدرين من أطراف الدولة ذوي عقيدة عسكرية غازية سرعت في نشوء اإلقطاع كمؤسسة وكنمط إنتاج االنتساب المذهبي واالثني لهذه السالالت الغازية سيؤثر بشكل مباشر على بينة الدولة والمجتمع ومن ثم في بنية المعرفة فالبويهيون فرس شيعة انتسابهم لإلرث الحضاري الطرطوشي سراج امللك خمطوطة نقال عن حممد عابد اجلابري تكوين العقل العريب ص
262 الفارسي وللمذهب الشيعي الزيدي باإلضافة إلى ال مركزية السلطة البويهية )سلطة بويهية متعددة متنافسة( أتاحت هذه الشروط نشوء فضاء من الحرية الفكرية مكنت كل مذهب من التعبير عن وجوده والدخول في منافسة وصراع مع المذاهب األخرى ثم إن نمط العالقة بين سلطة أمراء بن بويه كسلطة دنيوية وسلطة الخليفة كسلطة رمزية ودينية أدت إلى تنافس بين العلوم الموصوفة بالعلوم األصيلة والتي في جوهرها علوم دينية والعلوم الموصوفة بالعلوم الدخلية. ناهيك عن قيام ونشوء معارف وعلوم ذات طبيعة مادية دنيوية حث شكل القرن الرابع الهجري "مشتلة" كبيرة تضم عددا هائال من المذاهب والفرق الدينية و السياسة المتنافسة وتضم كذلك عددا هائال من المعارف سواء ذات طبيعة دينية أو دنيوية وكان منشطوا هذه الحركية أي العلماء واألدباء الفالسفة و المتصوفة متعددي الملل والنحل واإلثنيات ويمثلون طبقات وفئات اجتماعية متنوعة األمر الذي ولد "إنسية عقالنية جنينية" لقد كانت المنافسة والصراع مفتوحا بين هذه القوى الفكرية على كل اإلمكانيات ولم يكتب لقوة أو خط بعينه السيطرة والهيمنة إال بعد التحول في النظام السياسي ومن ثم األطر االجتماعية للمعرفة فباستيالء السالجقة على السلطة وهم ذوي نزعة عسكرية كما مر معنا والحاملين لمشروع " اإلحياء السني" تم حسم التنافس لصالح المذهب الشافعي تشريعا واألشعري عقائديا و ذلك بقرار سياسي تم بموجبه االقتصار على تعليم و نشر هذين المذهبين من خالل مؤسسات التعليم ومن خالل وظاف القضاء باإلضافة الى مأسسة التصوف ودمجه في المنظومة السنية. وبازدياد التهديد الباطني ثم التهديد الخارجي ا لحمالت ا لصليبية والمغولية تحولت الشروط التاريخية واألطر االجتماعية للمعرفة لصالح االنغالق والفكر المدرسي ثم االنخراط فيما يدعوه "محمد أركون" إيديولوجيا الكفاح. في هذه الشروط وضمن هذه األطر االجتماعية والتاريخية سيتكون الغزالي كمتخرج من نظامية نيسابور ثم أستاذا في نظامية بغداد ثم كمتصوف ذلكم هو اإلطار الذي حدد فكر الغزالي فكان فكره بدوره إطارا ضاما ألربعة أضلع فقه كالم فلسفة تصوف إطار مضطرب مثبت على جدار القرن الخامس الهجري فإليه الوجهة!!. 262
263 الفصل الخامس: الغزالي بين إلتزامات العالم وإلزامات السلطة 263
264 ال نريد لهذا الفصل أن يكون عينه تمثيلية تعكس في جزئياتها أحداثها وأسمائها ما تم تثبيته على سبيل التعميم والتجريد في الفصول السابقة من أفكار مفاهيم وأحداث تتعلق بالمجتمع العربي اإلسالمي ككل في فترة تاريخية معطاة ولكن ال يعني هذا أن تكون العالقة بين ما تم إقراره ومضمون هذا الفصل عالقة الكلي بالجزئي كعالقة منطقية ميكانيكية أي ما يقال عن الكل يقال عن الجزء بل نريد لحوادث وأسماء ومعارف أن تثبت تفردها وهويتها باإلضافة إلى القواسم المشتركة التي تربطها بالتاريخ الكلي ففي هذا الفصل ومن خالل عنوانه نطمح غلى إبراز طبيعة العالقة بين العالم والسلطان من خالل شخصية نموذجية هي الغزالي ولكن قبل هذا البد من إبراز الشروط االجتماعية والتاريخية التي شكلت أطرا للمعرفة بصفة عامة والنبثاق مفكر ما من حيث أن أعمال أي مفكر تقرأ وتفسر انطالقا من السياق التاريخي واالجتماعي الذي أنتجت فيه ف"لقد أصبحت أعمال مفكر ما تدرس بصفتها نتاجا لحقيقة اجتماعية ثقافية كلية ودعما متضامنا مع هذه الحقيقة إنها مندمجة وليست معزولة" تلك الشروط نعني بها هنا جملة الشروط التاريخية االجتماعية والثقافية التي نشأت فيها الدولة العباسية التي بدورها ومن خالل طبيعة نظامها السياسي قد هيأت مجاال لخصائص وصفات حاضنة لكل تلك المعارف العالقات واألحداث التي طبعت إسالم العصر الوسيط من أجل ذلك كانت مباحث الفصل متدرجة من الكلي إلى الجزئي محاولة خالل هذا االنتقال من الكلي إلى الجزئي إبراز تلك العالقة بين المعرفة والسلطة من خالل أعمال ومواقف الغزالي حيث جاءت تلك المباحث على هذه الصيغة: من نيسابور الى بغداد مسيرة ووجهة عالم مقاصد الفالسفة و مقاصد الغزالي المنطق آلة علم أم آلة حرب و سجال فضائح و فضائل المعرفة و السلطة بعد الغزالي المصير و المآل حممد أركون نزعة األنسنة يف الفكر العريب جيل مسكويه التوحيدي تر: هاشم صاحل بريوت دار الساقي 1779 ص
265 المبحث األول: من نيسابور إلى بغداد مسيرة ووجهة عالم: الكتابة عن شخصيات نموذجية كالغزالي كتابة متعسرة إذا رام كاتبها اإلتيان "بما لم يأتي به األوائل" وستكون يسيرة عندما يكتفي فيها بإعادة السرد واقتفاء ما قيل وما كتب إذ قيل وكتب عن الغزالي الكثير لدرجة يردد معها المرأ "هل غادر الشعراء من متردم " الذاتية والتي على أهميتها القصوى عادة ما تنجز بمنهجية تقليدية طقسية ومكان الوالدة الشيوخ المهنة المؤلفات األقوال النوادر... حين يجب "المؤسسات األولية" خاصة عندما يتعلق األمر بالسيرة سيرة ذاتية في شكل في خط واحد متكرر تاريخ "حالة مدنية" في "تركيز االهتمام على ذلك العمق المخفي المتمثل في الالمكتوب والالمقال وعلى تلك من االساطير والشعائر الدينية والعقائد اإليمانية الموروثة إلخ... فهذه االشياء هي التي تؤسس الفرد منذ الصغر وتتحكم فيه ولذلك دعوناها بالمؤسسات األولية وهي التي توقظ أحاسيسه وتشكل عقليته وطريقة محاكمته لألمور وهي التي تؤثر على مهنته ومساره المستقبلي بشكل أكبر وأكثر ديمومة بكثير من تلك المعطيات التي ندرسها تحت اسم التكوين العقلي". ولكن أن ى لنا بهذه المنهجية والمراجع العربية التي وصلتنا عن هؤالء تتميز بالنقص والفقر خاصة وأنا المعنيين بالسيرة الذاتية ال يكادون يقولون شيئا عن أنفسهم في كتاباتهم "فمن المعلوم أنه نادرا ما يتحدث المؤلفون القرب عن أنفسهم في كتاباتهم ومؤلفاتهم ودون أن يصل بهم األمر إلى حد احتقار "األنا" فإنه يبدو أنهم انصاعوا في مجملهم لحس التواضع واعتبار الفرد المعزول شيئا عرضيا عابرا ال يستحق االهتمام كثيرا فقيمة اإلنسان تكمن في مدى الخدمات التي يقدمها لجماعته ومدى طاعته أو خضوعه للتعاليم اإللهية" هذا من جهة ومن جهة أخرى فإن أهم مصادر السيرة الذاتية نحدها مبثوثة في كتب الطبقات وهي مثل أدبيات الملل والنحل مؤطرة باألغراض والمقاصد التي من أجلها أنشأت التاريخ األسماء االتجاهات التصنيف وال يخلوا ذلك من المبالغات والتبجيالت أو القدح التعميمات والهشاشة وال تصبح هذه الكتابات ذات أهمية تاريخية إال عندما نعاملها على أنها مادة خام يجب أن تشكل ويعاد بناؤها انطالقا من السياق العقلي التاريخي التي أنتجت فيه وهكذا يصبح مبررا تماما المبدأ المنهجي الذي نسير وفقا له والقاضي بتحديد اإلطار العقلي والتاريخي العام لنمر من خالله إلى إنتاج الفكر الفردي وهذا ما أنجزنا الشطر األول منه أي تحديد اإلطار الفكري والتاريخي الكلي وتبقى مهمة إنجاز الشطر الثاني والمتمثل في الذهاب إلى الغزالي نفسه لنحاول إقامة عالقة تضايف وتضامن بين فكر الغزالي كطالب للحقيقة ضمن الحقيقة التاريخية الكلية والبداية من محاولة استجالء دالالت أركون حممد نزعة األنسنة يف الفكر العريب ص 12. املرجع ذاته ص
266 األماكن واألزمنة األسماء واألحداث التي مألت أولنقل بنت حياة الغزالي هذه الحياة التي بدأت ذات زمن من عام 454 ه "بطوس" )*( وهي من أعمال "خرسان" هذا اإلسم المليء بالتاريخ لدرجة أنه يكاد يستحوذ على كل تاريخ الفترة المعنية بالدراسة ففي هذا المكان زرعت ونمت وترعرعت الدعوات الشيعية ليكتب للدعوة العباسية النجاح حيث عقدت من هذا المكان الرايات السود إيذانا بميالد الدولة العباسية هذه المقاطعة ذات الوالء التاريخي الساساني الفارسي والتي استوطنتها قبائل عربية بعد الفتح لتتبوأ مكانة متقدمة ومؤثرة جدا في بناء الحضارة والثقافة اإلسالميتين هي التي تشكل القاعدة الجغرافية والتاريخية التي نشأ فيها الغزالي فوراء هذا الرجل تراث فارسي عريق وتراث عربي وإسالمي ثري يعزز صورة الخرساني الطوسي صورة قوم أسسوا بسيوفهم وتدبيرهم الخالفة العباسية فالبد أن يكون لهم دورهم في المحافظة عليها وإنقاذها. سينشأ الغزالي في هذا المناخ التاريخي واألنتربولوجي حيث سيهيؤه أصلة الفارسي وسيعطيه تاريخ موطنه القابلية الستعادة صورة المؤسس المنافح والمنقذ للخالفة والملك العباسيين كما ال ننسى أن "خرسان" متاخمة لمقاطعة "طخرستان" وإذا كان إقليم خرسان كما مر معنا " معتاد على السيادة الساسانية ف-طخرستان- متمرد محارب خارج اإلمبراطورية يدور في الفلك التركي" وهذه المتاخمة والتماس سيسمح للغزالي بمعرفة العنصر التركي الذي سيحظى بنقده واحتقاره وهذه مفارقة اذ أن العنصر المكون للدولة السلجوقية هو العنصر التركي وفي نفس الوقت يسكت عن سياسة "نظام الملك" ذو األصل الفارسي والتي في كثير من تدابيرها تتعارض مع الشرع وهي مواقف سيأتي التفصيل فيها في حينها. في "طوس" وبعد وفاة أبيه مبكرا ستتعهد يد صوفية بتعليمه وتربيته هو وأخوه تنفيذا لوصية أبيه والبد أن يكون هذا االمتثال النموذجي لهذا الصوفي لعهد أبيه وهذا الحرص واألمانة تأثير بالغ في أبي حامد الغزالي الطفل حيث سيعود صوفيا وهو رجل بالغ وال ننسى تضافر عوامل أخرىكثيرة في حياة الغزالي ستدفع به إلى خاتمة التصوف لعل أهمها نزعة التصوف المتغلغلة في شخصية شيخه الجويني" والمتأتية من شيخ هذا األخير "أبو سعيد الميهني" في "طوس" تلقى تعليمه القاعدي ليرحل إلى "جورجان" وهي حضارة من حواضر العلم ليصل الى مرحلة حاسمة في حياته العلمية والمهنية مرحلة "نيسابور" حيث يلتحق بمدرستها النظامية وعلى يد أستاذها األول "أبو المعالي الحويني" إمام الحرمين ت 441 ه يتلقى علوم عصره المذهب األصول الخالف والجدل مع تركيز على فقه وأصول المذهب الشافعي وأصول الدين على الطريقة األشعرية وهذا وفق برنامج المدارس النظامية وسرعان ما أصبح من ألمع طالب المدرس إذ فاق أقرانه وهم أربعمائة حتى أصبح معيدا ونائبا عنه وقيل أنه الف "المنخول" قرآه "أبو المعالي" فقال: "دفنتني وأنا حي فهال صبرت اآلن كتابك على وهي تسمى اآلن "بشهر" وهي مدينة بشمال شرق إيران. )*( 266
267 كتابي" وقبل أن نغادر "نيسابور" عواصم السالجقة وتحديدا في نظاميتها ومع أستاذها مع الغزالي إلى بغداد البد أن نتوقف في "أبي المعالي الجويني" "نيسابور" "فنيسابور" وهي إحدى تتسور على تراث غني وعريق فعلى سبيل المثال ال الحصر نذكر في علوم الحديث "مسلم بن الحجاج النيسابوري" وفي الفقه نذكر "أبا بكر محمد بن المنذر النيسابوري" و" أبا بكر من فورك" "األصولي المتكلم بالمذهب األشعري و"أبا بكر أحمد بن الحسن البيهقي" الحافظ الشافعي ومن المتصوفة نذكر "أبا حفص عمر بن سالم الحداد السينابوري" و"أبا عبد اهلل بن منازل النيسابوري" وفي األدب "أبا منصور عبد اللمك الثعالبي النيسابوري" و"الجوهري" صاحب "الصحاح" و"الزوزني إلخ... والخريطة المعرفية في هذا اإلقليم عموما وصفها "المقدسي"بقوله "وللمعتزلة بنيسابور ظهور بال غلبة وللشيعة والكرامية بها جلبة والغلبة في اإلقليم ألصحاب ابي حنيفة إال في كورة الساش وطوس ونسا وأبيورد... بهراة وسجستان وسرخس" هذه الخريطة تصف "األطلس المعرفي" فإنهم شفعوية ولهم جلبة في عهد الدولة السمانية وواضح أن الخريطة لم تورد ذكر األشاعرة إذ لم يكن أمرهم قد ظهر ولم يحدث ذلك إال بمجيىء "الوزير السلجوقي "نظام الملك" وبداية من عهد السلطان "ألب أرسالن" ذلك أنه وفي عهد السلطان طغرل بك وبوشاية من الوزير "أبي منصور بن محمد الكندري" تم القبض على رؤوس األشعرية كأبي "القاسم القشيري" و"أبي سهل الموفق" و"أبي المعالي الجويني" شيخ الغزالي الذي أضطر إلى اللجوء إلى الحجاز مكة والمدينة كما أن هذا "األطلس المعرفي" وإنكان تكلم عن غلبة المذهب الحنفي وهو مذهب ساد وانتشر في عهد المد المعتزلي ألسباب واختيارات مرتبطة بآليات السلطة كما مر معنا في عرض "محنة خلق القرآن" فإن المذهب الشافعي كان قد بدأ يبسط سيطرته على اإلقليم منذ قتل الوزير الكندري المعتزلي الحنفي ومجيء خلفه نظام الملك الشافعي األشعري وعلى العموم لم تنتظر مجيء "طوس" نظام الملك حتى تكون شفعوية فقد كانت فالغزالي إذن ومن حيث تنشئته القاعدية شافعي ومن حيث التكويني العقائدي أشعري وعلى ذكر التنشئة البد من التوقف عند نظامية المعالي الجويني" فكما سبق وأن ذكرنا السالجقة وفي إطار مشروع " "نيسابور" اإلحياء السني" "أبي وأستاذها توسلوا إلى ذلك بالتعليم المؤسس من خالل النظاميات وكذا مأسسة التصوف وحان الوقت اآلن لتفصيل ما كنا قد أجملنا القول فيه أي تفصيل القول في المدارس النظامية كمؤسسات تخضع الى آليات إنتاج المعرفة والمراقبة عاكسة بذلك بينية سلطة الدولة السلجوقية فهي مؤسسات يدرس فيها برنامج قد حدد في املقدسي أحسن التقاسيم نقال عن أمحد أمني ظهر اإلسالم اجلزائر دار االصالة للطبع والنشر والتوزيع ج ص
268 وثيقة وقفية نظامية بغداد من حيث أنها وقف على أصحاب الشافعي بما في ذلك أساتذتها ووعاظها ومتولي مكتبتها فالبرنامج يعتمد على مادتين أساسيتين: الفقه وأصوله على المذهب الشافعي وأصول الدين على المذهب األشعري باإلضافة إلى مواد مدعمة كعلوم اللغة الحديث التفسير... كماكان الطالب يخضعون إلى نظام شبه داخلي مؤسسة شبه مغلقة- اإلطعام واإلسكان ويخضع هؤالء إلى تراتيبة في المكانة والدور تتسلسل من رتبة التلميذ أو الطالب إلى رتبة مثقف فقيه وإذا أكمل برنامجه وبقي مصاحبا ومالزما ألستاذه لقب بالصاحب يعتمد عليه أستاذه فيعينه معيدا لدروسه وناسخا لمؤلفاته تحت إشرافه" "وقد وقد قطع الغزالي كل هذه المراتب بصفته منتسبا إلى النظامية إلى أن وصل إلى درجة معيد تحت إشراف أستاذه "الجويني" وتنتهي فترة الدراسة بحصول الطالب على اإلجازة الدولة: - شهادة التخرج وهذا ما يمكنه من تقلد مناصب في في القضاء اإلفتاء التدريس وأساتذة النظاميات يتم اختيارهم بعد ما يوضعوا تحت االختبار والمقابلة والمناظرات ويقال أن نظام الملككان يشرف بنفسه على ذلك في نظامية بغدادكما حصل مع الغزالي وذلك الختبار معلوماتهم وتوجهاتهم المذهبية ومن يحظى بالقبول يرسل الى مكان تعيينه حيث يحتفل به في المدرسة لدى أول مقدمه "ويخلع عليه طرحة زرقاء وأهيه سوداء... ويحضر درسه كبار رجال الدولة واألساتذة والشعراء وحين ينتهي من درسه تلقى الخطب والعقائد في الترحيب به وإثناء عليه" كما أن للمدرسين مراتب تبدأ برتبة المعيد فالنائب فالمدرس إلى أن تنتهي عند مرتبة الصدر بصفته قد بلغ من العلم درجة تؤهله لإلفتاء واالجتهاد وتولي تدريس وتكوين األساتذة ويصبح مقصدا لذوي الجاه والسلطان من أمراء ووزراء وسالطين وهكذا فإن النظاميات مؤسسات تعليمية تعكس بنية السلطة وتخضع آلليات إنتاج وإعادة إنتاج المعرفة وتخضع للمراقبة من خالل وضع نظام يخضع له منتسبوها وأساتذتها ومستخدميها وبرامجها أهدافها. لقد كان القرن الرابع الهجري قرن المجالس التي تعقد للمناظرات الحرة وكانت المدارس تؤسس بمبادرات حرة لتعليم مذهب ما ونشره وكانت باحات المساجد تعج بحلقات التدريس لمذاهب شتى وهذا "يعني أن المنافسةكانت ال تزال حامية ومفتوحة بين مختلف القوى االجتماعية الثقافية التيكانت تتنافس على زعامة األمة حتى ذلك الوقت ولم يحسم اإلسالم السني األمر لصالحه إال بداية من القرن الخامس" والذي فيه وصلنا مع السلطة السلجوقية إلى مرحلة ما سماه "ميشال فوكو" السلطة حمبوبة عبد اهلادي رضا نظام امللك مصر/لبنان الدار املصرية اللبنانية السالجقة ص 231. )ب.ت( نقال عن حممد علي الصاليب دولة املرجع السابق ص 232. أركون حممد نزعة األنسنة يف الفكر العريب ص
269 االنضباطية التي كانت من أهم مظاهرها ميالد المدرسة أو الجامعة النظامية وبالرجوع إلى صك وقفيتها وباالعتماد على ما فصلنا فيه عن برامجها وهوية منسبيها وأساتذتها ومستخدميها نتأكد أننا أمام سلطة انضباطية مارست جميع اإلجراءات المرتبطة بطبيعتها "انتقاء وضبط وترتيب وتمركز إنها اإلجراءات األربعة التي يمكن أن تقرؤها في دراسة مفصلة لما نسيميه بالسلطة االنضباطية" فالسلطة السلجوقية ومن خالل المدارس النظامية مارست عملية انتقاء للمعارف الصحيحة واستبعاد المعارف الخاطئة وحسم الصراعات والتنافس الذي كان بين معارف شتى واعتقادات ومذاهب متعددة ومتنوعة لصالح مذهب بعينه ومحاولة تعميمه ونشره وعلى مستوى المعارف المعتمدة تراتبية معارف أساسية تشكل غاية أو العلوم األخرى "علما اشرفا" جرت عملية تنظيمها وإخضاعها إلى ومعارف أخرى ذات طبيعة آلية يتوسل بها لبلوغ "فالعلوم مرتبة ترتيبا ضروريا وبعضها طريق غلى بعض والموافق مراعي ذلك الترتيب" وهذا اإلجراء ما هو إال عملية تكثيف ومركزة للمعارف لخدمة مسلمات وأهداف السلطة القائمة ومن خالل المدرسة النظامية كجامعة عملت هذه السلطة على "التنسيق بين هذه المعارف وذلك بإنشاء نوع من الجماعة العلمية ذات اإلطار القانوني المعترف به وتنظيم نوع من اإلجماع" فهؤالء المنتسبين للنظاميات كتالميذ والذين يخضعون لتكوين معرفي محدد ويخضعون لمراقبة وتقييم لمعارفهم المكتسبة عن طريق االمتحان كآلية من آليات المراقبة واالنتقاء والتي تسمح باالنتقال من مستوى آلخر ومن مكانة ألخرى في السلم التراتبي الذي أشرنا إليه وصوال إلى تكوين ذات عارفة حاملة لإلمكانيات المعرفية واإليديولوجية التي تؤهلها لتشغل الوظائف الحيوية في أجهزة الدولة كالتدريس القضاء الحسبة اإلفتاء.. فهذه المدارس كانت تخرج ما أسماه للقيام بأدوارهم المحددة مسبقا. قبلية دورين إثنين: "سارتر" فالدولة السلجوقية ومن بتقنيي المعرفة العملية" والمؤهلين إيديولوجيا خالل المدرسة تلقن المنتسبين إليها "بصورة فهي تجعل منهم في آن واحد اختصاصيين في البحث وخادمين للهيمنة اي حراسا على التقاليد أما الدور الثاني فيهيئهم ليكونوا على حد تعبير "غرامشي" "موظفين في البنية الفوقية" فنراهم يمنحون على هذا األساس سلطانا محددا سلطان "ممارسة الوظائف التابعة في الهيمنة االجتماعية )4( والحكم السياسي" وقد عمرت هذه المدارس طويال اذ بقيت نظامية بغداد تشتغل لمدة قاربت أربعة قرون "إذكان آخر من عرفنا ممن درس فيها صاحب القاموس "الفيروز آبادي" المتوفى سنة 114 ه حيث فوكو مشال جيب الدفاع عن اجملتمع ص الغزايل أبو حامد ميزان العمل يف طه عبد الرمحان جتديد املنه ج يف تقومي الرتاث بريوت الدار البيضاء املركز الثقايف العريب ص 90. سارتر جون بول دفاع عن املثقفني تر: جورج طرابيشي بريوت دار اآلداب 2937 ص 27. )4( املرجع السابق ص 27.
270 زالت في نهاية القرن التاسع الهجري" ماما يجعلنا نستنتج مطمئنين أن المآت من المتخرجين قد اكتسحوا الوظائف الحساسة ومن خالل السلطة المعرفية وسلطة المكانة التي حازوها والدور الذي شغلوه قد ساهموا إلى حد بعيد في ارساء الوثوقية والدوغمائية المذهبية ينقل لنا "أبي عن "السبكي" إسحاق الشيرازي" وهو أول من درس بنظامية بغداد قوله: "خرجت إلى خرسان فما بلغت بلدة وال قرية إال وكان قضيها أو مفتيها أو خطيبها تلميذي أو من أصحابي". في الفضاء العقلي للقرن الخامس وفي نظامية نيسابور تكون الغزاليكتلميذ ثمكمدرس وعلى يد أهم شخصية علمية في المذهب الشافعي فقها والمذهب األشعري كالما إمام الحرمين "أبو المعالي الجويني" ه سيتلقى تكوينه العلمي وإكماال لدور وتأثير المؤسسات النظامية نتوقف عند األستاذ والشيخ لنرى أوال ذلك التمفصل بين المعرفي والسياسي ولنرى ثانيا ذلك الحضور لألستاذ في سيرورة فكر الغزالي. لقد بدأ هذا األستاذ حياته العلمية "بمحنة" من قبل السلطة الصاعدة السلطة السلجوقية من خالل وزيرها "الكندري" وألسباب مذهبية في الظاهر وألسباب عميقة لها عالقة بالسلطة المعرفية التيكانت للمذاهب في توزيع المناصب وتوجيه الرأي العام وهكذا قضى الجويني عدة سنوات في الحجاز كالجئ وبمجيء نظام الملك إلى الوزارة سيغدو المرجعية األولى في الفقه الشافعي والكالم األشعري واألستاذ األول في نظامية " نيسابور" لمدة عشرين سنة تخرج على يده مآت اإلطارات كان الغزالي واحدا منهم لكنه كان متميزا من بينهم إذ اتخذه الجويني صاحبا ثم معيدا وهي المكانة التي تؤهل صاحبها االطالع المباشر على أفكار وكتابات األستاذ وربما كلف بنسخها ونشرها وفي هذا السياق نقف عند التياث الظلم" "غياث األمم في وما حوا من أفكار ستكون ملهمة للغزالي خاصة في كتبه ذات الطابع السياسي ولعل تحليل عنوان الكتاب المليء بالتاريخ السياسة والمعرفة الملتزمة بقضايا المجتمع يضعنا مباشرة في صلب موضوع الكتاب فمنطوق عنوان هذا الكتاب إيحائي جدا يغمسنا مباشرة في لجة مجتمع مأزوم مصاب في قوام وجوده في سلطته السياسية والمعرفية فإذا كان األمر هكذا فما هي التدابير المنقذة لألمة والمجتمع تلكم هي إشكالية الكتاب والجويني في هذا النص يقيم جسرا بين العلم وأصوال- فقها والمحيط االجتماعي بكل مكوناته خاصة المسألة السياسية حيث يتساوق السياسي والمعرفي ويتالزم رجل العلم ورجل السياسة وإذا كان لنا أن نلخص ونوجز مشروع الكتاب وهذا بالصعوبة بمكان فإنه علينا أن نقول محاولين أن الجويني استثمر التراث األصولي ليقيم عالقة بين المصالح والمقاصد الشرعية الكلية القطعية وإنزالها على الواقع السياسي والمعرفي واضعا بذلك معالم وأسس نظرية مقاصد حمبوبة عبد اهلادي رضا نظام امللك نقال عن حممد عليب الصاليب دولة السالجقة ص 233. السبكي طبقات الشافعية نقال عن املرجع ذاته ص
271 الشريعة حيث عمل على تأسيس لمقاصد شرعية كلية قطعية سهلة المنال ناقال إياها من مرتبة الظن إلى مرتبة اليقين وألن تلك المقاصد مرتبة ومصنفة من مقاصد ضرورية إلى مقاصد حاجية فإستحسانية صارت هي الميزان والمعيار الذي على أساسه توزن صفات وشروط اإلمام والعالم وألن التاريخ والواقع حاضران بكل ثقلهما واقع وجود سلطان متغلب ولكن يتمتع بالكفاية والقدرة وتاريخ منحدر من زمن مثالي زمن ممتلئ باإلمام الحائز على كل شروط اإلمامة وبالعلماء المتوفرين على كل صفات العالم المجتهد إلى زمن خلى من اإلمام الحائز على صفات وشروط اإلمامة وخلى من العالم الفاقد بدوره لشروط العالم وهذا اإلنحدار سيستمر إلى المدى الذي يتنبأ معه الجويني بخلو الزمان من اإلمام والعالم معا وهكذا ووفق معيار سلم المقاصد الشرعية التي هي عنده قطعية والنازلة من الضروري إلى الحاجي إلى المستحسن أعاد ترتيب صفات اإلمام من صفات ضرورية الكفاية- إلى حاجية إلى استحسانية لتصبح أي القدرة على االضطالع بمهام األمة صفة ضرورية البد منها ثم العلم والورع كصفات حاجية أما صفات النسب القرشي فصفة استحسانية فاإلمام القائم قريشي ولكن ال كفاية له لذا فال سبيل له على إقامة مقاصد اإلمامة من أجل ذلك النسب" يقف على ثالثة شروط: "ال يتوقف شيء من مقاصد اإلمامة على االعتزاء إلى وبنفس المعيار سيعيد ترتيب واختزال الصفات المعتبرة في العالم المجتهد المفتي حيث العلم المشهور بأصول الفقه معرفة اللغة العربية تحصيل علوم الفقه ما دعت إليه الحاجة خاصة تحصيل وهكذا يسقط الجويني صفة الورع والتقوى كشرطين أخالقيين كان من سبقه قد أكد عليهما كصفات معتبرة في العالم المجتهد المتصدي للفتوى وهكذا يرى الجويني "أن فقدان االلتزام األخالقي ال يطعن بذاته في قدرة المجتهد على إدراك األحكام ومآخذها" كما أن السلطان المتغلب ذو الكفاية قمين باإلمامة لقدرته على القيام بالتزاماتها حتى لو لم يكن قرشيا وحتى وإن لوثت صمعته صفات ال أخالقية وهذا العالم المجتهد المستقل برأيه هو من توكل إليه أمور األمة عند خلو الزمان من السلطان "فإذا خال الزمان عن إمام وخال عن سلطان ذي نجدة وكفاية ودراية فاألمور موكولة إلى العلماء" وعندما يخلو الزمان منهماكليهما فتعلق أمور الجماعة واألمة بقواعد شرعيةكلية. كتاب الجويني هذا الذي أتينا على تقديمه موجزا كتبه الجويني للوزير نظام الملك وفي خطبة الكتاب ال يتردد الجويني في مدح نظام الملك بصفات تتكرر في متن الكتاب على أنها الصفات المعتبرة في اإلمام "سيد الوري وموصل الدين والدنيا ومالذ األمم مستخدم السيف والقلم ومن ظل ظل الملك بيمن (1 ), املوقع ذاته املوقع ذاته 271
272 مساعيه ممدودا ولواء النصر معقودا فكم باشر أوار الحرب وأدار رحى الطعن والضرب" وفي متن الكتاب ال يتردد الجويني في اعتبار نظام الملك السد الذي يحول بين األمة وتردي أوضاعها بل ال يتردد في القول بأن نظام الملك هو وحده الحائز على صفات اإلمام القادر على االضطالع بمهام اإلمامة نعم ال شك أن هناك موقف ذاتي من قبل إمام الحرمين تجاه نظام الملك إذ أن هذا األخير أبطل لعن األشاعرة وأذاع مذهبهم وبنى نظامية نيسابور وجعله أستاذها بعد أن كان مضطهدا وفي عهده تقلد الجويني أرفع المناصب العلمية والدينية باإلضافة إلى كونه أستاذ نظامية نيسابور تولى أمور األوقاف والمحراب والمنبر و مجلس التذكير يوم الجمعة والخطابة ولكن سياسة هذا الوزير خالل ثالثين سنة وما قام به من األعمال والتدابير لصالح الدولة ولصالح المذهب الشافعي واألشعري في إطار مشروع "اإلحياء السني" يجعله وبكل موضوعية الشخصية التي تمثل رجل السياسة المتشرب بأخالق المسؤولية والتي تلزم رجل العلم المنتمي إلى دائرة " اإلحياء السني" إلى التضامن معه وذلك بااللتزام بالمهام المنوطة بهكعالم. هذا الرجل واألهم هذا المشروع الفكري بأبعاده السياسية واالجتماعية والمبنية على أرضية فقهية أصولية وكالمية هي ما أطرت الغزالي الشاب واألمر ال يحتاج إلى كثير من العناء حتى تكشف عن ذلك التأثير الذي مارسه الجويني في توجهات الغزالي العقدية منها أو السياسية فالتحليل المقارن بين نص "الغياثي" ونصوص الغزالي السياسية خاصة "االقتصاد في االعتقاد" و"المستظهري" يكشف عن ذلك الحضور القوي للجويني في الحياة الفكرية للغزالي فقد أخذ عن شيخه هذا االلتزام بالشأن العام الشأن السياسي واالجتماعي وربط المعرفي باالجتماعي واستثمار سلطة المعرفة في النقد والتقويم ومن هناك كان ذلك التوافق في أن مصدر األزمة وفساد الزمان إنما يأتي من فساد السلطتين: فسادهما إلى فساد العامة والجمهور. إن العلمية والسياسية حيث يؤدي تشخيص الجويني للواقع المجتمعي وافتراضاته التشاؤمية من استمرار االنحدار نحو أزمة أعمق وأعم والتدابير التي رآها حال وانقاذا قد ألهمت بدون شك الغزالي في االنخراط في االلتزام بقضايا المجتمع واألمة من خالل االستمرار في تشييد المذهب الفقهي و من خالل إدماج المنطق اليوناني في عمارة علم أصول الفقه في كتابه "المستصفي" أمهات الكتب في هذا الفن وإتمام بناء المذهب الكالمي األشعري حيث وسعه " الذي يضعه ابن خلدون ضمن وزاد فيه من ناحيتين ناحية موضوعاتية ومن ناحية معالجته للبراهين معالجة فلسفية على نمط جدل المنطق اليوناني فصبغ العقيدة األشعرية بصفتين: صبغة فلسفية وصبغة صوفية" وألن مهمة هذه الدراسة ليست الكشف عن عالقة التناص بين نصوص الغزالي وشيخه الجويني وإنما الحفر في سيرته الذاتية عن كل تلك المؤسسات املوقع ذاته أمني أمحد ضحى اإلسالم ج 2 ص
273 األولية التي أطرت ووحددت فكره و هذا ال يمنع من الدعوة إن كان لنا الحق في ذلك إلى التحليل المقارن لنصوص الشيخين إلبراز هذا التأثير أكثر ومهما يكن فإن هناك تماثال في األفكار والمواقف بل وحتى الصياغة اللغوية بين التلميذ وشيخه وذلك في المحاور التالية: الموقف من السلطة المعرفية للعالم. في إعادة النظر في اإلمامة وشروطها في نقد الباطنية. وما كان قد أجمله الجويني كقواعد عامة يكون الغزالي قد فصله على سبيل التجزيء والتفريد في مشروعه اإلحيائي حيث "أن المشروع األكبر لموسوعة لما سبق وأن نظر وأسس له شيخه الجويني في كتابه "إحياء علوم الدين" "الغياثى" للغزالي تعتبر محاولة تطبيقية هذا الكتاب الذي أنصب على طرح األسس النظرية إلنقاذ الفرد والمجتمع في اإلسالم من التردي السياسي واالجتماعي حيث ركز فيه الجويني على األسس النظرية القائمة على مقاصد الشريعة مع ضرب افتراضات لألمثلة العلمية الممكنة... في حين أن الغزالي في وحيثياتها المعقدة" "اإلحياء" قد أولى هذه النماذج التفصيلية الممكنة اهتماما زائدا بتفصيله جوانبها ولكن الغزالي لم يبق متشحا بعباءة شيخه فمنزعه إلى االستقالل واضح تدفعه إلى ذلك ميزات في شخصيته وكذا الظروف التي آلت إليها الخالفة والسلطة السلجوقية وهذا ما سنعمل على توضيحه فالبد أن الغزالي كان يعتبر شيخه محظوظا إذ أنه عاصر وزامن سالطين متغلبين ووزيرا متنورا ذو كفاية ودراية اضطلع بأمور الحكم والوزارة حيث مقاصد اإلمامة كما نظر لها أهل السنة محققة والبد وأنه قد قرأ وبعناية تنبؤات أو باألحرى هواجس شيخه عن المآل والمصير التراجيدي الذي سيؤول إليه الوضع حيث يخلوا الزمان من اإلمام ذو الكفاية والعالم المجتهد والبد وأنه قرأ وباهتمام بالغ التدابير التي اقترحها شيخه كبرنامج إنقاذ عندما تلتاث الظلم وتحل النقم واآلن وبعد سنة من تبوئه منصب أستاذية نظامية بغداد أصبح االفتراض والتنبؤ واقعا فقد أغتيل الوزير نظام الملك 415 ه وورث السلطة سالطين ضعاف متنافسين أشعلوا حربا أهلية آذنت بذهاب سلطان السالجقة وبهيبة ومكانة الخالفة كما أن الدعوة لإلمام الفاطمي أصبحت تقام في كل مكان من أراضي الخالفة ناهيك عن الفساد الذي استشرى بين العلماء أواره وأخيرا وليس آخرا الغزو الصليبي الذي بات قريبا من أن يحل بالديار فما التدبير وقد ضعف السلطان وعم الفساد والتاثت الظلم فعال. لنترك اإلجابة عن هذا اإلشكال الهاجس إلى حين ونواصل مع الغزالي مسيرته ووجهته التي كانت بغداد بعد أن مات شيخه في سنة 441 ه وهنا البد من طرح سؤال لم يطرح في حدود اطالعي لماذا الصغري عبد اجمليد املعرفة والسلطة يف التجربة اإلسالمية ص
274 ب) لم يبق الغزالي في نيسابور لشغل كرسي التدريس مكان شيخه ما الداعي للذهاب إلى بغداد هل كانت استجابة لدعوة ام مبادرة منه لتحقيق طموح ما لماذا هذا السؤال ألننا نريد معرفة حيثيات مدة إقامته في بغداد وهي في جزء منها غامضة وغير معروفة منذ 441 وحتى 414 ه سنة ظهورهكأستاذ بالنظامية حوالي ست سنوات ال نعرف عن أعماله فيها شيئا وإذا رجعنا إلى واحد من المحققين األوائل لتراث الغزالي "سليمان دنيا" رحيل الغزالي إلى عام 441 ه إلى "المعسكر" والذي اعتمد على تحقيقات مستشرقين أمثال 274 السلجوقيين" "المعسكر" "زويمر" حيث نظام الملك ورجال السلطة السلجوقية قاصدا نظام الملك وكان "المعسكر" ولكن كيف قضى هذه الفترة الطويلة وفيما قضاها فال يعرف أحد ال نعثر إال على تأكيد "خرج الغزالي من نيسابور محط رجال السالطين "إذ رجعنا نسأل التاريخ هذا السؤال أمسك حتى ال يكاد يبين وهذه فجوة كبيرة في تاريخ الغزالي تتلهف نفس المؤرخ لمعرفة ما دار فيها وما شغلها وكيف كان يقضيها" القول بأن الغزالي في هذه الفترة اشتغل بكل ما يمكنه من تحقيق طموحه كشاب وإذا كان لنا أن نخمن فال يعدو ذلك التخمين أي المزيد من القراءات والمراجعات المناظرات واالتصاالت بالجهات النافذة في السلطة السلجوقية وكتابات الغزالي في الفترة الممتدة بين 414 ه و 411 ه تاريخ خروجه من بغداد ذات كثافة نوعية من حيث الكم والكيف مما يدل على تكوين ذاتي عميق يكون قد اخضع له نفسه وعطفا نصه على سؤالنا السابق والمتعلق بقرار الرحيل من نيسابور والتوجه إلى بغداد ومحاولة منا تفسير هذا القرار فليس لنا إال العودة إلى نصوصه خاصة "المنقذ من الظالل" الذي حوى بعضا من سيرته الذاتية خاصة ما تعلق منها بالجانب الفكري والنفسي هذا النص يؤشر إلى أن األمر يتعلق بالسعي وراء تحقيق طموح شاب في التفوق الظهور واعتالء المناصب وذلك باالقتراب من األضواء أي مركز السلطة حيث الخالفة من جهة والسلطان ووزيره نظام الملك من حهة أخرى هذا الطموح ما كان له أن يحققه في نيسابور خاصة وأن صيت شيخه قد طغى على المكان لدرجة أن تالميذه "كسروا منبره وغلقت األسواق ورثي بقصائد وكان له نحو أربعمائة تلميذ كسروا محابرهم وأقالمهم وأقاموا حوال ووضعت المناديل عن الرؤوس عاما بحيث ما اجترا أحد على ستر رأسه وكان الطلبة يطوفون في البلد نائحين عليه مبالغين في الصياح والحر" لقد أراد بخروجه هذا الخروج من عباءة شيخه طامحا أن يكون بدوره شيخا له صيت ورأي وتدبير ومكانة لدى السلطان وبين العلماء وعند العامة بقول في المنقذ وهو يستعرض أزمته وقراره بالرحيل أو باألحرى دنيا سليمان احلقيقة يف نظر الغزايل مصر دار املعارف ط ص 70. املرجع ذاته ص 72. الذهيب سري أعالم النبالء بريوت مؤسسة الرسالة ط 3 السالجقة ص 720..ت( ص / نقال عن حممد على الصاليب دولة
275 الهروب من بغداد الذي هو في نفس الوقت هروب من غزالي بغداد "ثم الحظت أحوالي فإذا أنا منغمس في العالئق وقد أحدقت بي الجوانب والحظت أعمالي وأحسنها التدريس والتعليم فإذا أنا فيها مقبل على علوم غير مهمة وال نافعة في طريق اآلخرة ثم تفكرت في نيتي في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه اهلل تعالى بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت" 275 في بغداد إذن الحال مشدودة ومستغرقة في العالئق أي كل ما تتعلق به النفس وتنزع إليه من جاه ومال وسلطان والبد أن يومياته كانت مليئة باألعمال والتي عندما قيمها وجد أن أحسنها التدريس حيث الباعث عليه كان طلب الجاه وانتشار الصيت ويؤكد على هذا الباعث عندما يفسر قرار رجوعه إلى التدريس بعد خلوته فيقول: "وأنا أعلم أني وإن رجعت إلى نشر العلم فما رجعت فإن الرجوع عود إلى مكان وكنت في ذلك الزمان أنشر العلم الذي يكسب الجاه وأدعو إليه بقولي وعملي وكان ذلك قصدي ونيتي وأما اآلن فادعوا إلى العلم الذي يترك الجاه ويعرف به سقوط رتبة الجاه" ويبدو أنه خالل السنوات األربع التي قضاها كأستاذ بنظامية بغداد قد حقق من الجاه والصيت والعالقات ذات القيمة االجتماعية ما جعله حين قرر الخروج من بغداد إلى الشام يظهر خروجه إلى مكة خوفا من بلوغ خبره للخليفة أو الزمالء فيثنونه عن عزمه "وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبر في نفسي سفر الشام حذرا أن يطلع الخليفة وجملة األصحاب على عزمي في المقام بالشام. قبل ولوجه بغداد وحتى بعد رجوعه من عزلته للتدريس "بنيسابور" يقدم الغزالي نفسه على أنه طالب حق من بينكثرة متكاثرة تدعيه من أصحاب الملل والنحل "ولم أزل في عنفوان شبابي منذ راهقت البلوغ قبل العشرين إلى اآلن وقد أناف السن على الخمسين اقتحم لجة هذا البحر العميق... وقدكان التعطش إلى درك حقائق األمور دأبي وديدني من أول أمري وريعان عمري...حتى انحلت رابطة التقليد )4( وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد شرة الصبا" وكان منتهى هذه الرحلة في طلب الحق أن اكتملت صورة الغزالي أمام نفسه كعالم مجدد ومحي لعلوم الدين حيث أن هذه المهمة قد انتدبته إليها اإلرادة اإللهية وأبانت له في نفسه عنها آيات أمارات وإشارات "وانضاف إلى ذلك منامات من الصالحين كثيرة متواترة تتشهد بأن هذه الحركة أي قرار العودة إلى نيسابور للتدريس واالهتمام بالشأن العام مبدأ خير ورشد قدرها اهلل سبحانه على رأس هذه المائة وقد وعد اهلل سبحانه بإحياء دينه على رأس كل مانة فاستحكم الرجاء وعليه حسن الظن بسبب هذه الشهادات ويسر اهلل تعالى الحركة إلى نيسابور للقيام الغزايل املنقذ من الضالل ضمن جمموعة رسائل اإلمام الغزايل بريوت دار الفكر 2020 ص 227. املرجع ذاته ص 212. املرجع ذاته ص 222. )4( املرجع ذاته صص
276 بهذا المهم في ذي العقدة من سنة تسع وتسعين وأربعمائة" وهكذا وفي بغداد وباإلضافة إلى كونه أستاذا بالنظامية صنع الغزالي لنفسه صيتا ذائعا لرجل علم بالمواصفات التي تحدد العالم في إسالم العصر الوسيط وكما حددها من بعد ماكس فيبر تلك المواصفات كانت قد تحددت نتيجة تراكم أحداث تاريخ طويل من الممارسات المعرفية والمواقف السياسية واالجتماعية لعشرات الرجال وقد تأثرت تلك المواصفات وتلك الصورة بعالقة رجل العلم برجل السياسة من فترة ألخرى كما مر معنا في الفصل الثالث وفي هذه المرحلة التي تميزت بالخصوصيات التي نعرف أمراء االستيالء المتولين للتدبير السياسي أو أصحاب الحل والعقد و مشروع "اإلحياء السني" ومقام الخليفة ذي الصبغة الرمزية والدينية وهو المقام الذي بات مهددا بصورة فعلية أيديولوجيا وعمليا من قبل الدعوة "االسماعيلية" وإيديولوجيتها القائمة على القول بالتعليم واألخذ عن المعلم اإلمام قلت هذه الخصوصيات قد أكملت صورة الغزالي العالم الذي من خالل نصوصه في هذه الفترة من 514 ه إلى 511 ه- المستظهري االقتصاد في االعتقاد والمصاغة بنبرة سلطوية قد أصبح يتمثل نفسه كعالم التهافت ناطق باسم العلماء المنافح عن مكانتهم ودورهم والذي أصبح يتحدد بكونهم يمثلون الوسيط بين منصب الخالفة وقوة السلطان من جهة وعامة المسلمين من جهة أخرى فقد كان الخليفة يمثل كما أسهبنا في ذلك آنفا السلطة الرمزية القائمة على حراسة الدين أما السالطين السالجقة فكانوا يمثلون أهل الحل والعقد بينما العلماء "ورثة األنبياء" وبهذا فهم امتداد لسلطة الخليفة الدينية فكما أن الخليفة قد فوض السلطان نائبا عنه في إدارة شؤون الدنيا وفوض العلماء لحراسة الشريعة على ضوء هذه الصورة وهذا التمثل سنقرأ عندما يحين الوقت" المستظهري ونفسر الموقف السياسي للغزالي العالم وحساسيته حيث هناك النموذج المثالي للخليفة الذي راح يترسخ ويتضخم في المخيال السياسي لعامة المسلمين ولنخبهم وهناك التغير التاريخي وما أفضى إليه من واقع لقد " كان على الغزالي أن يمعن النظركما فعل أسالفه من بين العلماء في أفضل طريقة للتقريب بين موقف مثالي وآخر واقعي وتترجم المثالية هنا على أنها الرغبة في العودة إلى مفهوم مثالي لألمة يكون الخليفة فيه كل شيء مرة أخرى وبالتالي مصدر كل من السلطة والقوة أما الواقعية فتبتدئ بالمقابلة بقبول للتغيير التاريخي ويكمن هدفها واستقرارها بحيث تتجنب إمكانية الفوضى واالضطراب". في الحفاظ على وحدة األمة الغزالي عالم بغداد وفي عامه األول كأستاذ بالنظامية عايش أوج قوة ووحدة سلطة السالجقة ولكن بعد هذا العام أي في سنة 415 ه سيغتال "نظام الملك" من قبل فدائي االسماعيلية النزارية 276 املرجع ذاته ص 212. ميتا فاروق الغزايل واإل ساعيليون" ص 73.
277 ويموت في نفس السنة السلطان "تتش" و"بركياروق" "ملكشاه" وتدخل الدولة السلجوقية في حرب أهلية على السلطة بين ولم يحسم هذا األخير األمر لنفسه إال بعد ثالث سنوات من الصراع الدموي وهي السنة التي سيرحل فيها الغزالي صامتا إزاءها ولم يعلن أي موقف سواء بالتأييد أو المعارضة لهذا الطرف أو ذاك ويبدو وأنه في هذه الفترة كان مشتغال أكثر بوضع ومقام الخالفة باعتباره مقاما له عالقة مباشرة بهوية األمة واستمراريتها أما الحرب األهلية فهي شأن يتعلق بصراع داخل أسرة وربما كانت له فوائد سياسية إيجابية على مقام الخالفة وفعال قام بعد أعمال "المقتدي" "المستظهر" الخليفة الشاب غداة تقلده الخالفة بعد وفاة أشرت على طموحاته في االستقاللية واالضطالع بمهام الخالفة على وجوهها واسترجاع هيبتها وذلك باستغالل الحرب األهلية وتراجع قوة السالجقة في هذه الفترة سيكتب الغزالي أهم نصوصه السياسية المعبرة عن عالقة الغزالي العالم برجل السياسة والتي تفسر من خالل هذه العالقة وضعيته كعالم له التزامات تمليها عليه مكانته كعالم وعليه إلزمات تأتيه من السلطان. وأهم تلك النصوص "تهافت الفالسفة" الذي مهد له بكتاب "فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية" وهو تاريخ تنصيب الخليفة "المستظهر" خروج الغزالي من بغداد إلى الشام فكتابه" المستظهري" "مقاصد الفالسفة" ثم الكتاب الذي يكون محور تحليلينا وهو الكتاب الذي يكون قد كتب بعد 15 محرم من سنة 414 ه ألن الكتاب كتب من أجله وبأمر منه وقبل سنة االقتصاد في االعتقاد". "وباإلشارة إلى وضعية 411 ه سنة "كتاب في التسلسل التاريخي النسبي فإن أكثر التحليالت القائمة على تحليل داخلي للنصوص دقة ومنعة في بنائها هي دراسة "جورج حوراني" الذي يضع هذا النص حسب أشهر نصوص الغزالي قبل كتاب "االقتصاد في االعتقاد" وبعدكتاب غزالي "تهافت الفالسفة" بغداد ونصوصه التي كتبها في هذه الفترة هي ما يعنينا في هذا البحث وقبل الرجوع إليها في المباحث القادمة نكمل مع الغزالي مسيرته حث سيخرج من بغداد في سنة 411 ه في رحلة خلوة مع النفس تقوده إلى الشام والقدس ومكة والمدينة لفترة تمتد عشر سنوات يعود بعدها إلى مسقط رأسه "بطوس" حيث يقرر مغادرتها بعد سنة إلى نيسابور معاودا نشاطه فيها كأستاذ بنظاميتها وهنا لنا أن نسأل مرة أخرى لماذا نظامية "نيسابور" بدال من نظامية بغداد البد أن أشياءكثيرة قد تغيرت في الغزالي والبد أن تحوالت كثيرة قد طرأت على محيطه االجتماعي والسياسي فقد تغيرت مقاصد وأهداف التعليم لديه كما مر معنا وباإلضافة إلى التجربة الروحية التي مر بها والتي أوصلته إلى مسلك التصوف وأوصلته إلى من تلك األعمال مثال إ قدامه على هدم معامل ذات طابع رمزي بالنسبة للسالجقة كان قد بناها "طغرل بك" يف بغداد كانت تسمى "مدينة الطغرل" وهو عمل رمزي له دالالة. املرجع ذاته ص
278 قناعة اإلصالح واإلحياء كالتزام من عالم أصبح يرى نفسه أكثر من اي وقت مضى عالما يقف على رأس المائة سنة بعد القرن لرابع كمجدد للدين لقد سلخ هذه السنوات من عمره وربما كان ينوي الظهور بمظهر مصلح ديني سياسي" "استعدادا للقيام بمهمته هذا القرار قرار الرجوع إلى الحياة العامة من خالل معاودة التدريس ومحاولة اإلصالح وذلك بالعزم على محاربة أصناف من الخلق والفالسفة والتعليمية والمتوسمين من العلماء قد برره في الذاتية فتتمثل في ذلك الدعم المعنوي الذي جعل له مبدأ خير ورشد" والخروج من الزاوية". وقبل هذا اتفاق "المنقذ" طرق الصوفية : بعوامل ذاتية وأخرى موضوعية فأما "منامات من الصالحين كثيرة تشد بأن هذه الحركة "جماعة من أرباب القلوب والمشاهدات على اإلشارة بترك العزلة أما العوامل الموضوعية فهي تلك التي تخص الوضع العام إذ رأى أنه ال نفع من الخلوة ألنه "قد عم الداء ومرض األطباء وأشرف الخلق على الهالك" اهلل تعالى أن حرك داعية )4( وفي هذه الظروف يأتيه إلزام السلطان فقدر " السلطان الوقت من نفسه ال بتحريك من الخارج فأمر أمر إلزام بالنهوض إلى )5( نيسابور لتدارك هذه الفتنة" ولكن األمر لم يدم طويال فقد صح العزم من الغزالي "ولكن الدهر أبى" إذ سرعان ما عاد إلى خلوته "بطوس" "منشغال بالعبادة ومجالسة أرباب القلوب واإلقبال على الحديث ومجالسة أهله" إلى وفاته التيكانت سنة 545 ه وهكذا انتهت مسيرة ورحلة عالم بدأت في طوس إلى جرحان الى نيسابور إلى بغداد فالشام ثم طوس فنيسابور ثم العودة األخيرة إلى طوس عمر لم يمتد في الزمن طويال أربعة و خمسين سنة - لكنه عمر يختزل صراعات وأفكار وأحداث زمن ليس يسيرا من إسالم العصر الوسيط وسنتجه إلى غزالي بغداد ما بعد سنة 411 ه والتي تحتاج طبعا غلى التوقف وفهم المسلك الذي سلكه وهو مصير نرى في عالجه أن الغزالي كان مهيئا له بحكم تأثير ما أسميناه سابقا بالمؤسسات األولية فقد تواله صوفي في صغره ثم تأثيره شيخه الجويني وأخيرا حالة االحباط من الوضع العالم واليأس من القدرة على مواجهته ومن ثم مرارة الشعور بالعجز عن القيام بالدور الذي كان يتمثله لنفسه كعالم إذ )6( "ال يتم ذلك إال بزمان مساعد وسلطان متدين قاهر " فقد اغتيل نظام الملك دي بور تاريخ الفلسفة يف اإلسالم تر: حممد عبد اهلادي أبو ريدة تونس/اجلزائر الدار التونسية للنشر / املؤسسة الوطنية للكتاب )ب.ت( ص 772. الغزايل املنقذ من الظالل ضمن جمموع رسائل الغزايل 210. املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. )4( املرجع ذاته ص 210. )5( املرجع ذاته ص 212. )6( الغزايل املنقذ من الظالل ضمن جمموع رسائل الغزايل
279 وتسلم السلطة سالطين ضعاف ولم يستطيع الخليفة المستظهر أن يرجع للخالفة هيبتها فقد تمكنت الدعوة الباطنية واقتلع الصليبيون أكثر أراضي الشام فلم يبق له إال نفسه إن هذا المسلك "الهروبي" بالتحول نحو التصوف أو اعتزال الحياة العامة أو حتى التحول من الممارسة السياسية إلى الممارسة الفكرية ليس مسلكا غزاليا خالصا ولكنه ظاهرة تكررت وتنكر مع العشرات من المفكرين في ظل ظروف تاريخية وسوسولوجية معروفة تفسرها مايسمى بسوسيولوجيا اإلخفاق وليس ابن خلدون عنا ببعيد ومن قبله ابن رشد والتوحيدي وغيرهم إن أكثر ما يعنينا في هذا البحث كما قلت غزالي بغداد حيث أصبح عالما له صيته وله التزاماته تجاه مجتمعه ولكن من خالل سلطة موزعة بين رمزية دينية يقف على رأسها الخليفة "المستظهر باهلل" وسلطة دنيوية قائمة على التغلب والقوة بمثلها سالطين السالجقة "ألب أرسالن" و"ملشكاه" و "ا بركياروق" وبيروقراطية فارسيةكان يمثلها في عهد الغزالي الوزير "نظام الملك" وابنه "فخر الملك" وهي سلطة قائمة كما رأينا على صراع داخلي بين القوى المشكلة لها صراع بين مقام الخليفة ومقام السلطان السلجوقي وصراع عائلي و عشائري على السلطة بدأ منذ وفاة السلطان "ملكشاه " سنة 415 ه وهي سلطة تواجه خارجيا عدوا لدودا االسماعلية والغزو الصليبي لديار اإلسالم سلطة لها إلزاماتها وعالم له التزاماته فكيف تحدد العالقة بين الغزالي رجل العلم ورجل السياسة سواءكان الخليفة أم السلطان 279
280 المبحث الثاني: مقاصد الفالسفة ومقاصد الغزالي يجب أن نؤكد أنه من موقعه كعالم وبالمفهوم الذي حددناه وبالوظائف واالدوار المنوطة بهذه المكانة خاض الغزالي سجاال طويال مع من يسميهم»أصناف الطالبين" الصوفية كفقيه ويحكم على الفقه بمنظار الصوفي غير أن عداوته الثابتة بها الفالسفة واالسماعيليين" معززا بازدواجية مواقفه فيهاجم شبه المرضية يخص -كان هذا الموقف الثابت أو الموقف المبدئي قائم على استراتيجية تغذيها مقاصد وأهداف محددة فما هي هذه المقاصد وأية استراتيجية اتبعها لتحقيق ذلك يكاد يجمع الدارسون على أنه لم يسبق الغزالي أي مفكر االضطالع بمهمة نقد الفالسفة بشكل نسقي يقوم على الدراسة العميقة لمبادئ الفلسفة وأصولها لدى منتحليها في اإلسالم فقد تصدى المتكلمون المعتزلة منهم خاصة للرد على أفكار فلسفية أو مذهب فلسفي بعينه "ولكن لم يحاول أحد قبل الغزالي أن يشن على جملة المذاهب الفلسفية التي قامت في المشرق على أساس الفلسفة اليونانية غارة تستند إلى أصول عامة وتقوم على دراسة عميقة" كما فعل الغزالي وقبل الخوض في محاولة اإلجابة عن األسئلة التي طارحناها علينا أن نتوقف عند التكوين الفلسفي للغزالي وطبقا للمسار الدراسي للغزالي في "نيسابور" نظامية والتي عرفنا سابقا مضامين وأهداف برامجها واستنادا إلى تخصصات شيوخه الذين تلقى منهم العلم ال نعتقد أنه تلقى دروسا متخصصة في الفلسفة قبل مجيئه إلى بغداد والتي عندما دخلها الغزالي كانت مازالت تستهلك آثار النهضة الفكرية للقرن الرابع الهجري ولنشاط مدرستها الفلسفية التي نشأت نتيجة مشروع المأمون وأثمرت بميالد فالسفة اإلسالم الكندي الفارابي وكانت أي بغداد- المكان األنسب لشيوع وذيوع األفكار الفلسفية خاصة تلك التي لها صلة بالتشيع اإلسماعيلي كفلسفة "إخوان الصفا" ولعل الغزالي استهلك ما يقارب السنتين األوليتين من وجوده في بغداد في دراسة هذا التراث الفلسفي واالطالع عليه ليمر إلى مرحلة التعمق في البحث في مقاصدهم لدرجة الكشف عن تهافتهم وتناقضهم حيث استغرقت هذه المرحلة سنة وكل ذلك قد تم بمجهود ذاتي دون االستعانة بأستاذ يقول في المنقذ:" فشمرت على ساق الجد في تحصيل ذلك العلم من الكتب بمجرد المطالعة من غير استعانة بأستاذ... فأطلعني اهلل سبحانه وتعالى بمجرد المطالعة في هذه األوقات المختلسة على منتهى علومهم في أقل من سنتين ثم لم أزل أواظب على التفكير فيه بعد فهمه قريبا من سنة أعاوده وأردده وأتفقد غوائله وأغواره حتى اطلعت على ما فيه من خداع وتلبس وتحقيق وتخييل اطالعا لم أشك محيش سامل الغزايل بني فكر القطعيات وسياسة اإلقطاع الفكر العريب املعاصر بريوت مركز اإلمناء القومي العدد 23/21 سبتمرب /أكتوبر 2933 ص 21. دي بور" تاريخ الفلسفة يف اإلسالم ص
281 فيه" وإذا كان لنا أن نخمن وفق المعطيات فإننا نميل إلى القول بأن الغزالي قد عكف على دراسة الفلسفة المدة التي ذكرها في بغداد حيث حفز جوها المحموم بالصراع الفكري والمذهبي ومن وراءه الصراع السياسي الغزالي على "تحصيل هذه البضاعة التي بدونها ال يمكنه تحقيق طموحهكشاب يتوق إلى الجاه والشهرة وتبوأ المقاعد األمامية على مسرح الحياة العلمية والسياسية حيث أدخلت الفلسفة بعد ازدهارها في القرن الرابع الهجري كأداة فعالة في الصراع المذهبي والسياسي فكانت بضاعة مطلوبة وال بد ان فترة التحصيل هذه كانت في وقت من الفترة الممتدة بين أوال حيث بدى لنا أن التحصيل الفلسفي للغزالي كان ما بين 414 ه و ه تاريخ خروجه من عكس ما كنا قد خمنا غداة "نيسابور" وفاة شيخه "الجويني" إلى سنة 414 ه تاريخ تعيينه كأستاذ بنظامية بغداد وكان هذا التخمين يبدو منطقيا وواقعيا ألنه سيفسر الحلقة المفقودة من حياة الغزالي والتي امتدت ست سنوات كما مر معنا وألنه ليس من المعقول أن يتبوأ الغزالي منصب األستاذ بالنظامية ويعكف في نفس الوقت على التحصيل الفلسفي والتأليف ناهيك عن التدريس لكن بالرجوع إلى نص "المنقذ" نفسه أن األمر تم في بغداد وأثناء توليه التدريس وفي أوقات أختلسها سقط هذا التخمين وذلك بتأكيد الغزالي "وأقبلت على ذلك في أوقات فراغي من التصنيف والتدريس في العلوم الشرعية ممنو بالتدريس واإلفادة لثالثمائة نفر من الطلبة في بغداد". إذن وخالل الفترة الممتدة بين سنة 414 ه و 411 ه استهلك الغزالي كل وقته في التدريس التحصيل الفلسفي والتأليف وعلى ذكر التأليف وبالعودة إلى نصوصه التي كتبها في هذه الفترة المقاصد والتهافت والمستظهري واالقتصاد في االعتقاد فإن ترتيبها حسب ما يمليه تطور األحداث كان كما يلي "مقاصد الفالسفة" ثم "تهافت الفالسفة" حيث اشار في خطبة كتاب المقاصد إلى هدفه في عرض مقاصدهم أي الفلسفة ليترك مهمة بيان بطالن بعض اعتقاداتهم " فيكتاب مفرد نسميه تهافت الفالسفة إن شاء اهلل" المستظهرية" والمعرف ثم يأتي الكتاب المهم بالنسبة لهذه الدراسة كتاب "بالمستظهري" اعتبار أن المستظهر تقلد منصب الخالفة سنة والذي يكون قد ألف في وقت ما بين سنة "فضائح البطانية وفضائل ه على و ه والكتاب ألف كاستجابة ألوامر هذا الخليفة كما يعلن ذلك الغزالي وعلى اعتبار أن الغزاليكان قد غادر بغداد سنة 411 ه إلى وجهة أخرى وبتوجه آخر سيصبغ كتابات ما بعد مرحلة بغداد بصبغة أخرى. الغزايل املنقذ من الضالل ضمن جمموع رسائل الغزايل 210. املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. الغزايل مقاصد الفالسفة تح: أسعد مجعة تونس داركربانيس للطباعة والنشر والتوزيع
282 وبالعودة إلى مقاصد الفالسفة ومقاصد الغزالي من عرض أفكار الفالسفة ثم التظاهر على منتحلي الفلسفة في اإلسالم نعود إلى نصوص الغزالي ونحاول ربطها بالسياق التاريخي العام الذي كتبت فيه والذي كنا قد حددنا سابقا ذلك أن هذا الربط من شأنه أن يساعدنا على الكشف عن مقاصد تلك النصوص والغايات اإليديولوجية المتضمنة فيها وأهم تلك المحددات التي تطبع ذلك السياق: 1. الخالقة العباسية: كخالفة تتغذى بوجود خليفة يعتبر رمزا وقائدا لمجموعة اإلسالم السني حيث تحظى مؤسسة الخالفة بالتقديس. 2. السلطة السلجوقية: صاحبة الشوكة أو من اعتبرهم الغزالي أهل الحل والعقد تتميز بعقيدتها العسكرية وبحملها لمشروع "اإلحياء السني". 3. تهديد اآلخر: المتمثل في الوجود الشيعي اإلسماعيلي منه خاصة والمتسلح بالنظر الفلسفي. في إطار هذه المحددات كتب الغزالي نصوصه وفي إطار هذه المحددات سنقرأ تلك النصوصوفق ما بيناه من معطيات فقد بينا أن الغزالي وأثناء وجوده في بغداد قد درس الفلسفة وانتقل إلى التأليف فيها وكنا قد بينا أن هذه الفئة "من أصناف الطالبين" مثلت مع اإلسماعيليين الخصم الثابت والدائم للغزالي ومن ورائه السلطة السلجوقية والخالفة العباسية والتراث السنيككل وعلينا أن نضيفكذلك أن الفلسفة التي كانت محل نقد ليست تلك الفلسفة التيكانت تمارس في القرن الرابع للهجرة في المناظرات الحرة في قصور الوزراء واألمراء والميسرين ولكنها تلك الفلسفة التي ألبست لباس اإليديولوجيا وغدت سالحا إيديولوجيا تستخدمه االسماعيلية وعند هذا الحد أصبحت معتقدا تحضى بالمواجهة من قبل السلطة القائمة ومن قبل العلماء الذين يمثلون السنة وكان الغزالي أهم المعنيين بهذه المواجهة التي حدد لها مقاصدها وأهدافها وكذا استراتيجيتها فأما االستراتيجية التي اتبعها في نقده للفلسفة كما قدمها فالسفة اإلسالم "الفارابي" و"ابن سينا" متسلحا بلغة شارحة إيحائية وإيعازية لغة واضحة واثقة وصارمة تنطق باسم ذات متكاملة متحكمة ومسيطرة على مادة كالمها وبغض النظر عن نجاحها في تحقيق غايات ومقاصد الغزالي ومنكان ينطق باسمهم ومصالحهم فإن هذه االستراتيجية قد خدمت أبما خدمة تاريخ األفكار في اإلسالم إذ حفظت لنا المادة المعرفية التي ضاعت ورغم وعيه بأنه يقدم خدمة لخصومه يعرض فكرهم بشكل منظم وفي أحيان أكثر تنظيما ووضوحا من مصادره إال أنه يبرر ذلك تبريرا واقعيا فقد استعاد في "المنقذ" إنكار أحمد بن حنبل على الحارث المحاسبي عرضه ألفكار المعتزلة عندما صنفكتابا للرد عليهم وبعد أن تبنى وبشكل ذكي تحفظ أحمد بن حنبل استدرك موضحا مبررات طريقته القائمة على عرض مقدمات الخصوم - الفالسفة واإلسماعيليين- حيث أجملها في ثالثة مبررات: 282
283 .1 مبرر معرفي ذو بعد أخالقي ويتمثل في عدم إمكانية دحض أي مذهب بدون حصول معرفة به "فعلمت أن رد المذهب قبل فهمه واالطالع على كنهه رمي في عماية )1 ".2.3 حصول المعرفة بالمذهب تتحول إلى واجب الرد عليه ال ضرر في عرض أفكار المذهب بعد شيوعهاكشبهة " إذ ال يخاف المبتل المطر" ورغم أن الغزالي كان يتكلم في المنقذ عن الباطنية إال أنه وكما سيأتي يقرنها بالفالسفة إذ يجمع بينهما صراحة من حيث النتائج التي تؤول إليها كل من الباطنية والفلسفة كما انتحلها فالسفة اإلسالم إذ يقول: " هذا ما أردت أن أذكره في ذم الفلسفة والتعليم وآفتهما". بناءا على هذه القناعات يقدم الغزالي مقاصد الفالسفة من الناحية المنهجية والشكلية كما يلي: تقديم أقسام علوم الفلسفة األربعة: الرياضيات المنطقيات الطبيعيات االلهيات وعلى عكس ما أعلنه في مقدمة الكتاب من أن مقصده هو عرض علومهم دون الحكم عليها إذ أنه يؤكد أنه ال يقصد " إال تفهيم غاية كالمهم من غير تطويل بذكر ما يجري مجرى الحشو والزوائد الخارجية عن المقاصد وأورده على سبيل االقتصاص والحكاية مقرونا بما اعتقدوه أدلة لهم" يصدر أحكاما قيمية بشكل إيحائي وسريع أثناء تعريفه لتلك العلوم فالرياضيات علم حيادي وكذا المنطق أما الطبيعيات فيختلط فيها الحق بالباطل ولكن اإللهيات )4( "أكثر عقائدهم فيها على خالف الحق والصواب نادرا فيها" فالقصد أنهكتاب تعليمي ولكنه تهيء نفسي ومعرفي للمتلقي لقبول وتبني األحكام التي سيطلقها في كتابه "التهافت" فالخطوة األولى تقديم المادة في شكل مقاصد تقديم مختص متضلع مع إدراج أحكام سريعة على أقسام العلوم الفلسفية في عالقتها بالموقف الديني مذكرا في كل مرة أن الحكم على هذه المقاصد سيكون موضوع كتاب "التهافت" هذا األخير كان دائم الحضور في المقاصد في شكل إيعازية فأول ما بدأ به خطبة كتاب المقاصد هو الكالم عن " مقاصدهم أوال "تهافت الفالسفة" "ومضات إشهارية" كهدف ينال بعرض أما بعد فإنك التمست كالما شافيا في الكشف عن تهافت الفالسفة وتناقض آرائهم ومكامن تلبسهم وال مطمع في إسعافك إال بعد تعريفك مذهبهم وإعالمك معتقدهم... فرأيت أن أقدم على بيان تهافتهم كالما مشتمال على حكاية مقاصدهم من علومهم المنطقية والطبيعية واإللهية من غير تمييز بين الحق منها والباطل" )5( والقارئ سيالحظ بسرعة عملية ترصيص للحدود واأللفاظ المفعمة الغزايل املنقذ من الظالل ضمن جمموع رسائل الغزايل املرجع السابق ص 222. الغزايل مقاصد الفالسفة 22. )4( املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. )5( املرجع السابق ص 22.
284 باألحكام القيمية فإلى جانب واأللفاظ الدالة على التهافت من قبل "تهافت الفالسفة" "تناقض اآلراء" الذي سيكون عنوان الكتاب يورد الغزالي الحدود "مكامن التلبيس" "فساد المذاهب" منهيا كتابه بافتتاح كتاب التهافت حيث يقول: "ولنفتتح بعد هذا الكتاب تهافت الفالسفة حتى يتضح بطالن ما هو باطل من هذه اآلراء" بعد العرض العام لمضامين الكتاب يذهب إلى العرض التفصيلي للعلوم الثالثة مستبعدا الرياضيات كعلم حيادي مبتدأ بفن المنطق عارضا وبالتفصيل جميع مباحثه موليا أهمية كبيرة له من حيث أنه وكما يرى مرتكز الفالسفة في تقديم آرائهم فهو أي المنطق لغة يجب إتقانها حتى يمكن مناظرتهم بل واستعمال هذه اللغة كسالح فعال ضدهم وضد مستخدمي الفلسفة أي الباطنية وهو كما سنرى يأخذ على الفالسفة "في المنقذ" عدم الوفاء لما شرطوه في صحة مادة القياس في مجال اإللهيات معلنا أنه في كتاب التهافت سيستخدم المنطق لغة الفالسفة لمناظرتهم وأنه أي "التهافت" المعركة في المنطق شرط لفهم مقصود كتاب ثم يذهب الغزالي إلى عرض الفن الثاني الذي هو اإللهيات وهو الفن الذي سيشكل أرض "التهافت" مقسما إياه إلى مقدمتين األولى تتعلق بتقسيم العلوم والثانية يتناول فيها مضامين تلك العلوم هذه األخيرة يقسمها غلى خمس مقاالت لينتهي إلى الفن الثالث الذي هو الطبيعيات والذي اعتبرها حقال يتداخل فيها "الحق بالباطل" ملحقا بهذا الفن مباحث تتعلق بفلسفة النبوة وما يتعلق بها من قضايا أخالقية وبنية هذه المباحث ومضامينها تنطق بأن مصدرها المباشر "الشفاء" "فقد أثبت "JANSSENS "أبن سينا" وبالتحديد كتاب أن دائرة المعارف الفلسفية المسماة كتاب الشفاء البن سينا و على االخص وعلى األخص الجزأين الخاصين باإللهيات وبالنفس قد تأسست عليها أقوال الغزالي المنسوبة إلى الفالسفة. بعد هذا العرض السريع لمحتويات كتاب وأولها: "مقاصد الفالسفة" تظهر لنا المقاصد األولية من هذا المؤلف - اإلعالن عن القدرة الفلسفية التي امتلكها كعالم متجلية تلك القدرة في الفهم العميق لمقاصد الفالسفة لدرجة تجاوز مدعيها. - المقاصد إعادة صياغة للقول الفلسفي كما انتحاله فالسفة اإلسالم بشكل منظم وأسلوب مباشر وشارح وواضح مما ينبأ بالقدرة على هدم هذا البناء الفكري. 284 املرجع السابق ص 722. حوزيب بويت ج مونتادا ابن سينا ومصادر هتافت الفالسفة للغزايل ضمن أعمال الندوة الدولية "الغزايل اليوم ملاذا " ماي 2022 تونس اجملمع التونسي للعلوم واآلداب والفنون 202 ص
285 -كسر "االحتكار الفلسفي" والهالة التي أحيطت بها الفلسفة بسبب تعقيد أسلوبها ومفاهيمها ومما جعلها بمنأى عن أوسط الناس فما بالك بعامتهم والذي ينبهرون بمدعيها هؤالء يكتسون الحصانة المعرفية وسلطة قول الحق بمجرد انتحالهم للفلسفة. - تقديم الفلسفة بالصيغة التي قدم بها الغزالي تعطى المشروعية المعرفية واألخالقية لنقدها وهدمها وهذا ما يعزز ثقة المتلقي بانتقادات الغزالي لها فيما بعد مما يعطي للقول الناقد سلطة معرفية تجعله مقبوال لدى المتلقي فينصرف عن القول الفلسفي إلى القول الناقد له وهذا هو المبتغى. - إرجاع الفلسفة إلى مباحثها وتقديم كل مبحث على حدى مع الحرص على تحديد الموقف الديني من كل قسم من أقسامها " أصال". قسم يجب التفكير فيه وقسم يجب التبديع فيه وقسم ال يجب إنكاره هذا التصنيف إنما كان لغرض تعيين ارض المعركة بين القول الديني األشعري منه خاصة والقول الفلسفي أي اإللهيات وهو مجال تهافت الفالسفة بسبب عدم وفائهم فيه لما شرطوه من صحة القياس كما يقول وهذا للخلوص إلى أنه ال يمكن إنكار الفلسفة برمتها بل هي تحوي ما يجب التسلح به بكلمة جامعة ألف المقاصد من أجل التهافت فلم ألف "تهافت الفالسفة" لقد تبين لنا من خالل الرجوع إلى نص "المقاصد" "مقاصد الفالسفة" أن كتاب "تهافت الفالسفة" كان حاضرا في نص من خالل الترويج له في كل مرة وعدا بعض اإلشارات التي تضمنت أحاكما ومواقفا من مقاصد الفالسفة كان هذا النص هادئا ودودا ولكنه ود وهدوء سبق العاصفة عاصفة الفالسفة" "تهافت الذي هو نص صيغ في شكل مرافعة كالمية فلسفية في حق الدين وباسم العلم والعلماء ضد منتحلي الفلسفة في اإلسالم وهو نص مشحون باأللفاظ والعبارات الدالة فعال أن األمر يتعلق بمعركة مصيرية من قبيل حمل صفة الكفر البدع الضالل االحتيال و الزيغ على الفالسفة والحكم على أفكارهم بالتهافت التناقض والبطالن واعتبارهم العدو الذي يجب التظاهر عليه بتكوين حلف فكري يضم حتى تلك الفرق التي يختلف معهم كأشعري مثل المعتزلة والكرامية والواقفية من أجل تجاوز ما أسماه الشدائد يقول: "فأبطل عليهم ما اعتقدوه مقطوعا بإلزامات مختلفة فألزمهم تارة مذهب المعتزلة وأخرى مذهب الكرامية وطورا مذهب الواقفية وال أنهض ذابا عن مذهب مخصوص بل أجعل جميع الفرق إلبا واحدا عليهم فإن سائر الفرق ربما خالفونا في التفصيل وهؤالء يتعرضون ألصول الدين فلنتظاهر عليهم فعند الشدائد تذهب األحقاد" لقد غدا جميع الخصوم حلفاء عدا الشيعة الذين لم يحزبهم في الحلف ألسباب سنذكرها في حينها وطبعا األشاعرة إذ أنه ينطق باسمهم الغزايل املنقذ من الضالل ضمن جمموع رسائل الغزايل 212. الغزايل هتافت الفالسفة تح: أسعد مجعة تونس داركربانيس للطباعة والنشر والتوزيع
286 فقد تحول من ضمير المخاطب المفرد كعالم إلى ضمير المخاطب الجمع باستعمال نون الجماعة عندما شرع في الكالم عن الفرق. لقد بدأ الغزالي كتابه بإصدار مالحظة تبدو لنا غاية في األهمية ال يلتفت إليها عادة هذه المالحظة تتعلق بانصراف طائفة من الناس عن االلتزام بإقامة شعائر الدين إتباعا وتقليدا لمنتحلي الفلسفة في ديار اإلسالم وال نحتاج إلى الكثير من التمحيص لكي ورائهم نعرف أن المعنيين هم اإلسماعيليون وأتباعهم ومن "أخوان الصفا" فلقد أتاحت الحرية الفكرية للقرن الرابع الهجري فرصة عودة الفلسفة وكل العقائد والمذاهب القريبة منها والمتضايفة معها من معتزلة وشيعة خاصة في شقها االسماعيلي وإنه ستكون لنا فرصة لمناقشة مسألة التغلغل اإلسماعيلي في األراضي السلجوقية فإننا نقول في عجالة أن المذهب اإلسماعيلي قد وصل إلى درجة محاولته تجاوز كل المذاهب والفرق الفاعلة في الساحة سنية كانت أم شيعية- االثني عشرية- في مسألة فهم وإدراك معطيات الوحي والدين في عالقتها بالعقل الكوني ومن ثم فهم وإدراك الممارسة الدينية وهكذا وحسب هذا الفهم واإلدراك يصبح الدين بشعائره وطقوسه التعبدية موجه للعامة التي ال تستطيع بمستوى الفهم واإلدراك المعطى لها استكناه المعنى العميق للوحي والحكمة والمعنى الذي ال يتوصل إليه إال الحكيم بالرياضة العقلية والسلوك المتقشف الصارم إن "الشريعة طب المرضى والفلسفة طب األصحاء واألنبياء يطبون للمرضى حتى ال يتزايد مرضهم وحتى يزول المرض بالعافية فقط. فأما لفالسفة بأنهم يحفظون الصحة على أصحابها حتى ال يعتريهم مرض أصال فبين مدبر المريض ومدبر الصحيح فرق ظاهر وأمر مكشوف" "التوحيدي" لسان وهكذا يقسم على "المقدسي" الناس إلى خاصة وعامة الخاصة في حاجة إلى حفظ صحتهم بالفلسفة والعامة في حاجة إلى معالجة مرضهم بالشريعة لقد كان هذا التيار "يريد أن يبرر الشريعة بواسطة العقل بل أن يتجاوز الشريعة ووصل بهم األمر إلى حد اختزال الدين إلى مجرد طب للمرضى أي للعامة أو إلى أفيون مفيد للشعوب كما يقال اليوم وهذا ما يتيح للفالسفة أن يتخلصوا من الطقوس الشعائرية أو أن يعتبروا أنفسهم في حل من تأدية الفرائض الدينية )كالصالة والصيام إلخ...( وكذلك يتحللون من التقيد بمصادر الشريعة" هذه المالحظة التي دشن بها الغزالي كتابه المشهور ستغدو في نظرنا المبتدأ والمنتهى في هذا الكتاب والتي استنطاقها سيكشف عن هوية الكتاب من أجل من ألف ومن هي الجهات المستهدفة حقا فيه فأما هوية الكتاب ومن خالل هذه المالحظة فإنه يرمي إلى حفظ عقيدة العامة وهي المهمة التي يراها الغزالي منوطة بعلم الكالم كما أن مسائله تتداخل فيها مسائل الكالم التوحيدي أبو حيان االمتاع واملؤانسة تق: خمتار نويوات اجلزائر مرقم للنشر ج ص 27. الغزايل جواهر القرآن يف سليمان دنيا احلقيقة يف نظر الغزايل ص
287 بالفلسفة ولكن أصلها متأتية من قضايا مرتبطة بأصول الدين كموضوع رئيس لعلم الكالم يقول في "جواهر القرآن" " وغرض هذا العلم حراسة عقيدة العوام من تشويش المبتدعة وال يكون هذا العلم مليا 287 أو معنيا أو مليئا - بكشف الحقائق وبجنسه يتعلقكتابنا الذي وضعناه في تهافت الفالسفة" وهذا التصنيف لكتاب التهافت هو ما يذهب إليه كذلك "سليمان دنيا" لدى تصنيفه لكتب الغزالي من حث أنها تنقسم إلىكتب وضعت للعامةككتاب التهافت وأخرى للخاصةككتاب "المضنون به على غير أهله" يقول: " وهذا النص أي النص السابق يفيد أنكتاب التهافت حاول به الغزالي أن يحفظ عن التشويش بأفكار أخرى تخالفها ال أكثر ضرورة أنه من جنس علم الكالم" الفالسفة". أما من أجل من ألف "تهافت فواضح من خالل المقدمات التي أثبتناها لتونا أن المستهدفين هم عامة المسلمين والغرض القيام بتدبير احترازي أو وقائي على المستوى الفكري والعقائدي لحفظهم من االنخراط في صفوف المقلدين والمتبعين للمذاهب الفلسفية أو باألحرى لمذهب اإلسماعيلية أما ما هي الفئة المستهدفة من هذا التظاهر والتحزب فهي وحسب منطوق عنوان الكتاب وحتى مضامينه الفالسفة تحديدا ابن سينا والفارابي فهما رؤسائهما في الضالل" "أقومهم من المتفلسفة اإلسالمية فلنقتصر على ما اختاراه ورأياه الصحيح في مذهب ولكن بالعودة إلى نصوص الغزالي نفسها وإلى السياق التاريخي الكلي تاريخ الدولة العباسية وكذا السياق التاريخي الجزئي تاريخ القرن الخامس للهجرة أي السياق التاريخي الذي أنتج داخله الغزالي نصوصه سرعان ما تتبين الفئة المستهدفة ومن ثم يتوضح لم ألف تهافت الفالسفة. لقد أعلن في افتتاح التهافت عن مشكلة االلتزام الديني المتمثل في التحلل من ممارسة العبادات تقليدا للفالسفة و"قد رفضوا وظائف اإلسالم من العبادات واستحقروا شعائر الدين من وظائف الصلوات والتوقي عن المحظورات واستهانوا بتعبدات الشرع وحدوده ولم يقفوا عند توفيقاته وقيوده بل خلعوا )4( بالكلية ربقة الدين بفنون من الظنون يتبعون فيها رهطا يصدون عن سبيل اهلل ويبغونها عوجا" وعرفنا أن األمر يتعلق بموقف "إخوان الصفا" و"اإلسماعيلية" من عالقة الشريعة بالحكمة ومقام النبي والفيلسوف ومن ثم وظيفة الفلسفة وكيف أن هذا الموقف يتيح لمن بلغ درجة الخاصة التحلل من ممارسة الشعائر الدينية ثم رأينا كيف يؤلف حلفا يؤلب فيه المذاهب والفرق على محاربة الفالسفة دون أن يستعين بالشيعة في هذا الحلف رغم أنهم دنيا سليمان احلقيقة يف نظر الغزايل ص 93. اركون حممد نزعة االنسنة يف الفكر العريب ص الغزايل هتافت الفالسفة ص 73/72. )4( املرجع ذاته ص 23. "يختلفون مع الفالسفة في بعض القضايا على غرار الفرق
288 األخرى والسبب أنه يضع الشيعة اإلسماعيلية منها خاصة في نفس مرتبة الفالسفة ورأينا كذلك وفي المنقذكيف أن الغزالي يجمع بين الفالسفة وأهل التعليم )اإلسماعيلية( في ذم آفتهما مجتمعين و ما دمنا نتكلم عن الشبكة النصية لغزالي بغداد البد أن نسجل ذلك الترابط العضوي بين نص التهافت ونص فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية ففي الفصل الرابع والذي يعرض فيه بالنقد لمعتقدات الباطنية التي يتبنونها كقدم العالم إنكار القيامة إنكار بعث األجساد إنكار الجزاء وهي نفس المعتقدات التي يكفر فيها الغزالي الفالسفة يجد أن هذه المعتقدات تتطابق مع معتقدات الفالسفة بل إن مصدر هذه المعتقدات متأتية من الفالسفة ف"هذه المذاهب أيضا مستخرجة من مذاهب الفالسفة في النبوات مع تحريف وتغيير ولسنا نخوض في الرد عليهم... الفالسفة" وفي والقدر الذي ننكره قد استقصينا وجه الرد فيه على فالفالسفة هم مصدر معتقدات الباطنية ومصدر حذقهم في استعمال الجدل وحدود المنطق "فضائح الباطنية" يشير إلى أنه اشتغل في الرد عليهم في مؤلفاته النظرية الكالمية مثل تهافت الفالسفة ليركز على الجانب السياسي للباطنية تحديدا القول باألخذ عن اإلمام المعصوم في الباطنية" "فضائح فسجالية الغزالي إنما كانت تتم على جبهتين الجبهة السياسية والجبهة المعرفية هذا ما تؤكده النصوص أما السياقات التاريخية سواء الفكرية منها أو السياسية فإنها تحتضن هذه الحقيقة التي تقرها النصوص حقيقة أن الفئة المستهدفة هي اإلسماعيلية فالسياق التاريخي الفكري يبين أنه لم يكن هناك خطر مباشر من الفالسفة على عقيدة العامة وعلى الخالفة والدولة "بل لم يكن هناك في عصره فالسفة قط فابن سينا كان قد توفي سنة 421 ه أي قبل ستين عاما من تأليف الغزالي لكتاب تهافت الفالسفة ) 411 ه( ولم يكن هناك من فيلسوف آخر" ولكن كانت هناك فلسفة إسماعيلية ذات طابع دعائي فعال على الصعيد األيديولوجي والعملي وهناك تناسب بين هذا العداء للفالسفة والسياق السياسي فسلسلة االغتياالت التي طالت إطارات النظام السياسي ثم الحرب األهلية التي أضعفت السلطة السلجوقية وتنامي الدعوة الباطنية في كل أراضي اإلمبراطورية السلجوقية والتي كانت تستقطب في صفوفها المزيد من المؤيدين في مجال حضاري كان أصال مهيئا لذلك في عهد الخليفة "المستظهر" إذن لم يشكل الفالسفة كأفراد خطرا سياسيا على النظام القائم فقد أثارت الفلسفة نفسها بالمقابل تخوفا ذلك أن اإلسماعيليين استخدموها لدعم عقيدتهم الثورية وقد اشتد العداء للفالسفة عندما تمكن اإلسماعيليون من تأسيس إمبراطورية منافسة ذات طموحات عالمية األبعاد وهي الخالفة الفاطمية في الغزايل فضائح الباطنية تح: عبد الرمحان بدوي القاهرة الدار القومية للطباعة والنشر 2912 ص 22. اجلابري حممد عابد تكوين العقل العريب ص
289 مصر" على هذا تكون الفئة المستهدفة في كتاب" تهافت الفالسفة" األساس المعرفي أو باألحرى األساس األيديولوجي الذي تقوم عليه وهكذا ألف أجل تهافت الفالسفة" و"تهافت الفالسفة" من أجل تهافت الباطنية " اإلسماعيلية وذلك بضرب "مقاصد الفالسفة" من فلقد كان نقد الغزالي للفلسفة مرتبطا بنقده للسياسة الباطنية... و هكذا كان "تهافت الفالسفة " من أجل " فضائح الباطنية "...و كان الرد على "الفارابي" و"إبن سينا" في الكتاب األول أرضية للرد على الحركة الباطنية الشيعية في الكتاب الثاني إن هذه الحركة كخطر سياسي يهدد السالجقة هي التي استهدفها الغزالي في سجاله ونضاله برده على أساسها الفلسفي الميتافيزيقي في "التهافت" وعلى موقفها العملي السياسي في "الفضائح" وقبل الوصول الى رد الغزالي على الموقف السياسي العملي لإلسماعيلية علينا أن نستدرك ما قيل بصدد بواعث الغزالي على التأليف ضد الفالسفة وخاصة الباعث الذاتي وألنه ليس من مهمات هذه البحث عموما وهذا المبحث خصوصا التنقيب عن العوامل الذاتية النفسية التي حملت الغزالي على التأليف ضد الفالسفة والمقصود بذلك االستجابة لداع الشك لديه فلذلك ترانا ال نقف عند األزمة النفسية للغزالي على أهميتها فقد تأكد لدينا أن الغزالي ومن خالل هذه الدراسة المتواضعة لسيرته الذاتية وبالتحديد مرحلة بغداد كان قد ألزم نفسه بمهمات ومسؤوليات محددة مبينة على قناعات فكرية وسياسية يظهر ذلك من خالل الصيغة الواضحة الصارمة والحاسمة التي كتب بها ومن خالل برنامج العمل الذي خضع له والمتسم بالنظام الدقة والكثافة فباإلضافة إلى التدريس كان قد حصل العلوم الفلسفية ونبغ فيها ثم ألف فيها تأليفا ذو طابع استراتيجي بدأه بالمقاصد والتهافت فالفضائح فاالقتصاد في االعتقاد فمعيار العلم وهذا ال يدل على اإلطالق على روح شاكة مترددة فيما تعتقد أو تعمل ودراسة بنية نصوصه في هذه الفترة بور" "التهافت" منه خاصة يؤكد هذا الموقف كما ال يتضح من مضامين وأهداف" أنه التهافت" ألفكتمهيد إلقامة التصوفكما ذهب إلى ذلك "عبد الهادي أبوريدة" على هامش تعليقه علىكتاب "دي )4( صدقه" لدى ترجمته له بل "ظاهر ذلك أن الغزالي يهدم الفلسفة ألنها تناقض مذهبا كالميا معينا يعتقد طبعا هذا على هامش األهداف والمقاصد األساسية التي استفضنا في عرضها وتحليلها ميخائيل حنا السياسة والوحي املاوردي وما بعده تر: شكري رحيم بريوت دار الطليعة 2992 ص االنتصار عبد اجمليد املعرفة وأسس سلطتها عند الغزايل الفكر العريب املعاصر بريوت مركز اإلمناء القومي العدد 23/21 سبتمرب/نوفبمر 2933 ص.32 كان ذلك مبناسبة تعليقه على التقسيم االجيايب لعمل الغزايل من قبل "دي بور" يفكتابه "تاريخ الفلسفة يف اإلسالم" اهلامش رقم 07 ص 770. )4( دنيا سليمان احلقيقة يف نظر الغزايل ص 23.
290 ولتأكيد هذه النتائج نلج إلى مبحث متمم األرسطي. ومكمل للمبحث السابق أنه موقف الغزالي من المنطق المبحث الثالث: المنطق آلة للعلم أم آلة حرب و سجال نسجل في هذا الصدد بالنسبة للغزالي ظاهرة نعتبرها مفارقة تتمثل في موقفة من المنطق و العقل فالمعروف عن الغزالي أنه ال يثق في العقل في الوصول إلى اليقين وفي نفس الوقت يولي ثقة كبيرة في المنطق لبلوغ اليقين لدرجة انه من لم يحط به ال يوثق في علمه أصال يرى الغزالي هذا الرأي في المنطق ونحن نعرف نسبة المنطق للعقل. هذه الظاهرة يعلق عليها هنري كوريان" " قائال: " ويزيد في العجب أيضا تلك الثقة التي يوليها الغزالي لمنطق والجدل العقلي في سبيل الوصول إلى محاجته في حين أنه هو نفسه ال يؤمن بجوى المنطق والعقل لبلوغ الحقيقة" نسجل هذه المالحظة ونحن نعرف أن موقفه من المنطق ظل كما هو حتى بعد اجتيازه الكشف الصوفي طريقا يوثق به للوصول إلى الحقيقة نسجل كذلك القدرة العجيبة التي يتصنع بها الغزالي في الجمع بين عناصر فكرية متعارضة داخل بنية فكرية واحدة ووعيه العميق بأهدافه وإستراتيجية تحقيق تلك األهداف ومن ذلك وكما سيأتي تفصيله عزل المنطق عن المنظومة المعرفية التي أنتجت في نظام معرفي مغاير بل والتأسيس له من داخل ذلك النظام ثم استخدامه في تحقيق أهدافه المعرفية واالديولوجية دون أن يشعرك بحدوث مرور من نظام معرفي إلى آخر وأكثر من ذلك فصل المنطق عن الفلسفة رغم ارتباطها العضوي ليجعل من المنطق مرغوبا ومطلوبا والفلسفة مستهجنة وبل محرمة وذلك بتبرئة المنطق وتقديمه على أنه آلة حيادية فكيف مارس الغزالي عملية تمرير المنطق اإلسالمي وبالتحديد إلى علم من أشد العلوم تعبيرا عن طبيعة وهوية الثقافة اإلسالمية وماهي الدوافع التي تقف وراء ذلك سيستقي الغزالي معارفه المنطقية من فالسفة اإلسالم الذين شكلوا هدفا لهجومه ونقده في التهافت و بالضبط من الغزالي وابن سينا إذ " لم ينقل علم أرسطوطاليس أحد من متفلسفة اإلسالمكقيام هذين الرجلين" نظرا لتمكنهما ودرايتهما بالمنطق معتبرا أن غيرهما ليس يخلوا من التخبيط والتخليط يتشوش من قلب المطالع حتى ال يفهم" متبينا بشكل تام المعارف المنطقية كما وصلته عن طريق ) 1 ( كوربان هنري تاريخ الفلسفة اإلسالمية ص ) 2 ( ) 3 ( الغزايل املنتقد من الضالل ص 227. املرجع ذاته الصفحة ذاهتا.
291 فالسفة اإلسالم مؤسسا لهذا التبني بتحديد وظائف المنطق ومن ثم ضرورته فمن حيث حده يعرف بأنه جملة القواعد التي بواسطتها ننتقل من المعلوم إلى المجهول إذ يعلم اإلنسان" كيفية االنتقال من المعرف الحاصلة في الذهن إلى األمور الغائبة عنه" فإذا كانت وظيفته كما وصف فانه من الضروري في تحصيل كل علم يقيني سواء كان ذلك في العقليات أو الشرعيات الن النظر" في الفقهيات ال يباين النظر في العقليات وفي ترتيبه وشروطه وعياره بل في مآخذ المقدمات فقط" ذلك أن العلم أما أن يكون تصورا لمفرد من المفردات- المفاهيم- أو تصديقا بين األلفاظ والمقدمات-تكوين األحكام والقضايا واالستدالل بها- إنشاء فان المنطق يصبح المسلك الوحيد للحصول على علم يقيني و لذا ال يتوانى الغزالي عن و صف المنطق في أكثر من مناسبة " بأنه معيار للنظر واالعتبار وميزان للبحث و األفكار... فكل نظر ال يتزن بهذا الميزان وال يعاير بهذا المعيار فاعلم أنه فاسد المعيار غير مأمون الغوائل واألغوار" الممارسة المنطقية للغزالي ستؤسس في مجموعها على قواعد منطقية يونانية على المستويين الصوري و المادي: -1 القواعد الصورية للبرهان المنطقي التي أخذ بها الغزالي: القواعد المنطقية تعني أساسا بصورة االستدالل أي االهتمام بجمع المقدمات بعضها إلى بعض للحصول على النتائج الالزمة مع مراعاة ترتيب المقدمات وفي هذا الجانب تبنى الغزالي قواعد التدليل المنطقية اليونانية األرسطية منها و من الرواقية فما يسميه "األنماط الثالثة" و هي عند الغزالي كما يلي: في التدليل الصوري ترتد عنده كلها إلى مبادئ االستدالل الصوري اليوناني 1- نمط التداخل: يحتوي على األشكال الثالثة للقياس األرسطي. 2- نمط التالزم: محتوى على ضربي الوضع والرفع الرواقيين- القياس الشرطي المنفصل- 3- نمط التعاند: ويحتوي على األضرب الثالثة للقياس الشرطي المنفصل- المنع من الجمع مع الخلو المنع من الجمع دون الخلو المنع من الخلو دون الجمع- 2- القواعد المادية للبرهان المنطقي التي أخذ بها الغزالي: ) 1 ( الغزايل معيار العلم تع و تقد علي أبوملحم بريوت مكتبة اهلالل 2997 ص 72. ) 2 ( - املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. ) 3 ( - املرجع ذاته ص
292 يضاف إلى الشروط الصورية لالستدالل المنطقي يشترط كذلك أن تكون مقدمات القياس" مخصوصة" من طبيعة فيما أن النتيجة الزمة لزوما ضروريا عن المقدمات فان طبيعة المقدمة هي التي تحدد طبيعة النتيجة فيقينية المقدمات تؤدي إلى يقينية النتيجة وظنية المقدمات تؤدي إلى ظنية النتيجة وقد تناول الغزالي القياس من هذه الناحية ببحث درجات صدق ويقين المقدمات مفضيا به هذا البحث إلى وضع سلم للقيمة المنطقية للمقدمات متدرجا من الصدق المطلق إلى الكذب المطلق. أول درجة في هذا السلم هي: " األولويات" التي هي مقررة في العقل بشكل فطري وضروري فهي ذاتية في العقل يقطع بها قطعا صحيحا دون الحاجة إلى االستعانة بحس أو خيال. أما الدرجة الثانية فيسميها الغزالي " االعتقادات الجازمة" وهي من حيث درجة اليقين أقل يقينية من األولويات فلو حصل لدينا علم بمقدمات تناقضها وكانت تلك المقدمات صادرة عن من نؤمن بصدق علمهكالنبي كان ذلككفيال بإسقاط يقينها. تتميز االعتقادات الجازمةكذلك بأن صدقها آت من خارجها و ليس بحكم تكوينها الذاتي و تصنف هذه القضايا حسب المصدر الذي استيقت منه فإذا كان التصديق لها آت من إحساس خارجي سميت "محسوسات ظاهرة" وتسمى "تجريبيات أو حدسيات" إذا كانت صادرة عن إحساس مشفوع "بقياس خفي" أما عندما تسمى "المتواترات" فهي تحصل بفعل"السمع" وإذا تم الموصل إلى صدقها بوسائط أو دالئل ناقصة العدد فهي قضايا. ويقع الغزالي كل من األولويات واالعتقادات الجازمة ضمن القضايا التي للبرهان ثم تأتي في الدرجة الثانية تلك القضايا التي تصلح للجدل والخطابة وهي المشهورات والمظمونات وهذا الصنف القضايا يتميز برجمان الصدق عن الكذب أو التمويه أو المغالطة فقضاياه تكون وهمية. من لقد ألحق الغزالي في ممارساته المنطقية تلك القضايا التي تصلح للجدل والخطابة نظرا النشغال الغزالي بالمناظرة والدفاع عن معارف معينة. بعد هذا العرض للجانب التقني للممارسة المنطقية للغزالي يحسن بنا اآلن استعراض التغيرات التي أحدثها الغزالي في المنطق. اإلسالمية وفق أهدافه االديولوجية. والتي هدفت إلى تكييفه وفق المجال الثقافي والتداولي للثقافة العربي ال يخرج الغزالي عن الخط العام الذي سلكه مفكرو اإلسالم الذين تبنوا المنطق اليوناني عامة والمنطق األرسطي خاصة في الثقافة العربية اإلسالمية أال وهو تكييف المنطق األرسطي علة أنه عملية ) 1 ( - ألنقاري محو املنهجية األصولية و املنطق اليوناين من خالل أيب حامد الغزايل وتقي الدين ابن تيمية الدار البيضاء الشركة املغربية للنشر والدة 2992 ص
293 التكييف لم تكن من جنس واحد فلم يكن المنطق األرسطي غاية بل وسيلة وسالحا ايدولوجيا في معظم األحوال ولما كانت األحوال السياسية واالجتماعية متباينة كان كل مفكر متبين للمنطق األرسطي مكيفا له من جانب معين ومستعمال له من أجل غاية تخصه. محتواه الطبيعية" وهكذا رجع الغزالي إلى المنطق األرسطي كآلة حيادية وليس كجزء من الفلسفة مفرغا إياه من "فما ألغاه الغزالي بإصرار فهو مضمون "البرهان" هو السببية وبالتالي العلوم العقلية الرياضية و لم يكن أمام الغزالي سوى هذا المسلك فتحييد المنطق باعتباره شكال فقط ضرورة أملتها االختيارات المذهبية واالديولوجية للغزالي ولكي يقبل المنطق كضيف مرغوب فيه في دائرة الثقافة العربية اإلسالمية مارس الغزالي عليه عملية تقريب لغوية وفقهية سيأتي التمثيل لها. "وألن المنطق األرسطي آلة الكتساب العلم فقط بل واألهم للرد على الحموم االديولوجيين فان الغزالي سيلحق الجانب الخطابي والجدلي بمجال البرهان معتبرا القضايا التي من جنس و"المقبوالت" و"المظنونات" قضايا تتميز برجمان الصدق على الكذب ألن ماكان أرسطو "المشهورات" يهم الغزالي من المنطق هو جانبه الجدلي ليدافع عن معارف معطاة في وجه معارف أخرى" فما الذي كان يتوخى تحقيقه أية جهة كان يحاول حمايتها والدفاع عنها بااللتجاء إلى منطق "لقد تسلم الغزالي مسؤولية إمامة األشاعرة من شيخه الجو يني الذي توفي وعلم الكالم بصفة عامة األشعري منه خاصة يزح تحت وطأة أزمة نظرية كادت أن تعصف به أو هي فعلت ذلك حقا أنها مشكلة "الحال" ذلك أن القول بها أدى إلى تناقضات منطقية ال يمكن تجاوزها وعدم قبولها يؤدي إلى خرق مبدأ التعليل الكالمي وبالتالي خرق طريقة المتكلمين "االستدالل بالشاهد الغائب" فكان على الغزالي بحكم منصبه كأستاذ في النظامية وبحكم سلطته المعنوية في المذهب األشعري أن يجد حال ألزمة علة الكالم األشعري ومحاولة تجاوز تلك األزمة بدأت بتحديد أسبابها التي بدت للغزالي في التماس علماء الكالم والبيانيين بصفة عامة)المعقوالت( يسقط ذلك الفصل التعسفي بين الذات والصفة التي تحملها فال معنى للفصل بين كون الذات متصفة بصفة كالعلم وبين كونها عالمة فهذه تستغرق تلك استغراقا تاما بلغة المناطقة فإذا كانت مشكلة الحال تحل على مستوى المعاني وليس على مستوى األلفاظ و كان المنطق ) 1 ( - اجلابري حممد عايد تكوين العقل العريب بريوت مركز دراسات الوحدة العربية ط ص 239. ) 2 ( - بوحجرة ساحي تارخيية املنطق العريب اإلسالمي ص 222. ) 3 ( - اجلابري حممد عابد تكوين العقل العريب ص
294 اليوناني يعطي األولوية للمعقوالت وليس لأللفاظ ويجعل اللزوم المنطقي بين المقدمات والنتائج يقع على عهدة المعقوالت وليس األلفاظ فان الغزالي سيلجأ إلى المنطق اليوناني والى مبحثه في الحدود والتصورات وبالضبط تلك المفاهيم التي تدل على الكلية الستعمالها في حل مشكلة الحال.كيف ينتقل الغزالي من المستوى المعرفي في المنطق إلى المستوى االديولوجي إن االنتقال من القياس البيان)االستدالل بالشاهد على الغائب( إلى قياس أرسطو ينقل مشكلة المنهج من مشكل يقع على مستوى آلية االستدالل إلى مشكل يقع على مستوى المقدمات التي يعتمدها وبالتالي فالنقاش لن يعود نقاشا في مادة المقدمات التي يعتمدها وبالتالي فالنقاش لن يعود نقاشا مصداقي النتيجة من ناحية لزومها المنطقي بل سيغدو نقاشا في مادة المقدمات أي مسألة الصدق او الكذب فيها وهي مسألة يمكن االحتكام فيها إما إلى العقل وإما إلى معطيات التجربة وفي جميع األحوال فالمسالة لن تعود أزمة في بنية التفكير بل ستغدو نزاعا حول "األصول" وهو نزاع ال يمس العقل بل يخضع العتبارات أخرىكثيرا ما تكون اديولوجية" نحن أخذنا فاالعتبارات االديولوجية هي ما كان وراء قرار الغزالي المتمثل في تبني المنطق األرسطي وإذا "المنقذ من الظالل" ما كنموذج بسبب انه يلخص فيه تجربته الروحية وفيه يحكم على"أضاف الطالبين" فان قراءته تبين ما مدى تحكم االعتبارات االديولوجية في االعتبارات المعرفية وبما أن األمر يتعلق هنا أساسا باختيارات الغزالي المنطقية فيجب رصدها عن قرب في وصفنا آليتها في "معيار العلم". "المنقذ من الظالل" بصدد كالمه عن الفالسفة وعلومهم يحاول تبرئة المنطق وتحييده بعد إن "وأما المنطقيات فال يتعلق منها بشيء بالدين نفيا وال إثباتا بل هو النظر في طرق األدلة والمقاييس وشروط مقدمات البرهان وكيفية تركيبها وشرط الحد الصحيح وكيفية ترتيبه وان العلم إما تصور وسبيل معرفة البرهان وليس في هذا ما ينبغي إن ينكر بل هو في جنس ما ذكره المتكلمون وأهل النظر في األدلة وإنما يفارقونهم بالعبارات واالصطالحات وبزيادة االستقصاء والتفريقات والتشيبعان" فهو آلة حيادية بل إن إنكاره يعدد سلبا من منكره فيسوء االعتقاد بعقله ودينه " فإذا أنكر لم يجعل من إنكاره عند أهل المنطق إال سوء االعتقاد وفي عقل المنكر بل في دينه الذي يزعم انه موقوف على مثل هذه األفكار" انه أي المنطق- ال يتعلق بفلسفة ما وال بعقيدة ما أنه حيادي عام وكلي ليس وقفا على اليونان فنفس اآللة نجدها في القرآن الكريم مبرهنا عليها بصياغة اآليات القرآنية صياغة منطقية على هيئة قياس ) 1 ( - اجلابري حممد عابد بنية العقل العريب بريوت م د و ع 2931 صص ) 2 ( - املنقذ من الضالل ص 222 ) 3 ( - املرجع ذاته الصفحة ذاهتا
295 مستخرجا ما أسماه ب "موازين القرآن الثالثة" "فاعلم أن موازين القرآن في األصل ثالثة: ميزان التالزم ميزان التعاند لكن ميزان التعادل ينقسم إلى ثالثة أقسام: فيصير الجميع خمسة" ميزان التعادل إلى األكبر واألوسط و األصغر لقد قام الغزالي بعملية تبييء للمنطق بالقيام "بالتأصيل العقدي لإلصالح المنطقي والتأصيل العقدي للقياس المنطقي إما األول فيتو ضح من خالل مصطلحات مشتقة من هذه المصطلحات القرآنية" من ذلك مثال تسمية للمنطق "استبداله المصطلحات المنطقية مصطلحات "القسطاس المستقيم" " قرآنية أو المعيار" "المحك" "مدارك العقول" أما التأصيل العقدي للقياس األرسطي وكما تم وصفه فيتمثل في تخريج االستدالالت المنطقية و التي سماها الموازين من القرآن الكريم كما أسس للمنطق فقهيا كما مر معنا بإصدار الحكم المعروف: النظر في العقليات بالنظر في الفقهيات" بالمصطلحات الفقهية و إيراده األمثلة الفقهية على مباحث المنطق. تماثل ممارسا عمليا هذه المماثلة باستبداله المصطلحات المنطقية وقد مارس هذه العملية في "القسطاس المستقيم" بشكل واسع ولم يكن ذلك لغرض منطقي ومعرفي محض من الكتب التي ألفها الغزالي لدحض عقيدة التعليم اإلسماعيلية بتوظيف المنطق لهذا الغرض وهو الغرض الذي أراده منذ البداية دحض الفلسفة وعقيدة التعليم بمحاولة البرهنة على أن الفالسفة" لم يفوا بماشرطوه من صحة القياس في اإللهيات وهو المجال الذي يتماثل فيه قول الفالسفة بقول اإلسماعيلية كما بينا في المبحث السابق. وفي المنطق في مجال بحثنا اآلن ودائما هذا الكتاب وبعد أن تقوم بعملية تبينة للمنطق ودمجه في المنظومة المعرفية العربية اإلسالمية من خالل اعتبار المنطق "موازين القرآن" الصحيح وهو البديل عن عقيدة التعليم التي أصبحت تماثل موازين الشيطان الذي يماثل القياس القياس الفاسد- حيث يمارس في هذا المجال عمال منطقيا في جانبه الجدلي لهدم المقدمات التي يقوم عليها التعليم من خالل حوار مفترض أو حقيقي بينه وبين ما أسماه "رفيق من رفقاء أهل التعليم" ليصل معه بعد المحاججة إلى القول في االستغناء عن محمد صلى اهلل علية وسلم وبعلماء أمته عن إمام معصوم عن آخر وبيان معرفة صدق محمد صلى اهلل عليه وسلم بطريق أوضح من )4( النظر في المعجزات وأوثق منه وهو طريق العارفين" ) 1 ( - الغزايل القسطاس املستقيم ضمن رسائل اإلمام الغزايل ص ) 2 ( - عبد الرمحان طه جتديد املنه ج يف الرتاث بريوت الدار البيضاء املركز الثقاي العريب 2992 صص ) 3 ( - الغزايل هتافت الفالسفة ) 4 ( - الغزايل القسطاس املستقيم ص 299.
296 لهذا العنوان الذي يذيل له الغزالي "القسطاس المستقيم" يثبت الغزالي القول بالتعليم ولكن عن النبي المعصوم وال سبيل إلى ذلك إال عن طريق تعلمكيفية الميزان بميزان القرآن-أي المنطق- وال سبيل إلى ذلك إال بالتعلم عن إمام ولكن اإلمام " الرسول" الذي يتعلم من اهلل بغير جبريل ومن جبريل بواسطة وهذا دور آخر للعلماء باعتبارهم أئمة يعلمون الناس موازين الحق عن طريق الرسول وهذه النتائج كان قد أثبتها في "ألمستظهري" كما سيأتي بيانه في المبحث القادم ولكن الجديد في كتابه "القسطاس المستقيم" وهو من الكتب المتأخرة التي صنفها بعد سلوكه مسلك التصوف العرفانكطريق لمعرفة صدق الرسول صلى اهلل عليه وسلم المهم إن الغزالي حتى وهو صوفي ظل يعتقد ويمارس هذه القيمة االستثنائية للمنطق التي تمتد لكل مجاالت المعرفة الدينية وغير الدينية اذ يقول :"قلت : هيهات ال ادعي إني أرى بها المعارف الدينية فقط بل أرى بها العلوم الحسابية والهندسية والطبيعية والفقهية والكالمية وكل علم حقيقي غير وضعي فاني أميز حقه عن باطله بهذه الموازين" وهكذا يتضح من خالل هذا العرض الوظيفة األيدولوجية للمنطق عند الغزالي ويتضح كيف أن الظروف التاريخية دفعت الغزالي إلى االستنجاد بالمنطق اليوناني وتكييفه ليصبح مقبوال في العالم اإلسالمي ولكي تصبح له القدرة على القيام بالوظائف التي أرادها الغزالي. وظيفة آلة حرب وسجال النتصار على خصوم المذهب علماء السنة والخالفة السنية ودولتها السلجوقية ضد الباطنية من خالل التشهير"بفضائحها" وفضائل نتجه. وفي المقابل إظهار "فضائل المستطهرية فإلى مبحث فضائح 296 ) 1 ( - املرجع ذاته ص 299. ) 2 ( - املرجع السابق ص 299
297 المبحث الرابع : فضائح وفضائل: بوصولنا إلى هذا المبحث نكون قد وصلنا على وجه الضرورة المنطقية إلى النتيجة الالزمة عن المباحث السابقة والتي تشكل بالنسبة لهذا المبحث مقدمات وأرضية يقوم عليها فقدكان مقصد الغزالي في "مقاصد الفالسفة" التقديم المعرفي ل"تهافت الفالسفة" وكان "التهافت" من أجل ضرب األساس المعرفي الذي تقوم عليه اإلسماعيلية وفك االرتباط بين القول الفلسفي المحايد والقول الفلسفي المتواطئ مع دعاوى الباطنية وكان المنطق آلة لمواجهة عقيدة التعليم وتقديمه- أي المنطق- على أنه بديل معصوم وموثوق الدعاءات اإلسماعيلية القائمة على القول بضرورة األخذ عن المعلم المعصوم ونبذ النظر على أن هذه المباحث تستمر في الوجود بشكل وظيفي في نص "فضائح الباطنية وفضائل المستظهرية" والمعروف اختزاال باسم "المستظهري". والذي سيكون موضوع تحليل وتشريح في هذا المبحث رصدا للعالقة بين رجل العلم ورجل السياسة ورصدا للعالقة بين التزامات العالم و إلزامات السلطان وال نجد مسلكا أقرب إلى ذلك من النص نفسه وذلك بعرض بنيته واستنطاق مدلوالته باالستعانة باإلطار التاريخي الذي أنتج في ظله والوقوف عند تلك الدالالت التي لها عالقة بإشكالية هذا المبحث من أجل ذلك توسلنا بهذه المطالب لتحقيق ذلك: 1. "المستظهري" نص وإشكاليات 2. بنية "المستظهري" فصول للفضائح وأخرى للفضائل. 3. السلطة و العلم بعد الغزالي المصير و المآل 1."المستظهري" نص وإشكاليات نروم في هذا المطلب التعامل مع المستظهري على أنه نص اي موقف نظري تشكل حول جملة من اإلشكاليات مثلت المسائل األساسية للمعرفة في الثقافة العربية اإلسالمية في العصر الوسيط كما أنه نص مصاغ صياغة استداللية حجاجية وكأي نص يقدم المستظهري نفسه كنسيج أو شبكة من المفاهيم التي كانت ومازالت تؤسس فعل التنظير في الثقافة العربية اإلسالمية باعتبار تلك المفاهيم إشكاليات في نفس الوقت على أنه سيجري التركيز على تلك اإلشكاليات والمفاهيم التي لها عالقة مباشرة بموضوع البحث ودائما بإتباع الطريقة التيكنا قد أعلنا عنها ومارسناها طيلة البحث أي تحديد العالقة بين النص وإطاره التاريخي وتاريخية اإلشكال والمفهوم تفرض علينا أن نحدد تلك الظروف التي أملت على الغزالي إنتاج هذا النص المهم. "المستظهري" أنتج في سياق تاريخي خاص أو منعطف هام في التاريخ العام إلسالم العصر الوسيط وفي تاريخ الخالفة العباسية على وجه الخصوص أوال من حيث أزمة شرعيتها وكذا عالقتها بالسلطة السلجوقية هذه األخيرة كانت تعيش وضعا سياسيا بالغ الحساسية والتعقيد والذي يتمثل أساسا في 297
298 الحرب األهلية ثانيا وفي الوقت الذي كتب فيه الغزالي نصه هذا وهو كما أسلفنا في وقت ما ما بين سنة 414 ه- 411 ه كانت الدعوة اإلسماعيلية النزارية أو ما يدعىكذلك "باإلسماعيلية الشرقية" أو من أسماهم "الشهرستاني "بأصحاب الدعوة الجديدة" بزعامة "حسن الصباح" ت 511 ه قد اجتازت مرحلة التأسيس إلى مرحلة القوة والتأثير ورغم استقالليتها عن "القاهرة" إال أن الغزالي يعتبرها اليد الطولى لإلمام الفاطمي "النازل بمصر" في الشرق أي أراضي الدولة السلجوقية السنية ومن ثم تشكل تهديدا إيديولوجيا وسياسيا للوجود السني كما سيأتي تفصيل ذلك. هذه العالقات التاريخية البارزة الخاصة بالخالفة العباسية والساللة السلجوقية كانت تحدث في إطار جيوسياسي تميز باالالستقرار وبالتهديد األجنبي فخريطة العالم اإلسالمي في ذلك القرن وتحديدا عهد الخليفة "المستظهري" ه كانت قد بدأت تشهد تمزقا وبدأت معالمها تتبدل لصالح هذه القوة أو تلك ففي المغرب واألندلس كان المرابطون قد وطدوا سلطتهم أما األجزاء الشرقية من إفريقيا الشمالية ومصر وفلسطين فكانت تدين بالوالء لإلمبراطورية الفاطمية الشيعية اما في أقصى الشرق وحتى تخوم الهند فكانت اإلمبراطورية الغزنوية في حالة توسع دائم لم يوقفه إال مجيء المغول وفي وسط هذه القوىكانت اإلمبراطورية السلجوقية تقبع على حرب أهلية وعلى محيط هذه الخريطة كانت القوى األجنبية قد بدأت تخترق فعال هذا النسيج الهش حيث بدأ زحف الصليبين على أراضي اإلمبراطورية السلجوقية مستولين على القدس سنة 412 ه اي بعد خمس سنوات من اعتالء "المستظهر" كرسي الخالفة ومن أوساط آسيا كانت اإلمبراطورية المغولية قد بدأت تمد أذرعها األخطبوطية في كل مكان وإذا كان علينا أن نوضع تلك األحداث والظروف بالقياس إلى إشكالية البحث وبالقياس إلى نص "المستظهري" فلنا "بأن مركز الجاذبية في عالم القرن الخامس /الحادي عشر االسالمي يقع في التضاد العقائدي واألرضي بين الفاطميين والسالجقة" وفعال نص "المستظهري" ال يخرج عن هذا التوتر والصراع الرمزي والسياسي بين رؤيتين مختلفتين لإلسالم وضمن هذا التضاد والصراع ينبغي قراءة نص المستظهري وتحليل إشكالياته. والبداية من الدعوة اإلسماعيلية الشيعية والممثلة في هذا الظرف التاريخي وفي هذا المكان الجغرافي- أراضي الدولة السلجوقية- باإلسماعيلية النزارية ولكن علينا أن نذكر مرة أخرى بماكان أفضنا فيه آنفا وهو كون اإلسماعيلية عموما الشرقية منها خاصة ال تمثل إال حلقة ضمن سلسلة من المعارضة والثورات الشيعية على الخالفة العباسية حيث مثلت هذه المعارضة اآلخر الذي يتعين مواجهته عسكريا وأيديولوجيا "ذلك أنه منذ قيام الدولة العباسية إلى يوم سقوطها و"اآلخر" ينازعها الحكم ويعارضها أيديولوجيا هو واحد بعينه" بالنسبة إليها آلخر" الذي إنه الشيعة سواء كحركة معارضة سرية أو علنية أو ميتا فاروق الغزايل واإل ساعيليون ص
299 كدويالت على هذه الدرجة أو تلك من القوة واالستقالل أو كخالفة قائمة تنافسها وتضايقها في كل مجال: الخالفة الفاطمية" نعمكان هذا اآلخر واحد من حيث التسمية ومن حيث األسس ولكنه واحد متعدد ومتغير تاريخيا إذ تطور هذا "اآلخر" ليتعدد ويفضي إلى فوارق نوعية بين مكوناته على الصعيد األيديولوجي فاإلسماعيلية وكما سنرى وكما قد أشرنا ونحن بصدد عرض مقاصد الغزالي في مقارعته لمنتحلي الفلسفة قد بلورت نفسها كمنظمة سياسية سرية تقوم على أسس أيديولوجية بالغة التأثير مستثمرة رأس المال الرمزي للدعوة الشيعية والرأسمال المعرفي الفلسفي منه خاصة والذي كان قد تطور في إيران نتيجة توليف بين أمشاج فلسفية يونانية وعناصر دينية األمر الذي أدى في المقابل إلى تكيف واستجابة إيديولوجية ومعرفية من قبل العباسين تميزت بجورها بالتعدد والتنوع من حيث المعارف ومن حيث آليات المواجهة وإذا كان علينا أن نتكلم عن الثابت في هذا كله خاصة من جهة العباسين فلن يكون هذا الثابت من وجهة نظرنا إال المقام الرمزي للخالفة كمؤسسة سنية بامتياز فضمن كل التحوالت السياسية واأليديولوجية ظلت مؤسسة الخالفة بوجودها وتأثيرها الرمزيين قلب الرحى الذي تدور حوله األحداث نعم ضعف منصب الخالفة في جانبه السياسي منذ لهذه "المتوكل" ورأينا كيف تعايشت سلطة الخليفة الرمزية مع السلطان السياسي البويهي الشيعي وكيف ظل ذلك التوازن الحساس بين مؤسسة الخالفة ومؤسسة السلطة السلجوقية السنية فقد ظل هناك ثابت يتمثل في اإلجماع على القيمة الرمزية المؤسسة وعلى وظيفتها كضامن لوحدة األمة واستمراريتها تتغير السالالت الحاكمة ويذهب خلفاء ويأتي آخرون ولكن الخالفة كمؤسسة وكقيمة رمزية ظلت ثابتة تاريخيا على أرض الواقع ورمزيا في المخيال السياسي لألمة حتى بعد زوالها تاريخيا هذا االستدراك ضروري ألن الجهد المعرفي للغزالي ولغيره من العلماء اإلسالم يتموقع ضمنه وحتى ال أصادر على المطلوب نذهب إلى أحد العناصر الفاعلة في اإلطار التاريخي الذي كتب فيه الغزالي نص اإلسماعيلي في األراضي السلجوقية. إسماعيل" اإلسماعيلية الفرقة التي تثبت اإلمامة ل "المستظهري" ويتمثل في تحدي الوجود "إسماعيل بن جعفر" "قالوا وبعد " إسماعيل" "محمد بن السابع التام وإنما تم دور السبعة به ثم ابتدأ به األئمة المستورين والذين كانوا يسيرون في البالد سرا ويظهرون الدعاة جهرا قالوا: وإما باطن مستور فالبد أن تكون حجته ودعاته ظاهرين" ولن تخلوا األرض قط عن إمام حي قائم وإما ظاهر مكشوف ويميز "الشهرستاني" بين طورين في هذه الدعوة ما يدعوه بالدعوة القديمة وما يدعوه بأصحاب الدعوة الجديدة وهذا االنقسام جاء نتيجة لقرار اجلابري حممد عابد تكوين العقل العريب ص 291. الشهرستاين امللل والنحل ج 2 ص
300 سياسي "وسوف نشهد فيما يلي نتيجة للقرار الذي اتخذه الخليفة الفاطمي الثامن المستنصر باهلل بشأن خلفه كيف أن اإلسماعيلية انقسمت بعد وفاته إلى فرعين اإلسماعيليون الشرقيون من جهة وهم اسماعيلية بالد فارس وكان مركزهم الرئيسي في قلعة ألموت... الغربيون "الشهرستاني" )أي إسماعيلية مصر واليمن(" اإلسماعيلية الشرقية أصحاب الدعوة الجديدة تأسست على يد مصر وذلك مساندة منه للشرعية اإلمامية المغتصبة إمامة اإلمامة عنه إلى أخيه األصغر ت "المستعلي" ومن جهة ثانية فهناك اإلسماعيليون "حسن الصباح" ت إسماعيلية إيران التي يطق عليها 511 ه بعد رجوعه من "نزار بن المستنصر" ت 411 ه والذي حولت 415 ه بفعل صراعات قوى داخل السلطة الفاطمية وبذلك تم تجاوز النص والشرعية وكما هو معلوم يستمد اإلمام الشيعي اإلسماعيلي شرعيته من نص التولية أي الوصية من سلطة اإلمام القائم وبذلك تأسست الدعوة اإلسماعيلية النزارية كدعوة مستقلة عن القاهرة اذ قام األسس التي كان "الحسن الصباح" "لحسن الصباح" بصياغة أسسها اإليديولوجية بما يتوافق والمتغيرات الجديدة وأبرز الفضل في إعادة صياغتها وتقديمها كعقيدة فعالة مؤثرة ومهددة إيديولوجيا وسياسيا للوجود السني عقيدة التعليم "وال تكمن قوة إعادة هذا التصريح التصريح بالضرورة وجود اإلمام المعصوم وضرورة التعلم منه- في محتواه كثيرا ولكن في الطريقة التي تمت صياغتها بها لقد تألف من قضايا معروضة كل واحدة منها مصاغة بحيث تشكل تسلسال من البراهين التي تشرح بطريقة تراكمية العقل اإلنساني وبالتالي الحاجة إلى معلم موثوق" وقد تعزز وجود هذه الدعوة باإلضافة إلى نشاطها الدعوي بإنشاء مستعمرات أو مناطق نفوذ في شكل حصون وقالع مدسوسة كجيوب في أراضي اإلمبراطورية السلجوقية ولعل أشهر تلك القالع قلعة "ألموت" ومن هذه القالع كان يخرج دعاة ودائيو الحركة المتحمسين جدا لدرجة االستشهادية إلى مختلف مناطق نفوذ السالجقة خاصة الحواضر الكبيرة كبغداد حيث طالت أيديهم كوادر وإطارات الدولة ولعل أبرزهم "نظام الملك" الذين بات اسمهم يعرف بالحشاشين هذا اإلسم المرعب الذي سيتطور مدلوله إلى األوروبية وبغض النظر عن الحقيقة التاريخية لهذه نفسه وهؤالء هم في اللغات "القتلة" الصورة فإن الوجود اإلسماعيلي في شكله الجديد وبخاصة عقيدة التعليم شكل تحديا حقيقيا للوجود السلجوقي كدولة سنية تقدم نفسها كحامية للخالفة ومحيية للسنة نقول هذا ونحن نعلم أن المجال الحضاري الذي قامت فيه الدولة العباسية اي المجال كوربان هنري تاريخ الفلسفة اإلسالمية ص 271. ميتا فاروق الغزايل واإل ساعيليون ص 21. تذكر كتب التاريخ خاصة الكامل ألبن األثري ومراجع أخرى استندت عليه مثل "دولة السالجقة " ل "علي الصاليب" أن 300 اغتياالهتم اليت طالت إطارات الدولة وذوي املكانة فيها كانت كثرة ومروعة حيث مت اغتيال خلفتني ومثانية وزراء وإثنني وعشرين أمريا وعشرة آخرين مابني عامل وقاض.
301 اإليراني كان مجاال حاضنا للدعوة الشيعية وحاضنا للفلسفة الدينية الهرمسية وكانت الحركة اإلسماعيلية وبداية من القرن الثالث الهجري قد انخرطت في النشاط المعرفي مؤسسة لنفسها نسقا معرفيا يضم عناصر متعددة يونانية فيتاغورثية جديدة وأفالطونية محدثة وعلوم سرية وعناصر دينية قديمة فشكلت رسائل "إخوان الصفا" مرجعا للحركة ليظهر على امتداد القرن الثالث الرابع وحتى الخامس للهجرة منظرين للحركة اإلسماعيلية كان أبرزهم وعلى الترتيب التاريخي و"السجستاني" "ناصر خسرو" ابو يعقوب إسحاق بن أحمد- و"حسن الصباح" ثم "النسفي" و"أحمد بن حمدان الرازي" "السجزي" ف"حميد الدين الكرماني" إنتهاءا ب هذه االسماء الالمعة وما أنتجته لصالح الدعوة اإلسماعيلية جعل من هذه األخيرة ذات حضور فكري كبير في المشرق في منطقة إيران بالتحديد يقابله تأثير سياسي محدود في حين حققت اإلسماعيلية نجاحا سياسيا في الغرب أي شمال إفريقيا ومصر ومحدودية في نشر مذهبها فاألطر االجتماعية للمعرفة في المشرق سمحت لإلسماعيلية بالتوسع واالنتشار الفكري واأليديولوجي على عكس من الغرب حيث حققت نجاحا سياسيا دون أن توفق في نشر الدعوة والمذهب وهذه مفارقة "من المفارقات التي تلفت النظر في تاريخ الحركة اإلسماعيلية والتي كان لها بدون شك أثر بالغ في تطورها ومصيرها إن هذه الحركة نجحت سياسيا حيث فشلت فكريا بينما حققت نجاحا فكريا حيث توالى فشلها السياسي" ونضيف إلى ذلك أن بنية الدعوة اإلسماعيلية تطورت إلى دعوة مرابطة بالمركز أي بعاصمة الدولة الفاطمية "المهدية" ثم "القاهرة" وأخرى موجهة إلى المحيط الخارجي فالدعوة المرابطة بالمركز يقوم على رأسها داعي الدعاة الذي هو بمقام وزير له صالحيات إدارية ودينية وكانت الدعوة في المركز نخبوية لم تعمل على التحويل المذهبي لرعايا الدولة في حين الدعوة الموجهة إلى المحيط الخارجي أراضي الدولة السلجوقية فكانت حركة شعبية تضم في صفوفها دعاة ملقنين بمبادئ المذهب وبيداغوجيته يعملون سرا على استقطاب أكبر عدد ممكن من رعايا الدولة السلجوقية للحركة والوالء لإلمام " وليس هناك من مثال لها أفضل من الحركة التي يرأسها حسن الصباح فبعد عودته من مصر أمضى "حسن" ما يقرب من عقد من الزمن ) ه( وهو يرتحل متجوال في أراضي اإلمبراطورية السلجوقية ولو أن ذلك كان في المناطق الغربية والشمالية من إيران بشكل أساسي عامال على حشد التأييد والوالء للدعوى " وقبل التحول إلى الغزالي وموقفه منها ردا منه على تحدياتها األيديولوجية والسياسية البد من تقديم العقيدة الجديدة على وجه اإلجمال كما قدمها باالعتماد على "الشهرستاني" إذ لم يبق ما كتبه "حسن الصباح" "حسن الصباح" عن هذه العقيدة وال يوجد إال اجلابري حممد عابد العقل السياسي الغريب ص ميتا فاروق الغزايل واإل ساعيليون ص 22.
302 "المشتظهري" و"الملل والنحل" كآثار مكتوبة حفظت لنا أسس هذه العقيدة "والشهرستاني" يذكر أن "حسن الصباح" كتب تلك العقيدة بالعجمية الفارسية وقام هو بتعريبها ذاكرا أنها مصاغة في أربعة فصول اي أربع مقدمات وألنه ال يمكن نقلها هنا كما جاءت لطولها فإننا نلخصها على هيأة قضايا كما يلي: معرفة الباري تعالى إنما تتم بمعلم ال بعقل ونظر والمعلم صادق ومعصوم االحتياج إلى المعلم توجب معرفته ثم الظفر به ثم التعلم منه نحتاج في معرفة الباري تعالى إلى المعلم الصادق الذي يجب تعيينه وتشخيصه ثم التعلم منه لينتهي إلى ما يعتبر في عقيدة اإلسماعيليين معيارا للحق والحقيقة «ثم يذكر أن عالمة الحق هي الوحدة وعالمة الباطل هي الكثرة وأن الوحدة مع التعليم والكثرة مع الرأي والتعليم مع الجماعة والجماعة مع اإلمام والرأي مع الفرق المختلفة وهي مع رؤسائهم" وكان الغزالي في "المستظهري" قد صاغ هذه الفصول األربعة إلى ثمانية مقدمات مرتبة ترتيبا منطقيا تنتهي بنتيجة الزمة هي تسمية اإلمام واإلشارة إليه بأنه "النازل بمصر" أي الخليفة الفاطمي وقد لجأنا إلى "الشهرستاني" في التعرف على هذه العقيدة ألنها مختزلة وألنها ترجمة لما يعتقد أن "حسن الصباح" قد كتبها ومهما يكن فإن هذه العقيدة أي عقيدة التعليم "تنص على ضرورة التعلم من المعلم المعصوم والذي هو حي وقائم فيجب تعيينه ثم التعلم منه وهكذا وعلى الصعيد المعرفي "تبطل المعرفة بالعقل والنظر أو على األقل اإلقرار بمحدوديتها وهذا هدم لمصادر وأدوات المعرفة التي يأخذ منها ويتوسل بها العلماء في الجهة السنية وعلى الصعيد السياسي يبطل القول بشرعية مؤسسة الخالفة ومن خالل ذلك تبطل شرعية أية خليفة سني بما في ذلك طبعا "المستظهر باهلل" حيث ان اإلمام الشرعي هو اإلمام المعصوم الحي الذي يمثل امتدادا كريزماتيا لسلطة النبي وهنا نصل إلى بؤرة الصراع والتعاند بين رؤيتين رؤية سنية للمعرفة والسلطة يمثلها العالم السني الغزالي والرؤية الشيعية اإلسماعيلية ويمثلها الداعي اإلسماعيلي "حسن الصباح"- وكما اسلفنا لتونا بصيغة موجزة تتمثل تحديات عقيدة التعليم في تهديدها لشرعية الوجود السني برمته إن على المستوى المعرفي وإن على المستوى السياسي فعلى الصعيد السياسي قدمت هذه العقيدة نموذجا لسلطة اإلمام المعصوم بتقديمها لمفهوم مستمر في التاريخ غير منقطع عن األصل محايث للواقع واألحداث من خالل وجود إمام الزمان الحي الذي يمثل امتدادا لسلطة النبي ليصبح بذلك اإلمام اإلسماعيلي معاصر لكل جيل وأمة من حضوره الكاريزماتي الملهم الشهرستاين امللل والنحل ج 2 ص
303 تستمد هويتها واستمراريتها ووحدتها يقابل هذا الموقف الرؤية السنية والمرتبطة بعصمة النبي الواقعة في الماضي والتي بقاؤها واستمرارها في الزمن يقع على عهدة االجتهاد الفقهي الذي ال يفيد إال الظن التعدد واالختالف مما يشكل ضربا لشرعية مؤسسة الخالفة السنية منذ أن وجدت وعلى الصعيد المعرفي حضور اإلمام يلزم عنه حضور العلم المعصوم المأخوذ عنه باعتباره المصدر المطلق للتعليم أي للحق واليقين وهذا هدم لشرعية وجود العلماء باعتبارهم يمارسون النظر واالجتهاد والذي ال يكرس إال الظن واالختالف وهكذا شكلت حركة "حسن الصباح" تهديدا إيديولوجيا قبل أن يكون تهديدا سياسيا وحركيا وقد عبر الوزير "نظام الملك" نامه" "سياسة في كتابه عن هذا التهديد حيث "خص قسما كامال منه للتشهير بالوجود اإلسماعيلي داخل األراضي السلجوقية مشيرا إليهم باسم الباطنية" كما عبر عن هذا التهديد الخليفة نفسه وذلك بأن اصدار أمرا للغزالي بتصنيف كتاب للرد على التهديد اإلسماعيلي الباطني الذي يكون قد بدأ بصفة جدية منذ استيالء على قلعة "حسن الصباح" "ألموت" في سنة 413 ه وبعد هذا التاريخ بسنة واحدة أصبح الغزالي أستاذا في النظامية ه- وبعد عام واحد من تنصيبه كأستاذ بالنظامية أي في سنة السلجوقي " "ملكشاه 415 ه اغتيل "نظام الملك" وفي نفس السنة توفي السلطان لتدخل األسرة السلجوقية في حرب أهلية على السلطة كما مر وفي خضم ذلك وتحديدا سنة 414 ه اعتلى المستظهر الشابكرسي الخالفة وهي نفس السنة أو بعدها بقليل التيكتب فها الغزالي "المستظهر" سيغادر الغزالي بغداد. وقبل ذلك بقليل كتب "المقاصد" و"التهافت" وبعد ذلك بسنة 411 ه- - لقد تضعضعت السلطة السلجوقية بتأثير الحرب األهلية والتهديد اإلسماعيلي وكذا التهديد الخارجي وهذا يعني عمليا ضعف السلطة السلجوقية صاحبة الشركة والحاملة لمشروع اإلحياء السني ونتيجة لذلك ضعفت الخالفة العباسية. تلكم هي المالبسات التاريخية التيكتب فيها الغزالي نص "المستظهري" ومن ثم سيمثل هذا النص موقفا لعالم يتمثل نفسه كعالم مجدد وبالتالي فإن موقفه سيمثل موقفا كليا جامعا لمواقف العلماء في الجهة السنية حول إشكالية السلطة ومسألتها الجوهرية مسألة الشرعية وإشكالية المعرفة من خالل قيمة النظر العقلي القياس- وقيمة اإلجماع وحدود التأويل ومن ثم مكانة العلماء ودورهم نضيف إلى ذاك إشكالية التراث المروي هذه هي اإلشكاليات الجوهرية التي أنتجت نص "المستظهري" وموقف الغزالي هو موقف رجل علم يمثل الرؤية السنية من هذه القضايا مع االحتفاظ طبعا باالختالفات في التفاصيل من هذا المجتهد أو ذاك. 2. بنية نص "المستظهري" فصول للفضائح وأخرى للفضائل: 303 ميتا فاروق الغزايل واإل ساعيليون ص 22.
304 "المنقذ" نضطر مرة أخرى لالستدراك استدراك أن الغزالي المصنفات التالية على الترتيب الذي ذكره: "المستظهري" صنف كتبا عديدة لنقد الباطنية ويذكر في "حجة الحق" "مفصل الخالف" "الدرج" "القسطاس المستقيم" ويضيف الدارسون إلى ذلك مصنفه "قواسم الباطنية" الذي لم يذكره في "المنقذ" "المستظهري" ولعله كتبه بعده وقد ضاع من هذه المصنفات كتاب "الدرج" و"حجة الحق" ولكن يبقى كتابه النص الكامل شكال ومضمونا في عرض أفكار اإلسماعيلية ونقدها وفي إظهار مقابل ذلك األطروحة السنية لمسألة السلطة والمعرفة من شرعية الخالفة ومكانة العلماء وما يقوم على ضفاف هذه المسائل المركزية من مسائل شكلت األسئلة المركزية التي قام عليها الفكر العربي اإلسالمي في العصر الوسيط. يتكون الكتاب من عشرة أبواب ثمانية منها كرست "لفضح الباطنية" وفصلين إلظهار "الفضائل المستظهرية" إضافة إلى خطبة الكتاب التي نبدأ بها ال بسبب وقوعها في البداية بل الحتوائها على بواعث تصنيف في "المستظهري" ومقاصد الغزالي من تصنيفه وهذا تقليد في الكتابة كان قد ترسخ لدى علماء اإلسالم في العصر الوسيط ينم عن تنامي وعي حاد بمسؤولية الكتابة وعادة ما تكون تلك الخطبة مدبجة بإطار من القيم الدينية التي هي بمثابة إجازة مرور بواسطتها تكتسب شرعية الكالم وذلك إتماما لشروط االعتراف به كخطاب مهيأ للتداولكما حددها "بورديو" وكذلككان يفعل الغزالي وكذلك فعل "المستظهري" من خالل إظهار التقوى واالعتراف بفضل اهلل لهدايته لطريق الحق مما يوجب شكره وإعالن الوالء له ولمعتقده ولخليفته على األرض مجسدا كل هذه القيم اي قيم التقوى والشكر والوالء من خالل فعل الكتابة كواجب مقدس بل كخدمة تجاه من يعتبره رمزا لألمة وذلك بإظهار فضائله وفضح أي الباطنية- أعدائه ليقوم بعد ذلك ببيان محتوى "المستظهري" وذلك يعرض أبوابه العشرة وبواعث تصنيفه للكتاب وقد حرصنا على نقل بعض مقاطع الكتاب لكي نلفت االنتباه إلى لغة الغزالي وهي تكرس صورة الخليفة العباسي التي كانت قد رسخت وثبتت منذ مرحلة الدعوة وهي صورة كما أسلفنا في فصول سابقة مستوحاة من على "مبثولوجيا اإلمامة" والتي عمل خلفاء بني العباس على تثبيتا وتسويقها بمعية ومساندة العلماء وسيتضح من خالل لغة المستظهري بأنها صورة تماثل صورة اإلمام الشيعي بل تتجاوزه في الفصلين التاسع والعاشر عندما يصبح الخليفة تجسدا لإلرادة اإللهية في المقابل تحدد لغة الغزالي مكانته "كعالم خادم" يقول الغزالي: "فإني لم أزل مدة المقام بمدينة السالم متشوقا إلى أن أخدم المواقف المقدسة النبوية اإلمامية المستظهرية ضاعف اهلل جاللها ومد على طبقات الخلق ظاللها" "قصرها" تفصح لنا عن طموح "غزالي بغداد" كعالم يضع كل إمكانيته لخدمة هذه الفقرة "المواقف المقدسة الغزايل فضائح الباطنية ص
305 النبوية اإلمامية المستظهرية" وقبل حسمه في تصنيف الكتاب يخبرنا الغزالي عن "تحيره" في "تعيين العلم الذي اقصده بالتصنيف وتخصيص الفن الذي يقع موقع الرضا من الرأي النبوي الشريف" صدرت أوامر الخليفة إليه "بتصنيف كتاب" إلى أن في علم الدين أفضي به شكر النعمة وأقيم به رسم الخدمة وأجني بما أتعاطاه من الكلفة ثمار الفيول والزلفة حتى خرجت األوامر الشريفة المقدسة النبوية المستظهرية باإلشارة إلى الخادم في تصنيف كتاب في الرد على الباطنية يشتمل على الكشف عن بدعهم وظاللهم وفنون مكرهم واحتيالهم ووجه استدراجهم عوام الخلق وجهالهم وإيضاح إغوائهم في تلبيسهم وخداعهم وانساللهم عن رقبة اإلسالم وانسالخهم وانخالعهم وإبراز فضائحهم وقبائحهم بما يفضي إلى هتك أستارهم وكشف أغوارهم" "المستظهري".1.2 وقد كان الغزالي في "المنقذ" قد أشار كذلك إلى أن تصنيف كان مسارعة منه إلى تنفيذ أوامر الخليفة الجازمة حيث يقول: "ثم اتفق أن ورد علي أمر جازم من حضره الخالفة بتصنيفكتاب يكشف عن حقيقة مذهبهم" وفي "المستظهري" يسارع الغزالي إلى تقديم مبررات هذه االستجابة والتي يقدمها على النحو التالي: مبرر من جهة "اآلمر" الخليفةكزعيم لألمة والتي طاعته واجب ديني. مبرر من جهة "المأمور به" أي الدفاع عن الدين 3. مبرر من جهة "المأمور نفسه" أي الغزالي حيثكان هذا األمر تشريف له على أساس أنه حظي به من بين كل العلماء ليقوم به كفرض عين إذ رأى نفسه مؤهال لذلك تحديدا في مجال قواعد العقائد لما يمتلكه من مؤهالت وقدرات معرفية وحجاجية نتيجة تضلعه في العلوم الفلسفية خاصة المنطق وهي األدوات التي كانت قد حصلها أثناء مقامه ببغداد كما مر معنا إدراكا منه أنها األدوات التي بواسطتها يجابه الباطنية. ولذلك هي تمثل حاجة ضرورية للسلطة في حربها ضد اإلسماعيلية هذه اإلمكانيات المعرفية الحجاجية يشك الغزالي انعقادها لغيره من العلماء والفقهاء مما يؤكد ما ذهبنا إليه آنفا من أن الغزالي قد اكتملت صورته أمام ذاتهكعالم يقف على رأس المائة الخامسةكمجدد ومحي لعلوم الدين يقول: " وكيف ال أسارع إليه وإن الحظت جانب اآلمر ألفيته أمرا مبلغه زعيم األمة وشرف الدين ومنشؤه مالذ األمم أمير المؤمنين وموجب طاعته خالق الخلق رب العالمين إذ قال اهلل تعالى " ي ا أي ه ا الذ ين آم نوا أط يعوا الل ه و أ ط يع وا الر س ول و أ و ل ي األ م ر م ن ك م وإذا التفت إلى المأمور به فهو ذب عن الحق المبين ونضال املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. املرجع السابق ص 7/2. الغزايل املنقذ من الضالل ص
306 دون حجة الدين وقطع دابر الملحدين وإن رجعت إلى نفسي وقد شرفت بالخطاب به من بين سائر العالمين رأيت المسارعة إلى اإلذعان واالمتثال في حقي من فروض األعيان إذ يقل على ظهر البسيطة من يشغل في قواعد العقائد بإقامة الحجة والبرهان بحيث يرقيها من حضيض الظن والحسبان إلى يافع القطع واالستيقان فإنه الخطب الجسيم واألمر العظيم الذي تشغل به بضاعة الفقهاء وال يضطلع بأركانه إ ال من تخصص بالمعضلة الزباء لما نجم في أصول الديانات من األهواء واختلط بمسائل األوائل من الفالسفة الحكماء فمن بواطن غيهم كان استمداد هؤالء فإنهم بين مذاهب ثنوية والفالسفة يترددون وحول حدود المنطق في مجادالتهم يدندنون". لقد نقلنا هذه الفقرة على طولها الحتوائها على المبررات التي دعته لتصنيف المستظهري أوال وألن الغزالي يحدد فيها موقعه كعالم متميز بالقياس إلى بقية العلماء وبالقياس إلى سلطة الخليفة مما يبرر التزاماته تجاهها وثالثا ألن هذه الفقرة تحدد لنا الصلة التي بين الفلسفة واإلسماعيلية األمر الذي يفسر مجهود الغزالي في تحصيل الفلسفة والتأليف فيها ثم نقدها مؤكدين بذلك النتائج التي توصلنا إليها في المبحثين الساقين. في الباب األول الذي عنوانه " في االعراب عن المنهج الذي استنهجته في هذا الكتاب" يصرح الغزالي بالمنهج الذي سيتوسل به لتحقيق مقاصده ومآربه حيث ارتأى أن يسلك "المسلك المعتمد بين الطرفين وال أخلي الكتاب من أمور برهانية يتفطن إليها المحققون وال من كلمات إقناعية يستفيد منها المتوهمون فإن الحاجة إلى هذا الكتاب عامة في حق الخواص والعوام وشاملة جميع الطبقات من أهل اإلسالم" الكتاب موجه إلى الخاصة والعامة وقد حدد الغزالي حاجةكل فئة فعمل على تحقيقها وذلك بأن سلك مسلكا يصل به إلى الخاصة والعامة واستنهاج هكذا منهج ينم عن عقالنية استراتيجية قائمة على وعيه بمكانته كعالم له أدوار تبدأ بالدور التوعوي لعامة المسلمين من مخاطر اإلسماعيلية واستراتيجيتها في اإلقناع فالحرب الدعائية التي تخوضها اإلسماعيلية إنما تتم في أوساط والعامة لذا وجب القيام بعمل وقائي يقتضي مخاطبتهم بكلمات إقناعية يستفيد منها المتوهمون منهم على حد تعبيره وتشمل كذلك فئة العلماء أو من أسماهم بالمحققين والذين هم في حاجة إلى األمور البرهانية على بطالن عقيدة التعليم مؤكدا بهذا وكما أسلفنا على شعوره بالتفرد على بقية العلماء إذ يخوض معتركا لم يسبق للعلماء والفقهاء أن خاضوه. المستقيم" وقد أكد الغزالي على هذه االستراتيجية في كتابه "القسطاس وهو من الكتب التي صنفها ردا على الباطنية حيث عنده "الناس ثالثة أصناف عوام وهم أهل السالمة البله وهم أهل الجنة وخواص وهم أهل الذكاء والبصيرة ويتولد بينهم طائفة من أهل الجدل الغزايل فضائح الباطنية صص 7 2. املرجع ذاته ص
307 والشغب فيتبعون ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة... أهل البصيرة بالحكمة وأدعو أهل الشغب بالمجادلة". فأدعو هؤالء العوام-إلى اهلل بالموعظة كما أدعو بعد خطبة الكتاب والتي عرض فيها مبررات تصنيفه الكتاب وفي الباب األول الذي هو بمثابة فصل منهجي عارضا فيه المنهج واألسلوب والجمهور المستهدف يشرع الغزالي بداية الباب الخامس في مهمة "فضح" من الباب الثاني وحتى الباطنية مخضعا أسلوبه إلى معايير ومقاييس أدبيات الفرق الملل والنحل والقائمة على تصنيف وتسمية الفرق وعرض دعاويها والحكم عليها من حث قربها أو بعدها من "الفرقة الناجية" اإلسالميين" وهذه األدبيات نشأت وترسخت منذ أن وضع "أبو حسن األشعري" "مقاالت مصنفه لتأخذ منحى تطوري في شكل أحكام عقائدية على المذاهب األفكار والرجال مع البغدادي ت 421 ه- في " الفرق بين الفرق " وصوال إلى "الشهرستاني" وكتابه "لملل والنحل" وبذلك تصبح هذه األدبيات المسجلة" أن نص "عالمة مسجلة" باسم العقيدة األشعرية والمذهب الشافعي خصوصا لتتمأسس هذه "العالمة بإنشاء النظاميات كمدارس لتعليم ونشر المذهب األشعري و الشافعي ولكننا نسجل كذلك "المستظهري" اإلشكاليات التي أثارها ومن ثم النتائج. بقي متميزا عن أدبيات الفرق من حيث اتساع المجال الذي استهدفه ومن حيث وبالعودة إلى محتوى هذه األبواب الثاني الثالث الرابع - والخامس- يدشن الغزالي الباب الثاني بالتعرض للتسميات العشر المرتبطة بالباطنية مع التركيز على تسمية "أهل التعليم" أو "التعليمية" على ان التسمية األساسية تظل "الباطنية" التسميات وكأنها جنس عام وعلى امتداد هذه االبواب تجري عملية ونواياها من حيث أنها: فهي تسمية تقع تحت ظلها بقية "فضح" الباطنية بإبراز منطلقاتها - منظمة أو جبهة تتكون من كل المناوئين والطامعين في السلطة - بدعة سواء على المستوى العقائدي أصول الدين-أو على المستوى الشرعي - فرقة متهافتة ومتناقضة. وببالغة مؤثرة وأخاذة يلج الغزالي إلى "فضح" العمل الدعائي اإلسماعيلي مركزا على عملية تبليغ المذهب واستراتيجيات اإلقناع والتأثير ثم عملية تحويل العامة إلى المذهب من خالل ما أسماه "بالحيل التسع": الزرق والتفرس التشكيك التعليق الربط التدليس التلبيس الخلع السلخ وهذه الحيل يقع في شراكها فآت لها قابلية الوقوع تحت تأثير الداعية اإلسماعيلية وقد قام الغزالي على عادته وديدنه بتصنيف هذه الفآت إلى ثمانية أصناف يضيف المجال هنا بذكرهم. وفي الباب الرابع يتعرض إلى فساد اعتقاد اإلسماعيلية المتأتي من فساد الطريقة وذلك من خالل تحليل عنوان الباب " في نقل مذهبهم جملة الغزايل القسطاس املستقيم ضمن جمموعة رسائل الغزايل صص 207/
308 وتفصيال" وخالل ذلك يتعرض العتقاداتهم في مسألة األلوهية النبوة القيامة البعث اإلمامة وصلة هذه االعتقادات بالفلسفة وهنا يثير الغزالي إشكالية التأويل وحدوده مناقشا إياها في الباب الخامس الذي يصبح موضوعه عرض ونقد أضاف تأويالت اإلسماعيلية 308 "تأويالت النصوص وتأويالت األعداد والتي ال تخضع في تقديره ألي معيار أو قاعدة إنها فوضى فكرية مدمرة على أن ما يمثل مركز ثقل نص "المستظهري" في اعتقادنا هو الباب السادس والذي خصصه ل "الكشف عن تلبيساتهم الني زرقوها بزعمهم في معرض البرهان على إبطال النظر العقلي وإثبات وجوب التعليم من اإلمام المعصوم" فباإلضافة إلى أنه أطول باب في الكتاب يكثف فيه الغزالي مهاراته الحجاجية لعلمه بأن موضوعه يشكل رهانا عليه كسبه والذي يتمثل في إبطال عقيدة التعليم وإثبات النظر من حيث أن عقيدة التعليم وكما أسلفنا في المطلب السابق شكلت تهديدا أيديولوجيا وسياسيا لدولة الخالفة وسلطتها السلجوقية وكذا السلطة العلماء ومكانتهم ومن ثم تهديد األسس التي تبرر وجود أهل السنة والجماعة ككيان تاريخي عقائدي معرفي وسياسي وكعادته يقدم الغزالي المقدمات التي تقوم عليها عقيدة التعليم وهي عنده ثمانية وهي نفسيها التي عرضها الشهرستاني فيما بعد في منطقيا تنتهي آخرها بتسمية اإلمام المعصوم على أنه التعليم ولكن الجدوى في مجادلة الغزالي لهذه العقيدة "الفصول األربعة" "النازل بمصر" يرتب الغزالي تلك المقدمات ترتيبا وال جدوى من إعادة فحوى عقدة وما يقترحه الغزالي من بدائل فهو بعد أن يقوم بعرض عقيدة التعليم يشرع في تفنيدها مستخدما منهجا يقوم على طريقتين األولى: تناقضات عقيدة التعليم على وجه اإلجمال أما الثانية: عامة تكشف عن فهي ذات طبيعة استقرائية أو لنقل تفصيلية أي المعالجة النقدية والجدالية لكل مقدمة على حدى باستخدام الجدل طريقة اإلبطال واالعتراض والتحقيق وبؤرة اعتراضه وتفنيده لعقيدة العليم إنما تقع في مسألة النظر التي تبطلها عقيدة التعليم وبإبطالها يبطل التحقيق في المرويات ويبطل االجتهاد باعتباره تدخال عقليا في هذه المرويات وبالتالي يبطل عمل العلماء فبعد أن يفند أطروحة األخذ عن المعلم المعصوم يقدم النظر على أنه أداة ومنهج حيادي لتحصيل العلم وهذا ال يعني إال القياس المنطقي وصفة الحياد التي حملها على القياس المنطقي ظل يؤكد عليها منذ كتابه المقاصد وانتهاءا بآخر كتبه المنطقية وهي إحدى مبررات إدماجه في الشرعيات كما سبق وأن شرحنا وهكذا وبعد أن يعين أداة و منهج العلم النظري أي المنطق يتخذ من العلم موضوعا للتحليل مصنفا إياه إلى علم حاصل بالسماع وهذا ليس في حاجة إلى نظر وإلى علم عقلي الغزايل فضائح الباطنية ص 37. هذا مترين عملي على استخدام املنطق اجلانب اجلديل منه يف نقد الفالسفة واإل ساعيلية حيث أن طريقة اإلبطال تسعى إىل الربهنة على عدم صحة القضية واملعارضة هي مقارعة الغلط بالغلط وهتدف الطريقة الثانية إىل تصنيف القضية من حيث وجهتها الشرعية.
309 نظري في حاجة إلى معلم منبه مرشد ال معلم معصوم ثم العلوم الدينية - الشرعية وهذه مجالها الظن ال اليقين هذا التصنيف يتيح تحديد مجاالت النظر وضرورته فيها ومجاالت التعلم فالمجال األول مجال الرواية والسماع هو مجال التعلم ولكن ال من اإلمام المعصوم ولكن من النبي المعصوم ومع ذلك فالنظر في هذا المجال فائدته المتمثلة في فحص الروايات متواترها وآحادها فيكون العلم إما يقينيا أو ظنيا نعم هناك تعليم ولكن عن النبي المعصوم وفحص الرواية فيما إذا كانت متواترة أو صادرة عن آحاد وتعيين تبعا لذلك صفة العلم الناتج عن ذلك بكونه يقينا أو ظنا هي إحدى صالحيات مهنة العالم في اإلسالم السني أما في المجال الثاني مجال النظر العقلي كعلم الكالم وعلمي الهندسة والحساب وهي علوم يعلم فيها المتعلم النظر من معلم اال أن المعلم هنا مجرد وسيط بين العلم وطالبه وهو معلم يخطأ ويصيب وعندما يصيب المتعلم مأربه من معلمه يتجاوزه إلى غيره فالتعليم هنا يقوم على إتباع المعلم وتقليده وهنا البد أن نقف عند مفهوم التقليد عند الغزالي وعالقته بالسلطة المعرفية فالتقليد كإتباع إما أن يكون تقليد سلبي أو إيجابي هذا األخير يحصل عند تتبع األوليات أو مبادئ االعتقاد الديني كما هي ثابتة في النص )القرآن والسنة( وعلى هذا تكون معرفة الرجال بالحق ال العكس وهو تقليد يتيح للمقلد مجاال للكشف والنظر في مقابل ذلك التقليد السلبي التقليد الذي تمارسه المذاهب والعقائد انطالقا من تقليد الرجال فسلطة المعرفة المعرفة الحقة فإن أبا حامد يساجل ضد التقليد سلطتها ويمجد التقليد )اإليجابي( الذي يفرضه "تكون بالتقليد سواء تعلق )السلبي( "الحق المقدس". األمر بالمعرفة الباطلة أو الذي تسود به المعتقدات الباطلة وبه تمارس إن صاحب "المنقذ" إذن ال يرفض التقليد بصورة مطلقة بل يستبدل تقليدا بتقليد وينبذ واحد ليثبت آخر... وهذا التقليد الذي يثبته سيتخذه أساسا لسلطة الحقيقة التي يتبناها" أما في المجال الثالث المجال الفقهي والشرعي كمجال يعتمد النص المعتمد على السماع وهو مجال الظن نظرا لعدم إمكانية تواتر كل ما يروى عن الرسل ولكنه وكما أسلفنا مجال يستفيد من النظر في تمحيص الخبر متواترا أو أحاد وألن النص محدود والواقع والتاريخ غير محدودين فإن اللجوء إلى النظر في شكل اجتهاد الرأي ال مناص منه وهكذا يقتنص الغزالي دورا آخر للعلماء باعتبارهم "دعاة محمد" ال دعاة اإلمام المعصوم هذه هي إذن الخطوط العريضة ألطروحة الغزالي المثبتة للنظر المفندة للتعليم والتي يمكن إجمالها إلى ثالثة مهمات رئيسية: " تعريف استقاللية االنتصار عبد اجمليد املعرفة وأسس سلطتها عند الغزايل ص 30. الغزايل فضائح الباطنية ص
310 النظر بناء ودمج استخدام النظر تأسيس قاعدة إعتماد المرء على معلم معصوم )أي النبي محمد وليس اإلمام اإلسماعيلي(". 310 الغزالي وهو يتجه نحو البابين التاسع والعاشر فصلي السياسة واإلمامة يكشف في الفصلين السابع والثامن الداللة السياسية من موقعه كعالم فقيه ينقد في الفصل السابع األساس الذي يقوم عليه "االدعاء باإلمامة اإلسماعيلية" أي نقد القول بالتعيين أما في الباب الثامن فهو باب إصدار األحكام الشرعية على اإلسماعيلية باب عنوانه بقول كل شيء وسفك الدم " " في الكشف عن فتوى الشرع في حقهم من التكفير في هذا الباب الذي يلبس فيه الغزالي عبادة الفقيه كما كان لبسها وهو يبدع ويكفر منتحلي الفلسفة حيث يضع سلما من األحكام الصاعدة من األدنى إلى األعلى من التخطيء إلى التظليل إلى التبديع إلى التفسيق إلى التفكير. "فيصل التفرقة" يحدد الغزالي ما يسميه هذا الحكم األخير مخرج من الملة مبيح لسفك الدم في كتابه "العالمة الصحيحة" تكذيب الرسول عليه الصالة والسالم في شيء مما جاء به" الدالة على التكفير فيقول: " وهذه "العالمة الصحيحة" الكفر هو كان قد أثبتها الغزالي في الباب الرابع الذي تناول فيه كما عرضنا المسائل االعتقادية والتي يرى أنهم استقوها من الفالسفة وان هذه االعتقادات تتماهى مع اعتقادات الفالسفة الذين سبق وأنكفرهم في "التهافت" وإن الغزالي يعود في هذا الباب إلى إثبات أن "العالمة الصحيحة" على كفرهم هو وتكذيبهم الرسول وأن مختلف أقوالهم عن اهلل وصفاته والنبوة والبعث والمعاد ليس تأويال بل تكذيبا "فوصف الجنة والنار جرى )4( بألفاظ صريحة ال يتمارى فيها وال يستراب فالمصير إلى ما أشار إليه هذا القائل تكذيب وليس تأويل" بهذه الفتوى التي كانت تتويجا لنقاش وتحليل فكريين مع اإلسماعيلية فضي األمر من قبل الفتوى" ثم "سلطة كما قضي األمر وحسم قبل ذلك بقرارات سياسية لصالح "خلق القرآن" ثم لصالح "إحياء السنة" "االعتقاد القادري" ثم "مؤسسة الفقه والكالم والتصوف في إطار مشروع "اإلحياء السني" في النظاميات والتي عن طريق واحد من ألمع منتسبيها تعلما وتدريسا يفتي بتكفير اإلسماعيلية ومنتحلي الفلسفة في اإلسالم ويقضى بإخراجهم من ملة اإلسالم. بهذه الفتوى يطوي الغزالي صفحة بل صفحات ليفتح صفحة "الفضائح" "الفضائل" فضائل المستظهرية في البابين التاسع والعاشر ومرة أخرى يعلن الغزالي وعبر عنوان الباب التاسع مقصده المتمثل "في إقامة البراهين الشرعية على أن اإلمام القائم بالحق الواجب على الخلق طاعته في عصرنا ميتا فاروق الغزايل واإل ساعيليون ص 90. الغزايل فضائح الباطنية ص 223. الغزايل فيصل التفرقة ضمن جمموعة رسائل اإلمام الغزايل ص 279. )4( الغزايل فضائح الباطنية ص 227.
311 هذا هو اإلمام المستظهر باهلل" هذا العنوان نص يختزل متن هذا الباب من خالل ترصيص المفاهيم المحملة بالداللة السياسية والشرعية والتي ال يعمل الغزالي إال على تحليلها وتحديد موقفه منها كإشكاليات وفق الصفة التالية. 1. البراهين الشرعية: تتأس شرعية تولي المستظهر الخالفة من الشرع. 2. اإلمام: يستخدم الغزالي هذا المفهوم بشكل مكثف كصفة ينعت بها المستظهر وهو مفهوم قد احتكره الشيعة منذ أن قامت نظريتهم في الخالفة واإلمامة ويبرر هذا االستخدام المكثف لهذا المفهوم اعتبارات عدة: 1. تاريخية: الدعوة العباسية فخالفتها نشأت في خضم الدعوة لإلمام الرضا من آل البيت ولوظائف إيديولوجية تم االحتفاظ به فبقى مستمرا. 2. سيمونتيكية : اقتناص الداللة الجامعة لهذا المصطلح من حيث جمعه بين الوظيفة السياسية والوظيفة الدينية التي تجمع في طياتها ما هو معرفي شرعي وأخالقي وهذا ما يعطى لهذا المفهوم هالة كاريزماتية مؤثرة هذا الفعل السيمونتيكي يهدف إلى مزاحمة الشيعة عليه وكسر االحتكار الممارس عليه. 3. القائم بالحق: للداللة على الشرعية المتأتية من حيث المصدر وكذا الممارسة بمعنى أن الخليفة المستظهر شرعي ألنه تبوأ مقعد الخالفة باالستناد على القواعد الشرعية وألنه يحوز على كل شروط اإلمامة كما تواضعت عليها األمة عبر تجربتها التاريخية وكما وضعها منظروا السياسة الشرعية. 4. واجب الطاعة: كنتيجة الزمة عن الشرعية حث تصبح الطاعة من قبل األمة واجب ديني وعقلي وهي الحالة المثالية في النظرية السياسية السنية والتي تقابل حالة الفتنة والفوضى. 5. المستظهر باهلل: الخليفة العباسي الشاب-تولى الخالفة وعمره 16 سنة-المتولي للخالفة بضفة شرعية والذي يجب طاعته ألنه اإلمام الحق في عصرنا ه ال "اإلمام النازل بمصر" كما تدعي اإلسماعيلية وكرد على القائلين بعدم وجود شخص حائز على المؤهالت والشروط التي تمكنه من اإلمامة. تندمج هذه المفاهيم واإلشكاليات ضمن ما يسمى "السياسة الشرعية" إذ يمكن اعتبار الباب التاسع تمرين عملي من قبل الغزالي على القواعد النظرية التي أرساها "الماوردي" في "األحكام السلطانية" وإنزالها منزل االختبار اختبار وتبرير حالة محددة ومعطاة من التاريخ السياسي ألهل السنة والجماعة ولكنها حالة تكررت واستمرت بعد ذلك مما يجعل من "النظرية السياسية في الواقع سوى عقلنة لتاريخ األمة فليس هناك من نظرية دون أسبقيات وكل نسيج التفسير المفروض للمصادر هو تبرير الحق 311
312 لألسبقيات التي جرى التصديق عليها باإلجماع " "فاألحكام السلطانية" والنصوص التي جاءت بعدها بعناوين شتى إنما حاولت إضفاء المعقولية والشرعية على تاريخ وواقع سياسيين خضعا لمنطق القوة والعنف السياسي تاريخ انحدر سريعا وظل ينحدر ويبتعد عن النموذج المثالي لإلمامة نموذج المدينة لذا كان التنظير في أدبيات السياسة الشرعية تنظير يتراوح بين النموذج المثالي والواقعية السياسية والمسافة الشاسعة التي تقع بينهما إنما كانت تردم ببالغة الخطاب والقدرة على التأويل والتبرير والهدف هو المحافظة على الواقع هذا الواقع وإن كان بعيدا عن النموذج التاريخي يبقى أحسن من احتمال خلو الزمان من اإلمام والسلطان القاهر فينفرط عقد األمة لصالح الفوضى الفتنة والعدو ويمارس الغزالي هذه المهمة في " "المستظهري" حيث كان عليه تبرير شرعية خالفة المستظهر خاصة وتبرير شرعية وجود وضرورة مؤسسة الخالفة السنية ووظيفتها السياسية والرمزية بصفة عامة وهكذا يذهب الغزالي إلى القول بأن المستظهر يستمد شرعيته من الشرع نفسه وتقوم هذه الشرعية على دعوى ضرورة وجود إمام سني في كل زمان لالضطالع بالتزامات الخالفة من حيث أن "اإلمامة موضوعة لخالفة النبوية في حراسة الدين وسياسة الدنيا وعقدها لمن يقوم بها في األمة واجب باإلجماع" ووجود اإلمام يعطي الشرعية لغيره في سلم المسؤولية بدءا من السلطان صاحب الشوكة وذلك "بعقد تفويض" كما يسميه الماوردي فالوالة فالفقهاء والعلماء. واإلمام الذي يحوز على شروط اإلمامة هو "المستظهر" الذي وجبت طاعته ويضم هذه القضية إطار من التبرير الشرعي إجماع األمة التي ال تجتمع على ظالل لتصبح عصمتها في مقابل عصمة اإلمام المعصوم" ثم االختيار اختيار أصحاب الحل والعقد وهذا في مقابل "التعيين" وعند هذه النقطة أي االختيار تبلغ بالغة الخطاب ذروتها في القدرة على التأويل والتبرير حيث تصبح التجربة التاريخية لألمة المستند والمبرر إذ تم اختيار إمام مباشرة عقب وفاة الرسول صلى اهلل عله وسلم وهذا اإلجماع قد خالفه اإلسماعيليون وهم ال يحوزون عليه من حيث العدد ناهيك عن معناه الشرعي ومهما يكن فإن اإلسماعيليين مبعدين مسبقا من اية شرعية سياسية كونهم مستبعدين أصال من ملة اإلسالم بعد تكفيرهم فمن شروط اإلمام سالمة الدين واالعتقاد وهؤالء قد تبن فساد دينهم واعتقادهم بتكذيبهم بما أتى به الرسول التعيين بالنص شرعية فاسدة ألن النص القاضي بالتعيين ال يقوم على رواية متواترة ليبقى االختيار هو المصدر الوحيد إلنعقاد اإلمامة وتبلغ عملية التبرير ذروتها على مستوى طريقة االختيار بحيث ينحدر االختيار من اإلجماع إلى اختيار العلماء إلى اختيارعدد محدود بل إلى إمكانية إنعقاد اإلمامة باختيار شخص واحد يملك القوة والشوكة التي تجعله مطاعا و هكذا تصل درجة االختيار إلى جب نظرية اخلالفة عند املاوردي نقال عن فارق ميتا الغزايل واإل ساعيليون ص 99. املاوردي األحكام السلطانية بريوت دار الفكر 2002 ص
313 الصفر لتكاد تتساوى مع التعيين "نعم ال مأخذ لإلمامة إال النص واالختيار ونحن نقول إذا بطل النص ثبت االختيار وقولهم إن االختيار باطل ألنه ال يمكن اعتبار كافة الخلق وال االكتفاء بواحد وال التحكم بتقدير عدد معين بين الواحد والكل فهذا جهل بمذهبنا الذي نختاره ونقيم البرهان على صحته والذي نختاره أنه يكتفى بشخص واحد يعقد البيعة لإلمام مهما كان ذلك الواحد مطاعا ذا شوكة ال تطال ومهما كان إذا مال إلى جانب مال بسببه الجماهير ولم يخالفه اال من ال يكترث بمخالفته فالشخص الواحد المتبوع المطاع الموصوف بهذه الصفة إذا بايعكفى" ويدفع بمسألة اإلجماع واالختيار إلى مداها حيث يجعلها تجسيدا الختيار اهلل وإرادته األمر الذي يجعلنا نستدعي مرة أخرى صورة الخليفة لدى الخلفاء أنفسهم ولدى حملت مشروع الدعوة الثورة ثم الدولة صورة الخليفة كما أنجزتها وأتمتها صدرت عنها الدعوة العباسية الصورة التي كان قد "الكتلة التاريخية" "ميثولوجيا اإلمامة" التي والتي ألححنا عليها في الفصول السابقة من خالل خطبتي "السفاح" و"أبي جعفر المنصور" ورسائل المأمون في المحنة والجديد في هذا السياق هو دخول التنظير األشعري على الخط ولكن قبل هذا دعونا نقرأ الغزالي وهو يواصل إثبات شرعية "المستظهري" وصوال عند مسألة االكتفاء ببيعة شخص واحد فيقول: "اكتفينا بشخص واحد يبايع وحكمنا بانعقاد اإلمامة عند البيعة ال لتفرده في عينه ولكن لكون األنفس محمولة على متابعة ومبايعة من أذعن هو لطاعته وكان في متابعته قيام قوة اإلمام وشوكته وانصراف قلوب الخالئف إلى شخص واحد أو شخصين أو ثالثة على ما تقتضيه الحال في كل عصر ليس أمرا اختياريا يتوصل إليه بالحيلة البشرية بل هو رزق إلهي يؤتيه من يشاء فكأنا في الظاهر رددنا تعيين اإلمامة إلى اختيار شخص واحد وفي الحقيقة رددناها إلى اختيار اهلل تعالى ونصبه إال أنه قد يظهر اختيار اهلل عقيب متابعة شخص واحد أو أشخاص. وإنما المصحح لعقد اإلمامة إنصراف قلوب الخلق لطاعته واالنقياد له في أمره ونهيه وهذه نعمة وهدية من اهلل تعالى". الذي يختار وهكذا يتقهقر االختيار إلى اختيار شخص واحد وبمنطق التعدي يرى الغزالي أن هذا الشخص "إال نفس محمولة على متابعته" وهو يتابع ويبايع اإلمام وبالنتيجة يبايع الخلق من بايعه هذا الشخص ويسكت الغزالي هذه المرة عن السبب الموضوعي الذي يحمل الناس على متابعة هذا الشخص أي القوة واإلكراه ليقول بدال من ذلك بالنعمة اإللهية التي نؤتي إلى من يختاره اهلل وردا على قول الشيعة أن ذلك تنصيب تتحكم فيه الشهوة واألهواء يواصل الغزالي ربط األمر برمته بإرادة اهلل لدرجة تصبح الخالفة العباسية مصيرا وقدرا تاريخيا محتوما "ولما نسبونا إلى أننا ننصب اإلمام بشهوتنا واختيارنا ونقموا ذلك منا كشفنا لهم باآلخرة أنا لسنا نقدم إال من قدمه اهلل فإن اإلمامة عندنا تنعقد الغزايل فضائح الباطنية صص
314 بالشوكة والشوكة تقوم بالمبايعة والمبايعة ال تحصل إال بصرف اهلل تعالى القلوب قهرا إلى الطاعة والمواالة وهذا ال يقدر عليه البشر ويدلك عليه أنه لو أجمع خلق كثير ال تحصى عددهم على أن يصرفوا وجوه الخلق وعقائدهم عن المواالة باإلمامة العباسية عموما وعن المشايعة للدولة المستظهرية أيدها اهلل بالدوام- خصوصا ألفنوا أعمارهم في الحيل والوسائل وتهيئة األسباب والوسائل ولم يحصلوا في آخر األمور إال على الخيبة والحرمان". الخليفة صورة اإلمام أو الخليفة ظلت مستمرة ولم تتأثر باألحداث التاريخية والتي نالت من صالحيات السياسية بل زادت واتسعت القيمة الرمزية لوجوده ووجود مؤسسة الخالفة وعملت المعارف المنتجة على صعيد فقه السياسة وعلم الكالم االشعري منه خاصة وأدبيات "السياسة الشرعية" و"أداب المرايا" على ترسيخ هذه القيمة وهكذا عمل الغزالي على ربط انسجاما مع التوجهات الفكرية األشعرية "االختيار" "لذلك حرص اإلمام على ربط بالمشيئة اإللهية ليأتي ذلك بالمشيئة اإللهية "االختيار" المطلقة ولوكانت من طرف شخص واحد ما دام يمتلك "الشوكة" التي تؤدي إلى طاعة الناس له وهذا الربط إلى جانب اتساقه التام مع نهج التفكير االشعري "جبرية" "الجبرية"". الذي يرتهن كال من اإلنسان والطبيعة في أسر صارمة يهدف غلى تأييد الواقع التاريخي والسياسي وذلك عن ارتهانه بدوره داخل سياج تلك من أجل ذلك أي من أجل تلك النعمة والهدية اإللهية المتمثلة في انصراف قلوب الخلق لطاعته واالنقياد له في نهيه وأمره قد سخر اهلل من يسميهم الغزالي "خالئق الترك" أصحاب الشوكة لخدمته وحماية الخالفة والدين وسيكون لنا استدراك على سكوت الغزالي عن السلطان السلجوقي وعالقته بالخليقة ولكن علينا اآلن وإتماما لمحتوى هذا الفصل التعليق على الشروط الموجبة إلنقاذ اإلمامة. الغزالي لم يأت بالجديد فيما يتعلق بهذه الشروط وإنما أعاد تكريسها كما قد حددتها أدبيات السياسة الشرعية. فشروط الغزالي عشرة سبعة منها خلقية والباقي مكتسبة وتتضمن الصفات الخلقية "النسب القرشي" وهو شرط أثار جدال وتحفظا على األقل في ترتيبه من حيث القيمة بالقياس إلى بقية الشروط كما رأينا مع "الجويني" مثال ولكن مهما يكن فأن التأكيد على هذه الصفة واضح يتمثل في قطع الطريق أمام غير العرب وغير قريش للوصول إلى هذا المنصب "الشريف" لهذه الصفة وكيف تحولت من صفة خلقية أي طبيعية إلى صفة ولقد تأكد لنا تاريخيا القيمة المؤثرة موغلة في الرمزية إذ ساهمت في بقاء الغزايل فضائح الباطنية ص 239. أبو زيد نصر حامد اخلطاب والتأويل الدار البيضاء بريوت املركز الثقايف العريب 2000 ص
315 مؤسسة الخالفة السنية قوية برمزيتها رغم عدم امتالكها للشوكة في مراحل تاريخية معروفة وظلت كذلك حتى قيام الدولة العثمانية وألن الموضوع موضوع سلطة العالم في مقابل سلطة السياسي البد من اغتنام فرصة شروط انعقاد اإلمامة لإلشارة إلى أن الغزالي يشير من طرق خفي إلى أن العلماء هم من يضعون ويعددون هذه الشروط وبذلك يقتنص الغزالي دورا آخر للعلماء ومن خالل ذلك لشخصه يتمثل ذلك الدور في وضع المبادئ واألسس التي تقوم عليها شرعية الحكم ثم في مصاحبة صاحب األمر في ممارسة الحكم فبعد تحليله للصفات المكتسبة التي يتعين على اإلمام حيازتها يتوقف عند صفة العلم هذه الصفة التي يعرف الغزالي وبحكم سن "المستظهري" أنه ال يحوزها إلى الدرجة المطلوبة ينصح الغزالي الخليفة الشاب بتعويضها ب: 1. "استشارة أفضل العلماء وأغزرهم علما ملمحا إلى شخصه عندما يقول: "وقلما تنفك مدينة السالم عن شخص يعترف له بالتقدم في علوم الشرع". 2. السعي لتحصيل العلم استجابة ألمر اهلل خاصة وأن صغر سن الخليفة معين على ذلك إذن فالغزالي يؤكد بهذا الشكل أن العلماء أصبحوا العبين رئيسيين في مجال الوساطة في مسائل تتعلق بكل من السلطة والقوة وهنا نجد لهجة ملحاحة ألن الغزالي لم يكن إال مدركاكفاية للتوازن الحذر والمتحول دائما والذي من خالله كان وكالء السلطة والقوة آنئذ قادرين على المحافظة على أنفسهم. الغزايل فضائح الباطنية ص 73. ميتا فاروق الغزايل واإل ساعيليون ص
316 المبحث الخامس : السلطة والمعرفة بعد الغزالي المصير والمآل: لقد كان تركيزنا على "غزالي بغداد" اال أن تحوله الى الصوفية بعد 333 ه ال يعني "غزالي آخر" فقد ظلت مواقفه من مسألة السلطة والمعرفة وأضاف الطالبين لها ثابتة مع استثناء تحول يتعلق بطبيعة المعرفة اليقينية اذ اصبح يقول بالكشف الصوفي بدال من أنماط المعرفة األخرى األمر الذي جعله يضيف إلى ثوابته في ماهية العلم ووظائفه التصنيف الجديد علم المعاملة وعلم المكاشفة وقبل أن نتجه إلى مآل ومصير المعرفة والسلطة في االسالم البد أن نستخرج صورة العالم ووظيفته كما استقرت عنده وذلك من خالل استنطاق نص من أهم نصوصه شهرة وتداوال والذي كتبه بعد الصوفي انهكتاب أو باألحرى "موسوعة" إحياء علوم الدين. اختياره طريق الكشف يدشن الغزالي هذه الموسوعة بكتاب العلم مما يؤشر على األهمية التي يعطيها للعلم ولنمط منه موحيا أنه المعول عليه في الغاية القصوى غايته االصالحية إحياء علوم الدين يهيكل الغزالي هذا الكتاب غلى سبعة أبواب مباحثها على الترتيب : 1- في فضل العلم والتعليم 4 -في فرض العين وفرض الكفاية في العلوم وبيان حد الفقه والكالم من علم الدين وبيان علم اآلخرة وعلم الدنيا علوم الدين وهو ليس منه وفيه بيان جنس العلم المذموم وقدره الناس بالخالف والجدل علماء الدنيا واآلخرة -3-3 في آداب المعلم والمتعلم -3-7 في العقل وفضله وأقسامه وما جاء فيها من أخبار. 0 -فيما يعده العامة من في آفاق المناظرة وسبب اشتغال في آفاق العلم والعالمات الفارقة بين يضيق المجل هنا عن تتبع الغزالي في هواياته التضيف التفريع والتجزىء وسنكتفي بالمحاور األساسية المرتبطة بموضوعنا حد العلم األصناف القيمة والوظائف. ينطلق الغزالي من مقدمة مبرهنة مفادها أن العلم أفضا األعمال في تحقيق الغايات األوخروية "القرب من رب العالمين وااللتحاق بأفق المالئكة ومقارنة المأل األعلى" - وفي تحقيق الغايات الدنيوية "العز والوقار ونفوذ الحكم على الملوك ولزوم االحترام في الطباع"- وعليه فتعلمه يعتبر طلبا لألفضل ومن خالل مقدمة أخرى دالة جدا يذهب الغزالي إلى ممارسة أسلوبه في التصنيف والتقسيم المنطقي والداللي فلبين أنتعلم العلم وتعليمه هو أفضل األعمال يقول أن والدنيا وال نظام للدين اال بنظام الدنيا... يأتيها االنسان حسب الغزالي تنقسم إلى ثالثة أقسام: وليس ينتظم أمر الدنيا إال بأعمال اآلدميين" "مقاصد الخلق مجموعة في الدين واألعمال التي أصول وسائل لهذه األصول ومقدمات ومزينات ) 1 ( - الغزايل احياء علوم الدين تح سيد عمران القاهرة دار احلديث 2002 ج 2 ص 22. ) 2 ( - املرجع ذاته اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا. 316 ) 3 ( - املرجع السابق ص 22.
317 لهذه األصول واشرف الصناعات أصولها وأشرف ما في أصولها السياسة التي بدورها تنقسم إلى أربعة مراتب مرتبة حسب األفضلية: سياسة األنبياء فسياسة الخلف والملوك والسالطين فسياسة العلماء وأخيرا سياسة الوعاظ ومعيار هذا الترتيب متعلق بشمولية سياسة أي صنف لباطن أو ظاهر العامة أو شموله لكليهما ليصل إلى تقرير هذه النتيجة :"فأشرف هذه الصناعات األربع بعد النبوة افادة العلم وتهذيب نفوس الناس عن األخالق المذمومة المهلكة وارشادهم إلى األخالق المحمودة المسعدة وهو المراد بالتعليم".وبعد أن يبرهن على هذه النتيجة يقرر الرتبة الجليلة للعالم والمتمثلة في التوسط بين اهلل وخلقه "فأي رتبة أجل من كون العبد واسطة بين ربه سبحانه وبين خلقه في تقريبهم إلى اهلل زلفى وسياقهم إلى جنة المأوى " أما في الباب الثاني فيصنف طلب العلم ما بين فرض عين وفرض كفاية مقررا أن العلم المطلوب كفرض عين هو علم المعاملة كفاية فإما ان تكون شرعية ما أستفيدت من األنبياء- -اعتقاد وفعل وترك- 317 وأما تلك العلوم التي طلبها فرض أو غير شرعية والتي بدورها تنقسم إلى محمودة ومذمومة ومباحة والعلوم الشرعية محمودة كلها رغم التباس بعض العلوم بها ظنا أنها شرعية وهي ليست كذلك وهذه بدورها فيها المحمود والمذموم وبالعودة الى العلوم الشرعية المحمودة فإن لها أصول وفروع ومقدمات ومتممات فأصولها الكتاب والسنة واالجماع وآثار الصحابة والفروع تستفاد من األصول باستخالص المعنى أي كما حددنا سابقا أن المعرفة سيمانتي" "استنباط لغوي من النصوص أو عمل معنوي على ضربين فعندما يكون االستنباط موجها لمصالح الدنيا كان فقها وكان علما دنيويا وعندما يكون استنباط لغرض آخر كان علما بأحوال القلب ما كان منها محمودا أما المقدمات فتتعلق بالعلوم اآللية التي تخدم األصول كالنحو واللغة وعلم كتابة الخط...إلخ الحديث... أما الضرب الرابع التصنيف: "فإن قلت: فهو المتممات وهي متعلقة بعلم القرآن مثل القراءات التفسير علوم في كل هذا العرض هناك سؤال مهم يطرحه الغزالي نفسه يتعلق بموقع الفقه من هذا لم ألحقت الفقه بعلم الدنيا " يجيب الغزالي حارصا على توضيح ذلك الخيط الرفيع الذي يربط الفقه بالسياسة رجل العلم برجل السياسة يقول: "فلو تناولوها -أي الدنيا- بالعدل النقطعت الخصومات وتعطل الفقهاء ولكن تناولوها بالشهوات فتولدت منها الخصومات فمست الحاجة )4( إلى سلطان يسوسهم" االختالف الخصومات الصراع الظلم أوضاع وطبائع اقتضت وجود السلطة والسلطان وهذا األخير يحتاج في سياسته للناس إلى قانون ومن ثم احتاج إلى عالم بقانون السياسة ) 1 ( - املرجع السابق اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا. ) 2 ( - املرجع ذاته اجلزء ذاته ص 22. ) 3 ( - املرجع السابق ص 70. ) 4 ( - املرجع ذاته اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا.
318 ووسيط بين الناس حين التنازع وهذا العالم هو الفقيه "فالفقيه هو العالم بقانون السياسة وطريق التوسط بين الخلق إذا تنازعوا بحكم الشهوات فكان الفقيه معلم السلطان ومرشده إلى طريق سياسة الخلق وضبطهم لينتظم باستقامتهم أمورهم في الدنيا" ورغم أن الفقه يظل مرتبطا بالدين ولكن ليس ارتباطا مباشرا ولكن بواسطة الدنيا وهذا تأكيد للمقدمة الكبرى التي صدر عنهاكتابه في العلم ولتي تقول: " فإن الدنيا مزرعة اآلخرة وال يتم الدين إال بالدنيا" أما العالقة بين الديني والسياسي بين العالم والسلطان فعالقة تساند وظيفي "والملك والدين توأمان فالدين أصل والسلطان حارس وما ال أصل له فمهدوم وما ال حارس له فضائع وال يتم الملك والضبط اال بالسلطان وطريق الضبط في فصل الخصومات بالفقه" الملككمؤسسة تقوم على وجود السلطان التي من معانيها القوة الغلبة والقهر وهذه الصفات تجتمع في السلطان بالضرورة يحتاج معها الى ضابط ومعلم له سياسة الخلق أي الفقيه اذن فال سياسة الخلق بالسلطة من علم الدين بالدرجة األولى وانما هو أداة مساعدة وال المعرفة بطرق السياسة من علم الدين وهكذا يخرج الغزالي الفقه مع السياسة من دائرة علوم الدين إلى دائرة علوم الدنيا: فغاية الفقه أو محصلته كفن هو "معرفة طريق السياسة والحراسة حراسة الدين- " الفقه اذن متعلق بالوالية والسلطان ويبين في معرض رسمه لدائرة العلم بالدنيا والعلم باآلخرة كيف تطور الفقه في عالقته بالسلطان فقد كان "الحلفاء أئمة علماء باهلل تعالى فقهاء في أحكامه وكانوا مشتغلين بالفتاوى في األقضية" )4( وهذه هي المرحلة التي أشرنا إليها سابقا عندما لم يكن هناك تمايز في المجاالت تمايز واستقالل المجال العلمي عن بقية المجاالت ثم تلتها المرحلة التي حدث فيها تمايز واستقالل للعلم عن المجال السياسي يعبر الغزالي عن هذه المرحلة بردها إلى تولي السلطة من ليسوا أهال لها خليفة عالم- "فلما أفضت الخالفة بعدهم إلى أقوام تولوها بغير استحقاق وال استقالل بعلم الفتاوى وألحكام اضطروا الى االستعانة بالفقهاء وإلى اصطحابهم في جميع أحوالهم إلستفتائهم في مجاري أحكامهم" )5( وهكذا أصبح الفقه بضاعة مطلوبة من قبل السلطة فأدى ذلك إلى أنكثر المشتغلون به طلبا للواليات والصالة والحكومات ونفس الكالم ينطبق على علم الكالم فطلب السلطة له أدى إلى االشتغال به نص الغزالي عن الحكم يشير كذلك إلى االشتغال في الخالف المذهب الشافعي والمذهب الحنفي وذلك بإيعاز من السلطة كذلك حيث أن هذا االشتغال يعد من مخالفات الصراع على المواقع بين الذهبين حيث تبادال ) 1 ( - املرجع ذاته اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا. 318 ) 2 ( - املرجع ذاته الصفحة ذاهتا. ) 3 ( - املرجع ذاته اجلزء ذاته ص 72. ) 4 ( - املرجع ذاته اجلزء ذاته ص 12. ) 5 ( -املرجع ذاته الصفحة ذاهتا.
319 المواقع داخل ادارة السلطة دائرة الخالفة والوزارة حيث أن تمذهب الخليفة أو وزيره بمذهب ما يعني فتح الباب لمنتحليه من الفقهاء لتولي القضاء والمظالم والخطابة... وفي المقابل حرمان منتحلي المذهب المنافس. ومن موقعه الجديدكمتصوف مشتغل بعلم المعاملة والمكاشفة سيدين الغزالي مآل العلم كعلم انساق وراء طلب الدنيا "هيهات هيهات قد اندرس علم الدين بتلبس علماء السوء". وال يلبث الغزالي إال يسيرا حتى يطرح سؤاال يتعلق بموقع الكالم والفلسفة في هذا التصنيف ووظائفهما "فإن قلت: فلم لم تورد في أقسام العلوم: الكالم والفلسفة وتبن أنهما مذمومان أم محمودان " يجيب الغزالي السائل لمفترض بأن علم الكالم لم يكن "شيء منه مألوفا في العصر األول وكان الخوض فيه بالكلية من البدع" أما حكمه اآلن وموقعه فقد تغير "إذ صار ذلك المحذور بحكم الضرورة مأذونا فيه بل صار من فروض )4( الكفايات" محددا وجه الضرورة فيه والتي ال يجب ان تخرج عن "حراسة لقلوب العوام من تخيالت المبتدعة" )5( وقد بينا في مكان آخر من هذه الدراسة أن هذا التعريف لعلم الكالم هو تعريف أشعري جاء متأخرا غاضا الطرف عن تاريخ طويل لهذا العالم وعن تمفصله مع الواقع االجتماعي والسياسي كما بينا في مبحث " مقاصد الفالسفة ومقاصد الغزالي" أنه ومن خالل تعريف الغزالي لعلم الكالم ووظيفته استنتجنا أن "تهافت الفالسفة" ألف لغايات كالمية لصالح العامة أما الفلسفة وفي "اإلحياء" ال يعتبرها علما أصال حتى تعنف بل يذهب إلى عرض موقفه من أجزائها التي تكونها وهو موقف ال يزيد وال ينقص عما عرفناه كتبه السابقة عن الفلسفة ومنحليها وأقسامها التهافت والمقاصد- يقول: "وأما الفلسفة فليست علما برأسها بل هي أربعة أجزاء..." )6( سنالحظ بدون عناءكيف أن الغزالي وهو يصنف العلوم ويحكم عليها أنما فعل ذلك داخل اطار أو فضاء عقلي محكوم بمنطق ثنائي القيمة علم الدنيا علم اآلخرة العلم المذموم العلم المحمود العلوم الشرعية العلوم غير الشرعية العلوم التي تطلب كفرض عين العلوم التي تطلب كفرضكفاية إنه منطق على أساسه تصنف ويحكم على السلوك وعلى المواقف وبهذا المنطق ومن خالل موقعه كعالم ممارس لعلمي المعاملة والمكاشفة يحكم على العلو وعلى طالبيها ولكن الغزالي في جوهره ظل عالما ولم يستطع القطع كليا مع الغزالي عالم بغداد فقد ظل يمارس الفقه في "اإلحياء" وظل موقفه ثابتا من الفلسفة ومن 319 ) 1 ( - املرجع السابق ص 72. ) 2 ( - املرجع ذاته اجلزء ذاته ص 71.. ) 3 ( - املرجع ذاته اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا. ) 4 ( - املرجع ذاته اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا. ) 5 ( - املرجع ذاته اجلزء ذاته الصفحة ذاهتا. ) 6 ( - املرجع ذاته الصفحة ذاهتا.
320 يقف وراءها كما ظل شافعيا أشعريا في موقفه من السلطة إذ ترك حياة العزلة ورجع إلى "نيسابور" مدرسا ومشاركا في الحياة العامة آمال في أن يكون مصلحا بإيعاز من السلطة "فخر الملك بن نظام الملك" ت 333 ه كما صنف بعد خروجه من بغدادكتابا يصف فئة "مرايا األمراء" كتاب "التبر المسيوك في نصيحة الملوك" الذي يقوله عن مترجمه من الفارسية إلى العربية "ونقله على ترتيبه وصورته ولم أغير شيئا من وضع الكتاب الملقب "نصيحة الملوك" تصنيف الشيخ افمام زين الدين حجة اإلسالم... وهو يخاطب السلطان محمد بن ملكشاه" وفي هذا الكتاب يمارس الغزالي وظيفة الفقيه العالم التي كان قد حددها في "االحياء" كما عرضنا لذلك إذ يقول في بعض نصائحه "يا أيها السلطان خطر الوالية عظيم وخطبها جسيم والشرخ في ذلك طويل وال يسلم الوالي إال بمقارنة العلماء: علماء الدين ليعلموه طرق العدل و ليسهلوا عليه خطر األمر" وقد ظل يعتقد حتى آخر حياته انه ال اصالح وال تغيير إال "بزمن مساعد وسلطان متدين قاهر" واآلن قد تخلى الزمان من السلطان المتدين القاهر لم يبق له إال نفسه وهذا المسلم الذي يكون ما يسمونه العامة طالبا منه أن يخوض الجهاد األكبر "باختصار فإصالح الغزالي يقوم على اعتقادين التربية الذاتية وواجب طاعة النظام السياسي والديني القائم حتى وغنكان ظالما". لقد انقسمت الدولة السلجوقية على نفسها واقتطعت من أراضيها بفعل الغزو الصليبي حيث أخذ الشام كله منها بما في ذلك القدس ثم جاء الغزاة من الشرق المغول ومن وقاة الغزالي حتى سقوط بغداد ونهاية الخالفة سينتهي المد الحضاري العربي االسالمي وسندخل مرحلة اعادة االنتاج وتدخل المعرفة التي أصبحت مجرد تراث يعاد انتاجه في منطق "ايديولوجيا الكفاح" وستسيطر خاصة في القرن السابع مؤلفات ذات طابع سياسي التي كانت تنسج على منوال "مرايا األمراء" "وفي هذا السياق ينبغي فهم طابع كتب السياسة ورسائلها في تلك الحقبة فهي إما أن تكون للطرفة والتسلية واإلرشاد والتعليم والتقرب للملوك عن طريق "مرايا األمراء" نصائح الملوك- وإما تتوسل بقالب "مرايا األمراء" لتدعوا إلصالح الحال والعدل ورفع بعض العبء عنكاهل الرعية" )4(. بينما "مؤلفات الثلث الثاني من القرن السابع يختفي فيها الفقه تماما ليبرز من جديد نموذج "مرايا )5( األمراء" وإن من حيث االطار فقط غالبا" على الصعيد الكالمي ستسمح المكتبات بظهر مؤلفين أو ) 1 ( - الغزايل الترب املسيوك يف نصيحة امللوك تح أسعد مجعة تونس كريانيس ط ص ) 2 ( - املرجع ذاته ص 23. ) 3 ( - محيش سامل الغزايل بني فكر القطيعات وسياسة اإلقطاع ص 23. ) 4 ( - السيد رضوان تقدمي ابن احلداد اجلوهر النفيس يف سياسة الرئيس بريوت دار الطليعة 2937 ص 20. ) 5 ( -املرجع ذاته ص 23.
321 مجمعين للتراث الكالمي االشعري كالرازي ت 333 ه والشهرستاني وفي آخر المطاف ابن خلدون الذي مثل طفرة تاريخية من حيث العقلية العلمية الناقدة وقبل ذلك وفي مكان آخر في الغرب االسالمي المغرب واالندلس في ظل الدولة الموحدية ستسمح االطر االجتماعية في مستواها السياسي خاصة أي ارادة المعرفة لدى السلطة الموحدية بظهور فالسفةكابن باجة وابن طفيل وابن رشد... ولكن وحتى هؤالء ونظرا لتحول االجتماعية للمعرفة إلى الجهة األخرى من العالم فكان مستقبل هذا الفكر في تلك الجهة حيث تمثلت عملية االصالح الديني في صيغة الرشدية االوربية. لماذا آل األمر إلى هذ المصير هذا المصير التراجيدي ورغم أنه ذو خاصية كونية تصيبكل المجتمعات والحضارات إال انه وفي الجهة االسالمية ظل هو الواقع التاريخي وكأنه أصبح مصيرا نهائيا فهل يمكن تفسير ماحدث بمجرد ذكر التفسير يذهب انتباهنا صوب ما يسمى "سوسيولوجيا االخفاق" تلك السوسيولوجيا التي تفسر سوسيولوجيا طبعا اخفاق وفشل المبادرات التجارب والمبادرات االنسانية الجماعية في فترة تاريخية معطاة وهذا يعني عمليا التسليم بوجود أسباب محددة للنجاح يقابلها أسباب أخرى تؤدي إلى الفشل يبقى التفسير نسبيا في نهاية المطاف وذلك بالقياس إلى حجم ظاهرة سقوط الحضارات أو فشل مشاريع النهضة والتنوير ولكنها تبقى في األخير محاولة علمية البد من ممارستها. في سياقنا الذي نتكلم عنه لن تخرج األسباب عن العالقة بين أشكال السلطة السياسية واألطر االجتماعية للمعرفة وعالقة الفاعلين من حيثمكاناتهم وادوارهم االقتصادية واالجتماعية بهذه األطر وهذا يعني ذلك أن أنظمة االعتقاد وانتاج المعرفة ذات طبيعة تاريخية فهي خاضعة تمما إلكراهات المجتمع والتاريخ فالتحوالت التي تحدث على مستوى األطر االجتماعية تؤدي إلى تحوالت في أنظمة انتاج المعارف وانظمة االعتقاد آليات اشتغالها وعليه ال يمكن تحميل المسؤولية التاريخية للمصير التراجيدي للحضارة العربية االسالمية لرد الفعل السيء في العهد السلجوقي والنتصار المذهب األشعري وسيطرته وال لنقد الغزالي للفلسفة ألنه حتى لو افترضنا صحة ذلك فإننا نحتاج إلى تفسير علمي وموضوعي كذلك لهذه الظاهرة أي علينا أن نجيب عن السؤال ما الذي جعل رع الفعل السني ينجح وفي أية شروط وظروف ساد المذهب األشعري واكتسح الساحة الكالمية والمذهبية وفي ظل أي ظروف "الهجمة الغزالية" على الفلسفة من االنتصار نهائيا اننا نعتقد من جهتنا "ان تفسير سبب هذا الفشل التاريخي غير ممكن اال بعد القيام بتحريات واسعة عن سوسيولوجيا الفشل أي ماهي األسباب االجتماعية واالقتصادية والسياسية التي تؤدي إلى فشل تيار فكري معين في لحظة ما من لحظات التاريخ ونجاح معاكسه " ) 1 ( -حممد أركون نزعة األنسنة يف الثقافة العربية ص 321
322 هناك جملة من األسباب الداخلية والخارجية أدت إلى انحصار النشاط الحضاري واالبداعي ال في المجال العقلي فحسب بل كذلك انحصار نشاطاته االبداعية في العلوم الدينية عندما كان العقل الديني قادرا على االبداع واالجتهاد كان ذلك طيلة القرون الخمسة األولى التي استغرقتها الحضارة العربي االسالمية مذ نشوئها في المدينة وستبلغ هذه الحضارة أوج تطورها في القرن الرابع هجري حيث يشهد هذا القرن عودة الموقف العقلي النقدي بمختلف اتجاهاته الكالمية والفلسفية بعدما انحصر بعد ذلك مؤقتا فعادت المذاهب الكالمية لالشتغال ونشطت المناقشات والمناظرات الحرة وكان هذا النشاط والتنوع الفكري يجد تعبيره في حقل األدب بمعناه الكالسيكي حيث كان المجال األكثر تعبيرا عن روح ذلك العصر المتسمة بالتسامح والحرية الفكرية والمتسمة كذلك بالالمركزية السياسية والتمايز بل وانعال الوطنية الرمزية للخليفة عن الوظيفة السياسية للسلطان والمتميزة باكتساح المعارف ذات الطبيعة المادية والدنيوية ولم يكن هذا العصر إال تتويج لسيرورة تاريخية. وهذه النهضة ارتبطت بحياة الحواضر والمدن في العراق وايران بصفة خاصة والواقع أن ظاهرة الحضارة االسالمية كانت مرتبطة باألوساط الحضارية التي ازدهرت في المدن كان ذلك منذ اللحظات األولى لظهور االسالم كدين وحضارة في مكة والمدينة حيث تركزت النخبة األولى لإلسالم وهي نخبة حضرية استطاعت أن تجند البدو وتقودهم في عملية الفتح الذي توج بتأسيس مدن وحواضر لعبت دورا محوريا في المجال العسكري والمجال العلمي مثل الكوفة والبصرة وواسط ودمشق وبغداد والفسطاط والقاهرة. ولكن هذا اإلسالم الحضريكان اسالما هشا مهددا باستمرار من قبل غزو البدو في شكل خمالت لسالالت أجنبية وغريبة األتراك السالجقة األتراك الديلم المغول" عن الحضارات ثورات العبيد ان الظاهرة اإلسالمية التي نحاول دراستها و وصفها اآلن هي ظاهرة حضارية الواقع أن المجتمعات اإلسالمية كانت منذ زمن النبي عبارة عن مجتمعات حضارية أساسا فالظاهرة مدينية و ليست بدوية أو ريفية االقليال جدا. وبذلك ما ان تدفقت موجات الشعوب الخارجية من ترك و مغول بعدهم وايران( حتى انهار كل شييء من تلقاء ذاته." المتغيرات وانحصار المد الحضاري االبداعي وسيادة التقليد: ( بمعنى أن انتشارها محدود ومحصور. كما حصل في منطقة العراق ومن خالل دراستنا المتواضعة وجدنا عالقة قوية بين قوة أو ضعف السلطة المركزية المتمثلة في الخليفة. الطبيعة االثنية للسالالت الغازية. التحوالت في السياسة االقتصادية المالية والتجارية. ضغط القوى الخارجية صليبيون مغول ) 1 ( -اركون حممد العلمنة و الدين اإلسالم املسيحية الغرب ص
323 - تحول طرق التجارة واعادة تشكل عالم البحر األبيض المتوسط. فيما يتعلق بالمتغير األول نذكر أن االختالف حوله أي االختالف خول االمامة قد أدى "إلى اراقة الدم" وأدى إلى الصراع التنافس وظهور المذاهب والفرق بمعنى أنه كان عامل تاريخي مولد للنشاط السياسي والمعرفي وااليديولوجي فقد كان اإلمام أو الخليفة يمثل رأس السلطة والتي كانت كما بينا وراء النشاطات الفكرية: التدوين الترجمة ازدهار الشعر واآلداب وانشاء المدن المحن نعم للسلطة وجهها السلبي القمع االمتحان االقصاء االنتقاء المراقبة والعقاب ولكن في نفس الوقت السلطة منتجة لقدكان هناك تضامن بين الدولة المركزية وظهور الكتابة والمذاهب والثقافة العالمة بصفة عامة لكن بداية من عهد المتوكل ستفقد قوتها وسيطرتها على المجتمع والقوى المشكلة له فتخلت عن أهم وظيفة لها وظيفة القيادة والتوجيه لصالح عناصر عسكرية مملوكية-األتراك- ثم الديلم ثم السالجقة األتراك وفي كل األحوال ضعفها كان يعني ضعف واضمحالل العامل المحرك للنشاط المعرفي والسياسي لقد كنت السلطة المركزية في مواجهة مباشرة مع المعرفة وبعد ضعفها صارت تحتمي بنمط معين من المعرفة في الغالب المعرفة التقليدية المحافظة. هذا المتغير بمتغير الطبيعة االثنية للسالالت الغزية وألمراء التغلب واالستيالء فاألتراك الذين عملوا كمماليك لدى المعتصم والواثق وبلغوا السلطة في عهد المتوكل وقتلوه هم وكما أسلفنا قوة ال عالقة لها بالمراكز الحضرية ولم يكونوا يدينون بمذهب بعينه ولم يكن لديهم مشروعا سياسيا وقد عاثوا فسادا في بغداد حتى في عهد المعتصم فبنى مدينة سامرا إلبعادهم عن بغداد وخرجت قوات السالجقة سواد العراق وكل المناطق الحضارية التي مروا بها حتى ضج الناس وكتب بذلك الخليفة إلى طغرليك لكفهم وهؤالء عندما وصلوا إلى السلطةكانوا مجردي منكل أسباب الشرعية والقبول في المجتمع إذ ليس لهم تراث يتكئون عليهكماكان للبويهيين كما ليس لهم دعوة دينية أو مذهب يتمذهبون بهكماكان للبويهيين لقد كانت شرعيتهم الوحيدة غداة دخول بغداد القوة ولذلك وتعويضا عن ذلك حملوا مشروع "اإلحياء السني" كما بينا. بحثا عن الشرعية وعن إيديولوجيا جديدة للدولة محاولة منهم اقامة قطيعة مذهبية وسياسية مع البويهيين الشيعة لقد كانوا يمثلون اسالما بدويا سطحيا مبني على اسالم سني مدرسي سرعان ما أصبح اإلسالم االرثوذكسي بعد تأسيس المدرسة وترسيم المذهب وصياغة ايديولوجياكفاح ضد الخطر اإلسماعيلي الشيعي وضد الغزو الصليبي لينخرط الجميع في هذا المشروع لذا ونظرا لهذه المعطيات "ال نملك إال أن نقيم عالقة واضحة بين دخول األتراك إلى مسرح التاريخ وبين بدايات انتصار التقليد على االجتهاد في الوسط االسالمي". 323 ) 1 ( -املرجع السابق ص 293.
324 أما المتغير الثالث وهو من أهم العوامل الفاعلة في التغيير االجتماعي والمعرفي فمع البويهيين بدأت سياسة االقطاع وتكرست مع السالجقة حيث أصبحت اقطاعا عسكريا األمر الذي أدى إلى ضرر فادح بقطاع الزراعة الذي كان ركيزة االقتصاد في تلك الفترة كما أدت السياسة المالية المرتكزة على فرض مزيد من الضرائب والمكوس لتغطية نفقة الجيش والمصادرات إلى اضعاف الفئات االجتماعية المنتجة واضعاف البرجوازية التي كانت تتكون من كبار الملوك والتجار والذين كانوا يشلون الطبقة الداعمة والمحتضنة للفكر العقلي الحر فقد كان محصورة بالمراكز الحضرية الكبرى "وجود هذه البرجوازية دائما مهددا ومؤقتا وعرضا وكانت )أي المدن األساسية( ومتبعثرة في امبراطورية شاسعة وتابعة للسلطات السياسية المتنافسة ومستبعدة عنكل مساهمة فعلية ومتواصلة في تسيير جهاز الدولة" وهذا أمر معاكس لما حدث في أوربا إذ ارتبطت الحداثة بجميع أبعادها بصعود الطبقة البرجوازية قبل الكالم عن متغير ضغط القوى األجنبية من صليبيين ومغول يجب التذكير بالتحدي االسماعيلي وتأثيره في السلوك السياسي للسالجقة ورد الفعل المعرفي على ذلك التحدي وقد كان هذا الفعل من الدراسة مسرحا لذلك أما التهديد الصليبي ثم المغولي فلم يكن تهديد يمس السلطة فقط بل استمرارية األمة برمتها األمر الذي أدى إلى تضامن من قبل العلماء مع السلطة السلجوقية في اطار ايديولوجيا الكفاح والجهاد وكما نعرف المصير التاريخي للخالفة قد تحدد بضربات المغول التي انتهت بدخولهم بغداد عام 333 القديم ه وهذا التحول التاريخي أدى بالحتم إلى تحول جيوستراتيجي إذ تغيرت خريطة العالم ومعها تغيرت طرق التجارة وتحولت لصالح أوربا وتغير عالم البحر األبيض المتوسط بظهور سادة جدد على المسرح ايطاليا فرنسا اسبانيا والبرتغال ناهيك عن تحول طرق التجارة البرية نتيجة للحروب الصليبية والغزو المغولي ثم الحقا االكتشافات الجغرافية وفي الوقت الذي بدأت فيه البرجوازية التجارية فالصناعية في الصعود و أخذ المبادرة التاريخية كانت القوى االجتماعية في المجتمعات االسالمية والتي كان بإمكانها أن تكون حاملة لإلصالح والتغيير قد انهارت تماما. ) 1 ( -أركون حممد االسالم االحالف السياسية ص
325 خاتمة 325
326 خاتمة: بعد أن استغرقت الموضوع واستغرقني ال بالمعنى المنطقي للمفهوم فحسب بل بالمعنى السيكولوجي كذلك ال أستطيع اإلدعاء أن خاتمة هذا البحث ستكون قوال يؤذن بنهاية الكالم في الموضوع ألنني وبكل موضوعية وبعد هذا الجهد أحسست و كأنني اآلن قد بدأت. وقد كنت كلما تقدمت في هذا البحث كلما قل تأكيدي ألي قضية من مقدمة البحث "أخطبوطية" قضاياه فقد كانت اإلشكالية وكما وصفتها في تكاد أذرعها تطال كل الموضوعات والمسائل التي شكلت االهتمام الفكري إلسالم العصر الوسيط والزالت تضغط علينا وتهزنا هزا نحن ورثة ذلك التراث وما بحثنا المتواضع هذا إال هزة من هزاتها االرتدادية وكان البد واألمر على هذه الحال الذهاب من المعرفة كنشاط عام إلى المعرفة العلمية كنشاط نوعي يمارس داخل المعرفة ومنه إلى النشاط الذي مارسه نوعية معينة من العلماء داخل دائرة علمية هي ما نطلق عليها اليوم العلوم العربية اإلسالمية تلك العلوم المرتبطة بالنص والتي ظلت تدور في فلكه والتي سميت أثناء الصراع والتنافس بين مرجعيتين مختلفتين في إنتاج الحقيقة النص والعقل "بالعلوم األصيلة" وكان االهتمام منصبا حول سلطة تملك العلوم وعالقتها بالسلطة السياسية من ناحية وبواقعها االجتماعي والتاريخي من ناحية أخرى من أجل ذلك وعلى إمتداد البحثكنا نحاول المزاوجة بين المنهج التاريخي التعاقبي والمنهج اآلني محاولة منا للكشف عن أنماط العالقات الممكنة وعلى الثوابت في ذلك الزخم من التعدد والتنوع وهكذا لجأنا إلى توظيف مفاهيم إجرائية من قبيل السيادة العليا دين المعنى المخيال االجتماعي...ألخ وحاولنا قدر اإلمكان االستفادة من تلك األبحاث الرائدة في هذا المجال أبحاث جدعان" و"أومليل" "أركون" و"الجابري" و"هشام جعيط" و"العروي" و"فهمي وغيرهم ومن خاللهم أو بدون توسطهم في أحيان أخرى استفدنا من الكثير من المفاهيم والمواقف النظرية لمفكرين غربيين على غرار "فوكو" و"فيبر" و"بتراندبادي" "مارسل غوشيه" و"بيار كالستر" وكان حقل عملنا النصوص التاريخية والمتن الفلسفي النص التاريخي "ابن هشام" و"السيوطي" و"ابن كثير" وبطبيعة الحال نصوص وسيرة "للطبري" "الغزالي" وعلى امتداد عمر هذا البحث كنا نجد أنفسنا نسلك طرقا لم تكن مقصدنا ونتوقف عند محطات لم تكن على اإلطالق في مخطط هذا السفر لقد انطلق مسار هذا البحث من جملة من الفرضيات حاولنا فحصها بالتقصي التاريخي واالعتماد على مبدأ تاريخية الفكر والحقيقة وكان ذلك التقصي يحاول في أحيان لبس مأزر األركيولوجي والجينالوجي والتسلح بأدواتهما الحفر وإلتماس األصول والجذور ميالد السلطة ميالد العالم أصل وجذر النظام العباسي...ألخ وهكذا حاولنا تتبع وتفسير عملية التحول من مجتمع بدون سلطة مضاد للدولة حيث السلطة في نواتها أو جرثومتها األولى عبارة عن "تجلة وقار وهيبة" لرئيس البيت وشيخه 326
327 ليستمر الخضوع والطاعة المؤسسين على "مديونية المعنى" عملهما ونشاطهما ولكن هذه المرة الطاعة والخضوع لشخص النبي ومن خالله للسيادة العليا هلل الواحد الذي تدخل في التاريخ من أجل ضبط إيقاع المجتمع البشري على المبادئ التي نزلت قرآنا على نبيه ونتيجة للدعوة والتبشير الذي قام به النبي أثناء الدعوة المكية تكونت جماعة المؤمنين التي كانت تقدم بكل طواعية حماس وإيمان الخضوع والطاعة هلل ورسوله دون أي إكراه أو ضغط مادي نفسي أو اجتماعي طاعة ال تفسرها إال "مديونية المعنى" غداة الهجرة كظاهرة دينية وسوسولوجية كبيرة سيظهر وجه آخر للسلطة النبوية الوجه المادي إذ ستظهر مقولة الحرب والغنيمة والتوزيع والقيادة التحالف والتعاقد الدبلوماسية... فكانت في مرحلة أولى المدينة الدولة وبموازاة الدعوة كانت السياسة بكل أبعادها تشتغل إلدخال الحجاز وجزيرة العرب لإلسالم ولدائرة سلطة المدينة ولم يمت النبي إال وكان األمر كذلك في عمومه سيستمر النصاب السياسي للنبي كقائد لألمة في شخص خليفته الذي باإلضافة إلى النصاب السياسي للنبوة والذي أصبح يحوزه بحكم أنه خليفة سيصبح مسؤوال على تنفيذ الشرع ونشر اإلسالم وتبليغه وحراسة الدين وهكذا فعل كل من أبي بكر وعمر اللذان ستصبح سيرتهما مع سنة النبي نموذجا تنبثق منه رؤية وشعورا دينيا قويا تقويا طهريا مستندا إلى القرآن الذي ستتعاظم سلطته كإمام بعد موت النبي باسم هذه الرؤية سيقتل عثمان وتندلع الفتنة التي بقدر ما كانت دينية في جوهرها كان رهانها السلطة والشرعية بانتصار خط األرستقراطية األموية ستولد السلطة وقد أصبحت عارية إال من طبيعتها وستولد معها المقاومة الخوارج الشيعة وسيولد معها رجل السياسة أي المجال السياسي في مقابل المجال المعرفي /الديني الذي صار يحتله العالم ويكون الصراع بينهما على امتالك السيادة العليا والشرعية سيتجلى هذا الصراع في "المحن" محنة خلق القرآن خاصة التغيرات التي حدثت على مستوى السلطة سلطة مؤسسة الخالفة بتراجعها واستيالء "أمراء االستيالء" على صالحيتها سيؤدي إلى تغير الرهان وتحول في نمط العالقة بين العالم والسلطان العالم السني سيصبح صاحب مهنة مهنة التنشيط األيديولوجي وتبرير سياسة األمر الواقع بالدفاع عن مؤسسة الخالفة السنية والتعاون مع السلطان القائم حتى لو كان ظالما درءا لضرر أكبر الفتنة وذهاب األمة ستتضخم هذه الوظيفة وظيفة تنشيط النضال األيديولوجي مع وجود تهديد خارجي الوجود البيزنطي والصليبي والمغولي ومع وجود تهديد داخلي يتمثل في التهديد الشيعي اإلسماعيلي منه خاصة ومع انحصار اإلجتهاد وسيادة التقليد سيستمر الفقيه المقلد وعندما تغيب السلطة سيعوضها "الشيخ المرابط" والمؤسسة الدينية التقليدية الى يومنا هذا. خالل هذا المسار الطويل والمتعرج لم نتوقف عند أنماط من المعارف ومنشطيها لم نتوقف عند الفلسفة أو األدب الذيكان في القرن الرابع الهجري يختزل النشاط المعرفي بكل أبعاده كما لم نتوقف 327
328 كثيرا عند علماء المادة الذينكانوا يغردون خارج السرب والسبب موضوعي ألننا وجدنا أن العالمكتمثل وكمكانة ودور في ثقافتنا إنما كان ذلك العالم الذي حددناه أما البقية فكانوا على الهامش ال بسبب هامشية علومهم بل ألن النظام المعرفي الذي حكم إسالم عصر الوسيط والذي لم يتغير بنيويا حتى اآلن كان يحبذ نوعا من العلوم ونمطا معينا من الحقيقة. فلقد كان التساؤل دائما أين موقع الفلسفة كنظام معرفي برهاني وأين موقع العلم التجريبي في الثقافة العربية اإلسالمية. قلنا لتونا أن موقعهمكان في الهامش وحتى حضورهما الهامشيكان آلية سلطوية محضة لماذا لقد كان الحادث اإلسالمي وتجربته التاريخية منوطة بالنص كموضوع للمعرفة طبيعته تختلف عن الطبيعة موضوع العلوم التجريبية وتختلف عن طبيعة المجتمع موضوع علوم اإلنسان والمجتمع وألنه مثل العلة األنطلوجية إن صح التعبير التي انبثق عنها الوجود التاريخي ألمة برمتها فقد كان يحوي كنوزا أثمنها السلطة والشرعية فالصراع المولد أو المثبط كان من أجل امتالك السلطة والشرعية السلطة السياسية والمعرفية ولم يكن الصراع في ثقافتنا صراعا على رؤية للكون أو للطبيعة أو للمجتمع بل صراعا سياسيا وإيديولوجيا على السيادة العليا والمشروعية وبالتالي على السلطة لقد كان الطلب بالمعنى االقتصادي للكلمة على السلطة وليس العلم بمعناه األسمولوجي العام وهذاكإنعكاسكذلك لبنية المجتمع الذيكان مجتمعا خراجيا أي على غرار المجتمعات الريعية مجتمع يطلب السلطة لإلشراف على التوزيع ال على البحث عن آليات إنتاج الثروةكآلية العلم. وبعد!! نحن نواصل اآلن بمنطق أبي نواس "داوني بالتيكانت هي الداء". السلطة الداء والدواء هل حان الوقت لقطع الطريق أمام السلطة والتماسها للشرعية خارج السيادة الشعبية إلى أي مدى سيضطلع "المثقف" بدور تحرير الدين وقدسيته من االستعمال السلطوي له. وصوال للحكم أم خروجا عليه إلى أي مدى يمكن لمؤسساتنا األكاديمية ولباحثينا في علوم اإلنسان والمجتمع صياغة سياسية جديدة للحقيقة في مجتمعاتنا 328
329 المراجع 329
330 القرآن برواية ورش عن نافع 0202 البخاري أبو عبد اهلل محمد بن إسماعيل صحيح البخاري تقديم أحمد محمد شاكر القاهرة دار ابن حزم المصادر والمراجع: I. المصادر: 0 -الغزالي أبو حامد احياء علوم الدين تح سيد عمران القاهرة دار الحديث الغزالي أبو حامد تهافت الفالسفة تح أسعد جمعة تونس كيرانيس للطباعة و النشر و التوزيع الغزالي أبو حامد التبر المسبوك في نصيحة الملوك تح أسعد جمعة تونس كيرانيس للطباعة و النشر والتوزيع 0202.II 2 -الغزالي أبو حامد المنقذ من الضالل ضمن رسائل االمام الغزالي بيروت دار الفكر الغزالي أبو حامد مقاصد الفالسفة تح أسعد جمعة تونس كيرانيس للطباعة و النشر والتوزيع الغزالي أبو حامد معيار العلم في فن المنطق تقديم وتعليق علي بوملحم بيروت دار ومكتبة الهالل الغزالي أبو حامد فضائح الباطنية تح عبد الرحمان بدوي القاهرة الدار القومية للطباعة و النشر الغزالي أبو حامد فصل التفرقة ضمن مجموعة رسائل االمام الغزالي بيروت دار الفكر الغزالي أبو حامد القسطاس المستقيم ضمن رسائل االمام الغزالي بيروت دار الفكر 0202 : المراجع باللغة العربية: الكتب: 02 -ابن الحداد محمد بن منصور بن حبيش الجوهر النفيس في سياسة الرئيس تح وضوان السيد بيروت دار الطليعة ابن النديم محمدبن إسحاق الفهرست تح ناهدعباس عثمان [ ب م[ دار قطري بن الفجاءة ابن خلدون عبد الرحمان المقدمة تقديم خالد العطار لبنان دار الفكر ابن كثير البداية و النهاية القاهرة دار الحديث ابن هشام أبو محمد عبد الملك سيرة النبي مراجعة و ظبط و تعليق محمد محي الدينعبد الحميد )ب م( دار الفكر )ب ت( 05 -أبو العرب محمد بن أحمد تميم التميمي كتاب المحن تح يحي وهيب جبوري بيروت دار الغرب اإلسالمي
331 06 -.أركون محمد العلمنة والدين واإلسالم المسيحية الغرب ت هاشم صالح بيروت دار الساقي ط أركون محمد اإلسالم االخالق والسياسة بيروت دار النهضة العربية \مركز االنماء القومي أركون محمد الفكر العربي ت عدل العوا بيروت دار المعرفة الجامعية ط أركون محمد تاريخية الفكر اإلسالمي ت هاشم صالح بيروت \ القومي \ المركز الثقافي العربي ط أركون محمد الفكر اإلسالمي قراءة علمية ت هاشم صالح الدار البيضاء\ العربي ط الدار البيضاء المركز االنماء بيروت المركز الثقافي 00 -أركون محمد الفكر اإلسالمي نقد و اجتهاد الجزائر ت هاشم صالح الشركة الوطنية للنشر والتوزيع أركون محمد القرآن من التفسير الموروث الى التحليل الخطاب الديني ت هاشم صالح بيروت دار الطليعة ط أركون محمد نزعة االنسنة في الفكر العربي جيل ابن مسكويه والتوحيدي ت هاشم صالح بيروت دار الساقي أمبن احمد ضحى اإلسالم بيروت دار الكتاب العربي ط 02 ( ب ت ) 05 -أمين احمد ظهر اإلسالم الجزائر دار االصالة أمين احمد فجر اإلسالم بيروت دار الكتاب العربي ط 02 )ب ت( 06 -أمين أحمد فجر اإلسالم مصر / شركة الطباعة الفنية المتحدة ط أنجرس موريس منهجية البحث في العلوم اإلنسانية تر بوزيد صحراوي و آخرون الجزائر دار القصبة أومليل علي السلطة الثقافية و السلطة السياسية بيروت م د و ع ط بادي بنتراند و نبوم بيير سوسيو لوجيا الدولة ت بيروت مركز االنماء القومي العربي 32 -بالقزيز عبد االله النبوة و السياسة بيروت م د و ع 30 -بغورة زواوي ميشال فوكو في الفكر العربي المعاصر بيروت دار الطليعة بالندييه جورج االنترويولوجيا السياسية ت علي المعري بيروت المؤسسة الجامعية للدراسات و النشر والتوزيع ط بوخاري حمانة التعلم عند الغزالي الجزائر المؤسسسة الوطنية للكتاب ط بورديو بيار أسئلة علم االجتماع ت إبراهيم فتحي القاهرة دار العالم الثالث
332 35 -بورديو بيار الرمز و السلطة ت عبد السالم بن عبد العالي الدار البيضاء دار توبقال للنشر, بوعرفة عبد القادر مقدمات في السياسة المدنية الجزائر رياض العلوم للنشر و التوزيع تواتي مصطفى المثقفون و السلطة في الحضارة اإلسالمية الجزائر \بيروت أناب ودار الفارابي التوحيدي أبو حيان االمتاع و المؤانسة تق مختار بو بوات الجزائر موفم للنشر ط الجابري محمد عابد تكوين العقل العربي بيروت م د و ع ط الجابري محمد عابد العقل السياسي العربي محدداته و تجلياته بيروت م د و ع ط الجابري محمد عابد مدخل الى القرآن الدار البيضاء دار النشر المغربية الجابري محمد عابد العصبية و الدولة معالم نظرية ط خلدونية في التاريخ اإلسالمي بيروت م د و ع 23 -الجابري محمد عابد المثقفون في الثقافة العربية اإلسالمية بيروت م د و ع جدعان فهمي المحنة القاهرة الشبكة العربية لألبحاث و النشر ط جعيط هشام الفتنة ت خليل أحمد خليل بيروت دار الطليعة ط حامد أبوزيد نصر الخطاب و التأويل الدار البيضاء \بيروت المركز الثقافي العربي حركات ابرهيم المجتمع العربي و السلطة في العصر الوسيط بيروت افريقيا الشرق الخضري محمد بك تاريخ التشريع اإلسالمي الجزائر دار "أشريفة" ]ب ت[ 29 -دلوز جيل المعرفة السلطة مدخل لقراءة فوكو ت سالم يافوت الدار البيضاء العربي 0987 \بيروت مركز الثقافي 52 -دلوز جيل وغتاري فليكس ماهي الفلسفة ت مطاع الصفدي بيروت مركز االنماء القومي العربي دنيا سليمان الحقيقة في نظر الغزالي مصر دار المعارف ط دوران جون بيار وفايل روبير علم االجتماع 52 -دي بور تاريخ الفلسفة في اإلسالم ت محمد عبد الهادي أبو ريدة تونس للنشر \المؤسسة الوطنية للكتاب ) ب ت( \ 55 -ديورنت ول قصة الفلسفة ت فتح اهلل المشعشع بيروت مكتبة المعارف ط الجزائر الدار التونسية 56 -زايد أحمد مدخل الى البنائية القاهرة المركز القومي للبحوث الجنائية و االجتماعية الزمخشري محمود بن عمر الكشاف بيروت دار الكتاب العربي ط زيناتي جورج رحالت داخل الفلسفة الغربية بيروت دار المنتخب العربي للدراسات سارتر جون بول دفاع عن المثقفين ت جورج طرابيش بيروت دار اآلداب
333 62 -سعيد ادوارد المثقف و السلطة ت محمد عناني القاهرة رؤية للنشر و التوزيع سورديل دومينيك اإلسالم في القرون الوسطى ت علي المقلد بيروت دار التنوير السيد رضوان الجماعة و المجتمع و الولة سلطة األيديولوجيا في المجال السياسي العربي بيروت دار الكتاب العربي السيوطي جالل الدين االتقان في علوم القرآن بيروت دار الفكر السيوطي جالل الدين تاريخ الخلفاء ظبط محمدخالد العطار بيروت بيروت دار الفكر للطباعة السيوطي جالل الدين و الحلي جالل الدين بن أحمد تفسير الجاللين تعليق محمد بن جميل زينو وآخرون القاهرة دار ابن الهيثم السيوطي جالل الدين تاريخ الخلفاء تح محمد أحمدعيسى القاهرة دار ألف الجديدة الشاطبي إبراهيم بن موسى الموافقات في أصول الشريعة شرح وتخريج الشيخ ععبد اهلل الدراز وآخرون ]ب ت[ 67 -شرارة. وضاح حورات المستقبل العربي اإلسالم و الحداثة و االجتماع السياسي بيروت م د و ع ط الشهرستاني أبو الفتح محمد بن عبد الكريم الملل والنحل تص و تع أحمد فهمي محمد بيروت دار الكتب العلمية ( ب ت ) 69 -شوفالييه جون جاك تاريخ الفكر السياسي ت محمد عرب صاصيال بيروت المؤسسسة الجامعية للنشر والتوزيع لصغير عبد المجيد المعرفة والسلطة في التجربة اإلسالمية القاهرة رؤية للنشر والتوزيع الصالبي علي محمد دولة السالجقة القاهرة دار الجوزي طقوس محمد سهيل تاريخ الدولة العباسية بيرت دار النفائس ط عبد الرازق علي اإلسالم و أصول الحكم الجزائر مزفم للنشر عبد الرحمان طه تجديد المنهج في التراث بيروت \ الدار البيضاء المركز الثقافي العربي العروي عبد اهلل ماهو العقل بيروت الدار البضاء المركز الثقافي العربي ط العروي عبد اهلل ماهي االديولوجيا بيروت\ الدار البيضاء المركز الثقافي العربي ط العروي عبد اهلل العرب و الفكر التاريخي بيروت الدار البيضاء المركز الثقافي الغربي ط علي جواد تاريخ العرب في اإلسالم بيروت دار الحداثة عمارة محمد التراث في ضوء العقل بيروت دار الوحدة )ب ت( 333
334 97 -العيادي عبد العزيز ميشال فوكو المعرفة والسلطة بيروت المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع غوشيه مارسيل وكالستر بيار أصل العنف و الدولة ت علي حرب بيروت دار الحداثة ( ب ت( 99 -فلوري لوري ماكس فيبر ت علي محمد مقلد بيروت دارالكتاب الجديدة المتحدة فوكو ميشال نظام الخطاب ت محمد سبيال بيرةت دار التنوير فوكو ميشال إرادة المعرفة ت جورج أبي صاح بيروت مركز االنماء القومي فوكو ميشال جينيالوجيا الحقيقة ت أمد السطاتي وعبد السالم بن عبد العالي الدار البيضاء دار توبقال للنشر فوكو ميشال هم الحقيقة تمصطفى المسنلوي و آخرون الجزائر منشورات االختالف فيبر ماكس مفاهيم األساسية في علم االجتماع ت هالل صالح القاهرة المركز القومي للترجمة قباني محمد الولة العباسية من الميالد الى السقوط الجزائر دار االصالة الكردي علي محمد نظربة المعرفة و السلطة عند ميشال فوكو القاهرة دار المعرفة الجامعية كالفال بول المكان و السلطة ت عبد األمير إبراهيم شمس الدين بيروت المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر و التوزيع كنيدي هيو الحياة الفكرية خالل القرون األربعة االولى لالسالم في المناهج واألعراف العقالنية في اإلسالم تق فرهاد دفتري بيروت و لندن دار الساقي و مركز الدراسات اإلسماعيلية كوربان هنري تاريخ الفلسفة اإلسالمية ت نصير مروة وحسن قبيسي بيروت \باريس منشورات عويدات ط كوليو كاترين ماكس قيبر والتاريخ.ت جورج كتورة بيروت المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع لويس جون مدخل الى الفلسفة ت أنور عبد المالك بيروت دار الحقيقة للطباعة والنشر ط الماوردي أبو الحسن علي بن محمد االحكام السلطانية بيروت دار الفكر مروة حسين النزعات المادية في الفلسفة العربية اإلسالمية بيرون دار الفارابي ج 0 ط مفتاح محمد ما المفهوم الرباط منشوراتكلية اآلداب والعلوم اإلنسانية جامعة محمد الخامس قلد محمد علي المفكرون االجتماعيون بيروت دار النهضة العربية مكبافيلي نيقوال المطارحات تخيري حماد بيروت دار اآلفاق الجديدة ط مكيافيلي نيقوال األمير ت خيري حماد بيروت تونس دار الجيل و دار اآلفاق الجديدة ط
335 007 -ميتز آدم الحضارة اإلسالمية في القرن الرابع الهجري ت تونس\الجزائر الدار التونسية للنشر والمؤسسة الوطنية للكتاب ميثا فاروق الغزالي و االسماعيليون ت سيف الدين القصير بيروت دار الساقي ميخائيل حنا السياسة و الوحي الماوردي و ما بعده ت شكري رحيم بيروت دار الطليعة النقاري حمو المنهجية االصولية و المنطق اليوناني من خالل أبي حامد الغزالي و تقي الدين ابن تيمية الدار البيضاء الشركة المغربية للنشر والدة الدوريات:.0 بغورة الزواويب ين اللغة والخطاب والمجتمع مقاربة فلسفية اجتماعية انسانيات ع ماي/ديسمبر 0220 وهران مركز البحوث االجتماعية و االنتوبولوجية. 08/07.0 بن سعيد سعيد من قداسة السلطة الى تعاقد المواطنين الفكر العربي المعاصر ع سبتمبر/أكتوبر 0998 بيروت المركز االنماء القومي. 57/56.3 حميش سالم الغزالي بين فكر القطعيات وسياسة االقطاع الفكر العربي المعاصر ع سبتمبر/أكتوبر 0988 بيروت المركز االنماء القومي. 58/ زايد أحمدميشال فوكو فلسفة القوة و القهر االجتماعي سلسلة كتب الطريق الى المعرفة الكتاب رقم 26 مجاة العربي الكويت الزواوي رضا مالحظات حول نظرية المجتمع ضد الدولة الفكر العربي المعاصر ع 57/65 سبتمبر/أكتوبر 0988 بيروت مركز االنماء القومي. سماحي احمد بوحجرة حضور المنطق اليوناني في العلم اإلسالمي السؤال التاريخي و السؤال الوظيفي مقاالت فلسفية ع 2 جوان 0202 جامعة مستغانم 0-3. المؤتمرات والندوات : جوزيب بويج مونتادا ابن سينا ومصادر تهافت الفالسفة ضمن أعمال ندوة" ماي, 0200 تونس المجمع التونسي للعلوم و اآلداب والفنون. 0-2.الرسائل الجامعية: الغزالي اليوم لماذا 00/07 سماحي احمدبوحجرة )تاريخية المنطق العربي اإلسالمي( اشراف د بوخاري حمانة 99/23/29 قسم الفلسفة جامعة وهران غير منشورة. - 0 باللغة الفرنسية: 1- Aristote.La politique t par J Tricot Paris Bouthoul Gaston Ibn khaldoun Sa philosophie sociale Paris Librairie Orientaliste Paul Guether
336 3- Frédéric, Gros, Michel Foucault, Paris, P U F, 4- Foucault. M, Archéologie du Savoir, paris Gallimard Koyré, Alexandre, Etude d histoire de la pensée scientifique, Paris P U F, Labicat, G Politique et Religion chez Ibn Khaldoun essai sur l idéologie Musulmane Algérie, S N E D Weber, Max le savant et le politique t par Raymond Aaron, Paris Union Générale D édition المواقع اإللكترونية: 336
337 فهرس الموضوعات: العنوان مقدمة:... الفصل المنهجي:... الفصل األول: في البدأ لم تكن السلطة مقاربة أنتروبولوجية... املبحث األول: املقال االنرتوبولوجي املضاد للدولة املبحث الثاين: االجتماع العريب قبل اإلسالم واملقال االنرتوبولوجي... الفصل الثاني: تفكير السلطة في تاريخ الفكر الفلسفي... املبحث األول: السلطة يف فكر املدينة اليونانية... املبحث الثاين: السلطة يف العصر الوسيط من "مدينة اهلل" اىل قانون "العصبية" اخللدوين... املبحث الثالث: حنو علمنة السلطة يف العصر احلديث... املبحث الرابع: السلطة على حنو آخر يف الفكر املعاصر... الفصل الثالث: السلطة واشكالية الممارسة المعرفية في التجربة اإلسالمية... املبحث األول: من السيادة العليا اىل السلطة... املبحث الثاين: من السلطة اىل السيادة العليا... املبحث الثالث: العامل يف اإلسالم من احملنة اىل املهنة... الفصل الرابع: النظام العباسي نظام الخالفة والدولة السلجوقية... املبحث األول: الدولة العباسية من الثورة إىل الدولة... املبحث الثاين: السالجقة العقيدة العسكرية ومشروع»االحياء السين"... الفصل الرابع: الغزالي بين التزامات العالم والزامات السلطان... املبحث األول: من "نيسابور" اىل بغداد مسرية ووجهة عامل... املبحث الثاين: مقاصد الفالسفة ومقاصد الغزايل... املبحث الثالث: املنطق آلة علم أم آلة حرب وسجال... املبحث الرابع: فضائح وفضائل... املبحث اخلامس: السلطة واملعرفة بعد الغزايل املصري واملآل... الخاتمة :... المصادر والمراجع :... ص أ
338 338
نقد الحداثة الغربية عند طه عبد
جامعة قاصدي مرباح ورقلة كلية العلوم اإلنسانية واالجتماعية قسم العلوم االجتماعية مذكرة تخرج لنيل شهادة ماستر أكاديمي في الفلسفة ميدان العلوم اإلنسانية شعبة الفلسفة تخصص تاريخ الفلسفة إعداد الطالب : جوادي
Sidesynet gjør at jeg ikke trenger å flytte blikket i veikryss. Sidesynet gjør at jeg ikke trenger å se i blindsonen
ماذا تعني اشاره 1-Hva betyr det at en blå versallampe lyser i bilens الضوء الزرقاء في السياره Instrument? Håndbremsen er på Bremsene er ustand الضوء العالي ضوء الليل Fjernlyse er på Dødgang på rattet er
Eksamen FSP5813 Arabisk II PSP5508 Arabisk nivå II. Nynorsk/Bokmål
Eksamen 22.05.2017 FSP5813 Arabisk II PSP5508 Arabisk nivå II Nynorsk/Bokmål Nynorsk Eksamensinformasjon Eksamenstid Hjelpemiddel Eksamen varer i 5 timar. Alle hjelpemiddel er tillatne, bortsett frå Internett
Between the Need of Hiding the Truth Signification and the Duty of its Elucidation, According to Maimonides
135 محمد المصباحي * ** Mesbahi Mohamed التمثيل والتأويل بين ضرورة اإلخفاء وواجب التبيين الداللي لدى ابن ميمون Allegories and Interpretation Between the Need of Hiding the Truth Signification and the Duty
1 ماي يوم كفاح العمال العالمي
1. mai Arbeidernes internasjonale kampdag 1 ماي يوم كفاح العمال العالمي Første mai er fridag for alle verdens arbeidere. På denne dagen samler arbeidere seg og demonstrerer om viktige saker for arbeiderne.
ANTALYA HOTELS CITY LIVE HOTEL
4 انطاليا 3 ليالي ايام ابتداء من 21 تموز الى 11 ايلول كل يوم ثالثاء فترة العيد ال تباع ٣ ليالي االسعار بالدينار االردني طفل بدون سرير 06-02 الطفل 12-06 الفترة الى من - اسماء الفنادق الشخص في الغرفة المزدوجة
من رسق بيضه عيد الفصح. Hvem har stjålet påskeegget?
من رسق بيضه عيد الفصح Hvem har stjålet påskeegget? Norsk Mysterium Påskeegg Detektiv Mistenkt Vitne Spor Solbriller Bevis Skyldig Arabisk لغز بيضه عيد الفصح مخبر /محقق مشتبه به /مشكوك به شاهد اثر /قرينه
3as.ency-education.com
املوضوع األول / 710 : بكالوراي / تقين رايضي : الشعبة / ) التكنولوجيا (هندسة مدنية : اإلجابة النموذجية ملوضوع اختبار مادة العالمة مجزأة مجموع ) عناصر اإلجابة (الموضوع األول F 60 KN F 60 KN F 0KN D E β G
2 أنماط األسرة وطرق التعايش مراسيم دورة الحياة واألعياد 5 حقوق األطفال ودور الوالدين 8 الديموقراطية والقيم
3 المساواة والحماية من التمييز 2 أنماط األسرة وطرق التعايش مراسيم دورة الحياة واألعياد 1 موضوعات الحياة اليومية واالختالط االجتماعي 6 العنف في إطار العالقات القريبة 9 تهديدات ضد الديموقراطية 5 حقوق األطفال
Ordliste for TRINN 3
Ordliste for TRINN 3 (utviklende matematikk-oppgavehefter 3Aog 3B- refleksjonsord som kan hjelpe å forstå oppgaver) Bok og side Ord på norsk Forklaring på norsk/synonym/illustrasjon Oppgavehefte 3A I oppgavetekstene
القرآن المعجز لعالم الالهوت الدكتور: جاري مللر ال يمسه اال المطهرون.
القرآن المعجز لعالم الالهوت الدكتور: جاري مللر ال يمسه اال المطهرون www.rasoulallah.net المحتويات 7 8 9 10 12 13 14 15 16 17 18 18 20 22 23 25 القرآن الرائع بقلم»د. جارى ميللر«.. مقدمة عن البحر أدق األشياء
نحو تفكيك الفكر المتطرف
قضايا التجديد نحو تفكيك الفكر المتطرف الخلل في فهم القرآن الكريم تمهيد وتقسيم: ابتليت األمة اإلسالمية والعالم أجمع في الثمانين عام ا الماضية بجماعات وتيارات انتسبت لإلسالم وحاولوا أن يفرضوا فهما لنصوص
الجمهورية العربية السورية وزارة التربية إعداد الطالب: محمد األحمد إشراف المدرس: دريد قادرو. Written by: M.AlAhmad Supervisor:Mr.
الجمهورية العربية السورية وزارة التربية المركز الوطني للمتميزين 2015\11\15 م إعداد الطالب: محمد األحمد إشراف المدرس: دريد قادرو Written by: M.AlAhmad Supervisor:Mr.Duried Kadro بسم هللا الرحمن الرحيم المقدمة
Digital Library Unit.
Digital Library Unit www.eul.edu.eg احتاد املكتبات اجلامعية املصرية Egyptian University Libraries Consortium استخدام املكتبات التقليدية فهارس المكتبات ما هى المعلومات التى نحصل عليها عند البحث فى فهارس
محضر الاجتماع الذي عقد في الخامس من مارس 2010 من الساعة العاشرة صباح ا وحتى الساعة الواحدة بعد الظهر بروكسل
الجمعية البرلمانية الا ورومتوسطية مجموعة العمل حول تمويل الجمعية ومراجعة قواعد إجراءات الجمعية البرلمانية الا ورومتوسطية DMED_PV(2010) محضر الاجتماع الذي عقد في الخامس من مارس 2010 من الساعة العاشرة صباح
أثر المستجدات التقنية والمجتمعية في األحكام الشرعية
عرض رسالة ماجستير: أثر المستجدات التقنية والمجتمعية في األحكام الشرعية يشهد العالم المعاصر تقدم ا تقني ا وعلمي ا هائال في ثورة المعلومات واالتصاالت وغيرها من مناحي الحياة األمر الذي أحدث تغير ا كبير ا
ما معنى كلمة )آية( في القرآن الكريم
ما معنى كلمة )آية( في القرآن الكريم سبق أن عرضنا تفسري اآلية السابعة من سورة آل عمران من تفسري املنار وهي اآلية التي ت تخذ مستندا عىل انقسام آيات القرآن إىل محكم ومتشابه ونقلنا قول الشيخ رشيد عام قيل يف
Hjerteliv.no. Demensliv.no صحتك هي قضیتنا األساسیة!
Din helse vår hjertesak! Nasjonalforeningen for folkehelsen er en frivillig, humanitær organisasjon, med helselag og demensforeninger over hele landet. Vårt mål er å bekjempe hjerte- og karsykdommer og
الديموقراطية والدكتاتورية. Demokrati og diktatur الديموقراطية الشعب هو الذي يملك السلطة. Demokrati - Bestemme sammen
Demokrati og diktatur Demokrati - Bestemme sammen Demokrati, også kalt folkestyre, er en betegnelse på en styreform hvor folket har muligheten til å delta i viktige beslutninger. Muligheten til å påvirke
إلى من يود معرفة المزيد عن سلس البول
إلى من يود معرفة المزيد عن سلس البول مركز السلس في فسترا جوتاالند النصوص Inkontinenscentrum i Västra Götaland كايسا لوندباري الصور نائل يوسف طوقان مترجم قانوني محلف الترجمة والتعريب Svensk Information
الطريق الى تحرر المرأة
1 الطبعة الثانية: نيسان/ إبريل 2014 جميع حقوق الطبع و النشر محفوظة مركز: فؤاد نصار لدراسة التنمية تلفاكس: ايميل: 02 2963 593 [email protected] تصميم و إخراج فني : مالحظة: البحث ال يعبر بالضرورة عن مؤسسة روزا
الدرس الثامن والثالثون توقع أسعار العمالت Forecasting
1 الثالث الباب تحليل وتوقع أسعار العمالت 2 الدرس الثامن والثالثون توقع أسعار العمالت Forecasting مقدمة : البد انك استنتجت في فهمك ألساس المتاجرة بنظام الهامش أنة الطريقة األسرع لتحقيق أرباح هائلة تفوق
1- التعداد النقطي والتعداد الرقمي : يمكن عمل تعداد رقمي ونقطي وذلك من خالل شريط ادوات التنسيق او من قائمة تنسيق واختيار األمر تعداد رقمي أو نقطي.
1- التعداد النقطي والتعداد الرقمي : يمكن عمل تعداد رقمي ونقطي وذلك من خالل شريط ادوات التنسيق او من قائمة تنسيق واختيار األمر تعداد رقمي أو نقطي. حيث يمكننا أن نختار التعداد الذي يناسبنا من النافذة السابقة.
المصطلح العلمي في كتاب علوم الطبيعة والحياة السنة الثالثة ثانوي دراسة لغوية
الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية وزارة التعليم العالي والبحث العلمي جامعة محمد خيضر بسكرة الماستر كلية اآلداب واللغات قسم اآلداب واللغة العربية المصطلح العلمي في كتاب علوم الطبيعة والحياة السنة
"التأثيرات الفسيولوجية والبدنية التى تصاحب الدورة الشهرية فى مراحلها المختلفة لدى عضوات البارألمبية"
"التأثيرات الفسيولوجية والبدنية التى تصاحب الدورة الشهرية فى مراحلها المختلفة لدى عضوات البارألمبية" ملخص البحث الشيماء محى الدين هنداوى امحمد الفيتورى حسن تكمن أهمية هذا البحث فى محاولة التعرف على تأثير
التطور الكبير الجزء المئة تصميمات كائنات تؤكد الخلق
التطور الكبير الجزء المئة وامثلة من تصميمات كائنات تؤكد الخلق Holy_bible_1 9/9/2018 نكمل باختصار شديدة بعض االدلة عن كيف ان الخلق والتصميم الذكي نجح في كل االختبا ارت العلمية التي تعرض لها في اثبات انه
( ) RCOOH(aq) + H O( ) RCOO (aq) + H O (aq) RCOOH(aq) + HO (aq) RCOO (aq) + H O( l) + H O (aq) + HO (aq) 2H O( l) (S 1) C V x. x f.
5 جدول تقدم التفاعل الحمض الكربوكسيلي مع الماء : l ROOH(aq) H O ROO (aq) H O (aq) llal ahdade www.chephysque.a Page تصحيح اإلمتحان الوطني الموحد للبكالوريا الدورة العادية شعبة العلوم الرياضية أ و ب مادة
كيف تنمي الشعور باالنتماء دون أن تفقد الشعور بالذات حول الهوية بين األطفال الذين ينشأون في ثقافات مختلفة.
كيف تنمي الشعور باالنتماء دون أن تفقد الشعور بالذات حول الهوية بين األطفال الذين ينشأون في ثقافات مختلفة. نبذة عن منظمة بالغون لرعاية األطفال: يحتاج األطفال في النرويج إلى بالغين لرعايتهم. ومنظمة بالغون
اإلنتاج والربح مصطلحات مهمة الفصل اخلامس األرباح وتشجيع االستثمار االنتاج والتكاليف حتليل التكاليف وتعظيم الربح توازن املنتج
الفصل اخلامس احملتوىات مصطلحات مهمة األرباح وتشجيع االستثمار االنتاج والتكاليف حتليل التكاليف وتعظيم الربح توازن املنتج الربح االيرادات التكاليف اإلنتاج احلدي قانون تناقص الغلة تكلفة االنتاج املثلى التكلفة
اللغة مهمة قم بها بشكل صحيح!
OPPVEKST اللغة مهمة قم بها بشكل صحيح! إرشادات لالولياء عندما يكرب الطفل يف محيط لغات عديدة ARABISK اللغة هي املفتاح لألصحاب املجتمع املدرسة املعرفة وجودة الحياة. دع طفلك يبدأ من وقت مبكر بتعلم اللغة الرنويجية
اإلطار الوطني للمؤهالت للتعليم العالي في المملكة العربية السعودية
الهيئة الوطنية للتقويم واالعتماد األكاديمي الهيئة الوطنية للتقويم واالعتماد األكاديمي NCAAA اإلطار الوطني للمؤهالت للتعليم العالي في المملكة العربية السعودية مايو 9002 اإلطار الوطني للمؤهالت للتعليم العالي
2:Hvor mange ganger kan bremselengden øke på våt. 3. Hvor mange ganger beveger bilen seg i løpet av ett
2:Hvor mange ganger kan bremselengden øke på våt كمم تززيیدد مسافهھ االكبح على االططرريیقق االمبتلهھ asfalt? Asfalt i forhold til tørr Fem Fire Tre ضعفيینن To 3. Hvor mange ganger beveger bilen seg i løpet
6.Du ønsker å kjøre forbi varebilen som holder omtrent 60 km/t,
6.Du ønsker å kjøre forbi varebilen som holder omtrent 60 km/t, تريد التجاوز عن السياره املقابله تسير بسرعه ٦٠ كم في الساعه riktig? hva er Alt ligger rette for en trygg forbikjøring يجب االنتظار والتجاوز
Eksamen FSP5810 Arabisk I PSP5506 Arabisk nivå I شايف أنا فين. Nynorsk/Bokmål
Eksamen 19.05.2017 FSP5810 Arabisk I PSP5506 Arabisk nivå I شايف أنا فين Nynorsk/Bokmål Nynorsk Eksamensinformasjon Eksamenstid Hjelpemiddel Eksamen varer i 5 timar. Alle hjelpemiddel er tillatne, bortsett
الشروط المرجعية المباد ارت الصغرى لمنظمات المجتمع المدني في شمال افريقيا
االتحاد الدولي لصون الطبيعة )IUCN( الشروط المرجعية لتوظيف مستشار مدرب في الم ارجعة المالية لمشاريع مؤسسات مجتمع مدني في إطار برنامج المباد ارت الصغرى لمنظمات المجتمع المدني في شمال افريقيا ليبيا. جهة العمل
في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها العالم حيث تفشى الا رهاب وأضحى ظاهرة المجتمعات والدول لا تفرق بين عرب وعجم ومسلم وغير مسلم.
دور الجامعات في الوقاية من الا رهاب قام بالتغطية : ا ستاذ: محمود الفشني مدير التحرير في هذه الظروف العصيبة التي يمر بها العالم حيث تفشى الا رهاب وأضحى ظاهرة المجتمعات والدول لا تفرق بين عرب وعجم ومسلم
Arabisk نبذة عن داء الص ع
Arabisk نبذة عن داء الص ع HVA ER EPILEPSI? Et epileptisk anfall er uttrykk for en forbigående funksjonsforstyrrelse i hjernen. Dette skyldes en plutselig og ukontrollert forstyrrelse av hjernebarkens elektriske
أسئلة متكررة حول لم شمل عائالت الالجئين السوريين/ الالجئات السوريات الموضوع: الحق في لم الشمل العائلي
أسئلة متكررة حول لم شمل عائالت الالجئين السوريين/ الالجئات السوريات الموضوع: الحق في لم الشمل العائلي من هم األشخاص الذين لهم الحق في لم الشمل العائلي يقتصر لم الشمل العائلي من حيث المبدأ على أعضاء العائلة
شكر و تقدير الحمد هلل الذي أنار لنا درب العلم والمعرفة وأعاننا على إنجاز هذا العمل في إتمام هذا البحث.
جامعة عبد الرحامن ميرة جباية لكية احلقوق والعلوم السياسية قسم القانون اخلاص أأثر الرد ة عىل عقد الزواج دراسة مقا نرة بني الفقه الساليم وقانون الأرسة اجلزائري وبعض ترشيعات الأحوال الشخصية العربية مذكرة
مراجعة األحباث العلمية
مراجعة األحباث العلمية اهلدف: انشاء نظام الكرتوين وحتكيمها بشكل الكرتوين. ملراجعة األحباث العلمية يتم من خالله تقدمي االحباث العلمية للنشر مثال: نظام مراجعة األحباث العلمية بكلية الطب جامعة املنصورة http://irb.mans.edu.eg
استراتيجية الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ )IPCC( لالتصاالت
مقدمة اعتمدتها الهيئة استراتيجية الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ لالتصاالت في الدورة الخامسة والثالثين )جنيف 9-6 حزيران/ يونيو 01( وع دلت في الدورة الرابعة واألربعين )بانكوك 0-17 تشرين األول/
* فضل الا يام العشر :
* مقدمة : الحمد لله الذي أنعم علينا بنعمة الا سلام والصلاة والسلام على من بعثه الله تعالى بشيرا ونذيرا وسراجا م نيرا للناس كافة وعلى آله وصحبه أجمعين والتابعين وتابع التابعين إلى يوم الدين أما بعد فتمتاز
المركز السعودي لمعلومات الشبكة
المركز السعودي لمعلومات الشبكة نشرة تعريفية دأبت مدينة الملك عبدالعزيز للعلوم والتقنية منذ تا سيسها تحقيقا للا هداف التي رسمت لها على نقل التقنية والاستفادة القصوى منها وتطويعها لخدمة البحث والباحثين والمجتمع
نم لك ىلإ ىلإ ض رعت ةميرج
إلى كل من تعر ض إلى جريمة 1 إلى كل من تعر ض إلى جريمة سلطة دعم ضحايا الجرائم 2015 الرسوم: ماريا فال Wall( )Maria الترجمة من اللغة السويدية إلى العربية: فهد الملقي إنتاج مؤسسة بالكات )Plakat( مطبعة City(
حق العاملين في شركات األموال
حق العاملين في شركات األموال في حصة من االرباح وجواب سؤال األوراق سلسلة )5( القانونية مقدمة: تنظم القوانين على التي تحكم شركات األموال كيفية توزيع االرباح السنوية التي تحققها تلك الشركات بمختلف انواعها
تقرير حلقة بحث بعنوان: زعيم الغزل الحضري عمر بن أبي ربيعة
تقرير حلقة بحث بعنوان: زعيم الغزل الحضري عمر بن أبي ربيعة تقدمي الطالبة: رؤى ديب. الصف: الثاين الثانوي. العام ادلرايس: 2016/2015 ارشاف: املعلمة تغريد مشعل. مخطط البحث: المقدمة واإلشكالية. الباب األول:
تنفيذ حكم التحكيم االجنبي الباطل
تنفيذ حكم التحكيم االجنبي الباطل مداخلة من اعداد االستاذة بن عثمان فريدة جامعة سعد دحلب البليدة مقدمة على الرغم من اد ارك الدول ألهمية التحكيم و ما يحققه من م ازيا من خالل اعت ارف المشرع إل اردة الفرد
أجهزة المساحة جهاز التديوليت يستخدم لقياس الزوايا الداخلية للمضلع كما يمكنه قياس األطوال بين النقط.
جهاز التديوليت يستخدم لقياس الزوايا الداخلية للمضلع كما يمكنه قياس األطوال بين النقط. ضبط أفقية الجهاز : لضبط األفقية يوجد ثالث مسامير إثنان منهم على هيئة قاعدة مثلث والثالث راس المثلث مسماري القاعدة يتحركا
ا ذن ADB=ABD و BDC=DBC و BC=DC C A
طرق تدريس رياضيات الفرقة الثالثة كلية التربية شعبة الرياضيات ترم ا ول استراتيجيات البرهان الاستدلالي ا ن البرهان كمفهوم ناضج في الرياضيات يعني سلسلة من التقارير المتصلة والموجهة نحو ا ثبات صحة استنتاج
على هذه الوسيلة ونسعى إىل تطويرها.
احلمد هلل الذي له احلمد كله وله الفضل كله وله اخللق واألمر كله احلمد هلل الذي أنزل كتابه املبني هداية للعاملني ونورا للمؤمنني وحمجة للسالكني وحجة على خلقه أمجعني والصالة والسالم على نبيه األمني حممد وعلى
صحة جيدة من دون الغلوتين
صحة جيدة من دون الغلوتين معلومات حول الحس اسية من الغلوتين Frisk uten gluten INFORMASJON OM GLUTENINTOLERANSE NORSK CØLIAKIFORENING 1 Utgitt av Norsk cøliakiforening Oversatt til arabisk: Norsk språkservice
(IPCC) (2011 (كوبنھاغن الدانمرك (2014
سياسة الھيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) المتعلقة بتضارب المصالح اعت مدت في الدورة الرابعة والثالثين للھيئة (IPCC) (كمباال أوغندا وأ دخلت تعديالت على المرفق باء في الدورة األربعين للھيئة
áñ üdg á«wgôقáódg :ÜÉàµdG àfódقéل ájöüe ájdhq ùfƒàdgس«qécم ëj»ى ÊÉ eq Oƒ سùe :ËóقJ 35 ìóصue G ÉjÉ b Sسلùسلá : ÉسùfE G ƒقm äéسsgqód IôgÉقdG õcôe :ötéæd
áñ üdg á«wgôقáódg àfódقéل ájô üe ájdhq ùfƒàdgس«1 áñ üdg á«wgôقáódg :ÜÉàµdG àfódقéل ájöüe ájdhq ùfƒàdgس«qécم ëj»ى ÊÉ eq Oƒ سùe :ËóقJ 35 ìóصue G ÉjÉ b Sسلùسلá : ÉسùfE G ƒقm äéسsgqód IôgÉقdG õcôe :ötéædg
المشاركة السياسية للمرأة
المشاركة السياسية للمرأة المشاركة السياسية للمرأة إعداد د. هويدا عدلى مؤلف ومحرر منى عزت أحمد فوزى د. ريهام باهى د. مروة نظير Egypt Office المشاركة السياسية للمرأة إعداد: هويدا عدلى )مؤلف ومحرر( المؤلفون:
õa ìûa@bîôíšïþ@ïbþa@ èè½a@ lìu@oãc@ƒî @òèßbu@ òîçbànuüaë@òí b nóüa@püìznûa@tì @n«(lartes IFAN) BP. 206 IFAN DAKAR- Sénégal - Camp Jérémy. Tel: 33-825-92-32 @ @ @@č@fl@ž@ Š@j@n@ Ž@ @@ @à@ûa@ž@@ @Ýî@Ûč@
الخطة اإلست ارتيجية مركز االعتماد وضمان الجودة الجامعة األردنية
الخطة اإلست ارتيجية مركز االعتماد وضمان الجودة الجامعة األردنية ) 108-102 ( المحتويات 0 المقدمة الرؤية الرسالة القيم الجوهرية 2 المجاالت الرئيسية 4 التحليلي الرباعي (SWOT( أهداف المركز اإلست ارتيجية األط
صفعة في وجه العدالة: عقوبة اإلعدام في المملكة العربية السعودية المحتويات 1 /مقدمة 5 2 /تحدي العالم 7 3 /العملية القانونية: سرية وموجزة وجائرة 17
المحتويات 1 1 /مقدمة 5 المبادرات القانونية ومبادرات حقوق اإلنسان 7 2 /تحدي العالم 7 نطاق عقوبة اإلعدام 11 حجم عمليات اإلعدام 13 المذنبون األطفال المحكوم عليهم باإلعدام 16 3 /العملية القانونية: سرية وموجزة
النماذج النظرية المفسرة للضبط الاجتماعي ا. مشري زبيدة د لياس شرفة سنة 1924 و سذرلاند
النماذج النظرية المفسرة للضبط الاجتماعي ا. مشري زبيدة د لياس شرفة جامعة سكيكدة جامعة الطارف ملخص: حظي موضوع الضبط الاجتماعي باهتمام علماء التربية والاجتماع وعلم النفس لصلته الوثيقة بتنظيم ا تمعات وحياة
جامعة محمد خيضر قطب شتمة- كلية العلوم االنسانية واالجتماعية قسم العلوم اإلنسانية شعبة التاريخ لنيل شهادة الماستر في التاريخ المعاصر
جامعة محمد خيضر قطب شتمة- كلية العلوم االنسانية واالجتماعية قسم العلوم اإلنسانية شعبة التاريخ عنوان المذكرة: مكملة مذكرة لنيل شهادة الماستر في التاريخ المعاصر إعداد الطالبة : سبع شافية تحت إشراف الدكتور:
2 Familiestrukturer og samlivs-former, høytider, merkedager og livsfasesermonier. 5 Barn og foreldrerollen. 8 Demokrati og verdier
1 موضوعات الحياة اليومية واالختالط االجتماعي 2 Familiestrukturer og samlivs-former, høytider, merkedager og livsfasesermonier 3 Likestilling 4 Helse, med særskilt vekt på seksuell helse og rusmiddelmisbruk
ال أحد يعلم ما يجري في منزلي. أنا وحدي أشعر بألمي.
Arabisk الحقوق القانونية ومساعدة األشخاص الذين تعرضوا ألفعال إجرامية في النرويج إذا كنت عرضة ألفعال إجرامية متمث لة بالعنف الجسدي و/أو النفسي أو التحر ش الجنسي أو الزواج القسري أو ختان اإلناث أو االتجار
الشروط واألحكام العامة لمعهد جوته القاهرة
الشروط واألحكام العامة لمعهد جوته القاهرة الشروط واألحكام العامة لمعهد جوته القاهرة السن: يمكن للدارسين فوق السادسة عشرة عاما االلتحاق بدو ارت تعليم اللغة األلمانية بمعهد جوته والبد للمتقدمين للد ارسة
حرية تداول المعلومات دراسة قانونية
حرية تداول المعلومات دراسة قانونية الطبعة الثانية 2013 برنامج الحق في المعرفة حرية تداول المعلومات دراسة قانونية الطبعة الثانية 2013 فريق عمل الطبعة االوىل 2011 قام أحمد عزت مدير الوحدة القانونية بإعداد
هل أنت صبی ولديك أسئلة حول ختان اإلناث.
هل أنت صبی ولديك أسئلة حول ختان اإلناث www.nkvts.no ما هو ختان اإلناث يشمل ختان اإلناث العديد من المداخالت الجراحية حيث يتم تغییر أو استئصال أجزاء من األعضاء التناسلية للفتيات. هناك نوعان رئيسيان: 1)1
+ وفي القاهرة سانا فان بيرغ بيان تمهيدي لمركز كارتر حول انتخابات مجلس الشورى في مصر
للنشر الفوري 82 فب ارير 8108 0 515 581 لالتصال: في أطالنطا ديبو ار هيكس 4085 + وفي القاهرة سانا فان دين +81 بيرغ 0101736600 بيان تمهيدي لمركز كارتر حول انتخابات مجلس الشورى في مصر بينما يعمل البرلمان المصري
الباب األول : وصف المعهد : مادة )3( : اسم المعهد الفني للتمريض
الباب األول : وصف المعهد : مادة )1( : اسم المعهد الفني للتمريض مادة )( : المعهد أحد المؤسسات التعليمية الملحقة بالجامعة / وزارة التعليم العالي ويخضع إلشراف كلية التمريض التابعة للجامعة. مادة )3( : يمنح
طر ق حتسني إعدادات الفيسبوك لتناسب األطفال 14 كيفية تنظيم الفيس بوك 15 التسلسل الزمني 16 الصور ووضع إشارات عليها 22 التطبيقات 25 القوائم 27
نسخة منقحة - فبراير 2012 مقدمة 4 ما طبيعة موقع الفيسبوك 4 ما األنشطة التي يقوم بها املستخدم على الفيسبوك 5 ملاذا يستخدم األطفال موقع الفيسبوك 5 هل يتوفر األمان في موقع الفيسبوك 6 ما اخملاطر التي تنطوي
ةيبرعلا رصم ةيروهمج 1
جمهورية مصر العربية 1 2 ( الزمر / 76 ) ( الرعد / 2 ) ( أل عمران / )191 3 عنوان الكتاب: " منظومة الكون الكروي " األرض مركز الكون وليست أحد الكواكب والشمس مركز المنظومة الشمسية تدور حولها الكواكب المؤلف:
عدد قليل عدد كبير اليسار اليمين االعلى
Ord og begreper Norsk Morsmål: Tegning (hvis aktuelt) Få عدد قليل Mange عدد كبير Venstre اليسار Høyre اليمين Øverst االعلى Nederst االسفل Lite كمية قليلة Mye كمية كبيرة Flest االكثر Færrest االقل Oppe
)األهداف ومؤشرات األداء(
رؤية مصر 2030 )األهداف ومؤشرات األداء( لمزيد من المعلومات يرجى زيارة موقع وزارة التخطيط HTTP://WWW.MOP.GOV.EG/VISION/EGYPTVISION.ASPX الثقافة لتحقيق األهداف والغايات المختلفة الستراتيجية التنمية المستدامة
أقدم خريجي جامعة سوهاج 1975 م== أقدم أستاذ من خريجي الجامعة 1994 م
أقدم خريجي جامعة سوهاج 1975 م== أقدم أستاذ من خريجي الجامعة 1994 م السيرة الذاتية للدكتور/ حسام الدين محمد مازن أستاذ المناهج وطرق التدريس وتكنولوجيا التعليم وكيل كلية التربية بسوهاج لشئون التعليم والطالب)سابقا(
الس عادة األبدي ة في اآلخرة ال تك ون إال بالعمل
قضايا التجديد أقل ما ي ل ز م به المسلم نف س ه ( ع ل م.. و ر ع.. يقين.. ذ ك ر ) الشيخ/ سمير محمد حسن الفار ( *( في الماضي كان العلماء أولياء وكانوا فريق ي ن: فريق ا للتعليم وفريق ا للتربية. فريق التعليم
نتعر ف على حمب ة الرب مع مار بولس
0 فأ) نتعر ف على حمب ة الرب مع مار بولس ساعة سجود أمام القربان املقد س وتأم ل يف الرسالة إىل أهل "أفسس".)8/2 "أل نك م بالن عمة مخ لصون باإلميان" دير طاميش في / 3 أيار /2018 نصل ي في هذه الس اعة من أجل
في شهر رمضان حقائق ونصائح مفيدة
تمت ع بصحة جيدة في شهر رمضان حقائق ونصائح مفيدة الفهرس 4 6 8 10 12 17 19 21 21 27 32 35 - مقدمة - الروحانية والطعام - ما الذي يمكن أن تحققه من خالل الصيام - التغي رات الفيزيولوجية التي تحدث أثناء الصيام
املركز الفلسطيني الستقالل احملاماة والقضاء العدالة والقانون
املركز الفلسطيني الستقالل احملاماة والقضاء»مساواة» العدالة والقانون Palestinian Center For The Independence Of The Judiciary And The Legal Profession "MUSAWA" املركز الفلسطيني الستقالل احملاماة والقضاء»مساواة«جمعية
برنامج اإلحتاد الدولي لصون الطبيعة مبنطقة شمال إفريقيا
برنامج اإلحتاد الدولي لصون الطبيعة مبنطقة شمال إفريقيا 2016-2013 مركز التعاون للمتوسط لإلحتاد الدولي لصون الطبيعة محاور الوثيقة جدول التسميات... 3 اإلطار العام... 4 تقدمي... 5 البرنامج العام لإلحتاد الدولي
زكاة الفطر هي: «إنفاق مقدار معلوم قبل صلاة عيد الفطر عن كل فرد مسلم يعيله في مصارف مخصوصة» (١).
جواز ا خراج القيمة في زكاة الفطر أ.د / رضا عبد المجيد المتولي( ) زكاة الفطر هي: «إنفاق مقدار معلوم قبل صلاة عيد الفطر عن كل فرد مسلم يعيله في مصارف مخصوصة» (١). وش رعت هذه الزكاة في السنة الثانية من الهجرة
منهجية اإلحصائية الفصل األول: مقدمة عامة.
النشرة السنوية المجمعة لبحث القوى العاملة 0 منهجية اإلحصائية الفصل األول مقدمة عامة من األهمية بمكان أن يلم مستخدم اإلحصاءات الرسمية بكافة األساليب والطرق والمنهجيات التي اتبعت في إنتاج هذه اإلحصائيات
وتأم ل أمام القربان املقد س تريزيا الطفل يسوع(. )القديسة "الطفولة" "لن أخاف إهل ا صار ألجلي صغري ا جد ا"
0 ساعة سجود مع القديسة وتأم ل أمام القربان املقد س تريزيا الطفل يسوع "الطفولة" "لن أخاف إهل ا صار ألجلي صغري ا جد ا" )القديسة تريزيا الطفل يسوع(. في / 4 تشرين األو ل /2018 نصل ي في هذه الس اعة أن من أجل
تقري ر االستقرار المالي
تقري ر االستقرار المالي 2012 دائرة األبحاث والسياسات النقدية آب 2013 آب.2013 جميع الحقوق محفوظة. في حالة االقتباس يرجى اإلشارة إلى هذه المطبوعة كالتالي: سلطة النقد الفلسطينية 2013. تقري ر االستقرار المالي
المملكة المغربية المندوبية السامية للتخطيط المديرية الجهوية فاس جهة فاس بولمان يوليوز 2102
i ii المملكة المغربية المندوبية السامية للتخطيط المديرية الجهوية المونوغرافية االقتصادية واالجتماعية جهة بولمان يوليوز 2102 i الفهرس مدخل... 1 مقدمة... 3 الفصل األول : المؤهالت الطبيعية... 5 1.1.المناخ
عزالدين ميهوبي إعترافات تام سيتي 2 عين الزانة رواية ROMAN
عزالدين ميهوبي إعترافات تام سيتي 2039 2 عين الزانة رواية ROMAN عنوان الكتاب : اإعرتافات تام Sسيتي 2039 عنوان اجلزء :2 عني الزانة النوع : رواية املوؤلف :عز الدين ميهوبي الطبعة الأوىل : ديùسمرب 2007 املطبعة
منال بنت عمار بن اب ارهيم مزيو الشريف جامعة تبوك- المملكة العربية السعودية
املؤتمر الدولي الثاني للموهوبين واملتفوقين - تحت شعار "نحو استراتيجية وطنية لرعاية املبتكرين" برنامج رعاية الموهوبين بمدارس التعليم العام في المملكة العربية السعودية بين الواقع والمأمول بمنظور تربوي منال
أغادير 29 آانون الثاني /يناير
2011 الجلسة الافتتاحية الثانية أغادير 29 آانون الثاني /يناير تقرير جمعية في منطقة المتوسط ARLEM حول الا دارة المحلية للمياه CdR 61/2011 AR 2 تم تحضير هذا التقرير من قبل المقر ر السيد رامون لويس فالكاريل
تحرك عاجل يتصل بالمظاه ارت التي شهدتها القاهرة يوم 65 إبريل/نيسان 6102.
معلومات إضافية عن التحرك العاجل رقم: UA: 98/16 رقم الوثيقة: MDE 12/4022/2016 مصر التاريخ: 21 مايو/أيار 1122 تحرك عاجل القبض على أحد المدافعين عن حقوق اإلنسان في مصر ق بض على مالك عدلي وهو محام ومدافع عن
صدر يف عام 2018 عن منظمة األمم املتحدة للرتبية والعلم والثقافة
حس ان عب اس 1 2 التقليدية» من حلب عند بداية القرن العشرين. ونرى زجاجات الشمبانيا التي بطاقة بريدية ت ظهر موسيقيي «الحجرة وطبالن صغيران [ناكارا] وفلوت الدراويش [ناي] وآلة 3 أصوات مصحوبة بقانون وجيتار والكمان
بسم االله الرحمن الرحيم
بسم االله الرحمن الرحيم سلسلة عندما نطق السراة ط وف ان ن وح ب ي ن الحقيق ة والا وهام قسم الدراسات والبحوث جمعية التجديد الثقافية الاجتماعية مملكة البحرين الطبعة الا ولى 2005 2 3 المقدمة (ق ل س ير وا ف
Denne brosjyren er utgitt med økonomisk støtte fra: Sponsorene har ikke innvirkning på det redaksjonelle innholdet i brosjyren. Kontaktinformasjon:
Denne brosjyren er utgitt med økonomisk støtte fra: Sponsorene har ikke innvirkning på det redaksjonelle innholdet i brosjyren Kontaktinformasjon: DIABETESFORBUNDET Postboks 6442 Etterstad, 0605 Oslo Besøksadresse:
المؤتمر العربي السنوي العام األول واقع مهنة المحاسبة بين التحديات والطموح 61 ابريل 4162
المؤتمر العربي السنوي العام األول واقع مهنة المحاسبة بين التحديات والطموح بغداد جمهورية الع ارق 61 ابريل 4162 61 نموذج تقييم احتياجات بناء القد ارت لألجهزة العليا للرقابة المالية د ارسة حالة الجهاز المركزي
ASYLSØKERE I NORGE - Arabisk -
ط اءا و و ا ن ا ASYLSØKERE I NORGE - Arabisk - ي( Arabisk مقدمة أ عد ھذا المطبوع من قبل اإلرشاد القانوني للنساء(يورك ), JURK وھي مشروع مساعدة قانونية ومستقلة تديرھا طالبات في قسم القانون في جامعة أوسلو.
EDUARDO GALEANO EL FUTBOL, A SOL Y SOMBRA
كرة القدم في الشمس والظل إدواردو غاليانو ترجمة صالح علماني العنوان األصلي للكتاب: EDUARDO GALEANO EL FUTBOL, A SOL Y SOMBRA 3 ھذه الصفحات مھداة إلى أولئك األطفال الذين التقيت بھم كالي ا دي الكوستا. كانوا
مؤسسة التمويل الدولية بخصوص مصنع اإلسكندرية ألسمنت بورتالند )تيتان( في منطقة وادي القمر باإلسكندرية
إلى شكوى مؤسسة التمويل الدولية بخصوص مصنع اإلسكندرية ألسمنت بورتالند )تيتان( في منطقة وادي القمر باإلسكندرية تنص إصدارات مؤسسة التمويل الدولية على أن إطار المؤسسة المعني باالستدامة يحدد االلتزام االستراتيجي
الخاليا هي الوحدات االساسية التركيبية والوظيفية للكائنات الحية. الخاليا تأتي من خاليا
املحاضرة االولى مقدمة ونبذة تاريخية م.م مرتض ى غافل Cytology علم الخلية : Cytology هو العلم الذي يختص بدراسة خلية الكائن الحي من الناحيتين التركيبية والوظيفية. ويدعى حديثا بعلم حياة الخلية Cell-biology
دليل الحاكمية المؤسسية للبنك االستثماري INVESTBANK Corporate Governance Manual
للبنك االستثماري INVESTBANK Corporate Governance Manual قائمة المحتويات المقدمة... 4 الهدف من الدليل... 5 تعريفات عامة... 5 الفصل االول: مجلس ادارة البنك االستثماري... 8 اوالا: تشكيلة المجلس... 8 ثانيا:
وجه مألوف: العنف في حياة األطفال والمراهقين حقائق أساسية
وجه مألوف: العنف في حياة األطفال والمراهقين حقائق أساسية للمزيد من المعلومات عن البيانات وطرق الحساب الم ستخد مة انظر منظمة األمم المتحدة للطفولة "وجه مألوف: العنف في حياة األطفال والمراهقين" اليونيسف
الملحق 1 برنامج تعزيز القدرة على الصمود في الريف اليمني
الملحق 1 أنشطة وصف برنامج تعزيز القدرة على الصمود في الريف اليمني جدول المحتويات جدول المحتويات.. ملخص األنشطة.. السياق.. خلفية.. التطورات منذ مارس 2015.. آثر س بل كسب العيش المستدامة.... الفئات المستدامة..
